عن فاطمة ناعوت

كاتبةٌ صحفية وشاعرة ومترجمة مصرية. تخرجت في كلية الهندسة قسم العمارة جامعة عين شمس. لها، حتى الآن، تسعة عشر كتابًا ما بين الشعر والترجمات والنقد الأدبي والكتب الفكرية. تكتب عددًا من الأعمدة الأسبوعية الثابتة في صحف مصرية وعربية منها: المصري اليوم-الو..

عن تشيماماندا نجوزي أديتشي

تشيماماندا قاصة وروائية نيجيرية ولدت في العام 1977 ، تقيم في الولايات المتحدة منذ العام 1996، حين قدمت اليها للدراسة وعمرها 19 عاماً. درست الاتصال والعلوم السياسية في المرحلة الجامعية الأولى، ونالت الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة جونز هوبكنز ..

كتب أخرى لـِ تشيماماندا نجوزي أديتشي، فاطمة ناعوت


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

نصف شمس صفراء (607 صفحة)

عن: الهيئة المصرية العامة للكتاب (2009)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

في هذه الرواية الفاتنة وبالرغم من أنها رواية سياسية ، وتطرحُ فترة دامية زاخرة بالمذابح والانتهاكات الإنسانية ، إلا أن الكاتبة نجحت في انتزاعها من الجفاف السياسي والبرود الأيديولوجي بأن تناولتها من وجهة النظر الإجتماعية والإنسانية ، والأجملأن كل أحداث الرواية تقريباً جاءت على لسان صبي صغير خادم أسود ، ومن خلال عينيه اللتين تريان ما يجري وتحاولان أن تفهما ما الذي يحدث في العالم ، ولِمَا . خلا تلك الرواية بوسع القارئ غير الأفريقي أن يتلصص على ذلك العالم شديد الخصوصية لمجتمع القارة السوداء ، من أساطير وطقوس وغرائبيات حتى أن الكاتبة طعّمت روايتها الإنجليزية بالعديد من الجُمل المكتوبة بالدارجة المحكية الإيبوية التي يتحدث بها سكان بيافرا من قبائل الأيبو .


  • الزوار (441)
  • المراجعات (4)
ترتيب بواسطة :

لم يكن من قبيل الصدفة أن تصف صحيفة «واشنطن بوست» رواية الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نجوزي أديتشي الجديدة بعنوان «نصف شمس صفراء بأنها» رواية أبدعتها ابنة تشينوا أتشيبي المنتمية إلى القرن الواحد والعشرين»، حيث تعيد إبداع لخطة حبلى بالأحداث من التاريخ الإفريقي الحديث، هي الحرب الأهلية النيجيرية التي استمرت ثلاث سنوات في ستينات القرن العشرين وما واكبها من عنف هائل. وفي هذه الرواية تقوم أديتشي بتقمص مدهش وبراعة القاص التلقائي بنسج حياة ثلاث شخصيات يتم اكتشافها في الاضطرابات الهائلة لمرحلة الستينات من القرن العشرين، فهناك أوجو الفتى البالغ الثالثة عشرة من عمره الذي يلتحق بالعمل خادماً في دار أستاذ جامعي مليء بالنزعة الثورية. وأولانا هي الخليلة الجميلة للأستاذ الجامعي، والتي تخلت عن حياتها المترفة في لاغوس لتحيا في مدينة جامعية متربة من أجل كاريزما حبيبها الجديد، وريتشارد هو شاب انجليزي خجول ينطلق في أعقاب توأم أولانا، وهي شخصية غامضة ترفض أن تنتمي إلى أحد غير نفسها. ومع تقدم القوات النيجيرية وحتمية هرب هؤلاء الثلاثة للنجاة بحياتهم، فإن مثلهم العليا تتعرض للاختبار بقسوة، شأن ولائهم أحدهم للآخر. هذه الرواية ذات الطابع الملحمي الطموح تعد عملاً مميزاً يدور حول المسؤولية الأخلاقية، وحول نهاية الكولونيالية، وحول الولاءات العرقية، وعن الطبقة والعرق، والطريقة التي يمكن للحب أن يعقد بها هذه الأمور كلها. وتستحضر أديتشي، بصورة متألقة، الوعد وخيبات الأمل المدمرة التي وسمت هذا الوقت وذلك المكان، حيث تجلب لنا إحدى أقوى وأجمل الصور الروائية التي تدور حول إفريقيا الحديثة التي قُدِّر للقراء أن يعرفوها. في الرواية ينجو أوجو، الذي لا يتجاوز عمره الثالثة عشر عاماً من التجنيد في صفوف جيش بيافرا، ونتابع التوأم أولانا وكينيني اللتين تنحدران من عائلة ثرية وذات معارف ممتدة. وتصفي الحياة السياسية المركبة قوة استثنائية على حبكة الرواية، وتبدو العديد من أجزائها مروعة حقاً، وبصفة خاصة الأجزاء التي تتناول القضاء على أقارب أولانا وكينيني. ولكن هذا العمل الملحمي الممتد له جوانبه العاطفية الحارة أيضاً، فأولانا المتمردة هي خليلة أودينيجبو، الاستاذ الجامعي المليء بالحماس لكل ما هو مناهض للكولونيالية. بينما ترتبط أختها كينيني بعلاقة عاطفية مع ريتشارد، الوافد البريطاني الذي قدم إلى نيجيريا لتأليف كتاب عن فن الايجبو ـ أوكو، والذي توشك علاقته مع كينيني على التمزق عندما يقضي ليلة سكرى مع شقيقتها أولانا. وتحفل الرواية بالإنجازات في رسم الشخصيات والوصف، وبصفة خاصة وصف تأثير وحشية الحرب على الفلاحين والمثقفين على السواء. ويجد القارئ، في نهاية المطاف نفسه أمام درس تاريخي متقد بالحيوية في قالب روائي بحيث يستغرق في متابعة تفاصيله وصولاً إلى السطور الأخيرة من هذا العمل الملحمي الممتد. ومن المهم أن نلاحظ أن الرواية على الرغم من أنها ليست عملاً جدلياً، خلافياً، حافلاً بالطروحات النظرية، فإن مؤلفتها لا تتردد في توجيه الاتهام إلى العالم الخارجي في ضوء لامبالاته بهذه الحرب الوحشية، وتسبر أغوار الغرور والجهل اللذين استداما هذا الصراع على امتداد ثلاث سنوات. ويلفت نظرنا أيضاً أن الشخصيات والمشاهد الطبيعية يجري تصويرها على نحو متوهج بالحيوية، والتفاصيل يتم توظيفها لإحداث تأثيرها الذي يمس القلب، وتتوقف طويلاً عند الجنود الذين ينتظرون تسليحهم، فيمسكون بالعصي المنحوتة على شكل بنادق، وتتابع الأم التي تهرب من مذبحة حاملة رأس ابنتها المفصول عن جثتها، وقد تدلت خصلات جميلة من الرأس الدموي. وقد كان من الطبيعي أن يثير عمل ملحمي على هذا القدر من الطموح اهتمام الكتاب والنقاد والقراء على السواء. ها هو الروائي النيجيري الكبير شينوا اتشيي يبادر إلى القول: «إننا لا نربط عادة الحكمة بالمبتدئين، ولكن ها هنا كاتبة جديدة منحت هبة الرواة القدامى. وتشيماماندا نجوزي أديتشي تعرف ما هو على المحك وما الذي يتعين عليها القيام به. وتجريبها فيما يتعلق بالانجليزية ولغة الايجبو هو مثال جدير بالتوقف عنده. والكاتب الأقل جرأة وكفاءة من شأنه أن يتجنب التعقيد كلية، ولكن أديتشي تعانقه لأن روايتها تحتاجه. وهي لا تعرف الخوف، وإلا لما اقتحمت رعب الحرب الأهلية النيجيرية. لقد جاءت إلى الساحة مسلحة بكل ما تحتاجه من أدوات». والروائية الأميركية جويس كارول أوتيس تشارك أتشيي إعجابه بانجاز أديتشي، فتبادر إلى القول: «رواية أديتشي الجديدة مكتوبة على نحو يتدفق بالحيوية والطاقة. وهذه الرواية في ذكائها المتعاطف كما في قدرتها على التصوير الحميم هي خلف على مستوى رفيع لكلاسيكيات القرن العشرين مثل رواية شينوا أتشيي (الأشياء تتداعى) ورواية في. إس. نايبول (انعطافة في النهر). وبدوره يقول الناقد إدموند وايت: «هذه الرواية الثانية لأديتشي تستحق أن ترشح لجائزة بوكر. وما يستعصي على النسيان فيها هو أن الأحداث السياسية لا تسرد بطريقة جافة، وإنما يتم الشعور بها عبر الحياة المعاشة وعبر وجع التجارب الحساسة. وبقدر ما أعرف فإنه من غير المألوف أن تفلح مؤلفة شابة في أن ترصد بمثل هذه الدقة مشاعر رجل، ولكن أوجو شخصية متحققة تماماً، حيث يتبدى لنا رجلاً طموحاً، مخلصاً، شجاعاً، مليئاً بالنوازع الجنسية، لا يشكو، ويجمع بين البراعة وسعة الحيلة. عندما أفكر في كيف أن عدداً كبيراً من الكتاب الأوروبيين والأميركيين أعادوا سرد موضوعات الخيانة والطفولة التعسة في ضواحي المدن، فإنني أنظر بعين التقدير والحسد لهذه الشابة من إفريقيا التي تسجل تاريخ بلادها. إنها محظوظة، ونحن ـ قراءها ـ أكثر حظاً». وتقدير الرواية لا يتوقف عند هذا، وإنما يمتد إلى آفاق أبعد، حيث يقول بنيا فانجا ويناينا، مؤسس صحيفة «كواني» والفائز بجائزة كين للكتابة الإفريقية عن هذه الرواية: «مما يدخل السرور على النفس قراءة نثر تشيماماندا الرقيق الحافل بالأصداء. ونحن نرى كيف يتم اختبار انتماء كل شخص في أمة جديدة، ونكتشف أن نبل الهدف ليس بالعملة الرائجة في هذا الصدد، وإلى أي ذروة من القوة يمكن أن يحلق حبنا، وبأي قدر من السهولة يمكن أن نقتل، وإلى أي مدى يمكن أن تصل إنسانيتنا عندما تكرس الحرب نفسها لتجريدنا من الإنسانية. وهذه الرواية عمل طموح أعدت أبحاثه على نحو يرقى للكمال ويتسم بالعمق والنفاذ، عمل ملحمي، مفعم بالثقة، وأديتشى تأبى أن تشيح عن هدفها الذي تسعى إليه ولو للحظة واحدة». وبغض النظر عن هذه الآراء، ومع التقدير لمن طرحوها فإن هذه الرواية تظل بحكم موضوعها والأفق الذي تطمح للتحليق إليه ورحابتها الهائلة عملاً جديراً بأكثر من قراءة واحدة. لحم كل يوم «السيد مجنون قليلاً، فقد أمضى سنوات أكثر مما ينبغي في قراءة الكتب فيما وراء البحار، وحادث نفسه في المكتب، ولم يرد التحيات الموجهة إليه دوماً، وله شعر أكثر مما ينبغي. قالت عمة أوجو هذا بصوت خفيض، وهما يسيران على الدرب. وأضافت: «لكنه رجل طيب.. وطالما أنك تعمل بشكل جيد، فسوف تأكل بصورة جيدة، بل انك ستأكل اللحم كل يوم». لم يصدق أوجو أن أي أحد، بمن في ذلك هذا السيد الذي كان بسبيله إلى الإقامة معه، يأكل اللحم كل يوم. وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يخالف عمته فيما ذهبت إليه، لأنه كان أكثر اختناقاً بالتوقع من أن يفعل ذلك. كانا قد سارا طويلاً، منذ ترجلا من الشاحنة في المرآب، واشتعلت شمس الأصيل متوهجة في قفاه. ولكنه لم يكترث بذلك، فقد كان على استعداد للمشي ساعات أطول في شمس أكثر اتقاداً، فلم يكن قد رأي أي شيء يشبه الشوارع التي بدت لهما بعد أن اجتازا بوابات الجامعة، شوارع بالغة النعومة ومرصوفة بالقطران بحيث أنه تاق إلى أن يلصق خده بها. لن يستطيع أبداً أن يصف لأخته أنوليكا كيف أن الدور هنا مطلية بلون السماء، وتتراص جنباً إلى جنب مثل رجال مهذبين متأنقين، وكيف أن الأسوار النباتية التي تفصلها قد شذبت على نحو مسطح تماماً في أعلاها بحيث بدت كما لو كانت موائد ملفوفة بأوراق الشجر».

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

إن رواية “نصف شمس صفراء” لـ” جيماماندا نغوزي أديشي” (مواليد 1977 – نيجيريا) تقع أحداثها في غابات جنوب شرق نيجيريا قبل 40 سنة مضت. كانت نيجيريا عند استقلالها عام 1960 ” مجموعة من الأجزاء في حالة تشابك هش” فإنه في عام 1967 تفكك هذا التشابك فاندلعت الحرب البيافرية التي استمرت ثلاث سنوات وأظهرت القوات التي يسيطر عليها المسلمون من الشمال تفرض الحصار علي أيبو المسيحية من الشمال والتي حاولت الانفصال عن نيجيريا بعد المذبحة الكبيرة بحق سكانها. في السياق التاريخي الغريب والمخيف فإن رواية ” نصف شمس صفراء” تجل ذاكرة حرب منسية كثيراً خارج نيجيريا، عدا كونها مرادفة للمجاعة، وعلي الرغم من أنها تستعمل التاريخ لإضفاء الفعالية علي الحاضر فإن ” أديشي” هي حكواتية وليست صليبية. تركز الرواية علي أختين توأمين، (أولانا) و(كاينينا)، وهما عضوان في نخبة “إيبو” متباينتان في المزاج والبدن و تكافحان من أجل الولاء المشترك المتبادل الذي يتعارض مع الارتياب والخداع. تنجذب التوأمان أيضاً نحو رجال مختلفين جداً: تصبح “أولانا” خليلة ” اوديجنبو” وهو مثقف ذو نزعات خيرة،يؤيد الاتحاد الأفريقي، ويدرّس في جامعة أقليمية بينما تقع ” كايننا” في حب “ريتشارد” وهو رجل إنكليزي خجل أخرق لكنه ذو مبادئ يتولي قضية بيافرا. إشاعات الحرب والنزاع بأكمله حينئذ تلقي بعالم الشخصيات الأربع الثري في الفوضي وبتواز مع العالم المختلف جداً لـ ” أجوو” وهو عامل التنظيف لدي ” اوديجنبو” ” الذي ينحدر من قرية ريفية فقيرة. أحياناً تكون كتابة ” أيديشي” مباشرة جداً وخطي الرواية بطيئة جداً. لكن ما أن تشتغل علي ثيمتيها المفضلتين – الولاء والخداع – حتي يصبح نثرها مفعما بالحيوية، ومثلها مثل نادين غورديمير فهي ترغب في وضع شخصياتها علي مفترق الطرق حيث الولاءات الشخصية والعامة مهددة بالصدام. إن كلاً من رواية إيديشي ” شمس نصف صفراء” وروايتها الأولي ” الخبيزة القرمزية” (التي فازت بجائزة كتاب الكومنولث) تتحريان الهوة بين الأداء العام للأبطال الذكور وتهربهم من المسؤوليات الشخصية وكلتا الروايتين تفحصان النساء بعمق – الزوجات و البنات اللاتي تركن معلقات في تلك الهوة. متي يتدفق الولاء من الحب ومتي يتدفق من المحنة المشتركة أو الميراث؟ إن رواية ” نصف شمس صفراء” تتحري هذه الأسئلة من خلال علاقة التوأمين القلقة ومثل شعوب “نيجيريا” ما بعد الكولونيالية فإن حياتيهما مرتبطتان بصورة لا إرادية إنهما مع أمتهما عليهما أن تختارا ما بين الوحدة العنيدة والانفصال الكارثي. إن حرب بيافرا ألقت بظلها الكثيف علي الخيال الأدبي في نيجيريا وحركت تقريباً كل الكتاب النيجيريين البارزين من “تشنوا آشبي” و “وول سوينكا” إلي “كرستوفر أوكيبو” و”فلورا نوابا” و “يوجي أميشيتاوا” و” كن سارو وايوا”. إن ” أديشي” التي ولدت قبل الحرب تنتمي إلي جيل جديد من الكتاب الشباب النيجيريين الموهوبين: هيلين هابيلا، أوزونديما آيويلا، هيلين أوييمي وكريس أباني (التي تعد روايته ” أرض الشرف” من أفضل الروايات الميتروبوليتانية لعصرنا وهي تدور عن ممثل لشخصية “الفس” في قطاع المدينة الرث”. إن “أديشي” لم تعايش الحرب الأهلية التي شكلت خيالها بصورة عميقة. و بعض من أفراد عائلتها من “الأيبو” نجوا من حرب “بيافرا”. حتى شخصياتها الأشد احتراماً لديها عيوب إنسانية. تفهم أيديشي أن الروايات، وبالاخص كل روايات الحرب، لا يمكن بسهولة أن تنجو من الاندفاع نحو الحكم. لهذا فهي تأخذنا في داخل عقل فتاة بار تغتصبها عصابة وجندي مراهق. وبعد أن نفهم عميقاً نجد ” كتلة صلبة من الخوف” داخله في “القسوة الكارثة لهذا العالم الجديد” وهي القسوة التي يصبح فيها معقداً بصورة متعلقة بالنمو. تتحدث رواية “نصف شمس صفراء” من خلال التاريخ عن عصرنا المجهد بالحرب ليس من خلال القياس التجريدي بل من خلال طاقة التفاصيل المتحركة والمخيفة أحياناً- لاجئ يفرّ إلي الشمال بالقطار حاملاً في وعاء فيه رأس ابنته بجدائلها الرقيقة. أطفال جوعي في معسكرات اللاجئين يجدون أنفسهم غير قادرين علي الإمساك بالسحلية. صبي جندي يلقب بـ” محطم الهدف” يستعمل كلمات مثل نار العدو و ” اهجم علي المقرات الرئيسة” ببرود غير مبال إذ يقول بصرخة ملفقة:” بطن الفتاة بدأ بالانتفاخ وتتساءل أمها:” هل هي حامل أم تعاني من سوء التغذية؟”. تأخذنا رواية ” نصف شمس صفراء” في داخل الحياة العادية لأناس دمرها الانحلال كما دمر الأمة. حين يدخل أحد معارف “أولانا” إلي إحدي مخيمات اللاجئين يلاحظ بأنه ” كان أضعف وأكثر هزالاً مما كان يتذكره وبدا وكأنه ينشطر إلي نصفين لو جلس علي نحو مفاجئ”. إنه قياس لمهارة “أيديشي” علي وصف الاشياء الصغيرة والفوضي التي يعيشها العالم إذ نري ذلك الانسان وهو ينتقل من بلد إلي آخر مراراً وتكراراً.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

< خلال السبعة وعشرين عاماً التي قضاها نلسون مانديللا في السجن، كان يقتلُ الوقتَ بقراءة الأدب النيجيريّ ذي الطبيعة الشديدة الخصوصية والثراء. حتى أنه وصف متعته بقراءة رواية"الأشياءُ تتداعى"Things Fall Apart للنيجيري شينوا آشيبي، الذي لُقِّبَ بـ"أبي الأدب الأفريقي الحديث"، قائلاً:"برفقته تتهاوى جدرانُ المعتقل". وقد راهن آشيبي على روائية نيجيرية شابة، لافتة الموهبة بحق، اسمها تشيمامندا نجوزي آديتشي، من مواليد نيجيريا 1977. استطاعت تشيمامندا، عبر روايتين بالإنكليزية، حصدَ قلوب ملايين القراء من أرجاء العالم، وكذا حصد الكثير من الجوائز الأدبية الرفيعة. روايتها الأولى"الخُبيزة الأرجوانية"2003، فازت بجائزة"الكومنولث"لأفضل كتاب أول 2004، ثم صدرت روايتها الثانية"نصفُ شمسٍ صفراء"،"Half of a Yellow Sun"عام 2007، لتفوز بجائزة"الأورانج"، وتبيع ملايين النسخ. هذه الرواية التي كان لي أن أترجمها الى العربية ستصدر خلال أيام عن"الهيئة المصرية العامة للكتاب"في مصر، ضمن سلسلة الجوائز، التي تُشرف عليها الروائية سهير المصادفة. تقع أحداثُ الرواية قبلَ الحربِ الأهلية النيجيرية - البيافرية وأثناءها وبعدها، وهي الحرب التي تُعرف عالمياً بحرب بيافرا. وهي نزاع مسلّح استمر من 1967 حتى 1970، في محاولة من ولايات الجنوب الشرقيّ النيجيري الاستقلال عن الدولة الاتحادية في نيجيريا، وإعلان جمهورية بيافرا، التي اتخذت من رمز"نصف شمس صفراء"شعاراً لها وعَلماً مستقلاً يكافحون من أجل رفعه على أرضهم. ولذلك أهدت تشيمامندا روايتَها لجديها اللذين قضيا في الحرب، وإلى جدتيها وأبويها الذين حكوا لها أهوال الحرب، ثم أخيراً"للحب"الذي تطمحُ في أن يسود العالم. حاول سكان إقليم بيافرا، على مدى سنواتٍ ثلاث، الانفصالَ عن نيجيريا وتكوين دولة مستقلة خاصة بعرقية الإيبو. لكن تلك الجمهورية الانفصالية لم تحصل إلا على اعتراف عدد قليل من الدول هي: هايتي، الغابون، كوت ديفوار، تنزانيا، وزامبيا. وقد دعمت إسرائيلُ الانفصاليين بإمدادهم بالأسلحة السوفياتية - الصنع التي استولت عليها من العرب، وكذلك دعمت البرتغالُ الانفصاليين نكايةً في نيجيريا التي دعمت من قبل استقلال المستعمرات البرتغالية في أفريقيا. الجميلُ واللافت، فنياً، في هذه الرواية الفاتنة، أنها، وعلى رغم من كونها رواية سياسية، وتطرح فترةً دامية زاخرة بالمذابح والانتهاكات الإنسانية، على مدى صفحات طوال 540 صفحة، إلا أن الكاتبةَ نجحت في انتزاعها من الجفاف السياسيّ والبرود الأيديولوجي بأن تناولتها من وجهة النظر الاجتماعية والإنسانية. والأجمل أن كل أحداث الرواية تقريباً جاءت على لسان صبيٍّ صغير خادم أسود، ومن خلال عينيه اللتين تريان ما يجري، وتحاولان أن تفهما ما الذي يحدث في العالم، ولِما. خلال تلك الرواية بوسع القارئ، غير الأفريقي، أن يتلصص على ذلك العالم شديد الخصوصية لمجتمع القارة السوداء"من أساطيرَ وطقوسٍ وغرائبيات. حتى أن الكاتبة طعّمت روايتها، الإنكليزية، بالكثير من الجُمل المكتوبة بالدارجة المحكية الإيبوية، التي يتحدث بها سكّان بيافرا من قبائل الأيبو Igbo. الصبيُّ الصغير الأسود آجوو، تأخذه العمّة ليعمل خادماً عند أستاذ الرياضيات في جامعة نسوكا البروفسور النيجيري أودينيجو. وفي بيت البروفسور يتنصت الصبيُّ على السيد وزائريه من زملائه الأكاديميين يتحدثون حول المجازر والانتهاكات وحُلم الاستقلال. وتمر الأيام ويكبر الصبيُّ يوماً فيوماً، فيكبر وعيه بالعالم، ويكبر معه وعينا، نحن القراء، بالقضية التي حملها شعبٌ يحلم بالحرية والاستقلال. احتفتِ الكاتبةُ بالأشياء الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية للمواطن الأفريقي، سواء القرويّ الأُميّ البسيط، أو البرجوازيّ المتعلِّم من أبناء الطبقة الوسطى، وكذلك طبقة الانفتاحيين الأثرياء من جامعي المال. وعبر تلك اليوميات تُسرِّب الكاتبةُ في مكر فنيٍّ رفيع، وفي غفلةٍ من القارئ، مفرداتِ قضيتها السياسية والاجتماعية الكبرى: صراع ثنائيات الثراء والفقر، الجوع والتخمة، العلم والجهل، وهنا ملمح موهبة آديتشي وسرّ فتنة طرحها السرديّ. والجميل أيضاً، مضمونياً، هو أن الكاتبة لم تقع في ثنائية الأبيض والأسود، الخير والشر، النقاء والتلوّث، كما فعل الكثير من الكتّاب الكلاسيكيين. فقد جعلت أبطالها الطيبين يرتكبون خطايا عابرة، كما جعلت الأشرار يأتون أعمالاً رفيعة ونبيلة. وهنا ملمح واقعيّ، لكنه لم يتكرس إلا في الكتابة ما - بعد - الحداثية، التي فضّت النزاع بين الأبيض والأسود واحتفت بملايين الدرجات من الرماديات بينهما. خمسةُ أشخاص وطفلة صغيرة هم شخوص العمل الرئيسيون. قصة حبٍّ رفيعة نشأت بين بروفسور أودينيجو، الذي سيتخذ لقب"السيد"طوال الحكي"بما أن الراوية الناطقَ هو آجوو الخادم الصغير، وبين أولانا الشابة النيجيرية المثقفة. وبعد زواجهما لن يقدَّر لها أن تنجب، وفي ذات الوقت سيقع أودينيجو في نزوة عابرة مع خادمة والدته، بترتيب دبرته الوالدة، بتوسُّل طقوس السحر الأفريقي، لكي تُفرّق بين ابنها وبين حبيبته المثقفة، لأنها تؤمن، عبر موروثها الشعبي،"أن المثقفات عواهرُ جَدِباتٌ كأراض بور لا يصلحن للزواج والأمومة". تُسفر تلك النزوة عن مولد طفلة، سوف تموت أمها فوراً وتربيها أولانا، واهبةً إياها اسم"بيبي"بمعنى"طفلة"، بالإنكليزية. وهنا رمزٌ ودّتِ الكاتبةُ أن تطرحه بعدم تعيين اسم محدد لها، وكأنها الأملُ والحلمُ الذي يتبناه شعبٌ يائس للحصول على هوية تخصه. سوى أن هذه الهوية خرجت عرجاء، حيث لحظة الحب التي صنعتها لم تكن سويةً، ليس فقط لأنها ولدَت سفاحاً، ولكن الأهم لأنها لم تكن نتاج حبٍّ بين الأبوين. فالأبُ مسحورٌ بنباتٍ مشعوذ، والأم مُرغمةٌ مقهورة مدفوعة لما لا تريد بسبب قلّة الحيلة والعوَز الماديّ والجهل. في حين أولانا، التي تمثّل المبادئ والثقافة والشباب، ستحتضن الطفلة وتربيها كابنتها. من جانب آخر نتتبع خيطاً مختلفاً يخص توأم أولانا. اسمها كاينين لكنها نقيضُ توأمتها. شرسةٌ ساخرةٌ لا تؤمن بالثورة ولا بالقضية البيافرية. سيدة أعمال تدير شركاتها وتسعى لجني الأموال، على أنها في الأخير ستناضل في سبيل القضية مثل بقية شعبها. تقع في هوى صحافي وباحث بريطانيّ، هو ريتشارد تشرشل، الذي تبنى قضية بيافرا كأنه أحد أبنائها. وكتب مخطوطة كتاب وضع له عنوان"العالم كان صامتاً ونحن نموت"، يحمل إدانةً لكل العالم الذي وقف يتفرج، صامتاً، على المذابح التي صنعها النيجيريون في البيافريين. وفي الفصل الأخير من الرواية، سيكتشف فجأة أن تلك القضية لا تخصه، وأنه ليس جزءاً من"نحن"في عنوان كتابه، هو غريب عنهم بشعره الناعم وعينيه الزرقاوين، حتى وإن أحب كاينين السوداء ذات الشعر الجعد. ولذلك سنكتشف مع السطر الأخير من الرواية، أن الذي سيكتب هذا الكتاب، ليس إلا آجوو، الخادم الأسود الصغير، الذي كبر الآن، مع الحرب، وكبرت معه أحلامه ومراراته، بعدما شهد تقتيل أفراد أسرته واغتصاب شقيقته وتشويه أطفال قريته. وسيهدي كتابه:"إلى سيدي، رَجُلي الطيب!"وهي الجملة التي كان البروفسور أودينيجو يناديه بها منذ كان طفلاً:"أهلاً بك يا رَجُلي الطيب!"

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

أقبض على رواية «نصف شمس صفراء»، لا أود أن أفلتها حتى الانتهاء منها: كيف أمكن الروائية النيجيرية الشابة تشيماماندا نجوزي أديتشي أن تكتب مثل هذه الرواية العذبة التي تفيض بالإنسانية والرقة، على رغم أنها تصور الحرب الضارية التي اندلعت بين الدولة الاتحادية في نيجيريا وولايات الجنوب الشرقي الراغبة في الانفصال وإعلان جمهورية بيافرا لمصلحة قبائل الأيبو، وسميت الحرب «حرب بيافرا»، ودامت من تموز (يوليو) 1967 إلى كانون الثاني (يناير) 1970. طوال الرواية التي نشرت بالإنكليزية عام 2007 وصدرت حديثاً بالعربية في 600 صفحة ضمن سلسلة «الجوائز» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وترجمتها الشاعرة المصرية فاطمة ناعوت، يظل القارئ مؤرقاً بالأنباء التي تترى عن المجازر وعمليات القتل والهروب الجماعي، وألوان شتى من الحصار، تلك الأحداث العنيفة التي ما كان لكاتب أن يدرك دلالاتها إلا اذا عاشها بالفعل، فكيف أمكن شابةً بعد مرور أربعين عاماً على الحرب وهي لا تزال في السابعة والعشرين من عمرها أن تبدأ كتابة هذه الرواية وتختمها وهي دون الثلاثين، وتقدم لنا عالماً يموج بالحيوية والصدق الملتهب، وتصور من خلاله ظروف الحياة التعسة عبر آلاف التفاصيل؟ تجيب الكاتبة بأن جدتيها وأبويها حكوا لها كل شيء، وتصف الرواية القرى التي حوصرت في الجانبين والمدارس التي أغلقت والمؤن التي كان الناس يتعاركون عليها ليحصلوا على الفتات، وتصف لنا - وكأنها كانت موجودة هناك بالفعل - ما جرى في معسكرات اللاجئين ونقاط التفتيش والأطفال الذين يتصارعون على السحالي ليأكلوها بعد شيها، النساء اللاتي لم يكن يحلمن إلا بقطعة جبن ولقيمات وقطرات من اللبن للرضع، بينما الجنود يسرقون الحقول بالليل. أصيب أهل بيافرا بالرعب لأن مؤيدي الانفصال في العالم كانوا قلة، لذلك كانت أكثر العبارات شهرة في تلك الفترة على لسان المثقفين والتي تكررت على لسان السارد في الرواية... «كان العالم صامتاً عندما كنا نموت». لا بد أن الحال أسوأ مئات المرات لدى شعبنا العربي في فلسطين، فهل كتب الروائيون عن الأرض المقدسة مثل رواية تشيماماندا؟ مع ذلك كان الكثير مما توالى سرده يتناول قصص الحب والجنس والأمومة والأفكار الأيديولوجية، وأحوال الأساتذة وألوان الطعام وطقوس الزواج والمزروعات، والعادات والتقاليد والأغاني والحيل السحرية التي تلجأ إليها العجائز في الغالب من أجل إيذاء الخصوم بربط رحم الزوجة الثانية حتى لا تنجب، وتحويل الجار من عاقل إلى مجنون، ومحاولة جعل المرأة السليمة كسيحة، أو لمساعدة العاقر على الحمل. قيمة الرواية الأولى ومجدها الحقيقي يكمن في براعة الكاتبة في نسج عالم فني ذي صفات إنسانية حميمة وجذابة. بناء إنساني محكم قادر في الوقت ذاته على استيعاب قضايا المنطقة، بل القارة كلها من جوانبها الاجتماعية والسياسية، المتمثلة في الآثار السلبية للجهل والاستبداد والثراء الفاحش والأمراض والجوع، وكما تقول المترجمة في مقدمتها: «لم تقع الكاتبة في ثنائية الأبيض والأسود. الخير والشر. النقاء والتلوث، كما فعل الكثير من كتاب أفريقيا الكلاسيكيين، فقد جعلت أبطالها الطيبين يرتكبون خطايا عابرة، كما جعلت الأشرار يأتون أعمالاً نبيلة». أشخاص الرواية الرئيسيون خمسة: الأستاذ الجامعي «أودينيبو»، وزوجته «أولانا»، وأختها التوأم «كاينين»، وحبيبها «ريتشارد» الإنكليزي، وصبي صغير هو «آجوو» الذي يعمل في خدمة أودينيبو وزوجته حتى النهاية. يكبر «آجوو» ويتسع عالمه وتزداد معارفه ونحن معه نتلقى منه وعنه المزيد عن تعقد الحياة وتفاصيلها التي تشمل كل شيء تقريباً. يحكي عن الحب الذي جمع بين «أودينيبو» و «أولانا» التي تخلت عن كل المزايا التي عرضها عليها الراغبون في الزواج بها كي تبقى مع حبيبها. قاوم الاثنان رغبة أسرتيهما، إلا أنهما بعد زواجهما لم يوفقا في الإنجاب، وتسعى أم «أودينيبو» الرافضة لزوجته إلى دفع خادمتها إلى فراشه في غياب الزوجة. يثيره دفء الجسد الجديد فيتحرك باتجاهه غريزياً وبتأثير سحري حبكته ورعته أمه نكاية في زوجة غير مقبولة ولا تنجب. تفزع الزوجة من خيانة زوجها فتخونه مع زوج شقيقتها «ريتشارد». وبعد فترة يتفق «أودينيبو» مع «أولانا» على تجاوز تلك النزوة ربما نكاية من «أولانا» في الحماة التي تود التخلص منها بتدبير حادث الفراش. تحمل الخادمة وبعد أن تضع مولودتها تقرر أولانا الاحتفاظ بها وتسميها «بيبي»، أي طفلة، وهذا الاسم يدل على أنها بلا اسم، كأنها مجرد طفلة بلا هوية. وإذا كانت الطفلة تشير لدى البعض إلى الأمل الوليد، فلعلها في نظر الكاتبة أمل مبتسر ودخيل يفتقد الشرعية والأصالة ويبقي الجميع في انتظار وليد الصلب والترائب. تتعدد المواقف الدالة ذات الصوت الهامس والحراك الاجتماعي الطبيعي من دون خطابية أو أيديولوجية، لكن المواقف والحوارات، حتى في أبسط صورها تكشف للقارئ الحصيف صفاً طويلاً من الدلالات والرموز الكبيرة والصغيرة. تصور الرواية الحضور الأفريقي المترع بالشعر والخصوبة والحكمة والفن والغضب والحكايات والخرافات والعجائب والرقص والذكريات والجوع وتقديس الأسلاف وكراهية المستعمر والمستبد ومقت القيود والفساد والغدر. وهي قبل أن تكون رواية أفريقية هي من دون شك رواية عالمية بفضل تكامل الرؤية الفنية والفكرية التي ألقتها على عاتق البطل الصغير «آجوو» الذي كان اختياره للقيام بدور السارد موفقاً، لأنه الشخص الذي لا يعرف ما يكفي ومن ثم فهو مطالب بأن يعرف كل شيء حتى يستطيع القارئ الغريب - من خلاله - أن يعرف. كما تتميز الكاتبة بالقدرة التصويرية اللافتة، سواء في ملامح الأماكن والطرق والمعاناة الجسدية وفي رسم معالم الشخصيات، إضافة إلى الشعرية المرهفة المنبثقة من تراكيب اللغة ومن بلاغة التعبير عن المشاعر العاطفية والمتناقضة والمعذبة بما يكشف من الوهلة الأولى عن نضج وامتلاك مقتدر للأدوات الفنية. وتشيماماندا ولدت عام 1977 وقدمت للمكتبة الأدبية روايتين فقط: أولاهما «الخبيزة الأرجوانية» عام 2003 وحازت جائزة الكومنولث لأفضل كتاب أول، ثم روايتها «نصف شمس صفراء»، والعنوان يصف علم بيافرا، وحازت هذه الرواية جائزة الأورانج البريطانية وبيع منها ملايين النسخ.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0