Skip to content
غلاف كتاب بغداد السبعينات: الشعر والمقاهي والحانات
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

بغداد السبعينات: الشعر والمقاهي والحانات

4.0(٤ تقييم)٨ قارئ
عدد الصفحات
٢٥٦
سنة النشر
2014
ISBN
9782843062049
المطالعات
١٬٥٠٨

عن الكتاب

"بغداد السبعينات" سيرة أدبية يخطها الشاعر العراقي هاشم شفيق واحد من أهم شعراء جيل السبعينات العراقي، الجيل الشعري الذي أحدث إنفلاتات شعرية اتسمت بالحداثة والتجديد على مرّ السنين، ومن الذين تمكن وشعراء غيره من الإفلات من قبضة تسلط المؤسسة الثقافية التي كانت تديرها ثلة من أدباء السلطة وليبدأ شوطه الجديد في عالم الترحال والإستقرار بمدن وعواصم عربية وعالمية، ولكن هذا كله لم ينسهِ عالم الشعر والمقاهي والحانات في "بغداد السبعينات"، فكان هذا الكتاب بمثابة تسجيل لمرحلة عاشها الشاعر، تشكل مضمون تجربته الأدبية بين رفاق الدرب ورفاق الشعر، مستذكراً الأماكن والزوايا والروائح والطبائع والعادات والوجوه والمقاهي. يقول المؤلف في ثنايا عمله: "جيلنا تحديداً، كان يرتاد أكثر من مقهى ولكنه كان يديم التردد على اثنين هما مقهى "البرلمان" ومقهى "المقعّدين". إلى مقهى "البرلمان" كان يأتي الكل، بقايا من جيل الخمسينات غير المشهورين، لفيف من جيل الستينات، بينهم القاص والروائي والصحافي والشاعر. وجيلنا المتنوع في اتجاهاته الأدبية والفنية فهناك الرسام والنحات والممثل والمخرج والقاص والناقد والصحافي، والإذاعي، والتلفزيوني، والسينمائي. جيل متعدد المواهب. وكان جلّه يميل إلى كفة اليسار واليسار الجديد (...). كان جيلنا مخضرماً، عاصر جلّ الأجيال الذهبية التي سبقته (...) اكتسب جيلنا حساً نقدياً، وامتلك رؤية جمالية إنسانية، وعدة معرفية ومفاهيم حداثية جديدة مكنته من المواصلة وتحدّي القيم الماضوية والأفكار السلفية والتصورات الفاشية للفن والأدب والحياة وللطبقات الإجتماعية على نحو عام". ومن أعلام هذا الجيل سوف يحضر في هذه السيرة أدونيس وصلاح عبد الصبور وسعدي يوسف ويوسف الخال ومحمد الماغوط وفوزي كريم وسامي عبد الجبار وزاهر الجيزاني وخليل الأسدي وآخرون كتب عنهم هاشم شفيق عبر رحلته بين باريس وبودابست وبرلين وبراغ بطيبته العراقية وقلمه الحزين على الوطن وأهله.

عن المؤلف

هاشم شفيق
هاشم شفيق

هاشم شفيق (1950) شاعر وروائي وناقد أدبي عراقي. ولد في بغداد ودرس فيها. غادر العراق في 1978. عمل مذيعًا في إذاعة المقاومة الفسلطينية فيبيروت. ثم عمل في الصحافة العربية لسنوات طويلة، يقيم في العاصمة الب

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٦‏/٢٠١٥
في «بغداد السبعينات: الشعر والمقاهي والحانات» (المدى)، تصبح الكتابة عن بغداد السبعينيات محاولة لاسترجاع زمن بهي عبر ذاكرة معبّدة بأوجاع لا تحتمل، بعدما تشتّتت المدينة مع أبنائها في منفى هائل. يشكّل المؤلّف فرصة للعودة النوستالجية إلى العاصمة العراقية؛ شوارعها وقصائدها وحاناتها وأحلامها المجهضة «لقد كنّا صغاراً على المصائب، في بلاد تحبل بالفتن والقلاقل والانقلابات والمؤامرات» بهذه العبارة يختزل هاشم شفيق (1950) تطلّعات جيل وجد نفسه في خضمّ تحوّلات خانقة، انتهت به إلى المنافي. انطفأت أحلام جيل السبعينيات العراقي، وتشتتت خطواته في مختلف أنحاء العالم، في أكبر هجرة تشهدها عاصمة عربية، تحت وطأة المطاردة والسجون والقبضة الفولاذية. في كتابه «بغداد السبعينات: الشعر والمقاهي والحانات» (دار المدى)، يستعيد الشاعر العراقي تلك الحقبة العاصفة، في لهاث نوستالجي آسر، محاولاً ترميم سيرة أمكنة وأشخاص ونصوص، في مدينة لطالما كانت مفتوحة على الأسطورة والشعر والعنف. غاب صاحب «أقمار منزلية» نحو 28 سنة عن بغداد، وها هو يجد أشلاء أمكنة وحطام ذكريات، وقائمة طويلة من الموتى، وكأن الكتابة عن بغداد السبعينيات محاولة لاسترجاع زمنٍ بهي، رغم أوجاعه التي لا تحتمل. شعراء يتلمّسون خطواتهم الأولى، أتوا من الأطراف، قبل أن يقتحموا المركز بمقاهيه وحاناته وشوارعه، يتأبطون كتباً وأسماءً ونظريات، في سجالات صاخبة «كنّا شبه مجانين، عدميين، نعيش حياة بوهيمية، نريد من خلالها التهام العالم دفعة واحدة، عبر قراءات طويلة». نون الجماعة هنا تشير إلى بزوغ ورشة تتمازج فيها مختلف الأجناس الإبداعية، بقوة الكتاب أولاً، فقراءة رامبو حينذاك ستقود الشاعر الشاب إلى باريس هائماً تتناهبه الحيرة والقلق والعدمية، ثم سيعود إلى بغداد مرّة أخرى، لينخرط في «ماراثون القراءة» بصحبة زاهر الجيزاني وشاكر لعيبي وخليل الأسدي وآخرين، قبل أن تتناهبهم لوثة الرحيل. سيتجه شاعرنا إلى بيروت لرؤية البحر والكتابة عنه، على غرار ما كتبه الفرنسي سان جون بيرس (1887_1975) وآخرون، كتجربة معيشة، وليس كنتاج قراءة وحسب. وسوف يرسم خريطة بغداد الإبداعية، تبعاً لجغرافية مقاهيها وحاناتها، إذ كان معظم أبناء جيل السبعينيات يرتادون مقهيي «البرلمان» و«المعقّدين»، يتبادلون الكتب والمجلات والقصائد الطازجة والأفكار اليسارية، متطلعين إلى الفكر التنويري المحمول على حسٍ نقدي خلّاق، وكان الشعر بالنسبة إليهم خلاصاً حقيقياً. ما إن يطوي النهار صخبه، حتى تتوزعهم الحانات في شارعي أبي نواس والسعدون. يحصي هاشم شفيق نحو 50 حانة، كانت قائمة حينذاك، مثل «شريف وحداد» و«جبهة النهر» و«سولاف» و«السقيفة» و«غاردينيا» و«سرجون»، لكنه في زيارته الأخيرة إلى بغداد (2012)، سيتفقد أطلال هذه الأمكنة التي لم تعد موجودة، مثلما سيلتهم انفجار سيارة مفخخة تراث مكتبات شارع المتنبي وسوق السراي، أحد أشهر شوارع بغداد للمكتبات، وسوف يطاول الخراب دور السينما، بعد أن أغلقت أبوابها، واحدة تلو الأخرى. يستعيد صاحب «تطريز بالكرز» أيضاً ذكرياته في المسرح، وصعوده الخشبة بأدوار ثانوية، قبل أن يغامر بالغناء في برامج الهواة، ويشغف بالأعمال التشكيلية وإذا بهذه الفنون مجتمعةً، تشكّل ذائقته وتوقظ حواسه في شحن قصيدته بعناصر جديدة لجهة الإيقاع واللون والتشكيل البصري، سابحاً مع أقرانه عكس التيار، في تأصيل نصّ مفارق ومغاير وجريء. يتوقف هنا عند ذلك الشغف الفريد بالشعر ونشوة نشر القصيدة الأولى، وارتطامه بقصائد الآخرين، هذه القصائد التي فتحت أفقاً رحباً أمامه لتطوير أدواته الشعرية، وتأسيس مشروعه الشعري المختلف. ليست المقاهي والحانات فقط، ما يشدّ الشاعر إلى فضاء السبعينيات، فهو يتذكّر الغرف التي شهدت مكابداته الشعرية والحسيّة، والقراءات الأولى، في رحلة تيه شاقة ومضنية وشفيفة في آونة واحدة. وسوف يخرج من خرائط بغداد وتضاريسها الثقافية إلى البصرة لزيارة منزل بدر شاكر السيّاب (1926_1964)، ويلتقط صورة تحت «شباك وفيقة»، مبدياً حالة من الأسى لإهمال بيت الشاعر المهجور، وتبدّد أغراضه وأرشيفه، من دون أن يهتمّ أحد بتراث هذا الشاعر الرائد، على عكس ما سيجده لاحقاً من رعاية لبيوت الشعراء في العالم التي تحوّلت إلى متاحف. بقدر البؤس الذي أحاط بمصير بيت السيّاب، سيُفتن ببيت لوركا في غرناطة الذي بات متحفاً يغص بالزوّار يومياً، للفرجة على مقتنيات الشاعر ومخطوطاته ومكتبه وغرفة نومه. في محطة أخرى، يربط هاشم شفيق بين الشعر والشارع، معتبراً أن شاعر اليوم، هو شاعر التفاصيل والأشياء والأرصفة، بعيداً من «البلاغة الوعرة والخطابة والمحسّنات البديعية». هكذا يتوغّل لاحقاً برسم إحداثيات الأرصفة التي وطأها في شوارع العالم بمقاهيها وحاناتها وساحاتها. من شارع الرشيد في بغداد، إلى شارع الحمرا في بيروت، وشارع الصالحية في دمشق، وشارع بورقيبة في تونس، وأرصفة باريس وبرلين وبودابست وبراغ ولندن، «نحن الغرباء جئنا نترسّم الخطى ونقتفي الأثر» يقول. ها هو شاعر مشّاء آخر، يتأبط حنينه مثل حقيبة، إلى زمن حميمي بعيد، مستعيداً كنوزه وكوابيسه ومراياه المتشظّية بين الأمكنة الأليفة والمنافي.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٦‏/٢٠١٥
كان من المفترض أن تشهد حقبة ما بعد 2003، عام الاحتلال الأميركي للعراق وسقوط الدكتاتور في البلاد، عودة جماعية للمثقفين العراقيين المنفيين، عودة توازي تلك الغربة الكبرى وجغرافيا الشتات المتوزعة عبر عقود من المنفى وأجيال من الهاربين أو الباحثين عن وطن بديلٍ أو مستعار. لكنَّ الالتباس الذي وقع فيه أمر العراق بين هذه الثنائية: الاحتلال/ الدكتاتورية قلَّص إلى حدٍّ بعيد من زخم تلك العودة. فانحسرت العودة، بمعنى الإقامة، وامتدَّت الغربة على خريطة أخرى، ودخل المنفى في طور جديدٍ من أطواره. وبين تعقيدات هذا الواقع الجديد، صرنا نلمس في السنوات اللاحقة لذلك التاريخ نوعاً جديداً، في المضمون، من الكتابة، ينطوي على بنية الخيبة والأسى والخذلان، بما يمكن أن نسمَّيها: كوابيس غلغامش العائد، فالباحث عن الخلود في مكان آخر في الملحمة الرافدينية القديمة، عاد أدراجه إلى المكان الأول خائباً، مُتقيناً أنَّ الحياة ينبغي أن تعاش كما هي، بين البيت والعائلة والشعر والحانة! بينما تبقى الكتابة عن تلك الرحلة، هي المجاز الوحيد الممكن للخلود، وليست تلك العشبة التي سرقتها الأفعى في الطريق خارج المدينة. وهكذا ظهرت بعد ذلك التاريخ إرهاصات لكتابات من هذا النوع في الأدب العراقي، على شكل النثر بخاصة، تتجسد في سرديات استعادة، في امتناع العودة، بمعنى أنها تتواصل مع تلك الأجواء والمناخات المتغيرة، والأمكنة المندثرة، والشخوص الغائبين، عبر الكتابة الاستذكارية الاستعادية، بعد أن امتنعت العودة النهائية للمكان الأول، بل أنها غدت نوعاً من الغربة الداخلية المضافة. ومن هذه الكتب كتاب الشاعر العراقي هاشم شفيق «بغداد السبعينات/الشعر والمقاهي والحانات - دار المدى 2014» في مدخل كأنه استهلال لسرد سيرة ذاتية واعترافات غير مسبوقة، يبدأ هاشم كتابه، من تلك اللحظة الشعرية الأولى التي تُوصف عادة بأنها برقٌ سماوي يحلُّ في كيان المولود الجديد، ليغدو معها شاعراً، وهي اللحظة التي أسهب الشعراء في الحديث عنها، بمشهدية لا تخلو من تمثيلات للعرفانيَّات الصوفية ممزوجة بتصور زائد الحد عن الذات عادة، أما هاشم فيتحدَّث عن ذلك البرق، في ولادة من نوع آخر. فذاكرته تبدو طبيعية ومعقولة في هذا المجال، فهي تبدأ من سنِّ المراهقة، وليس من اللحظة المنسية غير المعقولة أو غير المتذكرة في الولادة الرحمية. «ثمة شيء مسَّني كشهاب صاعق وأنا في الرابعة عشرة، شيء هو خليط من التهويم والحلم، من السحر البدائي الشبيه بالفطرة، وأغاني الطفولة، حين مسَّني هذا الشيء الفتَّان، استسلمت له دون أن أعي سرَّه، أو أسبر غوره، هذا الشيء الذي خلخل كياني الغضَّ وأنا في الرابعة عشرة...». من هذا البرق السماويِّ العاصف، وهذه اللوثة، والمسِّ الميتافيزيقي، يولد الشاعر هاشم شفيق، ليمضي في تدوين ذكرياته عن الأمكنة والشعراء، والأصدقاء في «سيرة أدبية» تجتمع فيها لغة السارد وحياة الشاعر، يحاكي فيها التكوينات الأولى للوعي الشعري الشخصي، شعراء من شتى العصور، ساهموا بتكثيف هذا البرق الخاطف وإدامته في كيانه، فاستدرجه لحانات ومقاهٍ، مدن وأرصفة شتى، مسارح ودور سينما ومعارض، كتب ومجلات، في مدن قادته إليها بوصلة ذلك البرق، بهداية مَرةً، وبتيه وضلالٍ مرةً أُخرى. وهكذا يدون ليالي بغداد في سبعيناتها المضيئة، قبل أن يحتدم الصراع بين البعثيين والشيوعيين، وصعود الدكتاتورية بما أفرزته من رعب وتضييق وتخفٍ، انتهى برحلة هروب لا تتوقف وكوابيس متصلة، تتغير الأسرَّة في العواصم المختلفة، ويبقى الكابوس يدور في ذلك المكان الأول. فهل كان فردوساً مفقوداً حقاً؟ من محلَّة «بغداد الجديدة» التي لم تعد كذلك! يبدأ فردوسه المفقود، فيتعرف أولاً على شاعرين أحدهما من أبناء الجيران والثاني من الزقاق الآخر في الحيّ: زاهر الجيزاني وخليل الأسدي. ثم تتسع الدائرة لتشمل شعراء آخرين، يثيرون الصخب في شوارع بغداد في الأعياد، وهم يرتدون الأقنعة ويعزفون القيثارات والنايات والطبول، ويعلِّقون في رقبة كلٍّ منهم لافتة تحمل كلمة: «poet» وسط استغراب المارَّة الذين لا يعرفون معنى تلك الكلمة المكتوبة بالإنكليزية، هكذا كانت بداية الرحلة، لينطلق مشوار الصداقات والتجوال بصيغة أخرى لا تعروها خلافات كثيرة، مع غالبية الشعراء العراقيين والعرب. وفي ميل واضح نحو التوثيق باسترسال سلس وبسيط في السرد يطغى على التزويق والبلاغة، يروي جوانبَ من سيرته الأدبية بإطناب مفيد، وإن خرج أحياناً للإسهاب في مسارب أخرى، سيرة يختلط فيها السياسي بالشعري، والشخصي بالعام في سياق متصل زمنياً تارة، ومتداخل موضوعياً تارة أخرى. وكمثل شعره بعنايته المعهودة بالتفاصيل، يأتي أطنابه في هذا الكتاب، ليقع على توضيحات وتفاصيل دقيقة، كأنَّ الذاكرة وهي تُستفز بفعل الهوة الزمنية بين لحظة الكتابة، والواقع العابر بسرعة تهدِّده بالاندثار. تحتجُّ بالتنقيب عن نثار الذهب، في عواصف الأيام، وترميم حطام الضوء في ركام الخراب، ومن هنا يخلق تلك البرهة ويستغرق فيها مستمتعاً شخصياً وممتعاً لقارئه الباحث عن تلك التفاصيل الدقيقة لزمن ندرت الشهادات والتدوينات بصدده. واللافت في تدوينات تلك الذاكرة، تركيزها على حياة ما قبل المنفى، رغم أن الشاعر عاش النصف الأكبر من حياته خارج البلاد، ولعل في هذا التركيز، ما يعزز ما أشرتُ إليه من «استعادة» للماضي و«استعارته» في عودة مجازية بعدما أصبحت العودة الواقعية إليه غير متاحة. تحولات الأمكنة، فناء معالمها القديمة، وتشكل معالم جديدة، دفعت بالشاعر إلى محاولة تأبيدها، أو أرشفتها في مشهد أو صورة بانورامية متحركة لتلك الأمكنة: الحانات والمقاهي، والشوارع، وكأنها فردوس مفقود، إنها كتابة تقترب من الإرث الطللي في الأدب العربي والشعر تحديداً، لأنها تستعيد تلك الأمكنة في الكتابة، بينما تقوضت جدرانها، وانفضَّ ندمانها وترحَّل سكانها، في غيابات شتى. أنها سيرة أليفة مثل عنوان ديوانه الأول: «قصائد أليفة» يسردها بنكهة أقرب للشفاهية، أو في جلسة في مقهى أو حانة، بما يتناسب مع عنوان الكتاب، خالية من التزويقات البلاغية، والعبارات الفخمة، والحِكَم الْمُرسَلة! كما أنها لا تنطوي على نبرة الاعتراف، أو نزعة التهتَّك والفضائحية التي نصادفها في كتب السِيَر في الآداب الأجنبية في شكل خاص. لذلك قد تبدو الوقائع التي يتحدث عنها برَّانية ونمطية في شكل عام، وحياتية يومية معتادة للشعراء، لتواريخ عامة. فهي شهادة و«سيرة أدبية» تؤرِّخ للجماعة والمكان، أكثر من كونها تاريخاً للذات، «كانت بغداد تقول لنا: اقرأوا جيداً كي تعرفوني جيِّداً» ولذا تبدو الذات في مجمل فصول الكتاب هي الشاهد، وليس المشهد الذي يحتاج إلى محاورة داخلية، ومكاشفة جريئة. حين يصف هاشم شفيق اللحظات الأخيرة لمغادرته البلاد، صحبة شاعر عراقي من جيل سابق «فوزي كريم» عبر المطار وبلا صعوبات واضحة، في سياق هجرة جماعية للمثقفين العراقيين، يُعلن عن فرحه بالخلاص، حالما يشعر أنَّ الطَّائرة تجتاز الأجواء العراقية نحو سماءً أخرى، فقد أصبح بعيداً عن قبضة الاستخبارات، والملاحقات المرعبة!
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٦‏/٢٠١٥
المثقف والمدينة صنوان.. قد تستطيع المدينة الاستمرار من غير مثقفيها لكنها أبداً لن تكون كما هي في ذاتها.. بفقدان المثقفين تتخلى المدينة عن روحها، عن تناغمها الداخلي، عن طاقتها، عن صورتها الحضارية. ومن غير المدينة سيختنق المثقف.. المدينة للمثقف كما الماء للسمكة.. ومن غير أن تحضر المدينة في الوعي والذاكرة والمخيلة، وأن تصبح في مرمى الحواس، يصبح المثقف معلقاً في الفراغ والعدم، يتخبط في لحظة اغترابه القاسية. يريد المثقف من مدينته أكثر مما بمقدور المدينة إعطاؤها له، وفي مسافة التوتر هذه يتجذر الشعور بالاغتراب. وهي المسافة ذاتها التي عندها يمكن لخطاب المثقف أن يتكون وينبثق. ولذا فإن أشد المثقفين عشقاً لمدنهم يكمنون شعوراً بالاغتراب في دخائلهم، حتى وهم قابعون في قلب أمكنتهم الأثيرة/ مدنهم. كانت بغداد وحتى ثمانينات القرن الماضي، على الأقل، رحماً ثقافياً خصباً وحاضنة دافئة تسامح آنا، وتضيق ذرعاً آناً آخر، بمثقفيها الجادّين والبوهيميين، الحقيقيين والأدعياء، اليساريين واليمينيين، المتمردين والمؤدلجين.. يقول الشاعر هاشم شفيق في كتابه (بغداد السبعينات: الشعر والمقاهي والحانات/ دار المدى/ بيروت 2014):"كان الشعر في تلك الآونة الذهبية هو زادنا اليومي، بغداد كانت معنا على الدوام، كانت تقول اقرأوا جيداً، كي تعرفوني جيداً، ولهذا انطلقنا في ماراثون القراءة فيما بيننا، بملابسنا الغريبة وشعورنا الطويلة، بوهيميين، عدميين، محبوبين ومنبوذين، شتّامين ومشتومين، كنا نجسِّد الشعر الملعون والناس تتهامس من حولنا؛ إنهم الشعراء الملاعين، مرذولون، يبحثون عن الرذيلة والغرائبي". كان ديدنهم كما يشير شفيق التهام العالم دفعة واحدة من طريق البحث عن الجديد والغريب والمثير، ولذا انكبوا على قراءة كل ما يقع تحت أيديهم. وما كانوا يكتبونه وهو يطأون أرض الأدب والشعر الخلابة للمرة الأولى"لم يكن سوى تدريب على الجمال، وتمرينات على الموسيقى ومحاولات للعثور على الفن... تنويعات من أجل الاقتراب من المحراب الذي يسكن فيه أبولو". وبغداد النائمة مطلع السبعينات على العشب المندّى، والمغمورة بالحكايات والسحر والحكمة والفن، كانت طفلة بتوصيف شفيق.. أما أبناؤها الشعراء فكان يحلو لهم أن يوقظوا تلك"الطفلة من نومها الساحر الحالم بالمستحيل لكي تلعب معهم بين المياه والأنوار، (يقول) كنا نحن المشاكسين نجرّها إلى الطرقات والأزقة لتدّلنا على خفاياها وثمائنها الفريدة المخبأة بين دروبها القديمة". يتحدث هاشم شفيق عن كرنفالات ثقافية ذات هالات براقة ساطعة في المسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى.. يستحضر نكهة تلك السنوات مطلع ومنتصف سبعينات القرن الماضي، مستعيداً صور علاقات التواصل المنتجة بين الشعراء وغيرهم من مبدعي حقول الأدب والفن الأخرى.. وجولة هاشم شفيق السبعينية هي خلاصة لمدوّنة جيل ثقافي عراقي بين المقاهي والحانات والمكتبات ودور السينما والمسرح قبل أن تطل الديكتاتورية برأسها الشرس، وقبل أن تُقرع طبول الحرب المرعبة، وقبل أن يتفرق الجمع المثقف بين المنافي والمقابر ووحشة مدن البلاد. كانت كتابة المكان في سرديات الشعوب المستعمَرة شكلاً من أشكال المقاومة للخطاب الكولونيالي. وكان تمثيل المكان المحلي في الخطاب الأدبي والنقدي في عهد ما بعد الكولونيالية محاولة رد اعتبار للحقيقة المغيّبة والمشوّهة في الإنشاء الأدبي والفني لكتابات الرحالة والمستشرقين ورسوماتهم، والذي كان إفرازاً لتمركز الغربي حول ذاته ورؤيته الآخرَ من علٍ. غير أن ما جرى مع هيمنة العسكريتاريا الاستبدادية الوطنية على مفاصل الحكم في كثر من البلدان المستعمَرة (بعد الاستقلال) أوجد حالة جديدة من تخريب المكان وتشويهه، وهذه المرة واقعاً على الأرض قبل أن يجري مسخ ذاكرة المكان، بالمخلب الإيديولوجي، وتحريف سرديته التاريخية. وأزعم، أنه، في هذا السياق الإشكالي، تكمن لا بعض العوامل المسببة للصراع فقط، وإنما جزء مهم من مفاعيله وآثاره كذلك، بين النخبة المثقفة والسلطة.. يصبح المكانُ الموقعَ الذي يتبارى فيه المثقف مع السلطة لنقش دوال الهوية. وتوصل السلطة، إذا ما كانت متخلفة وجائرة، الأمر إلى نقطة الأزمة، حيث يُطرح السؤال؛ مَنْ مِنْ حقه تمثيل المدينة في خطابه؛ المثقف أم ماسك مفاصل السلطة فيها؟. وفي هذا الحقل كان الخطاب الثقافي يواجه الخطاب السياسي لا في قنوات الإعلام فقط وإنما في الشارع أيضاً.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٦‏/٢٠١٥
في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، كانت بغداد زاخرة بالحانات والنوادي الخاصة بفئات الموظفين، لكنها تستقبل الناس من جميع الفئات. دجلة كان ضابط الإيقاع الأكبر في تلك الحانات، إلى جانب الشعر والفن وكؤوس البيرة والعرق. لكن الرحلة التذكارية في حانات بغداد اليوم، تشبه وقفات على الأطلال. في زيارتي الأخيرة لبغداد عام 2004، بعد سقوط النظام السابق وغياب عنها امتدّ لثمانية وعشرين عاماً، أجريت مع الشاعر سعد صاحب إحصاءً لحانات بغداد السبعينات، فكانت الحصيلة أكثر من خمسين حانة، عدا النوادي الخاصة بالمسيحيين. لكن هذه كانت تستقبل الجميع من دون استثناء، كنوادي الموظفين والعمال. على ذكر العمال، كانت حانة نقاباتهم من أجمل الحانات، لامتداد مساحتها وكثرة الظلال الشجرية والمساحات المزروعة بالأعشاب وشتائل الورد، تنيرها ليلاً المصابيح الصغيرة الملونة التي يسمّيها العراقيون “النشرة”، وتُستخدم عادةً في الأعياد والاحتفالات الخاصة والعامة. حانات خاصة وللجميع قرب حانة نقابات العمال كانت حانة “سرجون” الشهيرة. أما “نادي المهندسين” فكان قريباً من ساحة الأندلس عند مدخل شارع 52. هناك أيضاً “نادي جمعية التشكيليين العراقيين” بالقرب من “معرض بغداد الدولي”، ونادي “العدلية” الخاص بالمحامين والقضاة وموظفي وزارة العدل، و“نادي الجباة” في باب المعظم، وهو مخصص للجباة والسائقين والعاملين في الشركة العامة للنقل العام، ويحق للجميع ارتياده، كغيره من النوادي المذكورة، إضافةً إلى “نادي العلوية” في العلوية، ونادي “المسبح” في منطقة المسبح و“نادي الدورة” لموظفي وزارة النفط. كل وظيفة كان لها ناديها الذي يقدم الشراب والطعام والمقبلات، ناهيك بالحانات الصغيرة المنتشرة في الباب الشرقي، وهي رثّة تضم شتى الأصناف من البشر المتكسبين والعاطلين والمياومين والمتقاعدين وباعة الملابس المستعملة والباعة الجوالين والجنود المجازين ورجال الأمن وباعة اليانصيب والقرويين العابرين. بعض الحانات كانت في أزقة صغيرة من الكرادة والباب الشرقي، وطريق بغداد الجديدة، في مناطق الأمين والبلديات وكمب الأرمن والأشوريين وباب المعظم والوزيرية. الحانات الحديثة الحانات ذات الطراز الحديث تت ميز بديكورها الجديد وإضاءتها الرومنطيقية. وهي لا تقدم غير الجعة العراقية والأجنبية. وكان جميع روادها يُقْدِمون بلهفة على الجعة العراقية ذات المواصفات الممتازة، بالنوعية المتوافقة مع شروط عالمية راقية، كجعة “فريدة” و“لاكر الذهبي” و“شهرزاد” و“أمستل”. كانت تلك الحانات تتناثر على ضفة دجلة في شارعي ابي نواس والسعدون، وبعضها الآخر في منطقة الكرخ، الجهة الثانية من بغداد. لكن الذهاب اليها كان قليلاً، بسبب من حركة الحياة الدائبة في منطقة الرصافة، وأقصد حياة الليل والبحث عن المتعة وتزجية الوقت. هذه كلها كانت مزدهرة في شوارع السعدون والخيام والنضال وأبي نواس. كان معظم أبناء جيلي من الشعراء والكتاب والفنانين يتعاطى الشراب. لم أر شاعراً أو رساماً أو ممثلاً أو موسيقياً أو كاتب أغنية أو صحافياً أو قاصاً وروائياً أو كاتباً ومترجماً من هذا الجيل، لم يكن ينجذب إلى الشرب، إلا في حالات نادرة واستثنائية. أما الكثرة فكانت تفرط في الشراب، في الظهيرة والليل. كان أغلبنا يلوذ بالزقّ في ظهيرات بغداد القائظة. فبعد تمضية ساعات في المقهى، وعندما كنا نخرج من الجامعات أو الوظائف بعد الدوام الرسمي الذي ينتهي في الثانية، كنا نلجأ إلى الكأس الباردة الشفافة، بعد الكثير من الشاي الذي شربناه، والتبغ الذي دخّناه، وبعد الثرثرة النهارية المتواصلة. طراوة الكأس كانت الكأس تطرّي برقتها جلسات اللهب الساخن في حزيران وتموز وآب وأيلول. في الحانة كنا ننغمس في غابة من الفيء والظلال والمبرّدات التي تدفع الهواء اللطيف نحونا. ثمة صديق نديم الى جانبك تتعاطى معه الأنخاب والأبيات الشعرية. جلّ هذه الحانات الناعمة كانت تقع في شارع الرشيد أو في نهايات شارع النهر، كحانة “جبهة النهر” و“شريف وحداد” و“سولاف” و“ألف ليلة وليلة”. لي في هذه الحانة الأخيرة صورة تجمعني مع أصدقاء تلك الايام ونحن في العشرين من العمر. لي أيضاً صور في حانات لم تكن تحمل أسماء، حانات ناعسة، ملتمة على نفسها، بغرف كبيرة وباحات وشرفات. هذه الحانات معظمها كان يقع على نهر دجلة، وادركتُ في ما بعد أنها كانت بيوتات بغدادية جميلة ليهود العراق، وبعدها أصبحت من أملاك الدولة العراقية، تابعة لدائرة الأملاك المجمّدة، أو الموقوفة. حانة “شريف وحدّاد” كانت من الحانات الجميلة بواجهتها الزجاجية المفتوحة على نهاية شارع البنوك من جهة، ومن جهة أخرى على جسر الأحرار والشارع النازل في اتجاه ساحة الأمين. كانت تلك الحانة من طبقتين، تقدم الطعام والشراب، وكانت مزدحمة دائماً، كونها تقع في مرمى النظر. لذا كانت تعج بالرواد القادمين من شتى الإتجاهات، شعراء وفنانين آتين من باب المعظم، وملحّنين وكتّاب أغنية وشعراء شعبيين، وبعض المغنّين الهواة ممن يعمل في كورس الإذاعة و“فرقة الإنشاد” العراقية. هناك أيضاً من ينتظر أن تواتيه الفرصة ليصبح نجماً تلفزيونياً وإذاعياً أو مطرباً صاحب شهرة. كنا نأوي الى “شريف وحداد” الصاخبة، والضاجة بالأصوات والنقاشات والقراءات الشعرية وكلام السكارى من تجار صغار يميلون ليحتسوا بضعة أقداح من العرق الأبيض أو الأسود. هما صنفان من العرق (المستكي والزحلاوي) وكلاهما من نتاج محلي، لشركات عراقية عريقة، تحضّره من التمور العراقية، في مصانع أنشئت منذ مطلع القرن الفائت. الحصيري النجفي شاعراً بوهميا حين كنا نميل الى هذا المكان، كنا نختار الطبقة الثانية، لكي لا يدهمنا أحد الأصدقاء الثقلاء من السكارى، ويتطفّل على مائدتنا ويترك شرخاً في الجو الذي هيّأناه لقراءة ما كتبه أحدنا. من كان يتردّد على هذا المكان بكثرة، هو الشاعر النجفي المُجيد عبد الأمير الحصيري الذي كان يحمل قصائده في كيس ورقي تحت إبطه، فيقرأها مقابل اقداح من العرق. كان الحصيري شاعراً بوهيمياً من الطراز الأول، يجد ما يشتهي ويريد. مرّات كان يقبل على الشجار لشدة سكره، لكنه كان من وجه آخر محبوباً من الجميع وصاحب ثقافة شعرية لا تخفى على لبيب، ممن كانوا يُطربون للشعر المسبوك بإتقان، عدا قلة من الذين لا يفهمونه، وهم على كل حال كانوا من الرواد العاديين والمستطرفين. كان الحصيري، كريماً، ذكياً، ورعاً، وحافظة للشعر الكلاسيكي، ولا يتوانى، إذا حصل على مبلغ من المال، أن يبذره في الحال على أصدقائه. وإذا أحس بأنك في حاجة الى المال، أو الى دفع ثمن مشروب أو جائعاً الى وجبة، فإنه دائماً يلبّي مباشرة، حتى لو لم تُند منك إشارة الى ذلك. مقهى مطوّلاتنا مرات كنا نجد أنفسنا محشورين في دائرة ضيّقة، فننسلّ بهدوء لنختار الحانة القريبة من “شريف وحداد”. تكون على مرمى خطوتين، مطلة على النهر. كانت غرف تلك الحانة باردة في الصيف، وفي الأشتاء دافئة تفي بحاجاتنا وتغنينا عن الذهاب الى المنازل القائظة غير المريحة صيفاً شتاءً. هناك كنا نقرأ مطوّلاتنا من القصائد لكي نتمكن في النهاية من الوصول الى حوار مثمر، ذي فائدة، بسبب هدوء المكان وانزوائه الظليل وتعدد غرفه، وهي عادة كانت تضم جماعات من أصدقائنا الفنانين، رسامين ومسرحيين. على مقربة من هذه الحانة على الناحية الثانية من جسر الأحرار، كانت حانة “جبهة النهر” التي كانت أسعارها أغلى من الحانتين السالفتين، وكان يرتادها المخرجون المسرحيون والرسّامون والنحاتون الكبار والروائيون من جيل الخمسينات، وبعض من تبقى من جيل الشعراء الرواد، وهم كانوا يأتون من مقهى البرازيلية وحسن عجمي والزهاوي، بعد قضاء صبيحتهم فيها. لم نألف “جبهة النهر”، لأنها كانت تضم في المساء بعض الرواد من الضباط والرتب العسكرية العالية. “سولاف” الغروب الساحر في بداية شارع الرشيد من جهة اليسار لجسر الجمهورية، كانت حانة “سولاف” الساحرة. وهي لا تزل ماثلة حتى الآن، لكنها تحولت باراً ليلياً ومطعماً يسهر روادهما حتى الصباح. زرت “سولاف” واستطلعتها من الداخل في زيارتي الأخيرة لبغداد. فهذه الحانة البديعة، كنت أرتادها مذ كنت فتى في السابعة عشرة، ولي صورة تذكارية فيها مع بعض الأصدقاء. الى “سولاف” كنا نأتي، تفتننا سعتها وسعة باحتها الصيفية العالية على دعاماتها الحجرية فوق من نهر دجلة، ولها طلة فاتنة على النهر والقوارب التي تمخر العباب. هناك شريط طويل من النخيل يتراءى لك من الضفة الثانية. أما منظر الغروب فكان ساحراً: نسمات عِذاب تحرك خصل شعرنا الطويل النازل على الجبين، والماء كان لا يبعد عن أيدينا سوى مسافة بوصة واحدة، ويفصلنا عنه درابزين حجري طرازه ملكي، بريطاني أو إسباني، يوحي تصميمه بالذوق والرفعة. حانة رومانس إذا كانت الظهيرة قائظة جداً، وهي كانت هكذا دائماً، ففي وسعنا عندئذ الذهاب الى حانتي “رومانس” أو “الركن الهادئ”، وهما في شارع سينما الخيام. هاتان الحانتان الأليفتان كنا نستطيع فيهما أن نتبادل الأفكار برويّة، من دون ضجيج حانات شرب العرق وشاربيه، فتقدمان بديلا منه البيرة الطازجة المثلجة التي تضفي على الجلسة طابعاً حميمياً، وعتمة خفيفة تميل الى البرودة والهدوء. لكن هذه الحانات عامة، وقد تصبح في الليل مقصداً لخليط من شتى المشارب. لذا كنا نأتيها في الظهيرة لخلوّها من هذه الجماعات، فننفرد بهدوئها قبل أن يدهمها الصاخبون ورواد الليل من المهنيين وتجار شارع الرشيد ورواد السينما. في “رومانس” كنا من دون شك في قلب الحياة الموّارة بالمتعة، وأقصد متعة أن تكون في شارع ابي نواس، شارع السهر والليل والحانات الممتدة من بدايته إلى آخره المتصل بالجسر المعلق وأزقة شارع الكرادة. كان شارع أبي نواس يتميز في الستينات والسبعينات بسلسلة طويلة من الحانات والمقاهي والمقاصف والمطاعم الجميلة، فأنت لو بدأته من جسر الجمهورية، فستمر بحانة “السقيفة” وهي كانت ملجأ الفنانين وبضعة من الشعراء اليساريين. حانة بسيطة ومتقشفة بمصطبتها المسقوفة بجريد النخيل. موسى الساقط، أحد رواد “مقهى المعقدين” كان مكتشفها ومن روادها الدائمين لأسعارها الزهيدة ومقبلاتها المتواضعة التي لم تكن تتعدى رأساً من الخس، وصحناً صغيراً من الحمّص المسلوق، وكانت تطل على ساحل النهر مباشرة، فتستطيع أن تدلّي قدميك في الماء، أو تنزل الى النهر وتسبح قليلاً، وخصوصاً في أواخر الليل، حين يخلو الشارع من المارة الكثيرين. فالكراسي كانت غائصة في مويجات النهر، وحين يهب الهواء الليلي، كان يهز السقيفة. الوجودي المنتحر مقابل سقيفة موسى الساقط التي دلّني عليها الصحافي مظهر المفرجي، هناك حانة “البحرين” بحديقتها الواسعة المعشبة، وأضوائها المتراقصة التي تلوّن الحشائش وأجمات الآس وزهيراتها المنتشرة حولها. أتذكر مرة قرأتُ قصيدتي الجديدة في حديقتها الندية على الشاعرين فاضل السلطاني وحسين حسن. كم كانت مساحتها صغيرة في الداخل، فتحلو في الشتاء جلستها، وتغدو حميمة دافئة إذا ضربتها شمس الشتاء. كانت بلا ديكور، شبه عارية، لذا كان البعض يفضل الحانة المجاورة لها، حانة “غاردينيا” التي ارتبطت الى حد ما بالشاعر فوزي كريم، الذي كان من روادها الدائمين، صحبة بطرس، نادل الحانة، أو صحبتنا نحن الشعراء الشباب، كما كان يطلق علينا آنذاك. لحانة “البحرين” واجهة زجاجية، وفي الداخل بعض الزوايا التي جعلت منها حقاً حانة بامتياز. ففيها تعرفنا إلى زاهر الجيزاني وخليل الأسدي. وفي ذات ظهيرة مالت بنا الى المساء التقينا الكاتب والناقد عادل كامل والممثل ماهر كاظم والرسام هيثم عبد الجبار والرسام ماهر جيجان والشاعر فراس عبد المجيد والرسام عبد الرحمن سلمان، الوجودي الذي انتحر في شرخ شبابه. وهو كان رساماً موهوباً، يقال إن الوجودية وكتب كولن ولسن وسارتر وكامو أثّرت فيه بقوّة، مما أدى الى أن يحسم حياته في عام تخرّجه من الأكاديمية. الى حانة “غاردينيا” كانت تأتي كوكبة لا تحصى من الفنانين والشعراء والأدباء والكتاب والمترجمين والروائيين والقصاصين. لكن الخيارات كانت كثيرة آنذاك، فبالقرب من “غاردينيا” كانت تمتد على صفّها ورصيفها حانات “الصحن الفضي”، “بلقيس” النادرة والجميلة، لأنها تقع على سطح واسع بهي مضاء بمصابيح صغيرة ملونة. وتطل بجمالها على نهر دجلة الذي كانت تتراقص فيه أضواء اليخوت وزوارق صيادي السمك والقصر الجمهوري بقبته الكبيرة الذي كانت تحبك فيه المؤامرات ومشاريع الإنقلابات والتصفيات الرفاقية. ففيه سحب صدام التكريتي مسدسه على عبد الرزاق النايف وابرهيم الداوود في أولى المؤامرات التي حبكها خياله المتآمر، كبداية لانفراد البعث بالسلطة، وبداية لصعوده الغامض المدفوع من جهات عربية وعالمية لكي يتبوأ تلك المكانة الدموية. وحين جاء صدام الى سدة الحكم، بعدما حلّ نائباً للرئيس، أغلقت جل حانات شارع ابي نواس المطلة على القصر الجمهوري وقبة المجلس الوطني والدور الأمنية الكثيرة. فسُوِّر الشاطئ بسور من الأسلاك المكهربة وعُزل عن المارة. وحُرم الناس من رؤية الشاطئ الساحر لدجلة. بل من محاولة التفكير في عبور النهر لغرض السباحة والصيد، أو لغرض قد يبيّته أحدهم للقيام بعمل ما: نسف القصر بمن فيه، محاولة انقلاب عبر زوارق نهرية، محاولة عبور وتسلل الى سرّ القتلة وبهو الاجرام والتآمر. العنف في حانة سرجون تتكوّن حانة “سرجون” من طابقين كبيرين واسعين وهي من أملاك اليهود المجمدة. تتمتع بمدخلين، أمامي وخلفي، وبغرف واسعة في الأسفل والأعلى، وبحديقة شبه ملكية، لسعتها وكثرة شتلات الورد والآس والرازقي والدفلى التي تحفّ بها. كان يرتادها الشيوعيون، من شعراء شعبيين وشعراء فصحى وممثلين ورسامين. وكان من روادها الدائمين، بالإضافة الينا ومجايلينا من شعراء العامية عريان السيد خلف، جمعة الحلفي، ذياب كزاز المعروف بأبي سرحان، فالح حسون الدراجي، كاظم اسماعيل الكاطع، كريم العراقي، وخيون دواي الفهد، وغيرهم من الشعراء الشعبيين. أثناء اختفاء الشيوعيين في نهاية السبعينات، التقيت مرة في “سرجون” الشاعر القتيل لاحقاً، خليل المعاضيدي الذي جاء هارباً من بعقوبة لكي يختفي في بغداد. لكنه بعد مضي أكثر من عام على لقائنا، عرفت في بيروت أنه قد صُفّي ومات تحت التعذيب في أحد السجون الرهيبة لسلطة البعث. هذه الحانة كانت تشهد معارك في آخر الليل، حين يضرب الشراب في عمق الدماغ ويختلط بحرارة الليل التي تختلط بدورها بالنقاش الأدبي والسياسي والفني، فترتفع حرارة الدم مع حدة منسوب الصوت وارتفاع الأيدي والقناني والأقداح المكسورة في المشاجرات. كنت أرى العديد من المعارف الذين تشاجروا ولحقت بهم آثار ما من غارات الأصدقاء المحمومين. وكم رأيت صديقاً مقرّباً مدمىً، أو مقطباً أو لديه ندوب وشروخ وكدمات في وجهه وجبهته وحاجبه ويديه. كنت واحداً منهم وشاهد عيان على مناكفاتنا الشبابية والجدال الدائم والمثابر حول الأدب والشعر والفن . ولكَم هربنا من باب حانة “سرجون” الخلفي، من دون دفع الحساب. مرّات كان النُدل يركضون وراءنا، ولكن هيهات أن يمسكوا بنا، لأننا كنا نملك أقداماً من ريح ولدينا أجنحة من هواء فتي طازج، تطير بنا في كل لحظة حرجة. مائدة حسب الشيخ جعفر حانات السعدون مغلقة ودفيئة، ذات نزعة شتائية في الغالب. فإلى حانة “المرايا” في السعدون كان يختلف ظهراً الشاعر المجدّد حسب الشيخ جعفر، لائذاً بالجعة المتعرّقة ندىً مثلجاً، قبل أن يعرّج الى المُدام مساءً في حدائق “اتحاد الأدباء”. كانت أغلب حانات السعدون في الطابق الثاني من المباني التي لا تتعدى الطابقين. هذه الحانات كانت تقدّم مازة لبنانية، غير العراقية المتكوّنة من صحن “اللبلبي” (كلمة تركية تعني الحمّص المسلوق) وصحن الباقلاء والجاجيك، وهو عبارة عن اللبن الخاثر يضاف اليه الخيار المقطع والثوم. مائدة حسب الشيخ جعفر، كانت دائماً لا تتعدى الشخصين، المترجم سامي محمد وسليم السامرائي، أو ثالثاً غير مرغوب فيه. فحسب شخص هادئ وبالكاد تسمع صوته إذا نطق وتكلم. إذا تخطينا السعدون قليلاً ومررنا ببعض الحانات والملاهي الليلية والسينمات، سنعثر على حانة “النصر” إلى جانب “سينما النصر”. كانت هذه الحانة الصغيرة والوديعة تشكل ملاذاً للصحافيين الشيوعيين العاملين في صحيفة “طريق الشعب”. وكان من روّادها الدائمين الشاعر الرومنطيقي المرهف رشدي العامل وشلة من أصحابه اليساريين الكتّاب والأدباء. مصايف لبنان حين نصل الى “ساحة قهرمانة”، كنا نجد حانة شفيفة اسمها “مصايف لبنان”. إلى هذه الحانة كان يأتي سعدي يوسف، كون مكتب عمله في مجلة “التراث الشعبي” يطل عليها. في “مصايف لبنان” كنا نلتقي سعدي، فتمتد الجلسات من الظهيرة حتى المساء، مع ثلة من الشعراء والنقاد والمترجمين. في تلك الأثناء كان سعدي يوسف يحدّثنا عن ظروف ترجمته للشاعر اليوناني الكبير يانيس ريتسوس، وعن جو المتعة التي كانت تنتابه وهو يترجم ذلك الشاعر الذي كان يعدّ من أعظم شعراء القرن العشرين. وكان سعدي قد اصدر للتو عن وزارة الثقافة العراقية ترجمة ديوان “أوراق العشب” لوالت ويتمان، الشاعر الأميركي الذي نادى مبكراً بالتحرر والاشتراكية ونبذ القيود على الحريات الشخصية.