Skip to content
غلاف كتاب الحي الروسي
مجاني

الحي الروسي

0.00(0 تقييم)
عدد الصفحات
288
سنة النشر
2019
ISBN
9786140217249
المطالعات
591

عن الكتاب

تحكي هذه الرواية عن حي يرفض الدخول في الحرب الدائرة من حوله طيلة سنوات، ولكنه يجد نفسه، أخيرا، مرغما على دخولها، فيدخلها بالحكاية وليس بالأسلحة. أبطال الحكاية هم زرافة في حديقة الحيوانات، كلب بودول، كلبة أفغانية، وعصفور منسوج من الصوف. ومن الشخصيات الأخرى الراوي وهو مترجم يعيش في حديقة الحيوانات في الحي الروسي، وفيكتور إيفانيتش صحفي روسي سابق يعمل حاليا مديرا لحديقة الحيوانات، وأبو علي سليمان أستاذ لغة فرنسية وصاحب محل ألبسة، عصام بطل شعبي يعمل في كباريه ورشيدة المغربية عازفة عود سابقة في كباريه، أركادي كوزميتش كاتب روسي مغمور ونونا بنت عازف كلارينيت تنسج الصوف وتعيش مع الراوي في حديقة الحيوانات، وآخرون...

عن المؤلف

خليل الرز
خليل الرز

خليل الرز من مواليد الرقّة عام 1956. صدرتْ له روايات: «سولاويسي»، «يوم آخر»، «وسواس الهواء»، «غيمة بيضاء في شبّاك جدّتي»، «سلمون إيرلندي»، «أين تقع صفد يا يوسف». كما صدر له في الترجمة عن اللغة الروسيّ

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف بالتساوي

بالتساوي

خليل الرز

غلاف سلمون إرلندي

سلمون إرلندي

خليل الرز

غلاف البدل

البدل

خليل الرز

غلاف إثنان

إثنان

خليل الرز

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

المراجعات (2)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٣‏/١٢‏/٢٠١٩
في رواية "الحي الروسي"، يبني خليل الرز عالماً بعضه وهمي، وبعضه الآخر حقيقي. إنه يتخيل مجتمعاً كاملاً يقوم على أطراف دمشق، ويسميه الحي الروسي، ويضع فيه البيوت والحوانيت، والملاهي، وحديقة الحيوان، وبعض الساكنين الروس، وبعض السوريين، والكلّ "هنا" يعيش بأمان وسلام، إلى أن جاء البلاء الأعظم، عندما بدأ القصف يقع على غوطة دمشق من بساتين الحي الروسي. تسكن الشخصية الرئيسية في الحي الروسي، وهي جالسة تتفرج على مباراة من الأرشيف بين إسبانيا والأوروغواي، وعلى صوت المدافع القريبة التي كانت تأتيها منذ الصباح الباكر، ولقد كانت تنتظر فطائر التفاح التي يخبزها دينيس بتروفيتش، أستاذ الكلارينيت في المعهد العالي للموسيقى. هكذا "يخلط" الرز بين الأمكنة، وهذه عادة جرى عليها في روايته "البدل"، فالعالم كلّه بين يديه، ولماذا لا يضع الرقة قريبة من موسكو، وحلب قريبة من جبل قاسيون، ودمشق فيها حديقة حيوانات، وعلى ذلك يمكن أن تكون الغوطة قريبة جداً من الحي الروسي، ومن الحي الروسي يأتي قصف المدافع. يتجّه خليل الرز إلى خلق نصّ روائي لا يجاريه فيه أحد، إنّه يخلط الأمكنة مع بعضها، وهذه الطريقة تعتبر واحدة من الطرائق الحديثة التي تستخدمها الرواية العالمية، وتشتمل على الظواهر التي تمثل تغييراً في السرد الروائي ذاته، كما أنها تمثل تغييراً في طريقة تسلسل الأحداث التي اعتدناها في الرواية. والجديد في رواية خليل أنها تتم بوسائل أدبية مختلفة ""يخلط" الرز بين الأمكنة، وهذه عادة جرى عليها في روايته "البدل"، فالعالم كلّه بين يديه، ولماذا لا يضع الرقة قريبة من موسكو، وحلب قريبة من جبل قاسيون، ودمشق فيها حديقة حيوانات" (تقطيع السرد والغموض في أحداث الرواية) كذلك نراه يستخدم دائماً حبكة متقنة الصنع وبشكل فني، فالقارئ أمام هذا التقطيع يكون واعياً بالنصّ، ومن ثم بطبيعته الانفعالية. وإنّ هذا الغموض واللعب الروائي يمثلان خاصية من خواص الرواية الجديدة. ففي حديقة الحيوانات نراها لا تملّ من سماع نشرات الأخبار في التلفزيون (قياس 14 بوصة) ولا من برامج العمال والفلاحين وتهضم بسهولة النقل المباشر للمسيرات الشعبية في ذكرى الهزائم والانقلابات وتتحمل بشاعة وتسامح الأعياد المتنوعة، وتتابع إلى النهاية المقابلات المتشابهة التي تجري مع الكتاب والممثلين ورؤساء البلديات ومديري التموين والمجرمين التائبين، وتنظيم المرور في شوارع المدينة القديمة. لقد صار بإمكاننا أنّ نترك الحيوانات تتفرج على هذا العالم المتواصل أمامها طوال الليل على الشاشة الصغيرة. في تقديم النصّ وفي حبكته يصور خليل الرز المجتمع تصويراً كاملاً، ويؤدي هذا التصوير الأدبي للواقع إلى تواز بين المؤلف ونصه، وعلى ذلك تبدو الرواية أكثر تعقيداً، لكنه في نهايتها يسجل السيطرة على المجتمع وقوانينه. ويقحم أمّه في الحكاية، فأثناء مشاهدته المباراة، وأثناء قصف المدافع لجيرانهم في غوطة دمشق وهذا يكون من قبل الحي الروسي، تظهر أمّه وهي تطرطق على الأرض بعصاها، في هذه اللحظة الحرجة من عمر المباراة، لتطلب منه أنّ لا ينسى قدمها في سطل النفايات لأنها ستبتر في مشفى الرازي وأنه عليه دفنها في اليوم ذاته لكي تحشر معها يوم القيامة، ولم تدرك أن ولدها مندمج بالمباراة وبالضجيج المنبعث من التلفزيون، فيؤجل مفاتحتها بموضوع قدمها إلى يوم الحشر. اللغة الحديثة معمار الأحداث خليل الرز يدهشنا بلغته التي تصنع الأحداث، إنها لغة طازجة، متهورة، سريعة، تسابق الزمن، وتحيط به، وهي تبني عالمها ببراعة قلما يستطيع روائي آخر أن يجاريه، أو لنقل بشكل آخر، إنّ الرواية عند خليل الرز هي اللغة، واللغة الحديثة هي المعمار الذي يبني عليه أحداثه. ونعود إلى الأمّ التي سوف تتزوّج أباه "الذي سيأتي من حلب عندما سينمو لها ثديان كبيران، وسوف تلدنا جميعاً، أنا وأخوتي، ويجب أن تتعلم كيف تطبخ منذ الآن، وكيف تجلو الأطباق، وكيف تغسل الملابس، وكيف تسكت الأولاد، وكيف تشعل الحطب في الموقد وفي الوجاق وتحت صاج الخبز"، وهكذا يبني خليل عالمه السريع والمذهل بهذه اللغة الحارة. واللامعقول هو الأساس في بناء الأحداث، فطالما أن الحرب التي تقع في سورية تقوم على اللامعقول، فلماذا لا يصنع رواية تقوم أحداثها على بنية اللامعقول. إنّ "بوريا" وهو إحدى شخصيات الرواية هو المتنفذ الفعلي بمصائر الحي الروسي، "وكان نفوذه بدأ منذ حوّل زعران الحي، فارضي الخوات القدامى، جثثاً في حاويات القمامة، ثم فرض أعماله الخيرية التي حاصص بموجبها الناس بأرزاقهم بدءاً من المتسولين ولاعبي الكشتبان وعاهرات الأرصفة وأصحاب بيوت البغاء وصالات القمار والمطاعم والمقاهي والكباريهات والسينما والمسارح وصالات الفن التشكيلي". هذا البوريا يلاقي عصاماً أمام حديقة الحيوانات، ولقد أدرك جميع السكان أن الحي الروسي لا يقع في فراديس أحلامهم المفقودة، ولا يقع في العاصمة القديمة دمشق، وإنّ كان جزءاً من الجغرافية في الكتب والمصورات. لقد كان الحي الروسي برزخاً هشاً، لكنه قابل للحياة بصورة من الصور. وعصام هو المؤلف والمخضرم للرقص والأغاني والحكايات الشعبية والمنافسات والأعياد والطقوس والشعائر، لكنّ الأحداث الساخنة التي انفجرت في عموم البلاد قد نسقت عملياً الخيارات المتاحة لحكاية الحي الروسي بين بوريا وعصام لسوء الحظ. ساهمت وسائل الإعلام في مشاعر الناس القديمة منذ بداية الأحداث عندما عمّت التظاهرات عدداً من مدن البلاد وبلداتها... منذ تساقط القتلى بين المتظاهرين، وما تلا ذلك من تشكيل الألوية والكتائب والفيالق المجاهدة في سبيل الله، واستمرار وصول الجنود القتلى من أولاد الحي الروسي، وبدء تدفق قذائف الهون القادمة من الغوطة فوق رؤوسهم، وتزايد أعداد المعتقلين الذين أصبح يعثر عليهم عراة مشوّهين مكبلين في البساتين وفوق تلال القمامة، ثم إمعان الطائرات بقصف المدن وإزالة بعض الأحياء والبلدات الصغيرة من الوجود... وبعد أن يصف كلّ هذا الهول بدقائقه التفصيلية ينتقل ليصف لنا تلفزيون حديقة الحيوان، ويقارن حجمه الصغير بتلفزيونات الحي الأخرى ذوات الشاشات الضخمة والمواصفات الحديثة في كثير من المطاعم والمقاهي والبارات والبيوت، وهذا يعود إلى الصداقة التي عقدت منذ مدّة قريبة بين رئيسة بتروفنا وبين العجوز موستاش – كلب أبو علي سليمان، وهلمّ جرّا. هكذا يجمع خليل أحداثه ويوزعها في الرواية، وينتقل من اللامعقول إلى المعقول، ومنه إلى فضاء يدهشنا فيه، وربما هو أصبح كتلة مؤسفة من الحجر البارد الأصم، لم يعد يؤثر فيه شيئ من الفظائع التي تجري أمامه. ويجّدد خليل في المكان، فالأماكن غير معروفة عند القارئ فليلعب بها إذاً، وإذا الطبّال عز الدين مع مهرج سيرك وراقصة مصرية شابة، وثلاث عاهرات روسيات مسنّات، يأتي بهن من كباريه إشبيلية من حلب، ثم ظهر الأستاذ معين أمين مكتبة المركز الثقافي في دمشق، وبعد ذلك يصعد خليل حجازي مع مجموعة من الممثلين والممثلات العاطلين عن العمل، يصعدون إلى مكان وهمي، ثم يصل أركادي مع حفيدته راما وابنته طبيبة الأطفال صوفيا وزوجها الدكتور عزيز الشيوعي السابق الذي شهر به في العمالي، وحنا كعدة، والعندليب، ومقصف الجامعة المركزي، ولماذا فصل من الحزب، لأنه ظهرت عليه أعراض مرض الطفولة اليساري، بالإضافة إلى أشخاص كثيرين لم ترهم من قبل لا في حديقة الحيوانات، ولا في شوارع الحي الروسي الذين تطرقهم كلّ يوم قتل وانفجارات وخطف واعتقالات ودم يتوزع بهدوء. وها هو عصام يقتل، فلو أنه قتل بقذيفة هاون قادمة من الغوطة لكان قتله وتشييعه ودفنه موضع ترحيب من قبل بوريا ورجاله، وسيعامل معاملة استثنائية لا يتمتع بها إلا ضحايا الغوطة والقتلى من أولاد الحي الروسي، الذين تخلفوا عن الخدمة العسكرية، ولم يحالفهم الحظ لا في السفر إلى خارج البلاد ولا في التخفي المتقن داخلها، فألقي القبض عليهم وأرسلوا إلى جبهات القتال، ثم عادوا في صناديق مختومة ملفوفة بالأعلام باعتبارهم شهداء الوطن، وسيكون مشهداً مذهلاً بتحليق نعش عصام بالملائكة والطبول خلف مشعل يمضي بهم في أعالي السماء، وعندئذ لن يكون مستحيلاً بأن يحلّق وراءهم حاملو المشاعل والمشيعون والحي الروسي كلّه، وسوف تكون معجزة لن تنسى. انتهت جنازة عصام بشكل مسرحي، وبأن الحي الروسي لم يفكر أن بلادنا منذ ثورة آذار المجيدة لم تعد تنظر إلى المتظاهرين إلا باعتبارهم إرهابيين مموّلين من جهات خارجية وأنّ التظاهرات لم تعد سلمية حتى ولو خرج المتظاهرون عراة إلى الشوارع. إنّ من يتابع مسيرة خليل الرز الروائية يدرك تماماً أنه يعيش التجديد والحداثة في كلّ عمل، فهو ينطلق دائماً نحو عالم جديد يشع فتنة وغموضاً ودهشة، وهو يمضي وحيداً.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٣‏/١٢‏/٢٠١٩
كتب الروائي السوري خليل الرزّ بأسلوبه السرديّ المفارق روايته الجديدة "الحيّ الروسي" (منشورات ضفاف والإختلاف 2019)، كحيّ افتراضي تموضع في ضاحية من ضواحي دمشق، كنا تعرفنا إليه وإلى بعض شخوصه في روايته السابقة "البدل". والمفارق أن الروائي لم يجعل من روايته الجديدة جزءاً ثانياً يستكمل به "البدل" على غرار أصحاب الثلاثيات من المشاهير مثلاً، وإنما على غرار بعضهم الآخر الذي أنجز روايات عدّة دارت أحداثها في مكان واحد باختلاف الزمان بين هذه وتلك، من مثل الروائي الأميركي وليم فوكنر (1897-1962) الذي استلهم أعماله من مكان ولادته ولاية ميسيسبي الجنوبيّة، حيث دارت أحداث رواياته في هذا المكان المحدود والمعروف التفاصيل والمعالم. الاستهلال الروائي ثمة سارد متماه بمرويّه استهل الرواية انطلاقاً من حديقة الحيوانات حيث يعمل ويعيش مقدّماً نفسه وكائناته اللطيفة في إطار من الفانتازيا بما اجترحه من خيال لا حدود منطقية تفصل بينه وبين الواقع، إذ تتداخل الأشياء بمنطق سرديّ خاص تتشابك فيه الأزمنة ما بين ماض قريب وحاضر تعيشه الشخصيات العاملة في الحديقة وبعض جوارها في الحيّ الروسي. السارد كعامل انضمّ حديثاً إلى أسرة الحديقة وأسرة تحرير مجلة الحائط فيها، ونعلم لاحقاً أنه مترجم وخريج جامعي متخصّص باللغة الروسية وآدابها، وعلى معرفة سابقة بمدير الحديقة فيكتور إيفانيفتش باعتبارهما عملا سابقاً في مجلة "أنباء موسكو" التي اشتهرت إبّان مرحلة البيروسترويكا قبل أن ينتهي المآل بالاتحاد السوفيتي الجبّار إلى الانهيار المدويّ ويتشتت أبناؤه في العالم. والآن إذ ساقتهم الأقدار إلى العاصمة السورية دمشق والسكن في الحيّ الذي تشكّل مع مجيئهم كمكان روائي رامز إلى ممكنات التعايش بين الشعبين الصديقين من جهة، وما لحق به من مشكلات نتيجة هذا المجيء لاحقاً. بذلك ينشط السارد في تقديم حكاياته المتتالية عن هذا المكان الأليف وأهله . فللزرافة حكاياتها باعتبارها شخصيّة أساسية شأنها شأن الشخصيات البشرية، وقد خصص لها عدداً من الفصول راصداً سلوكها وعلاقتها بالسارد ونونّا والشخصيات الأخرى مثل الكلبة الأفغانية رئيسة بتروفنا وصاحبها فيكتور إيفانيفتش اللذين يعيشان في غرفة على السطح المقابل لغرفة السارد المبنية فوق المستودع ـ والكلب البودل موستاش وصاحبه أبو علي سليمان معلّم اللغة الفرنسية وصاحب محل الألبسة المجاور للحديقة، إلى جانبهم عصام وعبد الجليل حجازي، فضلاً عن شخصيات أخرى وبعض الحيوانات والطيور التي توجد في الحديقة بغرض العرض على زوّارها. قارئ الرواية يلتمس هذا التعايش بين شخصياتها المختلطة من بشر وحيوانات في الحيّ الروسي الذي كان بمنأى عن الحرب الأهلية الجارية بين طرفَي النزاع من خلال دويّ المدافع وقضف الطائرات والهاونات والدبابات، حرب حقيقية تجري باستمرار في الجوار لكنها بطبيعة الحال ومع مرور الزمن تؤثّر في حياة سكّان الحديقة الذين كانوا يتابعونها على تلفزيون متنقّل صغير في سهراتهم على السطح. مرتكزات سردية تنهض الرواية بنائياً على عدد من المرتكزات السرديّة، وكان أوّلها الزرافة على الرغم من أنها لا تتحدث ولم تصدر أي صوت على مدار الرواية أو حتى في حوار مع الحيوانات الأخرى كما في أفلام الرسوم المتحرّكة. هنا مزيد من الصمت لكنه صمت متكلّم يترجمه السارد لقارئه باعتباره المهيمن على سرد الأحداث وتأويل السلوكات للكشف عن السرائر وخطابات التخاطر كوسيله للتفاهم بين بعضها بعضاً، وبينها وبين الآخرين. وباعتبار الزرافة مرتكزاً سردياً، فإنها تساعد السارد على تقديم عالمه الناهض على التداعي غير المنتظم والوصف المتقصّي وتقديم المشاهد البصرية المؤفلمة التي امتاز بتقديمها خليل الرزّ في أعماله كافة، وفي هذه الرواية بشكل خاص. واللافت في أسلوب التداعي الذي يعتمده الروائي أنه يدمج الواقع بالخيال والممكن بالمستحيل ليضفي على الرواية بصمته الإبداعية، وكمقاربة مبدئيّة لعلّه يشبه أسلوب سارد الأساطير. هنا في رواية "الحي الروسي" زمن قصير أو بالغ القصر لعالم يعيش لحظات الانهيار الأخيرة بمختلف شخوصه وكائناته، وما بين هذه اللحظة وتلك تتشابك الحكايات بمهارات شهرزادية من الحكاية الإطارية وفنونها كالاستطراد والاستباق والفلاش باك، وكلّ حكاية تتفرع عنها حكايات، فضلاً عن سرديات التلفزيون الذي بدوره يعتبر مرتكزاً سردياً بما يبثّه من برامج اعتيادية ومعارك وقصف وقتل وتهجير. ولذلك فقد أخرس واكتفى الساهرون على السطح بالصمت لغة، إذ ليس ثمّة جديد يقوله قائل وسط هذا الدمار والخراب المحيط بالغوطة المجاورة أو في البلدات الأخرى. تحتاج هذه الرواية إلى مزيد من التأمّل في مجموع البنى الرمزية التي اعتمدها الروائيّ سواء في اختياره الأمكنة والشخوص، من مثل حديقة الحيوانات، والحيّ الروسي كمكانين أو مركزين سرديين، فضلاً عن شخصيات كلّ من نونّا البالغة الدلالة بحضورها الأنثويّ وفاعليتها في تحريك الأحداث، وشخصية الأمّ الرامزة إلى سيرورة اضطهاد الأنوثة في الريف السوري، إلى جانب عصام الشاب المنتمي إلى هوامش الحيّ إذ يأخذ بدوره حيّزاً واسعاً من السرد. وبطبيعة الحال الزرافة كرمز للوداعة على الرغم من الخوف الكامن في أعماقها، وكأنه ذلك الخوف الموروث عن أسلافها من وحوش الغاب، وإلى جانبها الكلبة المتصفة بحكمة الشيخوخة رئيسة بتروفنا وكلب البودل موستاش الذي بدوره شهد انعطافة حياتية بعد تعرّفه على أسرة الحديقة و تأثّره البالغ بالزرافة التي يمكن اعتبارها رمزاً أمومياً وفقاً لبعض سلوكات السارد تجاهها، أو على الأقل بعضاً من التناظر ما بينه وبينها من حيث مشاعر الفقد والحرمان العاطفي، ليعقد فصلاً خاصاً سمّاه "الزرافة وأمّي" كنوع من التوغّل الافتراضي في ذاكرة أمّه البسيطة مع افتراضه أنها لا تعرف الأورغواي ليعدد أسماء المدن السورية حينها ويكشف عن مسقط رأسه مدينة الرقّة والحزن السوري المديد. ولعلّي أخال أن إقامة هذا التناظر الافتراضي تعويض عن تلك المشاعر والرغبات التي لم يُتح له التعبير عنها خلال تعايشه مع أمّه. في هذا الفصل ينحرف السرد تلقائياً نحو أسلوب السارد العليم لبيان حكاية أمّه انطلاقاً من حياتها الأولى كطفلة يتيمة في بيت عمّها وعرض معاناتها الكبيرة بما يحيل إلى حكاية "سندريلا" الشهيرة من حيث القسوة والظلم من قبل زوجة العم، وما أفضيا إليه من آثار نفسيّة تجلت في اغترابها الكلّي عن المكان وتفعيل خيالها الطفليّ في مخاطبة الأشياء والكائنات. تجليات التجريب فضلاً عن أسلوب التداعي العفوي والمصاحبات اللغوية والبصرية، يتّبع السارد أسلوب التكرار المتعمّد كتقنية خاصة معتمدة لدى خليل الرز، ربّما جرياً على عادة سارد الأسطورة كما في جلجامش أو الإلياذة مثلاً. فالتكرار هنا هو نوع من الاشتغال للاستحواذ على ذاكرة المتلقّي وإبقائه في أجواء الحدث ولمتابعة ما سيضيفه من حكاية أو معلومة في القالب السرديّ الذي تتخلله تلك الاستطرادات المتنوّعة التي تخطر على باله خلال مشاهدة التلفزيون أو الحوارات بينه وبين نونّا أو ما يفترضانه من أن الزرافة ترغب فيه أو تميل إليه، من مثل افتراضه أن الزرافة تميل إلى رؤية عجول البحر والفراشات. وهكذا ثمّة أمثلة كثيرة ليغدو هذا النمط من الإحاطة السردية الشاملة بصمة إبداعية خاصّة امتاز بها الروائي. لعل أبرز ما ميز هذه الرواية هو التوظيف البارع لتقنية الوصف وتقصًي التفاصيل كمهارة معززة لما تقدّمنا به، وأكثر ما تتجلّى بنائياً في رصد المشهديات البالعة الأثر في نفس المتلقّي وبخاصة مشهدي دفن عصام والنزوح الجماعي خلف الزرافة، بما بنمّ عن احترافية مبدعة في التقاط التفاصيل المادية فضلاً عما جاش في نفوس الشخصيات وجموع الناس المحتشدة لتشييع عصام. ومن النادر حقيقة أن يقرأ المرء مثل هذه المشاهد المؤثّرة ما بين حماسة سكان الحيّ الذين لم يكونوا معنيين بمسألة الحرب لولا مقتل بطلهم عصام في الغوطة على أيدي ثوارها في محكمة شرعية اعتبرته أحد مروّجي الدعارة في الحيّ والتعايش مع امرأة من دون زواج شرعي، وعصام باختصار بطل رياضي ترسّخ في أذهان الناس بشهامته ووقوفه في وجه المافيا الجديدة المتمثّلة بـ "بوريا" المتحالف بطبيعة الحال مع الأجهزة الأمنية في العاصمة (القديمة) دمشق بتعبيره المقصود والمتكرر، وقد نجا من محاولات التصفية المتكررة من قبل بوريا وعصابته، ما أدّى إلى أن يتحوّل إلى بطل في أذهان سكّان الحيّ الخاضعين لابتزاز بوريا الدائم، كوعي شعبي مقابل أمل الخلاص واسترداد الكرامة المهدورة، بما يمكن إسقاطه واقعياً على مجريات المشكلة السورية من جانب، وحاجة هذا الشعب المغلوب على أمره إلى رمز يقوده للخلاص. فانطلق اليوم بقضّه وقضيضه مع أطفاله وحيواناته وأشيائه لتشييع عصام في موكب مهيب من حملة المشاعل وقرع الطبول، ولكن سرعان ما أقبلت الطائرات المروحيّة من العاصمة لبثّ الرعب في نفوس المشيعين وتفريقهم، فهاموا في المقبرة المظلمة مذعورين في الوقت ذاته الذي سمعوا فيه صوت انفجار مدوّ، كانت حديقة الحيوانات ذاتها ضحيته بواسطة سيارة مفخخة! وعلى الرغم من أنها زرافة ودودة كان لا بدّ من قتلها أيضاً وسط الساحة بزخة رصاص من رشاش دبابة منتظرة، لتعود البلبلة إلى صفوف المهمّشين بانتظار رأس يقودها من جديد في متاهة جديدة! خليل الرز في هذه الرواية لم يكتب تاريخاً وإن كان حاضراً بقوّة، وإنما قدّم فناً راقياً في قالب روائي عاين فيه المشكلة السورية عبر ما اجترحه من أحداث وشخوص بعضهم كان موجوداً في روايته السابقة "البدل" وفي الأمكنة المتخيّلة المتجاورة والمتفاعلة ذاتها في فضاء روائي حافل بالحكايات والمشهديات المؤثّرة، وكأننا خرجنا للتوّ من فيلم سينمائي من أفلام الخيال الآسر.