تخطي إلى المحتوى

مايكل هارت ومشروع غوتنبرغ: حكاية رجل أراد أن يجعل الأدب متاحاً للجميع

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٧ نوفمبر ٢٠٢٦
👁 8 مشاهدة 💬 0 تعليق
مايكل هارت ومشروع غوتنبرغ: حكاية رجل أراد أن يجعل الأدب متاحاً للجميع
حين تحوّل الحلم بمكتبة لا أبواب لها إلى واحد من أقدم المشاريع الثقافية على الإنترنت في عالم أصبحت فيه الكتب الإلكترونية جزءاً مألوفاً من حياتنا اليومية، وصار بإمكان القارئ أن يحمل مكتبة كاملة في هاتفه، قد يصعب علينا تخيّل أن هذه الفكرة كانت، قبل أكثر من نصف قرن، ضرباً من الخيال. لكن وراء هذا التحول رجل لم ينتظر أن تصبح التكنولوجيا جاهزة لتغيير عادات القراءة، بل قرر أن يستخدم إمكاناتها المتواضعة آنذاك لصنع مستقبل مختلف للكتاب. رجل أراد أن يجعل الأدب والمعرفة متاحين لكل إنسان، فسبق عصره وترك وراءه واحدة من أقدم المكتبات الرقمية في العالم. في عام 1971، لم يكن الإنترنت قد أصبح بعد جزءاً من حياة الناس، ولم تكن الكتب الإلكترونية فكرة مألوفة أو حتى احتمالاً يفكر فيه الناشرون. كانت الحواسيب آلات ضخمة ومكلفة، لا يستطيع الوصول إليها إلا عدد محدود من الباحثين والطلاب. ومع ذلك، في ذلك الزمن المبكر، خطر لرجل شاب أن الكتاب يمكن أن يتحرر من الورق، وأن المعرفة تستطيع أن تنتقل من شخص إلى آخر دون أن تتطلب مطبعة أو ناشراً أو وسيلة نقل. لم يكن ذلك الرجل صاحب شركة تقنية، ولا مستثمراً يبحث عن فرصة تجارية، بل طالباً جامعياً اسمه مايكل هارت، سيصبح لاحقاً أحد أبرز رواد النشر الإلكتروني، ويُعرف بلقب «جدّ الكتب الإلكترونية». لم يكن هدف هارت ابتكار وسيلة جديدة للقراءة فحسب، بل كان، بحسب ما أظهرته حياته وعمله، أبعد من ذلك بكثير: أراد أن يغيّر علاقة الإنسان بالمعرفة، وأن يجعل الأدب والتراث المكتوب متاحين للجميع، بصرف النظر عن أوضاعهم المادية أو أماكن إقامتهم. ومن هذه الرؤية وُلد مشروع غوتنبرغ (Project Gutenberg)، الذي بدأ بوثيقة أمريكية واحدة، ثم تحول إلى مكتبة رقمية تضم اليوم أكثر من 75 ألف كتاب مجاني. لحظة عابرة غيّرت تاريخ الكتاب وُلد مايكل ستيرن هارت في الثامن من مارس/آذار 1947 في مدينة تاكوما بولاية واشنطن الأمريكية. نشأ في أسرة ذات اهتمام بالمعرفة والتعليم؛ فقد كان والده يدرّس الأدب الشكسبيري في جامعة إلينوي، فيما عملت والدته في تدريس الرياضيات، بعد أن كانت قد عملت في فك الشفرات خلال الحرب العالمية الثانية. وانتقلت الأسرة إلى مدينة أوربانا في إلينوي عام 1958، حيث أمضى هارت جانباً من حياته قبل التحاقه بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين عام 1971. كان مهتماً بالتكنولوجيا وبالعلاقة بين الإنسان والآلة، وحصل على درجة جامعية بعد دراسته التي امتدت عامين تقريباً. لكن التجربة التي ستحدد مسار حياته لم تبدأ في قاعة محاضرات، بل في مختبر جامعي، وبسبب مصادفة صغيرة في يوم احتفال وطني. في الرابع من يوليو/تموز 1971، وهو يوم الاستقلال الأمريكي، حصل هارت على فرصة لاستخدام حاسوب مركزي ضخم في مختبر الأبحاث بجامعة إلينوي. وكانت قيمة وقت التشغيل الذي أتيح له كبيرة للغاية، حتى إن عليه أن يفكر في كيفية استثماره. وفي طريق عودته من احتفالات ذلك اليوم، وبينما كان يبحث في حقيبته عن شيء يأكله، عثر على نسخة من «إعلان الاستقلال الأمريكي»، كانت ضمن منشورات تاريخية وُزعت بمناسبة الاحتفال. يروي هارت أنه أمسك بالوثيقة، وراح يفكر فيما يمكن أن يفعله بالحاسوب ليترك أثراً يدوم أكثر من مجرد تجربة تقنية عابرة. وبعد تفكير، خلص إلى أن كتابة إعلان الاستقلال وتحويله إلى نص إلكتروني يمكن أن يكون أفضل ما يقدمه في تلك اللحظة. كتب الوثيقة بنفسه، كلمة كلمة، وأتاحها لمستخدمي الشبكة التي كانت تُعرف باسم «أربانت» (ARPANET)، وهي الشبكة التي سبقت الإنترنت بصورته المعروفة اليوم. لم تكن هناك أدوات مسح ضوئي أو برامج متطورة لتحويل الصفحات المطبوعة إلى نصوص، ولذلك اعتمد على الكتابة اليدوية، مستخدماً إمكانات محدودة للغاية. بل إن النسخة الأولى كُتبت بأحرف كبيرة فقط، لأن النظام الذي عمل عليه لم يكن يتيح له استخدام الأحرف الصغيرة. كانت تلك الوثيقة أول كتاب إلكتروني في مشروع غوتنبرغ، وربما لم يكن هارت يتصور أن مبادرته ستصبح نقطة تحول في تاريخ النشر. لكنه أدرك مبكراً أن النص الرقمي يتمتع بميزة لم تكن متاحة للكتاب الورقي: يمكن نسخه وتوزيعه على نطاق واسع دون تكلفة إضافية تُذكر. وما بدا يومها تجربة بسيطة كان يحمل في داخله تصوراً جديداً لمستقبل القراءة. لماذا اختار اسم غوتنبرغ؟ لم يكن اختيار اسم المشروع مصادفة أخرى. فقد أراد هارت أن يربط مبادرته بيوهانس غوتنبرغ، الذي ارتبط اسمه بابتكار الطباعة بالحروف المتحركة في أوروبا خلال القرن الخامس عشر. لقد أحدث غوتنبرغ تحولاً جذرياً في تاريخ المعرفة، إذ ساعدت الطباعة على انتشار الكتب وتجاوز محدودية النسخ اليدوية التي كانت تجعل الحصول عليها امتيازاً لا يتوفر للجميع. ورأى هارت أن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تؤدي دوراً مشابهاً، بل ربما أكثر اتساعاً؛ فكما نقلت الطباعة الكتاب من نطاق النسخ المحدودة إلى جمهور أوسع، تستطيع الشبكات الإلكترونية أن تنقله من المكتبات والمطابع إلى شاشات الحواسيب في مختلف أنحاء العالم. ومن هنا اتخذ مشروعه اسماً يحمل دلالة تاريخية واضحة: غوتنبرغ الأول حرّر الكتاب من قيود النسخ اليدوي، أما غوتنبرغ الجديد فسيحاول تحريره من قيود المكان والتكلفة والتوزيع. لم يكن هارت يسعى إلى إنشاء مكتبة تجارية أو منصة تنافس دور النشر، بل أراد توفير الأعمال التي أصبحت ضمن الملكية العامة، بحيث يستطيع أي شخص الوصول إليها وقراءتها دون مقابل. وكان يؤمن بأن الأدب لا ينبغي أن يكون حكراً على من يستطيع شراء الكتب أو الوصول إلى المكتبات الكبرى. سبعة عشر عاماً في مواجهة العزلة من السهل اليوم أن نتخيل مشروعاً رقمياً ينمو بفضل آلاف المتطوعين، لكن بدايات غوتنبرغ كانت مختلفة تماماً. فقد عمل هارت وحده سنوات طويلة، ولم يكن لديه فريق من المبرمجين أو المحررين أو المراجعين. كان يجلس أمام الحاسوب ويكتب النصوص بنفسه، ثم يتولى إتاحتها للآخرين. بعد إعلان الاستقلال، اتجه إلى رقمنة وثائق أمريكية تاريخية أخرى، من بينها خطاب تنصيب الرئيس جون كينيدي وخطاب أبراهام لينكولن الشهير في غيتيسبيرغ، ثم بدأ العمل على الكتاب المقدس، وأعمال أدبية كلاسيكية. وفي عام 1989، أصبحت نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس متاحة إلكترونياً ضمن المشروع، بعد سنوات من العمل عليها. وتشير الروايات المنشورة عن سيرته إلى أنه أنجز بنفسه 313 كتاباً قبل أن يبدأ المشروع مرحلة جديدة من التعاون الجماعي. وقد وصف تلك السنوات الطويلة بأنه كان «يحارب طواحين الهواء»، في إشارة إلى الصراع الذي بدا أحياناً مستحيلاً مع محدودية الإمكانات وضخامة المهمة. لكن نقطة التحول جاءت عندما بدأ التواصل مع مجموعة مستخدمي الحاسوب الشخصي في جامعة إلينوي. وبمساعدة زميله مارك زينزو، أنشأ هارت قائمة بريدية للتعريف بالمشروع، وبدأ يدعو الآخرين إلى المشاركة في رقمنة الكتب. وهكذا انتقلت الفكرة من جهد فردي إلى مبادرة جماعية، وبدأ عدد العناوين المتاحة يتزايد بوتيرة أسرع. كان ذلك نموذجاً مبكراً لما أصبح يُعرف لاحقاً بالعمل التعاوني المفتوح أو التعهيد الجماعي (Crowdsourcing)، حيث يساهم أفراد متفرقون في إنجاز عمل كبير، دون أن يكونوا موظفين في مؤسسة واحدة أو يعملوا تحت سقف واحد. وفي عام 2000، أُنشئت مؤسسة أرشيف مشروع غوتنبرغ الأدبي، وهي مؤسسة غير ربحية تولت الإطار المؤسسي للمشروع، فيما أُطلقت مبادرة «المراجعون المتطوعون الموزّعون» (Distributed Proofreaders)، التي أتاحت تقسيم عملية مراجعة الكتب بين عدد كبير من المتطوعين. وبدلاً من أن يتحمل شخص واحد مسؤولية مراجعة كتاب كامل، أصبح بإمكان عدة أشخاص العمل على صفحات مختلفة في الوقت نفسه، ومقارنة النصوص الرقمية بالصور الأصلية، وتصحيح الأخطاء قبل نشرها. وهكذا لم تعد المكتبة تعتمد على سرعة هارت وقدرته على الكتابة وحده، بل أصبحت ثمرة جهد جماعي يشارك فيه أشخاص من بلدان وخلفيات مختلفة، تجمعهم الرغبة في حفظ الكتب وإتاحتها. رجل لم يكن المال جزءاً من حلمه ربما يكون الجانب الإنساني في شخصية مايكل هارت أكثر إثارة من إنجازه التقني نفسه. فقد عاش حياة شديدة البساطة، ولم يكن مهتماً بجمع المال أو بتحويل ابتكاره إلى ثروة شخصية، على الرغم من أنه كان يستطيع أن يرى في فكرة الكتاب الإلكتروني فرصة تجارية هائلة. في مقابلة أجريت معه عام 2006، تحدث عن عاداته اليومية بأسلوب يكشف عن شخصية لا تشبه الصورة المعتادة لرائد أعمال يسعى إلى النجاح المادي. كان يستقل الدراجة في معظم تنقلاته، ويرتدي ملابس يشتريها من متاجر السلع المستعملة، ولا يشترك في خدمات التلفزيون المدفوع، ولم يكن يملك هاتفاً خلوياً. كما ذكر أن إنفاقه على وجبة العشاء نادراً ما يتجاوز خمسة دولارات. وعندما سُئل عن موقفه من المال، أوضح أنه لم يتبنَّ منظومة الإنفاق والاستهلاك التي ينشغل بها كثيرون، وأنه لا ينفق على أشياء لا تمثل أهمية بالنسبة إليه. لم يكن ذلك مجرد تقشف اقتصادي، بل انعكاساً لطريقة تفكير جعلت المشروع يحتل مكانة مركزية في حياته. لقد أمضى سنوات طويلة في العمل دون راتب منتظم أو عائد مادي يوازي حجم الجهد الذي يبذله. وكان يعتمد على أعمال متفرقة لتأمين نفقاته، كما ساعده تعيين أكاديمي غير مدفوع الأجر في إحدى الكليات على التواصل مع الجهات التي يمكن أن تقدم الدعم للمشروع. ومن الصعب قراءة هذه التفاصيل دون التساؤل عما كان يمكن أن يحدث لو تعامل هارت مع فكرته بمنطق الاستثمار التجاري. ربما كان سيصبح مؤسس شركة تقنية ناجحة، وربما كانت حقوق استخدام الكتب الإلكترونية ستتحول إلى مصدر ثروة. لكنه اختار مساراً آخر، وبقي مخلصاً لفكرة أن القيمة الحقيقية للإنجاز تكمن في عدد الأشخاص الذين يستفيدون منه، لا في مقدار المال الذي يدرّه على صاحبه. حين اصطدمت حرية المعرفة بقوانين الملكية الفكرية لم تكن رحلة المشروع خالية من العقبات، بل واجه هارت تحديات قانونية متكررة تتعلق بحقوق النشر والملكية الفكرية. فالمكتبة لا تضم كل ما يرغب القائمون عليها في نشره، وإنما تركز على الأعمال التي أصبحت ضمن الملكية العامة وفق القوانين الأمريكية، أو التي حصل المشروع على إذن مناسب لإتاحتها. وكان هارت يرى أن البحث القانوني اللازم للتأكد من وضع كل كتاب يمثل أحد أكبر الأعباء التي تواجه المشروع. كما تحدث عن التهديد المستمر بالدعاوى القضائية، وهي مشكلة ظلت تلاحق المبادرة رغم طبيعتها غير الربحية. ومن أكثر الأمثلة دلالة على ذلك قانون تمديد مدة حماية حقوق النشر الأمريكي لعام 1998، المعروف باسم قانون سوني بونو. فقد أدى إلى تمديد مدة الحماية عشرين عاماً، الأمر الذي أجّل انتقال عدد كبير من الأعمال إلى الملكية العامة. وكان لذلك أثر مباشر في عمل هارت؛ إذ قضى المشروع سنوات طويلة في إعداد نسخة من الأعمال الكاملة لشكسبير، على أمل أن تصبح متاحة ضمن الملكية العامة، لكن تغيير القانون أجّل إمكانية نشرها وفق التصور الذي عملوا عليه. تكشف هذه الحادثة عن مفارقة تستحق التأمل: فبينما كانت التكنولوجيا تفتح أبواباً غير مسبوقة أمام انتشار الكتب، كانت القوانين قادرة على إغلاق بعض تلك الأبواب أو تأجيل فتحها. ولم يكن هارت يدعو إلى تجاهل حقوق المؤلفين، بقدر ما كان يدافع عن أهمية إيجاد توازن يتيح للأعمال الأدبية أن تصبح، بعد انقضاء مدة حمايتها، جزءاً من التراث الثقافي المشترك. واليوم بعد مرور خمسين عاماً على الكتب الإلكترونية (1971–2021)، ترد العبارة الآتية في الموقع: «ينبغي أن تتاح للجميع إمكانية الوصول المجاني وغير المحدود إلى أدب العالم، في أي وقت يشاؤون، ومن خلال خيارات متنوعة للقراءة والتنسيقات ووسائل التوصيل. فالأدب، كما قال هارت، "ينبغي أن يكون حراً كالهواء الذي نتنفسه".» ومن الضروري هنا التمييز بين إتاحة الكتب المجانية واحترام حقوق أصحابها؛ فالمشروع لا يقوم على نشر كل كتاب دون إذن، وإنما على اختيار الأعمال التي يسمح وضعها القانوني بإتاحتها. كما أن انتهاء الحماية في الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة انتهاءها في جميع البلدان، ولذلك ينبغي للقارئ التحقق من القوانين السارية في بلده. ماذا نجد في مكتبة غوتنبرغ اليوم؟ بعد أكثر من خمسة عقود على انطلاق المشروع، لم تعد مكتبة غوتنبرغ مجرد أرشيف لنصوص تاريخية أمريكية. فقد أصبحت واحدة من أبرز المكتبات الرقمية المفتوحة، وتضم أكثر من 75 ألف كتاب إلكتروني مجاني، جرى تحويلها إلى صيغ رقمية ومراجعتها بجهود آلاف المتطوعين. وتتنوع محتوياتها بين الروايات والقصص والشعر والمسرح والفلسفة والكتب التاريخية والعلمية، وتتيح للقارئ فرصة العودة إلى أعمال أدبية شكّلت جزءاً أساسياً من تاريخ الثقافة العالمية. يمكن للزائر أن يجد أعمال ويليام شكسبير، وإدغار آلان بو، وتشارلز ديكنز، وجين أوستن، وفيكتور هوغو، ودانتي أليغييري، إلى جانب عشرات المؤلفين الذين أصبحت كتبهم متاحة للأجيال الجديدة. كما يمكنه استكشاف أعمال مثل «موبـي ديك» لهيرمان ملفيل، و«مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، و«روميو وجولييت» لشكسبير. ولا يتطلب استخدام الموقع اشتراكاً أو دفع رسوم، كما لا يحتاج القارئ إلى تنزيل تطبيق خاص. يستطيع البحث بحسب اسم المؤلف أو عنوان الكتاب أو اللغة أو الموضوع، والاطلاع على الكتب الأكثر تحميلاً والأعمال التي أضيفت حديثاً. وتتوفر الكتب بصيغ متعددة، منها EPUB وKindle، إلى جانب النصوص البسيطة التي يمكن قراءتها على أجهزة مختلفة. وتتجاوز أهمية المكتبة مجرد توفير الكتب؛ فهي تتيح للقراء الوصول إلى نصوص ربما لم تعد متوفرة بسهولة في المكتبات المحلية، أو أصبحت طبعاتها الورقية نادرة أو باهظة الثمن. كما تمنح الباحثين والطلاب فرصة التعامل مع المصادر الأدبية والتاريخية دون أن تشكل تكلفة الحصول على الكتاب عائقاً أمامهم. ومن اللافت أيضاً أن القارئ يستطيع أن ينتقل من موقع المستفيد إلى موقع المشارك. فالمشروع لا يكتفي باستقبال الكتب التي ينجزها المتطوعون، بل يتيح للأشخاص الراغبين في المساهمة أن يتعلموا كيفية مراجعة النصوص ومقارنتها بالنسخ المصورة وإعدادها للنشر. وقد تجاوز عدد الأشخاص الذين ساهموا في المشروع، بأدوار مختلفة، عشرة آلاف متطوع بحسب تقديرات المؤسسة. وهكذا تصبح المكتبة عملاً جماعياً مستمراً، لا ينتهي عند نشر كتاب، بل يتجدد مع كل نص يُراجع ويُضاف إلى أرشيفها. من حلم بمليار كتاب إلى ذاكرة لا تتوقف عن الاتساع لم يكن طموح هارت متواضعاً. فقد تحدث عن مستقبل يصل فيه المشروع إلى إتاحة مليار كتاب إلكتروني مجاني، موزعة على عشرة ملايين كتاب في مئة لغة. وقد يبدو الرقم بعيد المنال، لكنه يكشف عن اتساع رؤيته؛ فهو لم يكن يفكر في مكتبة تخدم مجموعة محدودة من القراء الناطقين بالإنجليزية، بل في مشروع عالمي يتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية. ولا تزال المكتبة حتى اليوم تضم عدداً كبيراً من الأعمال باللغة الإنجليزية، في حين تختلف درجة تمثيل اللغات الأخرى بحسب ما يتوفر من نصوص ومتطوعين. وهذه إحدى المساحات التي يمكن أن تتسع فيها مساهمة القراء والمهتمين بالتراث الأدبي في مختلف أنحاء العالم. ومن المهم أيضاً أن نعرف أن هارت لم يكن يرى الكتاب الإلكتروني مجرد صيغة جديدة للقراءة، بل وسيلة لحماية النصوص من الضياع. فالنص الرقمي الذي يمكن نسخه وتوزيعه وحفظه بأكثر من طريقة قد يظل متاحاً حتى بعد اختفاء طبعة ورقية أو توقف دار نشر عن العمل. وتقوم فلسفة المشروع على توفير صيغ متعددة للكتب، بما يضمن إمكان قراءتها على أجهزة مختلفة، وعدم ربطها ببرنامج واحد أو تقنية قد تصبح قديمة. وقد تبدو هذه التفاصيل تقنية للوهلة الأولى، لكنها في جوهرها تعبر عن سؤال ثقافي مهم: كيف نحافظ على الأدب بحيث لا يصبح الوصول إليه رهناً بتغير الأجهزة والمنصات؟ إن حفظ الكتب ليس مجرد تخزين للملفات، بل حماية لذاكرة الإنسان وأفكاره وأسئلته وتجربته عبر العصور. رحيل المؤسس وبقاء الفكرة توفي مايكل هارت في السادس من سبتمبر/أيلول 2011، عن عمر ناهز الرابعة والستين، إثر نوبة قلبية في مدينة أوربانا بولاية إلينوي. وكان قد بدأ قبل وفاته بالتفكير في كيفية ضمان استمرار المشروع بعد رحيله، حتى لا يرتبط مصيره بوجود شخص واحد، مهما كان دوره في تأسيسه. وفي رسالة وجهها إلى بعض أصدقائه وداعمي المشروع في يوليو/تموز من العام نفسه، تحدث عن محاولته ترتيب انتقال مسؤولياته بطريقة هادئة، دون أن يتسبب غيابه في اضطراب العمل الذي أمضى عقوداً في بنائه. وكان يشعر بتقدم العمر، ويفكر في الانتقال إلى هاواي، لكنه لم يتمكن من تحقيق تلك الخطط. رحل الرجل الذي أمضى سنوات في كتابة الكتب بنفسه، لكن المكتبة لم ترحل معه. فقد واصل المتطوعون عملهم، واستمر المشروع في إضافة الكتب وتطوير وسائل الوصول إليها. وتتولى مؤسسة أرشيف مشروع غوتنبرغ الأدبي الإشراف على الإطار المؤسسي للمبادرة، وقد عيّن مجلس إدارتها إريك هيلمان مديراً تنفيذياً اعتباراً من يناير/كانون الثاني 2026، بعد وفاة المدير التنفيذي السابق غريغوري نيوبي في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وهذا الاستمرار بحد ذاته جزء من نجاح تجربة هارت؛ فالمشروع الذي بدأ بجهد فردي أصبح قادراً على مواصلة طريقه دون أن يعتمد على مؤسسه، وهو ما يتفق تماماً مع فكرته الأصلية عن المعرفة التي ينبغي أن تكون متاحة للجميع. الكتاب الذي لا يحتاج إلى إذن كي يصل إلى قارئه في زمن أصبحت فيه القراءة الرقمية صناعة ضخمة، تتنافس فيها المنصات على الاشتراكات والمبيعات وحقوق التوزيع، تبدو تجربة مشروع غوتنبرغ مختلفة في فلسفتها. فهي تعيدنا إلى سؤال قديم يتجدد مع كل تطور تقني: لمن تكون المعرفة؟ وهل ينبغي أن تظل القدرة على القراءة مرتبطة بالقدرة على الدفع؟ لا يعني ذلك أن الكتب الحديثة يجب أن تكون مجانية، أو أن حقوق المؤلفين لا تستحق الحماية. لكن تجربة هارت تذكّرنا بأن هناك رصيداً أدبياً وإنسانياً هائلاً أصبح جزءاً من التراث المشترك، ومن حق الأجيال الجديدة أن تعيد اكتشافه، وأن تقرأه وتدرسه وتناقشه. كما أن إتاحة النصوص القديمة لا تعني تبني الأفكار التي تحملها جميعاً. فبعضها يعكس تصورات اجتماعية أو سياسية تجاوزها الزمن، وبعضها يتضمن أفكاراً مثيرة للجدل. لكن بقاء هذه النصوص متاحة يمنحنا فرصة لفهم تاريخ الفكر والأدب، ومراجعة التحولات التي طرأت على المجتمعات، ومقارنة الماضي بالحاضر. لقد كان هارت يدرك أن الطريق طويل، لكنه لم يجعل ضخامة الهدف سبباً للتراجع. وربما تلخص إحدى عباراته رؤيته للحياة والعمل حين وصف مشروعه بأنه نتاج اجتماع المصادفة مع وجود الشخص المناسب في المكان والوقت المناسبين. لكن المصادفة وحدها لا تصنع مشروعاً يستمر أكثر من خمسين عاماً. فما أبقاه حياً كان الإصرار، والعمل اليومي، والإيمان بأن الكتاب يستحق أن يصل إلى أبعد من قارئه الأول. بدأت الحكاية بورقة عثر عليها طالب جامعي في حقيبته، وانتهت إلى مكتبة يستطيع قارئ في أي مكان من العالم أن يدخلها دون بطاقة عضوية أو اشتراك أو رسوم. وبين اللحظتين امتدت عقود من العمل الفردي والتطوع والتحديات التقنية والقانونية. ربما لم يغيّر مايكل هارت العالم بالطريقة التي تخيلها، لكنه غيّر بالتأكيد الطريقة التي نفكر بها في الكتاب وإمكانات انتشاره. لقد أثبت أن التكنولوجيا لا تحتاج دائماً إلى مشروع تجاري ضخم كي تترك أثراً ثقافياً عميقاً، وأن مبادرة صغيرة قد تصبح، بمرور الزمن، إرثاً يتجاوز صاحبها. وبين غوتنبرغ الذي جعل الكتاب المطبوع أكثر انتشاراً، وهارت الذي أراد أن يجعل الكتاب الرقمي متاحاً للجميع، بقيت فكرة واحدة تتوارثها الأجيال: أن قيمة الكتاب لا تُقاس بندرته أو ثمنه، بل بما يحمله من معرفة، وبالقدرة على الوصول إليه وقراءته.
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة