عن بدر الدين عرودكي

ولد في مدينة دمشق في 25/10/1942. تلقى تعليمه فيها وواصل تحصيله الجامعي فتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في الحقوق عام 1970 بعدئذ حضر ال -(دكتوراه) في باريس عام 1974. عمل في المؤسسة العامة للسينما في سورية. عضو جمعية النقد الأدبي...

عن فرانسوا فايرجان

كاتب بلجيكي، فرانكفوني، ولد في بروكسل عام 1941م. درس بمعهد الدراسات السينمائية العليا ببروكسل وتخرج عام 1958م. كتب العديد من الأعمال الدرامية للسينما والتليفزيون، ولكن الأدب حقق له نجاحاً كبيراً، وحصد الكثير من الجوائز الأدبية مثل جائزة روجيه نيميه و..

كتب أخرى لـِ فرانسوا فايرجان، بدر الدين عرودكي


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

ثلاثة أيام عند أمي (223 صفحة)

عن: الهيئة المصرية العامة للكتاب (2007)

رقم الايداع : 9774199820
الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

يظل هاجس الراوي كتابة رواية عن أمه ، و أن يزورها و يقضي عندها ثلاثة أيام ، و لكن و لأن أمه توضح له في النهاية أنها لم تعطه نهاية روايته و إنما أعطته الجملة الأخيرة فقط ، فإنه يعجز عن إنهاء روايته فنفاجأ بها تقطع روايته الرئيسية . و تأتي منقوصة في ثلاثة فصول فقط باسم راو آخر ، كما أن الأم تسقط في حديقتها و تبقى على العشب يومين غير قادرة على الحراك ، و عندما يكتشف الراوي و إخوته أمرها يسرعون إليها و ينقلونها إلي المستشفى لتستعيد الأم خلال فترة علاجها حكايات غريبة من ماضيها ، و هكذا يقضي الراوي الابن أخيرا ثلاثة أيام عند أمه ، عندها و لكن من دونها .


  • الزوار (109)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

عندما صدرت رواية فرنسوا وييرغانس"ثلاثة أيام عند أمي"قبل اشهر انقسم النقاد الفرنسيون حولها، مدحها بعضهم وانتقدها بعضهم. وحين فازت الرواية هذه بجائزة غونكور، وهي من أهم الجوائز الادبية في فرنسا، فوجئت الاوساط الادبية، فهي كانت تنتظر فوز رواية"احتمال جزيرة"للكاتب ميشال وليبك خصوصاً بعد الرواج الكبير الذي عرفته، في فرنسا وأوروبا. هنا قراءتان في الرواية الفائزة وظاهرتها، المابعد حداثية. < قد تنتمي رواية"ثلاثة أيام عند أمي"الى الادب المابعد - حداثي ليس لكونها تشك في العمل الروائي نفسه فقط وانما لأنها تشك في شخصية الروائي فرنسوا وييرغانس الذي ينقلب في الرواية الى ثلاث شخصيات تؤدي درو الروائي نفسه، وكأنها ثلاثة قرائن له تتولى فعل السرد عوضاً عنه. هل هي حال"التشظي"تدفع الروائي الى ان يتعدد معبراً عن مرض"الانفصام"الذي يصيب الانسان في المجتمع المعاصر؟ أم انها مجرد لعبة روائية يمسك الكاتب الحقيقي خيوطها بذكاء ولكن ليؤديها كما لو كانت لعبة عبثية؟ انها رواية الشك اذاً، بل رواية تنقسم الى اكثر من رواية لئلا تنتهي، هي التي بدأت من غير ان تبدأ مثلما تبدأ الروايات عادة. فالراوي الذي سماه الكاتب الحقيقي فرنسوا وييرغراف سيختلق بدوره راوياً يسميه فرنسوا غرافينبرغ وهذا بدوره ايضاً سيسمي بطل روايته التي يؤلفها فرنسوا وييرشتاين... ثلاثة رواة يختلقهم الكاتب الحقيقي ليروي عنهم حيناً وليجعلهم يروون حيناً آخر، كأبطال - او اشباه ابطال - هم صورة مستنسخة عنه، هو الذي يعاني ازمة في الكتابة ولا يتوصل الى انهاء الرواية التي ينتظرها القراء - وأمه كذلك - والتي سيكون عنوانها:"ثلاثة أيام عند أمي". رواية طريفة جداً، يتعمد صاحبها، الكاتب الفائز في جعلها اقرب الى اللارواية، مع انه خلال كتابتها، استطاع ان يكتب سيرته ولكن من خلال الراوي الاول الذي لن يتمكن الا من انهاء ثلاثة فصول من الرواية المنتظرة، وهذه الفصول لا علاقة لها بحياة الام، أمّ الراوي نفسه. ففي الصفحة 161 يفاجأ القارئ بأن غلافاً داخلياً يحتل الصفحة معلناً بداية رواية تحمل العنوان نفسه:"ثلاثة أيام عند أمي"، واسم الراوي الاول فرنسوا وييرغراف وليس اسم الكاتب الحقيقي. وهنا تبدأ رواية اخرى ذات ثلاثة فصول يسرد الراوي الاول فيها حكاية راوٍ ثانٍ يدعى فرنسوا غرافينبرغ يعيش مغامرة عاطفية في مدينة غرونوبل ويسعى الى كتابة رواية يدعى الراوي فيها فرنسوا وييرشتاين. متاهة روائية قد تصيب الرواية القارئ بحال من الدوار، فالبنية الدائرية التي تتوالد عبرها المرويات والشخصيات تبدو أشبه بالمتاهة. فالكاتب يروي عن راوٍ يروي عن راوٍ يروي بدوره عن راوٍ... حتى ليسأل القارئ نفسه: أين هي الرواية، بل أين الاحداث، خصوصاً عندما تختلط حياة الرواة بعضها ببعض؟ الا ان الحال المتاهية هنا لا تشبه"متاهة"الكاتب الان روب غرييه احد رواد"الرواية الجديدة"في فرنسا، مقدار ما تقترب من عالم الكاتب الارجنتيني بورخيس المتاهيّ ولكن من دون عمق، أو من لعبة الكاتب الايطالي إلريتالو كالفينو وسواهما. الحال المتاهية هنا هي اشبه باللعبة السردية المسلية في احيان والمضجرة في احيان اخرى، خصوصاً عندما تتكرر بعض العناصر والمرويات. فاسم الرواية التي يزمع الراوي الاول على كتابتها ولا يتمكن، يتردد مرات كثيرة. حتى الأم بدورها تحرّض ابنها الراوي الاول على انهائها وتحثه على العمل وتسأله مرة عن لياليه وكيف يقضيها. في مطلع الرواية يعلن الراوي الاول:"انا فرنسوا وييرغراف"ثم يفيد القارئ بأن زوجته تدعى دلفين وان لهما ابنتين: زوي وغيليند وانهما كلاهما في قرابة الستين من العمر، وانه انجز افلاماً واصدر عشر روايات. وهاتان الفتاتان ستكونان ابنتين ايضاً للراوي الثاني، مما يدل على تداخل شخصية الراوي الاول في الشخصية المتوهمة. الراوي الاول شخص مثقف جداً، قارئ وهاوي سينما وموسيقى. ويكفي سرد اسماء الادباء والفنانين الذين يرد ذكرهم في الراوية حتى ترتسم صورة عن ثقافته، ومن تلك الاسماء: السنيمائي الايطالي فلليني، بيتهوفن، فيفالدي، شكسبير يشبّه الراوي نفسه ببطل مسرحية"العاصفة"الذي يدعى بروسبيرو والذي يفضل مكتبته على كل شيء، فرويد، سكوت فيتزغرالد، القديس بولس، كيركغارد، فلوبير، ستندال، افلاطون، بودلير، كاواباتا، وودي ألن وسواهم.. ويُعلم الراوي القارئ بأنه تسلم مالاً من الناشرين ليؤلف كتباً لم يكتب سوى بداياتها. ويقول:"لم أعد ارغب في الكتابة". لكنه لا يلبث ان يعدد الكتب التي عليه ان يؤلفها وهي كثيرة: كتاب عن الرقص يتحدث فيه عن سقراط، كتاب عن الفيلسوفين هوسرل وديكارت، قصة حب، كتاب عن بيتهوفن، كتاب عن البراكين يسميه فولكانو، كتاب عن الكراسي، كتاب عن الاروسية وكتاب عنوانه:"مضاجعات". وخلال الرواية التي لم تكتمل يتحدث كثيراً عن حياته الشخصية، عن امرأته، عن مغامراته العاطفية، عن اسفاره وطبعاً عن أمه، من دون ان تفوته الذكريات وهي غير قليلة، وأولاها ذكرى الاب الذي توفي في 5 شباط فبراير 1974 وكان ليلة وفاته يحاول انهاء مقال. ويتذكر جنازة أبيه وكيف فتح قنينة"شامبانيا"بعد الجنازة. وعندما أقام عند أمه ذات مرة لم يحتمل ان تكون صورة والده فوق سريره وكأنه يراقبه خلال النوم، فنزع الصورة. أما أمه فلم يكن يزورها الا نادراً، وتقول له مرة على الهاتف:"في الختام لم أرك كثيراً في حياتي". وعندما تقع الام في الحب بعد مضي بضع سنوات على ترملها لا يتأثر الراوي - الابن ولا شقيقاته الخمس بل هم يفرحون. العشيق يدعى فردريك وهو أصغر من الأم ماري - إيما ومتزوج وزوجته مريضة. هاجس الكتابة مضت خمس سنوات أو اكثر على الراوي ولم يصدر أي كتاب. هذه المشكلة هي مشكلة الكاتب نفسه الذي غاب عن ساحة النشر الفرنسي نحو سبع سنوات. وعدم القدرة على الكتابة هو بمثابة الموت المجازي للكاتب. هكذا ينقل الراوي عن المحللة النفسية الشهيرة فرنسواز دولتو قولها:"ان الناس يكتبون لأنهم يمرضون اذا لم يكتبوا". وتقول له أمه بدورها:"يجب ان تنشر، الناس سيظنون انك ميت". هذا الخوف من الموت المجازي سيتحول هاجساً لدى الراوي، وسيتمثل في اصراره على انجاز روايته"ثلاثة ايام مع أمي". وذات ليلة يعيش حالاً كابوسية كأن يقول:"حدث لي أمر مقلق الليلة الفائتة. كان لديّ شعور بأن ثمة مَن يخنقني. وقعت في الفراغ وأنا ادرك جيداً انني لم أقع". وعلاوة على هذا الكابوس كان الراوي يحس دوماً انه شخص مكتئب وحزين، وكان يعيش دوماً احوالاً من الأرق، على رغم مغامراته الجنسية. وكان يلجأ الى كتب الطب ليدرك امراض شخصياته وربما امراضه الشخصية ويقول في هذا الصدد:"انني روائي وأهتم بصحة شخصياتي". واذا كان يعترف لنفسه بأن ثمة"مشاكل"لم ينهها مع أبيه فهو يشعر بأنه على تنافس معه، تنافس أدبي طبعاً. فالأب كتب عن الأم كزوجة، أما الابن الراوي فسيكتب عن الأم كأمرأة مسنة، وهذا ما لم يكتبه الاب لأنه توفي. ويصر الراوي على التمييز بين أمه الحقيقية والأم المتوهمة في الرواية انتصاراً لأمه نفسها على خلاف أبيه ويقول:"انني احتاج الى ان اخلق شخصية امرأة مسنة، شخصية أمّ متوهمة تكون أمّ الراوي ولا تكون أمي". هكذا يشرع في البحث عن كتب حول المرأة المسنة وظروفها. يعترف الراوي الاول بأنها ليست المرة الاولى التي يختار فيها نموذج"الكاتب"راوياً وأن الكتّاب في رواياته هم مكتئبون عادة ويعيشون أزمة مع انفسهم ومع المال والجنس والعائلة... انها اذاً الازمات التي يحياها الراوي قبل شخصياته. وهكذا يصبح الراوي الثاني شخصية مثل سائر الشخصيات، سواء عندما يتحدث عنه الراوي الأول أم حين يتحدث هو الراوي الثاني عن الآخرين. والراوي - القرين ليس الا نسخة"مستنسخة"عن الراوي الاول وعن الكاتب ايضاً، فهو"سيغلق على نفسه ليكتب ثم يتلهى بأمور اخرى"فلا يكتب بل يتنزه ويصطاد النسوة ويسافر. ولا تحصى المدن التي يسافر اليها حاملاً معه اوراقه ومشروعه الروائي فيينا، مدريد، ليشبونة، لندن، البندقية، برلين، طوكيو، طنجة، مونتريال، داكار.... ومثلما هو يسافر يدفع بشخصياته الى السفر وكذلك أمه قبل مرحلة الشيخوخة، لكن السفر في نظره هو"من أجل السفر"كما يقول، مضيفاً:"السفر محرّض". تختلط وقائع الحياة اليومية والتفاصيل بالذكريات القريبة والبعيدة ويبدو الكاتب بارعاً في الانتقال من زمن الى آخر، ومن بيئة الى اخرى. وتحضر الطفولة مثلما تحضر سنوات اليفاع والدراسة وسنوات الشباب، ناهيك بالحياة العاطفية والفتيات أو النسوة اللواتي ملأنها. لكن الراوي هو على قناعة بأن الحياة الحقيقة هي تلك التي يخترعها خلال الكتابة. ويسأل نفسه مرة:"اذا متّ قريباً فماذا تكون حياتي قدمت لي؟"ولا يحاول ان يجيب، فهو اصلاً غير معنيّ بأن يجد أجوبة عن الاسئلة الوجودية والقدرية التي تملأ رأسه. فها هو يقول:"ان نعيش حتى الدقيقة الاخيرة من غير ان نعلم في أي ساعة سنموت، هي الهدية الاجمل التي تقدمها لنا الآلهة...". هل هو شخص قدري؟ أم تراه شخصاً ابيقورياً يبحث عن المتعة التي يتحرر بها من قضية الوجود؟ شخص ساخر، يهزأ من نفسه مقدار ما يهزأ من العالم والحياة. وكما تمت الاشارة سابقاً، يُفاجأ القارئ بكتاب جديد حملت الصفحة 161 غلافه وعنوانه هو عنوان الكتاب نفسه:"ثلاثة ايام عند أمي"، لكن المؤلف هو فرنسوا وييرغراف، والكتاب هو من ثلاثة فصول، وعندما تنتهي هذه الفصول"الدخيلة"يحل الفصل السابع من الرواية نفسها وكأن الفصول هذه لا علاقة لها بها. على ان الراوي في هذه الفصول يتحدث عن كاتب آخر سرعان ما يتحول راوياً واسمه فرانسوا غرافينبرغ يغادر باريس الى مدينة غرونوبل الفرنسية ليقدم معرض صديقه الرسام التركي لطفي اوزكوك. والراوي هذا يكتب بدوره رواية، وعمره من عمر الراوي الاول، وزوجته تدعى دافني. وهو سيخونها ويصادق جولييت المسؤولة عن صالة العرض. والده ناقد سينمائي وابنتاه تحملان اسمَيْ ابنتَيْ الراوي الاول. انه القرين بامتياز. وهو بدوره سيختار اسم فرنسوا وييرشتاين اسماً للراوي الذي سيتولى فعل السرد في الكتاب الذي يؤلفه. يعتمد الكاتب فرنسوا وييرغانس لعبة"المرايا"موزعاً شخصية الكاتب - الراوي على اكثر من شخص او قرين، وجاعلاً من هؤلاء الرواة مرايا له، لشخصه وحياته، ولسيرته التي تشتتت وتبعثرت ما بين الحكايات والمرويات. انه الكاتب في مرآة نفسه المنشطرة، والمتشظية والمتعددة، لكن الصورة - التي هي صورته - لا تكتمل الا من خلال جمع الكسور او الاجزاء. ولئن كان هاجس الراوي الاول كتابة رواية عن أمه، رواية يعجز عن انهائه، فهو سيدرك جيداً ما قالت له أمه في الختام:"لم اعطك نهاية لكتابك، ولكنني اعطيتك سقطة". وكانت الام سقطت في حديقتها ومكثت ليلتين منطرحة فوق العشب غير قادرة على الحراك. وعندما اكتشف ابنها الراوي وبناتها الامر اسرعوا اليها ونقلوها الى المستشفى. وكان على الام التي انهت الثمانين ان تهلوس خلال فترة العلاج مستعيدة حكايات غريبة من ماضيها. وفي ختام الرواية يقول الراوي، بعدما أيقن ان الرواية انتهت:"قضيت اخيراً هذه الايام الثلاثة، عند أمي، عندها ولكن من دونها". الا ان القارئ يشعر بأن الرواية لم تنته لأنها لم تكن اصلاً عن الأم وحدها ولا عن سيرة الراوي وحده ولا عن حياة العائلة... بل ان القارئ يشعر أنها رواية غير قابلة لأن تنتهي لأنها رواية لم تبدأ أصلاً.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

«ثلاثة أيام في ضيافة أمي» Trois jours chez ma mère، رواية جديدة صدرت في الموسم الأدبي الفرنسي الحالي، عن دار النشر «غراسيه»Grasset لمؤلفها فرانسوا وييرغان François Weyergan. لكن هذه الرواية التي تعرف نجاحا كبيرا وغير متوقع، كان ناشرها يعلن عن صدورها في كل موسم أدبي، وعلى مدار سبع سنوات متتالية، ولا تسعف القريحة كاتبها الانتهاء من عمله. وبقيت الرواية مؤجلة ومنتظرة، وها هي عندما أبصرت النور تفرح الكثيرين. هذه السنة فاجـأنا الكاتب فرانسوا وييرغان بنشر كتابَيْن، بدلاً من واحد. الكتابُ الأول هو رواية «ثلاثة ايام في ضيافة أمي» أما الآخَرُ، فهو أول رواية كتبها، ولم يَسبق له أن نُشرَها من قبلُ. وعنوانها «سالومي» Salomé، وهي شهادة عن ذكريات الشباب كُتبَت منذ 36 سنة. الكاتب ليس غريبا عن الجو الأدبي الفرنسي، إذ أنه مخرج سينمائي وناقد أدبي كبير وحائز عدة جوائز أدبية فرنسية رفيعة من بينها «رونودو» عام 1992 و«الجائزة الكبرى للغة الفرنسية» سنة 1997. وقد استقبلت عودته بحفاوة بالغة، تقترب من معجزة، مما اضطره إلى التصريح بأن «عدم التجائي للنشر لا يعني أنني توقفتُ عن الكتابة». سبع سنوات تخللتها، كما يقول، آلاف من ساعات العمل، لم يُوقفها من أجل تكسير العزلة، إلا إرساله للمئات من الفاكسات لأصدقائه المُقرَّبين. «أُحسُّني مثل طفل اكتشف للتو هديته. حين أكتب بضع صفحات، لا أريد أن أبتعدَ عنها. أحيط جسمي بالفراش وأنام في عين المكان». كي ينتهي الروائي من هذه الرواية «ثلاثة أيام في ضيافة أمي»، التي وعد بها ناشره منذ سنوات، يُقرر الكاتب زيارة أمّه في الجنوب الفرنسي. ومن خلال تجاذب الحديث معها، وتحريك بعض الذكريات وفتح بعض الخزائن، ينتهي به الأمر إلى الانتهاء من الرواية الموعودة. ولكنّ تعرجات حياته الشخصية تلاحقه، وتذكره بذكريات نساء بالإضافة إلى الأسفار التي تلقفته، ومشاريع كُتُب أخرى، كل هذا يُلهيه عن إنهاء العمل. أخيرا يأتي اليوم الذي يصلُ إلى مسمعه خبر العُثور على أمّه من دون حراك في حديقتها، مما جعل حياتَهَا في خطر. في اليوم التالي يلتقي هو وأخواته الأربع على سرير مرض الأم. وها هو أخيرا عنوان الرواية قد ولد «ثلاثة أيام في ضيافة أمّي»، ولكننا نعرف أن فكرة الكتاب تعود إلى سنوات السبعينات. يقول الكاتب: «فكرة كتابة رواية عن أمي تعود إلى سنة 1974، أثناء رحلة إلى روما معها، ولكنه لم يكن إلا مشروعا من بين مشاريع أخرى. بعد نشر رواية تتمحور حول صورة الأب «فرانز وفرانسوا»Franz et François سنة 1997، لم تتوقف التحرشات عن مساءلتي، في المكتبات، عن كتابي القادم، حينها أخرجتُ إلى العلن هذا المشروع الذي يتعلق برجل يبلغ الخمسين من العمر ويذهب في زيارة عند أمّه في المنزل الذي يقضي فيه عطلته. هنا يبدأ عملية تفتيش وتنقيب في حياته وهو ما يمنحه سلاسل من فلاش باك. كان عندي العنوانُ. مشكلتي هو أنني كنتُ أعتمد على صفحات مكتوبة، ولكنها غير ناجحة، ولم تكن بالضرورة مرتبطة بالموضوع. كان القراء ينتظرون كتاباً عن أمي، ولكنه لم يكن يَتَنَاسَبُ مع مشروعي الأولي. ومن هنا سوءُ التفاهم. كان ينتابني الأمل، سنة 2000، في الانتهاء من روايتي. ولكني أفرطتُ في تقدير قِواي». خلال كل هذه السنوات الطويلة كان يتم الإعلان عن صدور الرواية، ولكن النتيجة في النهاية كانت عبارة عن لا شيء. مما دفع الكاتب إلى أن يقول في سخرية: «قالت لي أمي، حينها، إنَّ عليكَ أن تُصْدِرَ الرواية، وإلا قالوا عنك بأنك ميِّتٌ». الوسط الثقافي الفرنسي الذي تعب من انتظار الجديد الذي لا يأتي، بدأ يطلق شائعات غير حقيقية. «قيل بأنني أُصِبْتُ بِالعُطْلen panne. أما أنا فلا أعرف سوى «لابَّان»La Panne (الكاتب يلعَبُ على تشابه الكلمتين كتابيا)، وهي حمام بحري صغير ورائع. خلال كل هذه الفترة لم أتوقف عن الكتابة، وكانت عندي فقرات كبيرة من هذا الكتاب. ولكن كانت تنقصني القوة للاشتغال عليها من جديد، ولإحداث تَمَفْصُل بينها، والقيام بعملية مُونتاج. لا تنسوا أنني، في الأصل، مخرجٌ سينمائيٌّ». «قالتْ لي «دلفين»، البارحة مساء، عند نقطة نهائية لنقاشٍ كان يمكن أن يحْتَدّ: «أنتَ تُخيفُ كلّ الناس». تصرفاتي تدفعها أحيانا إلى تصريحات من هذا القبيل، أحكام إدانة. في الماضي، حتى القريب منه، تعرضتُ إلى ما هو أكثر من قِبَل من أُسمّيها «صغيرتي دلفين» على الرغم من أنّ طول قامتها يصل إلى متر وثمانية وسبعين سنتمترا. إننا نعيش معا منذ أكثر من ثلاثين سنة. دلفين هي المرأة التي أتخيلها بالقرب مني، مائلةً على سريري، إذا ما كان عليّ أن أموت يوما في مستشفى بدل حادث سقوط طائرة، فمن دون شك ستكونُ بجواري. البارحة صدر في حقي حكمٌ أقلّ قسوة من الموت، بالتأكيد، ولكنه حكمٌ لا علاقة له بحكم البراءة، فأنا «فرانسوا وييرغراف» الذي أنجز خمسة أفلام ونشر عشر روايات، أُخيفُ كل الناس. مثل هذه الجملة كنتُ سأسجّلها في مفكّرتي في الفترة التي كنتُ أشتري فيها مفكرات واستخدمها، ولكنني توقفتُ عن أخذ المَوَاعيد، ولم أَعُدْ أُسجّل ملاحظات قط. لِمَ يتوجب عليَّ أن أُسجِّلَ هذه الجملة؟ إنها من الجُمَل التي لا يُمكننا أن ننساها بسهولة».

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0