
مجاني
حارس الفيسبوك
تأليف شريف صالح
4.0(١ تقييم)•٢ قارئ
عن الكتاب
الرواية الأولى لشريف صالح، بعد ست مجموعات قصصية، يحكي فيها حكاية عالم «فيس بوك» وما يدور فيه من خفايا ومكائد، بأسلوبٍ يجمع بين السخرية والواقعية السوداء، وفيها يضع «شريف صالح» الفصول في ترتيب عكسي، فنجد في البداية الفصل 36 وعنوانه «تقرير موقع فيروس» وفي الختام الفصل الرقم واحد وعنوانه «يوم القيامي الافتراضي»، ليجد القارئ نفسه حائرًا: من أين يبدأ القراءة؟
عن المؤلف

شريف صالح
كاتب وصحفي مصري مقيم بالكويت• صدر له:ـ "بيضة على الشاطئ" ـ قصص ـ دار الصدى ـ دبي ـ 2013ـ شخص صالح للقتل (قصص) ـ بيت الياسمين ـ 2011ـ نجيب محفوظ وتحولات الحكاية ـ(دراسة) الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ 2
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٣)
المراجع الصحفي
٤/١٢/٢٠١٧
المؤلف شريف صالح ينسج في روايته الأولى عالمًا افتراضيًّا، جذوره تنتمي إلى عالم الواقع الذي لا ينفصل عنه، بل يكاد يكون هو المسبِّب في اللجوء إليه بكلّ أوهامه.
ينسج شريف صالح في روايته الأولى “حارس الفيسبوك” عالمًا افتراضيًّا، وإن كانت جذوره -في الأصل- تنتمي إلى عالم الواقع الذي لا ينفصل عنه، بل يكاد يكون هو المسبِّب في اللجوء إليه بكلّ أوهامه وأيضًا بأخطاره. الرواية الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية-القاهرة 2017 (في 192 صفحة من القطع المتوسط) تُقدِّم صورة دقيقة لحياتنا الموازية التي خلقناها (أو توهّمناها) في فضاء العالم الافتراضي؛ حيث صار لكلِّ شخصٍ عالم آخر بديل يهرب إليه.
الغريب أنَّ هذا العالم البديل الذي خلقناه لم يتجاوز سوى الحائط الأزرق، ومثلما مُني البشر في الواقع بالهزائم نتيجة إخفاقات جميعها مرتبطة بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسيّة قاهرة، أيضًا مُنوا بهزائم في صورة فضائح على الفضاء الافتراضي، بعد أن اخترق هاكرز الموقع وأسقط كل الصفحات، ونشر الشات على المشاع.
يوم قيامة افتراضي
يتخذ الكاتب من حادثة مُتخيّلة -وإن كانتْ تحقّقت فيما بعد- جوهرًا لروايته، ومن هذه الحادثة التي يصوغها في تساؤل افتراضي “ماذا تفعل لو انهارت صفحتك إلى الأبد مثل ورقة شجر؟ لو أصبح بإمكان أيّ شخص أن يرى الشات الذي تقوم به ويتلصّص على رسائلك الخاصة؟!” يؤسِّس روايته ويتتبع أثر هذا الانهيار على أشخاصها.
لا ينتظر الراوي إجابات لتساؤله الافتراضي من المرويّ عليهم، فيعلن قاطعًا عليهم فرصة التخمينات والتأويلات بأن هذا “ما حدث في الفيسبوك حوالي التاسعة مساء أمس انهارت الأيقونات والبروفيلات وألبومات الصور” حتى أطلق عليه المستخدمون “يوم القيامة الافتراضي” من شدّة الأضرار التي لحقت بالجميع.
يُقدّم الراوي تأويلات لما حدث وإنْ كانتْ مُفرطة في المبالغة في بعضها، لكن ما يهمّ سياق الحكاية، هو نتيجة ما حدث فقد كانت هذه الحادثة بمثابة “يوم القيامة الافتراضي” بكل ما تحمل الكلمة من حمولات حيث التوازي ليس فقط فيما أثارته مِن ذُعرٍ وخوفٍ وخسارات على كافة مستوياتها، أو في تمثّلها لصورة يوم القيامة وأهواله فما حدث “فتت الوول إلى شظايا وأشلاء” وإنما أيضًا في تحقّق فعل الجزاء والعقاب الذي تعرّض له مستخدمو الفيس جرّاء أعمالهم السرية التي انتهكوا بها حدود الواقع. وهو ما دفع الراوي لأن يتساءل في دهاء “هل مِن الممكن الثِّقَة في الفيسبوك حين يُعيد صفحاتهم مرة أخرى … إلى الحياة؟”.
في الحقيقة الانهيار غير المتوقع للفيسبوك كشف عن ضعف وهشاشة العلاقات الإنسانية والاجتماعية بخاصة، وهيمنة القيم الاستعمالية في المعاملات، وأيضًا تورط جميع الشخصيات في علاقات خفية وصلت إلى الابتزاز كما في علاقة عبدالرحمن بمهلبية، ومحاولة الزوج رشدي استغلال انفلاتها لصالحه بمحاولة ابتزاز عبدالرحمن المـُحاسِب ابن الأصول بالحصول منه على مال مُقابل التغاضي عن اتهامات الزوجة له بالتعدي عليها.
ومن ثم يتخذ الراوي من حادثة الانهيار مثالًا لحالة الفوضى والعبثيّة التي انتابت حياتنا وقلبتها رأسًا على عقب، وفي الوقت ذاته يكشف عن العوالم الخفيّة التي تدار خلف صفحات الفيس الزرقاء، وما تعجّ به من خيانات ومؤامرات وعلاقات مريبة تصل إلى التأمُّر كما في علاقة منال بديفيد الناشط الأميركي.
المثير حقًّا أن هذه العوالم بكل ما تحمله من نزق وجنون وانتهاك للقدسية والخصوصية لا تنفصل عن واقعنا الأرضي، وإن كان زاد العالم الافتراضي من حدوثها بل ودفع بالكثير من الشخصيات إلى الدخول في معتركها من قبل التجريب أو حتى تعويض ما فشلت في تحقيقه على مستوى الواقع كما في حكاية الأستاذة الجامعية صديقة مهلبية التي “لا تُمارس الدعارة بل فقط تشبع رغبتها في قضاء وقت ممتع مع شباب”.
النص حداثي بامتياز، فليس ثمّة حكاية يمكن تلخيصها، فالرواية تنتمي إلى “النصوص الكتابية”بتعبير رولان بارت؛ فثمة حكايات مُتفرِّقَة عن هدى وعبدالرحمن وعلوي ومهلبية وثمة حكاية خاصة مأسوية عن مهلبية وزيجاتها الفاشلة وعلاقتها الصامتة بأبيها، وعلاقتها المادية بإخوتها، ثم حكاية منال المتمردة التي ارتبطت بأستاذها أحمد علوي في علاقة حسيّة، ثمّ تزوجت من مهندس لمدة قصيرة عادت حاملة للقب مُطلَّقَة، فتعيش حياتها متسكعة بين مقاهي وبارات وسط البلد.
لكن هذه الحكايات المتفرقة والمتشابكة في علاقات ثنائية مع باقي الشخصيات، يجمعها نزق الفضاء الأزرق أكثر من الواقع العياني، وهذه هي المفارقة. كما أن هذه الحكايات الكثيرة والمتفرِّقة ليست مسرودة بطريقة متصاعِدة زمنيًا (كرونولوجيًا) وبنهاية النص تتشكّل بنيتها، وإنما هي حكايات مُفتّتة (متشظية) أشبه بالستاتوسات بلغة الفيسبوك التي يحرص الجميع على كتابتها على “الوول” الخاص بهم، تعتمد أوّل ما تعتمد على تقنيات كتابية خاصّة أجاد فيها المؤلف، وأوّلها هو اعتماده على زمن تنازلي “أو زمن مقلوب” يبدأ من النهاية إلى البداية.
فزمن الرواية الفعلي هو اثنتا عشرة ساعة تقريبًا يبدأ من التاسعة صباحًا، مع الوحدة 36 وهي التي يبدأ بها السرد والمعنونة “بتقرير موقع فيروس“، ثم يبدأ التنازل العددي للزمن وكذلك الوحدات حتى يصل في نهاية الرواية إلى الوحدة رقم 1 المعنونة “بيوم القيامة الافتراضي” في السّاعة التاسعة مساء.
وما بين الزمنين تدور أحداث الرواية، وإن كانت ثمّة استدعاءات لأزمنة سابقة، تعود إلى زمن خلافات هدى مع أسرتها حول دراستها، وبالمثل مهلبية وزوجها السابق الشيخ فوّاز وكيف تمّ الزواج وكيف انتهى الطلاق بينهما، وصولا إلى زواجها برشدي، وبالمثل أزمنة استرجاعية خاصة بعلاقة منال بأستاذها وماضيها، ثم في مرحلة لاحقة تعارفها على ديفيد أثناء الثورة.
ومع أنَّ الزمن داخلي في معظمه إلّا أنّ ثمّة زمنًا خارجيًا يعود إلى سباق الانتخابات الرئاسيّة بين مُرشح الإخوان ومرشح الثوّرة، والأجواء الانتخابية، وحالة الخواء التي كانت تتسم بها اللجان وفقًا للتقارير التي كانت تبثها الفضائيات والتلفزيون المحليّ، بالإضافة إلى انتقاد مُبطن لتمرير صفقة المنظمات الحقوقية بعد القبض على عناصرها والإفراج عنهم وترحيلهم بسرعة إلى أميركا.
كما تُلَمِّح الرواية إلى الدور المشبوه لهذه المنظمات، في صورة الثراء الفاحش الذي ظهر على أعضائها كما ظهر على شخصية منال بشرائها شقة في المبتديان، وكذلك التحولات في شخصية محمد الحسيني الذي كان أوّل مَن أخذ بيد علي نجيب في طريق الشعر وقاده إلى إليوت وعبدالصبور، فيكتشف أنه انقلب على إليوت وانضمّ إلى ابن تيمية. وهو ما يشير إلى التغييرات الأيديولوجية التي لحقت ببنية المجتمع إزاء هزات ما بعد الربيع العربي.
الراوي يستعرض مآسي نصف يوم فقط لجميع الشخصيات، فأوقف الزمن على أفعالهم وتصرفاتهم والنهايات التي انتهوا إليها؛ ليكشف لنا فداحة هذا العالم الافتراضي الذي سرق الجميع من واقعهم المبني مع الأسف على قيم استعماليّة وليست قيمًا أَصيلة بتعبير لوسيان غولدمان، فتوسَّلُوا بعوالم افتراضية وهميّة، ومع الأسف كانت أشدّ وطأة من مآسى الواقع الهاربين منه. فرّ الجميع على اختلاف صفاتهم الاجتماعية إلى جنّة الواقع الافتراضي، لكن في لحظة غضب جنوا جميعًا بلا استثناء علقمها بعدما صارت رسائلهم ومراسلاتهم أمام الجميع.
عالم المحرومين
تشابك العلاقات في العالم الافتراضي يسير على عكس العلاقات في عالم الواقع، التي يمكن وصفها بأنّها علاقات مُنفصلة أشبه بجزر مُتباعدة مع أنّ الكثيرين يسكنون في بيت واحد، كما في علاقات هدى مع عبدالرحمن، ومهلبية بأبيها، وإخوتها بأبيهم. فالعلاقات جميعها فاترة تفتقر إلى الحنان المنتشر ببذخ في التعليقات وفي رسائل الشات، فعبدالرحمن يُضاجع نساء وهميات على الشات في حين يبخل بالجواب على رسالة زوجته هدى بخصوص ابنتهما ليلى.
حالة الافتقاد التي تبدو عليها هدى تقودها إلى علاقة تردُّ بها على خيانة زوجها لها في الواقع في العالم الافتراضي مع أحمد علوي. وبالمثل مهلبية المحرومة من عبارة “وحشتيني” مِن رشدي الذي يزورها ليومين في الأسبوع، في حين تنهال عليها العبارة من جميع الأقطار العربيّة.
هكذا هرب الجميع إلى العالم الافتراضي كنوع من التعويض. فثمة عالم من المحرومين والمحرومات. إشكاليات الواقع خلقت شخصيات أقرب إلى الشخصيات الضدّ، انسحبوا من واقعهم إلى خلف الشاشات الزرقاء بأسماء مستعارة؛ لتحقيق ما فشلوا فيه في عالم الواقع، فصوفى هوارد تقول إنها “لم يلمسها رجل وتسمح لزيزو بأن يفعل ما يشاء“، بل إن كل ستاتوساتها تشير إلى أنها “بحاجة إلى حضن رجل”. في حكاية رشدي ومهلبية ومحاولة رشدي التغاضي عن أفعالها؛ ثمة تبرير لما تفعله، فهو “كهل في الخمسين من عمره، ملامحه غليظة أكثر مما يجب، وله صلعة كبيرة آخر لمعان“.
يتوازى الرجل مع المرأة في الشعور بالافتقاد، فالشاعر علي نجيب خال هدى كان في كل ما يكتبه دليل على افتقاده إلى “حنان امرأة في حياته” فهو فشل مع زوجته السابقة التي أجبرته على الطلاق، وتعيش في شقة في المعادي اشتراها بكل مُدخراته وإرثه من والديه مع ابنته الوحيدة، ومن ثم صرف اهتمامه إلى العصافير فهي ألطف من النساء كما يعتقد، لأنها كما يقول “تغنّي لنا ولا تطلب أي مقابل” ثم يفتح صفحة جديدة يتمكن منها “من الانتقام من بنت البحر ويفضح ألاعيبها“.
يتميز الخطاب اللغوي بأنه خطاب ثري متنوِّع فثمة توظيف جيّد في الرواية للمفردات الجديدة التي يعتمدها المدونون في العالم الافتراضى، وأيضًا يتردد شريط لغوي يتضمن مفردات الشارع فيكشف عن سياق اجتماعي أصابه الهوس الجنسي كما في “حلاوتك يا كيداهم”، و”لو بتحبني ليه سيبتني”، و”أحلى اصطباحة”.
وفي بعضه يحوي مسحة سخرية سواء في سرد تشابكات العلاقات أو من خلال الحوارات، وهو واضح فيما كتبه الكاهن الأمابيك ردًّا على عدم تصديق وفاة مهلبية، كما يحتوي تمثيلات تعكس خطابًا متزمتًا زاجرًا ينتصر للنسق الديني. كما ثمّة توظيف جيّد لمقاطع من أغنيات وردة وأيضًا بعض الأغاني الشعبية داخل المتن، وكل المقاطع موظَّفة بحرفية شديدة، وفي جميعها تنتصر للحياة.
الرواية وإن كانت تستجيب لراهنات العصر الحديث، باتخاذها بنية الفضاء الإلكتروني فضاءً لها، إلا أنّها لا تنساق لهذه التكنولوجيا أو تنحاز لها، بل على العكس تدينها وتُقدِّم صرخة تحذير للحدِّ مِن الإفراط في كشف حيواتنا الخاصّة وتعريتها أمام وَهْمِ الهروب مِن الواقع إلى الفضاء البديل. وفي الوقت ذاته كأنَّها صرخة احتجاج ضدَّ الرأسماليّة المفرطة التي جعلت الإنسان عبدًا لشهواته وأيضًا للآلة.
المراجع الصحفي
٤/١٢/٢٠١٧
بعد ست مجموعات قصصية جاءت رواية "حارس الفيسبوك" للقاص والروائي شريف صالح، وهي رواية شيقة تتكون من 36 فصلا.
اعتمدت الرواية في بنائها على أسلوب جديد وغير مألوف للقراء؛ حيث بدأت أحداثها من النهاية إلى البداية، على طريقة فيلم "The moment"، حتى إنه بدأ ترتيب الفصول من رقم 36، الذي يحمل عنوان "تقرير موقع "فيروس"، وهكذا حتى يصل إلى الفصل رقم 1 الذي يحمل عنوان "يوم القيامة الافتراضي"، وهي طريقة صعبة ومركبة، تحتاج إلى براعة للإمساك بالأحداث وتفاصيلها الكثيرة وعدم الإفلات بأي منها، وهو ما نجح فيه الكاتب من وجهة نظري، وكأنه كتب الأحداث وفقًًا لترتيبها الطبيعي من الفصل رقم 1 حتى الفصل رقم 36، ثم أعاد بناءها وفقًا لما جاء بالرواية.
تدور الأحداث في فترة زمنية قصيرة تبلغ 12 ساعة، من التاسعة مساء حتى التاسعة صباحًا، لكنها مليئة بالأحداث المعقدة والمتشابكة لكل أبطالها، التي تمضي وكأنها حياة لكل منهم.
وتناقش الرواية، في أسلوب مشوق، ما يحدث مع مستخدمي ورواد صفحات التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، أو على الأدق مدمنيه، وتحول عالمهم الافتراضي إلى واقعي، والواقعي إلى افتراضي، وما يحدث وراء ذلك من انهيارات في حياتهم وأخلاقهم، ويربط الكاتب تلك الأحداث بطريقة مثيرة يمزج فيها بين انهيار الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي والتداخل الكبير بينهما حتى إنك تشعر أنهما جزءان لا ينفصلان عن بعضهما البعض.
تبدأ الرواية بسؤال بنيت عليه بقية الأحداث أو هو الثيمة الأساسية: "ماذا لو انهارت صفحتك إلى الأبد؟ سقطت مثل ورقة شجر؟ لو أصبح بإمكان أي شخص أن يرى "الشات" الذي تقوم به؟".
من هذا السؤال تنطلق الرواية في فضح كل الرسائل الخاصة والعلاقات السرية لمستخدمي الفيسبوك، وهو ما تم وصفه بدقة "يوم القيامة الافتراضي".
تعددت الشخصيات داخل الرواية رغم حجمها الصغير، ورغم ذلك يشعر القارئ كأنه يعرف كل حياتهم، وهو أسلوب برع فيه الكاتب؛ لما يمتلكه من أدواته، والتي اكتسبها من قدرته الكبيرة في كتابة القصة القصيرة.
وشيئًا فشيئًا سيجد القارئ نفسه متورطًا لمعرفة ما حدث لهدى وحيرتها الشديدة بين ذهابها إلى خالها المريض، بعد تلقيها لاتصال منه، وخوفها عليه، لكن قبل ذهابها إليه، يأتيها اتصال آخر من زوجها عبد الرحمن، يطلب منها أن تذهب إلى أبيه، لسحب عشرين ألف جنيه، بعد أن تم احتجازه في قسم الشرطة، ثم نكتشف في الفصول التالية علاقة زوجها بمهلبية، التي ورطته في قضية لم يرتكبها، وجاء عنوان الفصل رقم 33 أصدق تعبير لما هو فيه "طريقة من ألف طريقة لتهذيب مواطن".
كما نتعرف داخل الرواية على زيزو وعلاقاته النسائية المتعددة وأشهرها مع مهلبية التي أوشك أن يسقط في يدي زوجها، لولا هروبه من البلكونة، وترك حذاءه وراءه، حيث استخدمه رشدي زوج مهلبية كدليل في ابتزاز عبد الرحمن.
وفي الفصول التالية تتكشف أكثر العلاقات المركبة والمتشابكة بين كل شخصيات الرواية، فها هي ذي منال، الفتاة المتحررة، التي صاحبت الشاب اليهودي، كانت على علاقة بأستاذها علوي من قبله، وهو نفسه الرجل الذي تعمل هدى لديه كسكرتيرة. إلى أن نكتشف الحقيقة الصادمة للواقع الافتراضي الذي يعيشه الناس على صفحات الفيسبوك أو ما يسمى شبكات التواصل الاجتماعي، والذي تحول إلى واقع داخل حياتهم، لا يستطيعون الإفلات منه، وما نتج عنه من انهيار في العلاقات الأسرية، والفوضى الشديدة في حياتهم، كانهيار صفحاتهم تمامًا.
وقد تتابعت الأحداث في قالب وحبكة مشوقة، تجعل القارئ يمسك بالرواية منذ بدايتها وحتى نهايتها دون أن يمل من قراءتها. كما جاءت لغة الرواية سلسلة ومن صميم ما يستخدم على صفحات الفيسبوك، وكأن الكاتب انتقى كلماته بعناية شديدة حتى تلائم الأحداث والشخصيات.
وفي النهاية سيجد القارئ نفسه أمام مشكلة كبيرة وهي أن الرواية لن تجيب على كل أسئلته إلا بالقدر اليسير، ولن تعطيه نهاية للأحداث بصورة كافية لإشباعه، بخاصة للقارئ العادي، الذي يريد أن يعرف كل التفاصيل، بعيدًا عما يمكن أن يكتشفه بمهارة خاصة ووعي شديد داخل الفصول، وسط الأحداث المتلاحقة.
فمثلًا ماذا جرى لعبد الرحمن داخل القسم وتورطه مع مهلبية، وماذا فعلت هدى؟ هل ذهبت إلى خالها أم زوجها؟ كذلك علاقة زيزو بمهلبية، وعلاقة منال بصديقها اليهودي. كلها أسئلة سيجد القارئ نفسه عليه أن يعيد قراءة الرواية مرة أخرى أو أكثر، ليكتشفها، وهي تقنية وضح تأثر الكاتب فيها بفن كتابة القصة القصيرة وولعه بها، والتي تعتمد على عدم الإجابة على كل الأسئلة، وعلى القارئ الواعي أن يكتشفها بنفسه.
المراجع الصحفي
٤/١٢/٢٠١٧
مع أنه عالم مليء بالكتابة واليوميات والسرد والتعليقات، ومع أنه يضم بين جنباته العديد من الشخصيات من مختلف الجنسيات والأفكار والأعمار، ومع أنه يحوي الكثير من الجدل والموضوعات الشائكة والحوارات الساخنة، فإنه لم يلفت انتباه الروائيين ولم يتوقفوا لرصد خطورة دوره، ولم يلتفت أحدٌ إلى التركيز عليه لتوثيق عالمه واستخدامه في بناءٍ روائيٍ محكم، ربما يكون قد جاء بشكلٍ عارض في عددٍ من الأعمال الروائية والدرامية، ولكن يبقى عالمًا ثريًا يتيح للكتّاب التوقف عنده بشكل خاص ومفصّل.
إنه «فيسبوك» الذي يصطلح على التعبير عنه إعلاميًا بجملة «مواقع التواصل الاجتماعي»، لكي يضم معه مواقع أخرى مثل «تويتر»، و«إنستجرام»، وغيرها، ذلك الموقع الذي أصبحنا نقضي فيه أيامنا ونمارس فيه حياتنا بشكل يومي، أراد «شريف صالح» أن يبني من خلاله عالمًا روائيًا مختلفًا، بافتراض بدا مفرطًا في التشاؤم وجانحًا إلى الخيال، وهو (ماذا تفعل لو انهارت صفحتك إلى الأبد؟!)
هذا ما حدث لـ«الفيسبوك».. ففي التاسعة مساء أمس انهارت الأيقونات والبروفايلات وألبومات الصور. «يوم القيامة الافتراضي» كما أطلق عليه المستخدمون، فجأة اختفى كل شيء تحت سيل الإعلانات. نقاط زرقاء كثيرة راحت تتحرّك فوقها أيقونة بحجم فراشة، تشبه امرأة عارية، وقد حذّر خبراء أمن المعلومات من أيقونة تلك المرأة الزرقاء، لأنها تحمل فيروسًا بالغ الخطورة.
ينطلق «شريف صالح» في روايته الأولى «حارس الفيسبوك» من هذه الفرضية في محاولة لرصد تجليات تأثرنا بذلك الموقع الإلكتروني الذي أصبح حياة موازية وأبعاده، وذلك من خلال عددٍ من الحكايات والشخصيات التي تمتلك حساباتٍ على «فيسبوك»، وتتعرّف على الناس والعالم من خلاله، علاقات متشابكة ومترابطة وقائمة على أسس كلها «افتراضية/إلكترونية»، أشخاص يبدؤون علاقاتهم بـ«لايك» و«كومينت»، لتتطوّر إلى محادثات خاصة على «الشات»، وينهونها -إذا أرادوا- بـ«أنفريند» و«بلوك».
تلك المفردات والعبارات التي أصبحت جزءًا من قاموس حياتنا اليومية تدخل إلى عالم الرواية وبين تفاصيل حياة أبطالها بكل يسرٍ وسهولة، يفاجأ القارئ بقصةٍ وحكاية تدور عن عالمه الذي يعرف كثيرًا من تفاصيله، وربما عرف أشخاصًا كثيرين يشبهون أبطاله الذين يستغلون ذلك الموقع وما فيه من خصوصية وأسرار لابتزاز الآخرين أو التربح من خلالهم، تمر عليه تلك الأحداث وتتعاقب، ولكن لا يدرك تمامًا متى حدث ما يحدث ولا كيف حدث.
بناء روائي مختلف
يفاجأ القارئ في البداية بفصول الرواية التي تبدأ من آخرها، وتسير عكسيًا (من الفصل الأخير «تقرير موقع فايرس فصل 36» إلى الفصل الأول «في نهاية الرواية» الذي يحمل عنوان «يوم القيامة الافتراضي»)، والمفاجأة التالية أن الفصول تبدو متصلةً منفصلة، ويبدو أن كتابة «شريف صالح» للقصة القصيرة واحترافه فيها قد أتاح له فرصة تلك الكتابة المختلفة، والتي أراها جديدة في عالم الرواية.
فالفصول فعلًا يمكن أن تقرأ من الصفحة الأولى إلى الأخيرة (بالترتيب العادي)، أو تقرأها من الفصل الأخير (الذي يحمل رقم 1) إلى الفصل الأول (رقم 36)، دون أن يخل ذلك ببناء الرواية أو أحداثها، فليس هناك بناء تراتبي صارم للحكايات التي يأتي سردها في الرواية، بل على العكس يمكن أن تفهم الأحداث بترتيب غير ترتيب ورودها في الرواية، بالإضافة إلى أن كل أحداث الرواية تدور في مدى زمني قصير نسبيًا (من التاسعة مساءً حتى التاسعة صباحًا)، يدور فيها الكاتب بين شخصيات روايته، راصدًا ردود أفعالهم بعد ذلك الحدث الفارق.
اقرأ أيضًا: من ضيق الواقع إلى رحابة الخيال: قراءة في قصص «شريف صالح»
نتعرّف في الرواية على «عبد الرحمن» وزوجته «هدى» وعلاقتهما الشائكة التي يهددها ويؤثر عليها ما يفعلانه على «فيسبوك»، حيث نكتشف أيضًا علاقة غير سوية تجمع بين «عبد الرحمن» و«مهلبية»، تلك الفتاة اللعوب التي تحاول أن تورطه في قضية كبيرة، ويتفق معها «زيزو» صاحب السايبر.
من جهة أخرى نجد الفنان التشكيلي «أحمد علوي»، الذي تعمل «هدى» مديرة أعمال له، وتعرفه على صديقتها «منال» وصديقها «اليهودي» الذي سيعتبره البعض خطرًا على الأمن القومي للبلاد، مما يجعله في حيرة من أمره وأمر علاقتها به، في الوقت الذي تفكّر فيه هي نفسها في علاقاتها تلك، ويجعلها انهيار موقع «فيسبوك» تفكّر في استرجاع ذكرياتها مرة أخرى!
قديمًا باع «فاوست» روحه للشيطان مقابل إكسير السعادة والخلود، الآن الناس تبيع نفسها لـ«الفيسبوك» بلا مقابل.. تبحلق إلى ما لا نهاية في شاشة مشوّشة بالصور وبذاءات. كلام وأكاذيب تحاك في المقاهي، في محطات الباص ثم يعاد تضخيمها وتجميعها على «الوول». آلاف اللصوص يطلقون على أنفسهم «رجال الأعمال»، آلاف يزعمون أنهم «شعراء» و«إعلاميون»، لا أحد يعترف بحقيقة ذاته.. لا أحد يكتفي بدوره، بل يرغب في لعب كل الأدوار، فهل البشر مصابون بهوس ارتداء أقنعةٍ لا تخصهم.. أم هم عاجزون عن مواجهة حقيقة أنفسهم؟!
كان هذا جزءًا من رسالة الشاعر «علي نجيب» لزوار صفحته على «فيسبوك»، كتبها وأخذ يراقب ردود أفعال أصدقائه الافتراضيين عليها، بالتزامن مع تلك الحالة التي أصبحت تهدد ذلك «العالم الافتراضي» كله، وبدا أنها فرصة جيدة لكي يستعيد الجميع التفكير في علاقاتهم التي غدت «إلكترونية» غير واقعية، حتى أن «الحب» و«الشعر» أصبحا إلكترونيين!
لا يغرق «شريف صالح» قارئه ولا روايته في تفاصيل تكنولوجية معقدة، ولا يجنح بالفكرة إلى أبعادٍ مغوية بالكتابة والتفاصيل الكثيرة التي قد تستدعيها تلك الفكرة وذلك العالم، ولكنه يلجأ إلى العرض المكثف للموقف والشخصيات والأفكار، حتى أن شخصيات الرواية تأتي بشكل عرضي غير مفصّل، ولكنه عرضٌ متقن، يجعل القارئ يتعرّف عليهم بسرعة، ويدرك دوافعهم وأفكارهم وحالاتهم النفسية، وهو ما برع فيه «شريف صالح»، في طريقة بناء الشخصيات من خلال كلمات بسيطة معبّرة ومواقف عابرة ولكنها مؤثرة في الوقت نفسه، فالرواية التي تدور حول خمس شخصيات رئيسية مختلفة تقريبًا، يتم تناولهم والحديث عنهم بشكل موجز لا يجعل القارئ يمل من التعرف عليهم، ولكنه يكاد يكون قد عرفهم فعلًا.
هكذا تعرض الرواية القضية وتطوف حول الحكايات، لا تقدّم حلًا لمشكلة أو إجابة عن أسئلة، ولكنها تغوص في أعماق المجتمع ومشكلاته كاشفة عن عديد من مظاهر تفكيره السطحي الذي قاده للانسياق وراء ذلك العالم الافتراضي، كما توضح من جانب آخر قوة الرأسمالية وعدم اعتدادها الكبير بما قد تجره على العالم من مشكلات ومصائب، فهاهي إدارة «الفيسبوك» ترد على الملايين بشكل صارم وبثقةٍ تبدو غريبة بأن «لا تقلقوا كل شيء سيكون على ما يرام».
اطمئنوا تمامًا على كلماتكم وتدويناتكم وصوركم العزيزة على قلوبكم، كل ما تقومون به يتم إيداعه تلقائيًا في Storage Cloud، وهي تشبه علبة ذكريات عملاقة تتسع للبشرية كلها. وسوف يتم استعادة أي ذكريات تهمكم فور معالجة الخلل التقني.
تجدر الإشارة إلى أن «حارس الفيسبوك» صدرت في معرض الكتاب الماضي في القاهرة، ولكنها لفتت الأنظار مرة أخرى مع تلك «الهجمة الإلكترونية» التي «حدثت بالفعل»، والتي شهدها العالم في أوروبا وآسيا، حيث تعرض نحو 75 ألف موقع لهجوم سيطر على عدد من المواقع الإلكترونية لأماكن حيوية في العالم، شملت مستشفيات وعيادات أطباء ومنظومات إسعافية وغيرها.
وهو ما يؤكد أن تعرض «فيسبوك» للقرصنة أو الهجوم الإلكتروني أمر ليس بعيد المنال، وأن على كل مستخدم أن يحتاط لذلك جيدًا، وأن يبدؤوا -ولو الآن- في استعادة علاقتهم الحقيقية بالناس عوضًا عن العلاقات الافتراضية تلك التي لا تصمد كثيرًا أمام «هاكرز أو فايرس»!








