
فتيان الزنك
تأليف سفيتلانا ألكسيفيتش
ترجمة عبد الله حبه
عن الكتاب
في كتابها فتيان الزنك وثقت التدخل السوفيتي في أفغانستان بين العامين 1979 و 1985. جمعت فيه مقابلات مع جنود عائدين من الحرب، أو مع أمهات وزوجات جنود قتلوا هناك، وأعيدت جثثهم في توابيت مصنوعة من الزنك. كانت نتيجة الحرب آلاف القتى والمعوقين والمفقودين، مما دفع سفيتلانا إلى أثارة أسئلة حساسة حول الحرب، من نحن؟ لماذا فعلنا ذلك؟ ولماذا حصل لنا ذلك؟ ولماذا صدقنا ذلك كله؟ تعرضت سفيتلانا للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب، وتم إضافة جزء من الوثائق المتعلقة بالمحاكمة في الترجمة العربية.
عن المؤلف

سفيتلانا اليكسييفيتش (مواليد 31 مايو 1948 في بلدة أيفانو- فرانكيفيسك غرب أوكرانيا)، في كنف عائلة مدرسين في الريف. وتخرجت من كلية الصحافة في جامعة مينسك (1967-1972). هي صحفية وكاتبة بيلاروسية عملت في ج
اقتباسات من الكتاب
جندي كان لدي صديق، وكنيته الدب، وهو رجلٌ ضخم الجثَّة وقويُّ البنيان ويُعادل طوله المترين. عاد من أفغانستان وبعد عام شنق نفسه. أنا لا أعرف.. فهو لم يثق بأحد، ولا يعرف أحد، لماذا انتحر: هل بسبب الحرب؟ أم لاقتناعه بأن الإنسان حيوان حقير؟ في الحرب لم يُوجِّه هذه الأسئلة لنفسه، وبعد الحرب صار يفكِّر. ففقد عقله... ولي صديق آخر أدمن شرب الخمر... كتب لي، وبعث لي برسالتين يذكر فيها: يا أخي كانت الحياة هناك حياة حقيقية، أما هنا فهي مترعة بالحقارة، وهناك قاتلنا وهاجسنا البقاء على قيد الحياة، أما هنا فلا تفهم شيئًا مما يحدث.. وقد هتفت له مرة، وكان مخمورًا جدًّا. وفي المرة الثانية كان مخمورًا أيضًا (يدخن). أنا أذكر كيف وصلنا أنا والدب إلى موسكو في محطة قطار قازانسكي بموسكو، وسافرنا في القطار من طشقند فترة أربعة أيام، كنا نشرب ليلًا ونهارًا. ونسينا إرسال برقيات لكي يستقبلوننا. وخرجنا إلى رصيف المحطة في الساعة الخامسة فجرًا، فصدمت أنظارنا الألوان! كان الجميع بملابس حمراء وصفراء وزرقاء وشابات جميلات. اللـعـ...! إنه عالم مختلف تمامًا. وصرنا مخبولين! لقد عدت في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد شهر التحقت بالجامعة للدراسة، في السنة الدراسية الثانية. لقد حالفني الحظ! وقد حشرت ذهني بأمور شتى، ولم يتوفر لدي الوقت لكي أراجع دخيلة نفسي، ووجب أن أؤدي الامتحانات بدءًا من الصفر. ولم يتبقَّ في ذاكرتي خلال عامين سوى "مقرر المقاتل الفتي": تقشير البطاطس والهرولة مسافة ثمانية عشر كيلومترًا. أما ساقاي فقد كُشطتا حتى الركبتين. وهو؟ لقد وصل الدب من دون أن يوجد له أي شيء، لا الاختصاص ولا العمل. وتفكيره ينحصر في النقانق: يجب أن تكون نقانق من نوع "دكتورسكويه" بمبلغ روبلين وعشرين كوبيكا وقنينة فودكا بسعر ثلاثة روبلات واثنين وستين كوبيكا. من يهتم بعودة الفتيان؟ هل عقولهم مخبولة أو بجدعة بطول عشرة إلى اثني عشر سنتيمرًا، ويتقافزون على عجزهم في سن عشرين عامًا؟ قد يقول أحدهم: ليس ابني والحمد لله. إن نظامنا هو كالآتي: يدمِّرون حياتك في الجيش وفي الخدمة المدنية. لقد جئت إلى النظام، وحالما تقبض عليك الآلة الجهنمية ويتم نشرك إلى أجزاء، مهما كنت طيِّبًا، ومهما راودتك الأحلام في أعماق الروح. (يصمت). لا تكفيني الكلمات اللازمة... إنها قليلة جدًّا من أجل إيصال فكرتي: الشيء الأساسي ألا تقع في أسر النظام. ولكن كيف يمكن الإفلات منه؟ تجب علينا خدمة الوطن، وبطاقة الكمسمول في الجيب هذا شيء مقدَّس. يرد في النظام الداخلي العسكري: يجب على الجندي أن يتحمَّل بصلابة وبجرأة صعوبات الخدمة العسكرية كافَّة. بصلابة وبجرأة! باختصار – ماما لا تحزني. (صمت وتوجَّه إلى الطاولة لأخذ سيجارة جديدة، لكن العلبة كانت قد فرغت). يا للعنة! لم تعد علبة واحدة كافية خلال اليوم. - يجب أن ننطلق من أننا وحوش، وهذه الوحشية مغطاة بكساء رقيق من الثقافة، وتنويمة رقيقة. آه، ريلكه! آه، بوشكين! والوحش ينبجس من الإنسان في لحظة خاطفة، وقبل أن يرفَّ له جفن. ويكفي أن يتملَّكه الخوف على نفسه، وعلى حياته، أو يمتلك سلطة، سلطة صغيرة، صغيرة جدَّاً! والنظام في الجيش على مراتب: فالمرء قبل أداء القسم: روح، وبعد القسم: عصفور السيميلي "جيزارا"، وبعد نصف عام "تشيرباك"، من "تشيرباك" حتى العام ونصف: "جد"، ومن العامين: "ديمبل" (قبل التسريح). وفي البداية يكون مجرد روح بلا جسد، وحياته كلها وعاء من الخراء. لكنني كنت أطلق النار... أطلق النار مثل الجميع. ورغم كل شيء فهذا هو الشيء الرئيس... لا تتوفر لدي الرغبة في التفكير في ذلك. أنا لا أستطيع التفكير في ذلك.
يقرأ أيضاً
المراجعات (٢)










