Skip to content
غلاف كتاب الحاجة كريستينا

الحاجة كريستينا

3.0(٠ تقييم)٣ قارئ
سنة النشر
2016
ISBN
9789957391386
المطالعات
١٬٦٣٨

عن الكتاب

خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2009 تختفي الحاجة كريستينا بعد أن تأتي سيارة دولية تأخذها وتبتعد خارج المخيم. يثير اختفاء كريستينا الكثير من الأسئلة وتحاول الرواية أن تجيب عليها. وكريستينا في الأساس هي "فضة" الفتاة اليافاوية التي يضطرها المرض لترك يافا والسفر إلى لندن قبل عام من وقوع النكبة، بصحبة صديق والدها الصحفي الإنجليزي. وحين تقع النكبة وتتعذر عودتها إلى فلسطين المنكوبة ومدينتها الضائعة فيقوم الصحفي الإنجليزي بتغيير اسمها وتسجيلها ابنة له. لكن بعد وفاته وحين تصبح كريستينا في سنتها الأولى في الجامعة، تقرر أخواته التخلص من الفتاة العربية فيقمن بإرسالها إلى غزة للبحث عن عائلتها.

عن المؤلف

عاطف أبو سيف
عاطف أبو سيف

روائي فلسطينيولد عاطف ابوسيف عام 1973 في مخيم جباليا – غزة - فلسطين ، لأبوين لعائلة هجّرت من مدينة يافا . درس عاطف ابو سيف اللغة الانجليزية وآدابها في جامعة بيرزيت - فلسطين ، وقد كان يحب القص والسرد ل

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
لا يتسع المقال برأيي لتحليل عمل روائي كامل، لكنه يسمح باستعراضه، كما أفضل غالباً ترك مهمة تفكيك العمل الروائي للقارئ ، أما الناقد الباحث، فإن عمله التحليلي العميق والطويل، لا يشكل في النهاية أكثر من مجموعة إشارات، عن اللغة والتركيبة الفنية وما إلى ذلك، موجهة للقارئ والكاتب على حد سواء، لكن، وبما أن جولتي انطباعية، فإنني سأتناول هذا العمل الروائي الصادر عن الدار الأهلية للنشر مؤخرا، كما أراه. كل الذين يسكنون المخيم، غرباء. هذا ماقيل حول كريستينا الغريبة، أو فضة القريبة. العائدة بعد سنوات إلى غزة، من لندن. كل الذين يسكنون في المخيم أقرباء، فكل منهم له أسير أو فقيد، كل منهم له بيت ما، هدم في الواقع، وظل واقفاً في الذاكرة. ربما فرق غسان كنفاني حين قال: خيمة عن خيمة بتفرق، لكن عاطف أبو سيف ولأجل سبب سردي مختلف، أراد أن يجمع، وأن يتحدث عن الإنسان الفلسطيني الذي توقفت ذاكرته عند زمن ما، بعد طرده من أرضه، فظل حاملاً معه طين ذاكرته الأول، أما حياته بعد الخروج ، فظلت وخاصة خلال العقدين الأولين بعد العام 1948، ظلت فيهما الذاكرة يومية ومتقلبة، كأنها ذاكرة تسيير أعمال، فيما الذاكرة الثابتة لا تقبل المحو، ولا تتسع لبناء حياة جديدة متكاملة، كأن الحياة في مكان آخر هناك وليست هنا، في المخيم الغزي. الشخصية المحورية في الرواية، وهي الحاجة كريستينا، التي تروح كفتاة صغيرة إلى بريطانيا بمحض الصدفة (المرض)، الفتاة اليافاوية التي ذهبت قبل عام 1948، تعود ولكن ليس إلى يافا، بل إلى المخيم في غزة، بعد غياب سنوات، وبعد أن قتل أهلها في العدوان، فتوقفت عن كونها فتاة يافا التي أسماها والدها فضة، انتمت من حيث الشكل والمحيط للبيئة التي حمتها في إنجلترا، وصار اسمها كريستينا. إن السؤال الأول الذي تتلقاه كريستينا التي عادت بحثاً عن أهلها هو: هل أنت عربية؟، تجيب كريستينا: لا أعرف!!. وللحظة أوحت هذه الجملة بأن كريستينا عادت إلى اللامكان واللازمان، اللذينِ كانا مكانها وزمانها ذات يوم، أو أنها حين عادت بحثاً عن عائلتها، فإنها فعلت عكس الطرفة الشهيرة، فصارت كمن أضاع قرشاً في النور، وراح يبحث عنه في الظلام، ولا أستخدم الظلمة هنا في إشارة سلبية للمخيم، بقدر ما كان رمزاً للفقد والتيه، وما يزال. ترتبط حياة كريستينا بكوارث فلسطين، ولدت عام 1936 سنة الإضراب الشهير، وغادرت لبريطانيا مريضة في زمن التهجير، وعادت، فيما وعود العرب بالتحرير تتعالى بشعاراتها الخاوية، ولم تعد باحثة عن نصر، بل عن عائلة. حين عودتها للمخيم، وبعد الشك الأولي الذي أحاط بالناس عن كون كريستينا ليست سوى فضة ابنة عوني الذي يعرفه بعضهم، إلا أن كريستينا لم تترك مجالاً للشك، بل انخرطت في البيئة الجديدة، فتزوجت مناضلاً هو يوسف، وأنجبت ابناً أسموه (ياسر). لكن مسيرة حياة كريستينا عادت بها من جديد لدائرة الفقد، حين ستفقد زوجها الذي سيستشهد، وابنها الذي سيختفي بعد زمن. يبدأ تناول شخصية الحاجة كريستينا في الرواية بالظهور بزمن استلابي، وتقهقري، إذ يرد ذكرها لأول مرة يوم اختفائها، وظهور شبح في بحر غزة، لا يعدو كونه نذير حرب قادمة على القطاع، فيما يثير اختفاؤها الكثير من التساؤل، إذ تعود الناس على استشهاد أحدهم أو أسره أو أو... لكن الاختفاء، سيضع شائعات واحتمالات، كما فعل ظهور الشبح في نقيض فني واضح، يرينا معاناة الفلسطيني الذي اعتاد على ميتة يفرضها عليه ظرف الحرب والاحتلال أحياناً، لكنها تكون ميتة واضحة مقابل حالة الاختفاء التي تعد موتاً ضمنياً متعدد الوجوه وقابلاً للتأويل، من المهم دوماً بعد القصف، العثور على أشلاء جثة الشهيد، أليس هذا ما كنا نشاهده في الحرب، خصوصاً على مدينة غزة الفلسطينية؟ بناء شخصية كريستينا، وشخصيات وحيوات نساء أخريات من حولها، يصب في مصلحة السرد الذي يركز على تفاصيل حياة المرأة الفلسطينية، المرأة التي تصنع الاستقرار، وتربط خيوط العائلة ببعضها، والتي كلما انفرط نسيج عائلتها، حاولت النهوض من جديد، وتجلى هذا في حياة كريستينا ومن حولها من النساء، اللواتي واجهن فقدان أبنائهن وأزواجهن و و... كأسرى وشهداء، فبنين علاقات مع بعضهن، وقمن بتكوين أسرة كبيرة، تحاول نسج الفرح والأمل من أبسط التفاصيل، أسرة تتمسك بمكانها على ذلك الشريط الساحلي، ناظرة إلى ساحل يافا بعين الذاكرة، وإلى مدن أخرى، مات الرجال لأجلها، وتركوا النساء ليتذكرنها. الرواية غنية بتفاصيل الحياة اليومية أيضاً، ومقولات الناس، أحلامهم، أفكارهم، مقارباتهم البسيطة، وحيواتهم التي اعتبرها الكثير منهم حيوات مؤقتة، وأقتبس هنا العجوز الذي مات في الرواية، وهو يحمل جهاز راديو بيده، لينقل له ولو خبراً واحداً سعيداً، عن وطنه الذي يعيش فيه، ولكنه يسمع عنه من مكان آخر!. هو أبعد في الحقيقة من أن يحمل خبراً سعيداً!. بعد زمن روائي خصب بالحيوات والتفاصيل، تعود كريستينا التي عاشت حياتها على تخوم الفقد لتختفي من جديد، كما ظهرت فجأة في غزة، لكن، للأمل دورته. كريستينا ولدت في فلسطين، وعادت بعد حين، ثم اختفت، أما كريستينا الثانية، التي ستظهر في النهاية، فقد ورثت في جسدها طين بلادها، من بعيد، وهي الأخرى، ستعود إلى منجم الذكريات لتنقب، عمن غاب أو اختفى، وفي هذا إشارة عميقة، إلى أن الوطن كمفهوم لايضيع، ويمكن التنقيب عنه حتى في الغياب، وأن هوية الإنسان ذاكرة، وأن الحاجة كريستينا، وكريستينا الأخرى، رغم فروق الأجيال والظروف وربما العقلية والمصالح، عادتا، وأعادتا اكتشاف ذاكرتهما من جديد، على أرض الواقع، وبنتا انتصاراتهما الإنسانية من تفاصيل صغيرة، يعصى على أي احتلال تفكيكها مهما بلغ من قوة، تبدو الحاجة كريستينا وكأنها امراة عادت إلى الوطن فلم تجد من بيتها إلا جدار، فرسمت باباً، ودخلت البيت، لكنها من قبل كانت، قد رسمت الطريق!.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
تتهادى الفتاة العشرينية الجميلة مع حقيبة سفر بنية متوسطة الحجم في طريق رملي يتفرع عن محطة سكة حديد غزة في أحد صباحات شباط (فبراير) 1958، سائرة خلف عامل المحطة الاربعيني الشهم الذي أدهشه وصول هذه الفتاة وحدها من مصر، والذي سوف تكتشف لاحقاً أنه العم منصور أحد معارف عائلتها في يافا قبل حرب النكبة واللجوء. رأسها تحتله أفكار مشوشة وأسئلة لا نهاية لها. ها هي تعود إلى «الوطن» بعد أحد عشر عاماً من مغادرتها إياه كطفلة لم تتجاوز عامها الحادي عشر. أذهلتها وأخافتها صحراء سيناء الرملية التي لهث قطار القاهرة طويلاً كي يكتشف نهاياتها أو على الأقل يفكك بعضاً من غموضها. وصل القطار مُنهَكاً إلى غزة، ومُنهِكاً من حملهم إليها، ومعهم كريستينا التي تفاقمت في داخلها الأسئلة وغموض ما تحمله لها الأيام. حياتها التي بدأت عادية ووئيدة ومليئة بالحب في يافا تبعثرت على يد قدر ماجن شاء أن يتسبب لها بورم خبيث في إبهامها هدد حياتها وما كان له حل إلا البتر، ولا مكان كان يُضمن فيه البتر إلا بريطانيا ومستشفياتها. كان ذلك قبل حرب 1948 بأسابيع قليلة حين وافق أبوها عوني السعيد على إرسالها مع صديقه المقرب والمخلص جورج إلى لندن. جورج، خريج أكسفورد في الدراسات الشرقية والمقيم في فلسطين، وعد عوني بأن ابنته ستكون بخير وان المسألة كلها لا تتعدى أسابيع عدة، وتكون «فضة» قد عادت إلى يافا. على رغم تأكيداته وجهده النبيل، فإن جورج الذي وصل لندن مع فضة كان يُخفي قلقاً متزايداً في داخله، نتيجة تسارع الحوادث السياسية. كانت تصله أخبار لا تُنشر من طريق قريبه عضو البرلمان، وكان شبح وعد بلفور يتطاول ويتجسد على الأرض كما لم يتجسد طيلة الثلاثين سنة التي تلت يوم إصداره المشؤوم. الـ «بضعة أسابيع» السريعة التي كان من المُفترض أن تقضيها فضة في لندن وتتعالج فيها ثم تعود إلى حضن أبيها وأمها استطالت إلى إحدى عشرة سنة على إيقاع تنفيذ الجريمة البلفورية على الأرض. بقيت «فضة» الجريحة والمبتورة الإبهام والمبتورة عن أهلها في لندن، في كنف جورج الذي عاملها كإبنته وسماها كريستينا، الاسم الذي عُرفت به في المدرسة وفي حياتها الجديدة. أما هناك في الوطن الذي سُلب فقد كان البتر اشد واقصى. بُترت عائلة «فضة» وهُجرت مع مئات الألوف شمالاً أو جنوباً، وانتهت عائلات وأقارب العائلة في مخيمات نصبت على عجل في شمال قطاع غزة. وأثناء حرب البتر الجماعية تلك وبعيدها قضى الأب والأم. «فضة» كانت ما زالت تحلم بالعودة إلى والديها حتى لو لم تكن تلك العودة إلى بيت يافا الدافئ. عرفت من جورج أن أهل يافا طُردوا منها وأن والديها وعائلتها قد استقروا على الأغلب في غزة. لم تكن تعلم أن البتر كان أعمق كثيراً مما تخيلته. كان عليها أن تعيش حلم الارتماء في أحضان أمها وأبيها أحد عشر عاماً أخرى، قبل أن تبتلع المرارة الخانقة لحظة وصولها مع العم منصور إلى المخيم بعد أن لفظها ذلك القطار الأهوج في محطة سكة حديد غزة. آنذاك عرفت أن كل ماضيها الطفولي الجميل دمرته بريطانيا التي ينتمي إليها جورج النبيل، والذي اضطرت بعد وفاته مباشرة أن تغادر بيته الذي كان يضيق عليها بسبب نفور بعض أفراد عائلة جورج منها وعدم استساغتهم بقاءها بينهم. منذ لحظة ابتلاع المرارة في المخيم واكتشاف عمق البتر الذي حصل في حياتها صارت «كريستينا» ابنة المخيم. وفيه عاشت وعملت وتجذرت أكثر من نصف قرن تحولت خلاله إلى «الحاجة كريستينا»، ما أضفى عليها العمر والحكمة والتجربة هالة سحرية، صارت بها جميعاً قرة عين المخيم، ووجعه، وبؤره مجلس نسائه. هذه هي بعض خيوط ومرارت البتر التي مرت بها «الحاجة كريستينا» كما يخبرنا عاطف أبو سيف، الكاتب والأكاديمي والناشط السياسي والروائي الفلسطيني، ابن غزة، في رحلة مريرة ورصينة الصياغة عبر روايته الأخيرة «الحاجة كريستينا» (الصادرة عن دار الأهلية، عمان، 2016). هنا يعيد أبو سيف سرد نكبة الفلسطينين ولجوئهم وأوجاعهم من زاوية جديدة وملفتة. في «حياة معلقة»، روايته السابقة التي وصلت إلى القائمة القصيرة في مسابقة الجائزة العالمية للرواية العربية، سلط ابو سيف مجهره الروائي على حيوات الناس التي «عُلقت» في مدن ومخيمات القطاع بعد النكبة، حيث انحشروا في خيم الأنروا وغرف الصفائح الضيقة والحقيرة تاركين أفئدتهم مبتورة نصفين على جانبي الأسلاك الشائكة التي صارت تفصلهم عن فردوساتهم المفقودة. ظلوا معلقين عقوداً مريرة من السنين وهم يحصون أشعة الشمس وماء البحر بانتظار عودتهم إلى بيوت تركوا أبوابها مفتوحة، بمظنة أن مغادرتهم إياها ستكون قصيرة وسريعة. أبو سيف المولود في مخيم جباليا في غزة كبر على حكايات جدته «عائشة» بنت يافا وعاشقتها، والتي كتب مرة بأنه يتمنى أن يكتب قصتها وأن يكون وفياً لعشقها مدينة البحر وحكاياتها. لنا أن نقرأ الآن جانباً من حياة «عائشة» وذاكرتها وعشقها حارتها وناسها ومدينتها المفقودة في «الحاجة كريستينا». فهذه الأخيرة وبعد أن أدمنت الوجع والمرارات تحولت إلى شبه قديسة، لا تعتاش على حكايات الماضي اليافوي واللندني وحسب، بل تصنع حكاياتها الخاصة، وحكايات من حولها. تعيش عوالم عديدة مرت بها، فلسطين ما قبل النكبة، بريطانيا الناكبة وسنوات ما بعد النكبة، ثم مخيمات غزة ونكباتها المتتالية وصولاً إلى حرب إسرائيل على القطاع عام 2009. وفي وسط هذه العوالم تحتفظ بزيارة دورية لما يُعتقد بأنه قبر أدموند الشقيق الأكبر لجورج النبيل، والذي قتل في الحرب العالمية الأولى في حروب البريطانيين مع الأتراك ودفن في مقبرة الإنكليز في غزة. الحاجة كريستينا، وكما كانت الجدة عائشة، ليست امرأة عادية، ولا فرداً عابراً في زمن ومكان معينين، هي الصورة البطيئة لمشهد «البتر» وتخليق حواضر للبشر مفصومة عن مواضيهم بتدخل الغريب، الوعد ومنفذيه. قارئ «الحاجة كريستينا» لا يستطيع فصلها عن ثيمة «البتر»، اللعنة التي لاحقتها منذ يفاعتها وظلت رفيقتها في الحياة، تتجدد في مراحل عمرها فـ «تبتر» قريبة معمرة لها هنا، أو صديقة مخلصة لها هناك، وتأتي لها بأخبار كلها مبتورة، قصص عصية على الاكتمال، واحلام مشطورة لـ «فريال» و «سلطانة»، وتمنيات يبلعها البحر كما هي تلك القوارب الفقيرة لصيادي غزة، منخورة بالتأكّل مثل قارب «حمدي» المتهالك بعد ستين سنة من الصيد. يتواصل «البتر» في حياة «الحاجة كريستينا»، وشعبها، ويتواصل على الضفة الأخرى من السلك الشائك ترسخ الوعد البلفوري الذي قصم ضهر «فضة» وحولها إلى «كريستينا» ومعها قصم ضهر شعب بأكمله.لا تتوقف قصة البتر واللااكتمال في غموضها وتقلب رواياتها، فتختفي في يوم ما الحاجة كريستينا من المخيم. يقول شهود إنهم رأوا سيارة تابعة للسفارة البريطانية تنقلها من بيتها وسط ضجيج قنابل الطائرات الحربية وزعيقها والانفجارات التي تدوي في طول وعرض القطاع. الحاجة كريستينا تحمل جواز سفر بريطاني من سنوات عيشها هناك، وهي مسجلة كواحدة من الرعايا البريطانيين في غزة، والسفارة مهجوسة بتأمين وترحيل رعاياها. يندهش الناس ويتساءلون: لماذا تقبل كريستينا المغادرة وهي قد صمدت أمام ويلات كبيرة واكبر واجهت غزة في العقود الخمسين الماضية. لماذا تقبل «البتر» طواعية هذه المرة ولا تواصل نشر ابتسامتها الساحرة في المخيم، وبسط الجسر الدافئ الذي تصل به بين عوالمها الداخلية، وعوالم من حولها. بلفور لم يأخذ فلسطين ويمنحها لليهود فحسب، بل سرق أيضاً جزءاً من قلب «فضة» ومزق ما تبقى من أجزاء.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
«جلس على الأرض قرب القارب وأخذ يخطّ اسم فضة بالعربية على جدار المركب. ثم جلس في الجهة المقابلة وخطّ اسم كريستينا بالإنكليزية». في رواية عاطف أبو سيف «الحاجة كريستينا» تتناسل الحكايات تباعا، ما إن تفترق إحداها حتى تعود لتجتمع مع غيرها في إطار حكاية الخروج الأكبر، فلا غرابة إذن لو أتت جميعها مضمخة بجراحات القلب التي لم تكن تسمح إلا بنهايات مبتورة، أو ملتبسة. أبطال هذه الحكايات لاجئون أتوا من فلسطين المحتلة عام 1948 وسكنوا مخيم غزة حاملين معهم حنينهم وذكرياتهم، لذلك ترتكز الرواية في كثير من صفحاتها على ذاكرة هؤلاء المهجرين، تستردها عبر حكايات ما قبل غبار الشتات، تفعل هذا وفي ذهنها أن تجعل حياة الناس ممكنة، لأن حرب الفلسطيني مع الآخر هي حرب ذاكرة تعينه على إثبات وجوده وسرديته الخاصة. لكنها ذاكرة لا تنفي ما عمدت إليه الرواية من متابعة ما يجري في حاضر غزة من حكايات أبطالُها أسرى مناضلون وشهداء حالمون بالنصر، وآخرون باتوا يحلمون بالسفر بعد أن ضاقت الأرض بما رحبت، حين صارت غزة سجنا كبيرا رغم البحر الذي بات سلكا شائكا لا يسمح بالعبور إلى العالم الخارجي. أول ما يلفتك في عنوان الرواية «الحاجة كريستينا» اجتماع مفردتين تنتمي الواحدة منهما إلى عالم يتضاد مع الآخر، لكنك ما إن تمضي في القراءة حتى تكتشف أن لهذا الائتلاف بين متضادين قصة غامضة، وسلسلة تبدأ بالتساقط شيئا فشيئا عن شجرة الغموض. بطلة هذه القصة فلسطينية تتحدث الإنكليزية بطلاقة، أو فلنقل إنها بريطانية عاشت في فلسطين جل عمرها. فمن هي الحاجة كريستينا هذه؟ تبدأ الرواية بمجيء سيارة تحمل سيدة في العقد الثامن من عمرها، وتذهب بها مع الريح، لتصبح هذه السيدة الشغل الشاغل لأهل المخيم، الذين يتسابقون في اختلاق القصص حول حادثة الاختفاء هذه. ومع هذه القصص نعرف أن هذه السيدة كانت قد خرجت طفلة في الحادية عشرة من عمرها من يافا بصحبة رجل إنكليزي اسمه جورج قبل النكبة بقليل للعلاج في لندن، وكان اسمها آنئذ (فضة). وتشاء الأقدار أن يأتي الاحتلال وتتقطع بها سبل العودة إلى أهلها الذين يرحلون عن الحياة. وهو ما دفع جورج إلى تبنيها وإبقائها معه مواطنة بريطانية إلى أن يتوفاه الله، فتدفع بها أختاه للعودة إلى أهلها، فيكون مخيم اللاجئين قرب غزة مكانها الذي تستقر فيه في خمسينيات القرن الماضي، وفيه تتزوج وتنجب ولدا يختفي بعد خروجه للتعلم في مصر في الثمانينيات. وتتوالى عليها الأيام حتى يناير/كانون الثاني عام 2009، حيث تقع حادثة الاختفاء هذه. تتوالى الأحداث في ما يبدو سلسلة مضطربة وغير منتظمة من المفاجآت العجيبة والانتقالات المهولة بين المدهش والعادي، والغريب والمتوقع الذي يكون الشاهد على أن الأشياء تتحول من موضع إلى آخر، وتنتقل من الشيء إلى نقيضه. من هنا شاءت الأقدار أن تصبح (فضة) (كريستينا)، بما يعكس ازدواجية في الأصل جرت العادة على التعامل معها باعتبارها مصدر قلق وانتهاك. لكنها في هذه الرواية برزت مساحة تمكن الإنسان – كما يقول علي حرب في كتابه تواطؤ الأضداد – من صنع نفسه وبناء عالمه على سبيل التجاوز، فكريستينا تثبت عبر أكثر من موقف قدرة لافتة على اختراق وحدانية المرجع لمصلحة البعد المزدوج، بما يجعل الثبات مجرد وهم، والصفاء مجرد أكذوبة، ولا أدل على ذلك من أن فضة ابنة عوني السعيد المولودة في يافا، هي نفسها كريستينا ابنة جورج الذي سجلها بهذا الاسم. ونراها في مسار حياتها وقد حضرت في إطار بنية مركبة وملتبسة ومنفتحة على أكثر من وجه. لذلك ينقل الراوي العليم عنها أنها لم تغلق النافذة طوال حياتها، وأصرّت طيلة حياتها على تركها مشرعة للريح حتى حين يحمل الشتاء الأمطار أو الخريف الأتربة. في إطار هذا المنطق التركيبي والتحويلي يحضر مفهوم الوطن ملتبسا، ومنقسما بين بريطانيا التي تحمل كريستينا جنسيتها، وأرض وصلتها ضائعة لا تعرف شيئا عن مصير عائلتها فيها. وإن كانت الهوية تفرض هيئة وشكلا معينين، فإن كريستينا التي كانت ترتدي البنطال والسترة وتتصرف بطريقة مغايرة لم يبد عليها أنها كانت فلسطينية، حتى حين عادت وغيّرت ملابسها التي أتت بها، ولبست كما بقية نساء المخيم الثوب الفلاحي أو البدوي، فإن شيئا فيها ظلّ يشير إلى هذا الجزء الملتبس من هويتها، وبدت كما الواقع بين كرسيين، ففي لندن رفضها أهل جورج، وفي المخيم في أول عهدها به رفض قاطنوه فكرة أن تكون واحدة منهم. إلا أن كريستينا كما أسلفنا كانت لها ممارساتها التي تنتقل فيها بسلاسة بين عالمين لا تراهما متعارضين، وكانت بارعة في التوفيق بين ماض مختلف وواقع جديد أصبحت تعيشه في غزة، التي فاق تعداد اللاجئين فيها سكانها الأصليين. وما كان لمثل كريستينا أن ترى تناقضا بين تأدية فرض الصلوات الخمس، والذهاب إلى الكنيسة تبتهل للعذراء من أجل أن تحميها من مصائب الدنيا. وما كان هذا ليحجب لقب الحاجة عنها لما عرفه أهل غزة عنها من قدرة على شفاء العلل. لتبقى بطلة الرواية أنموذجا يكسر كل صورة ذهنية جامدة هي جزء من أرشيف مختزن من القواعد الثابتة التي يضعها المجتمع. الرواية عموما تحمل في طياتها دعوة للانضواء تحت مظلة واحدة عبّرت عنها قيادات نسائية خرجت في مظاهرات أسبوعية تحت عنوان «نساء ضد الانقسام» التي لم تعجب شرطيا رأى في خروج النسوة كاشفات رؤوسهن فجورا ينبغي التصدي له، وهو ما حرك كريستينا للقول: «قبل ما نطلب من الأحزاب إنهاء الانقسام خلينا نطلب من هالحارة تتوحد». وهو المنزع الاستبدادي ذاته الذي تتصدى له الرواية بمنطقها الخاص، حين حجب المجتمع عن أقوى امرأة عرفتها غزة (نادية) حقها في انتزاع أبسط حقوقها في الطلاق من الرجل الذي ذاقت منه الويلات، وكانت حجته في ذلك منطقا كاذبا يدّعي رفضه خروج المرأة عن إرادة زوج همّه الحفاظ على المرأة من مغبة الخروج بزينتها إلى المجتمع والاحتكاك بالرجال. عبر هذا المثال وآخر رأينا فيه أصحاب العقلية المعطوبة يرفضون تحويل بيت كريستينا بعد اختفائها إلى مكتبة، يتأكد لنا أن الروائي كان حريصا على التصدي لأصحاب العقلية الاصطفائية والنفسية المعطوبة الذين يدينون الآخر من خلال مفردات الشبح والجحيم، تحركهم إليها رغبتهم في إعادة إنتاج مجتمعات مغلقة، تكون مصنعا للكره والقهر والاستبداد معا. نستنتج مما سبق أن سؤال الأضداد في الرواية كانت له وجهته الساعية إلى خلق حالة يأتلف معها النقيضان، ما يساهم في تقريب الحياة من حالة قفز أو رحلة بين نقطتين، واحدة نعرفها والثانية نجهلها، وهو ما كانت تصنعه كريستينا التي عاشت في عالمين وقفزت بين لحظتين، وأمسكت بكلتا يديها بصور مختلفة، بينما كانت كل قدم من قدميها تسير في درب مختلف. والراوي العليم في الرواية يسلم بالقول: «إن هذا هو عالم كريستينا الخاص، الذي يكون فيه زوجها أحد أهم أبطال المقاومة، فيما تواظب هي على زيارة قبر أحد الجنود البريطانيين الذين قتلوا وهم يحاولون احتلال غزة». أما مبررها في ذلك فهو راحتها التي تجدها في الحفاظ على توازن العالم. هنا يستوقفني منطق تحويلي يرفض العزلة ويحرص في الوقت نفسه على تحويل المتعدد والمختلف إلى صيغ للتجاور والتعايش، عند هذه النقطة، وعلى الرغم من جاذبية هذا الخروج عن نمطية مركزية جامدة، فإن السؤال يأتي فارضا نفسه بقوة: كيف تتساوى وطنية كريستينا مع إصرارها على زيارة قبور جنود إنكليز، في وقت لم تكن تجهل فيه أنهم من أخذ الأرض وسلمها لليهود؟ والحق أننا مهما حاولنا خلق حالة من الائتلاف مع الأضداد، فإن معطيات الوجود ووقائع الحياة تفرض بالضرورة خلق حالة اختلاف مع بعض الأضداد التي لا يمكن جمعها تحت إطار واحد، وإلا انتفت من حياتنا إمكانية الوصول إلى حلول نهائية في ما يخص مساعي البشر ومشاريعهم المتضادة، لأن أحدا منا لا يمكن أن يجمع كل حالات الطباق في بوتقة واحدة. ولا أجد خيرا من هذا المقطع من قصيدة درويش «طباق لإدوارد سعيد» الذي يختصر شراكة إنسانية لا تنفي سؤال الضحية وفيه يقول: إن الهوية بنت الولادة لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماض. أنا المتعدد.. في داخلي خارجي المتجدد. لكنني أنتمي لسؤال الضحية. لو لم أكن من هناك لدربت قلبي على أن يربي هناك غزال الكناية