
البصرة ودورها التجاري في الخليج العربي من القرن الثاني حتى القرن الرابع الهجري
تأليف عبد الحكيم الكعبي
عن الكتاب
إن دراسة التاريخ الاقتصادي تنطوي على أهمية كبيرة لفهم تاريخنا العربي، ذلك أن كثيرا من القيم الاقتصادية التي زخر بها تراثنا هي نتاج التطور الاجتماعي الاقتصادي. وتبرز التجارة كأحد حقول الاقتصاد المهمة، بل هي المحرك الأساسي للاقتصاد، والدولاب الذي لم يكن بدونه لتتجمع الثروات الطائلة التي قامت على أساسها المدينة الإسلامية، كما تبرز أهميتها باعتبارها أقدم وأقوى وسائل الاتصال الحضاري بين الجماعات البشرية المختلفة. وهناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين الحضارة والتجارة، فإذا كان القول إن التجارة تتبع الحضارة صحيحا، بما توفره لها من أمن وضمان وطرق سالكة ونظام نقدي مستقر، وصيرفة متطورة، وأسواق مزدهرة تلبي الحاجات الاجتماعية المتزايدة، فإن التجارة بدورها كانت واحدة من أهم عوامل التطور الحضاري، سواء من خلال ما توفره من حاجات مادية، أو من خلال ما تخلقه من اتصال فكري وبشري. وللفترة التي اقتصر هذا البحث عليها، أهمية خاصة في مجرى التاريخ العربي الإسلامي، وفي تاريخ البصرة بشكل خاص، ففيها شهدت الدولة العربية الإسلامية أقصى اتساع لها، وانتشر الأمن والاستقرار في أرجاء واسعة من المعمورة آنذاك بعد أن أصبحت خاضعة لسيادة دولة واحدة قوية وتحقق الالتحام بين مجالين اقتصاديين كبيرين، هما مجال المحيط الهندي ومجال البحر المتوسط، مجالان توحدا في الماضي البعيد، ثم ما لبثا أن انفصلا إلى عالمين متنافسين على مدى عدة قرون قبل ظهور الإسلام. وقد عاد هذان المجالان لينصهرا من جديد بفضل الفتح الإسلامي، فتحولا إلى مجال اقتصادي فسيح وموحد قائم على علائق تجارية عريضة، و طرق قوافل وخطوط ملاحية كثيرة، وعلى عملة سائدة هي الدينار الإسلامي ولغة تجارية دولية هي العربية. من جانب آخر زادت في هذا العصر موارد الدولة والجماعات والأفراد، وجنح الناس إلى حياة الترف والبذخ. واستجدت أحداث ساهمت في تحريك الثروة بين أبناء المجتمع وانتقالها، سواء عن طريق التجارة والصيرفة، أو عن طريق تقديم الخدمات أو الأنشطة الاقتصادية الأخرى. وفي ظل هذه الظروف برزت أهمية البصرة ونشطت فيها الحركة العلمية وظهرت المذاهب الدينية والأدبية كما برزت فيها المدارس الفلسفية والفكرية. إلى جانب تعاظم أهميتها التجارية. وقد وصفها أديبها الكبير الجاحظ وصفا طيبا يبرز أهميتها التجارية بالنسبة للعراق، ومن مأثور قوله في ذلك: " العراق عين الدنيا والبصرة عين العراق " ، ( 1 ) وأجمل اليعقوبي القول في أهمية البصرة من الناحية التجارية في قوله " والبصرة كانت مدينة الدنيا ومعدن تجارتها وأمواله ا ". ( 2 ) ويذكر ابن الفقيه الهمذاني أنها كانت:" مأوى كل تاجر وطريق كل عابر " ( 3 ) حتى أن ابن حوقل ذهب إلى القول:" وللبصرة من استفاضة الذكر بالتجارة والمتاع ما يستغنى بشهرته عن إعادة الذكر فيه " ( 4 ) إلى غير ذلك من الأوصاف الكثيرة التي حفلت بها مصادرنا التاريخية والجغرافية والأدبية عن أهمية البصرة التجارية خلال تلك الفترة الزمنية. ( 1) الجاحظ، التبصر بالتجارة ، نشره حسن حسني عبد الوهاب، ط2 (مصر 1935) ص3. ( 2) اليعقوبي، البلدان (ليدن 1891) ص323. ( 3) الهمداني ،مختصر كتاب البلدان (ليدن 1302 هـ) ص93. ( 4)ابن حوقل، صورة الأرض (ليدن 1938) ص214.
عن المؤلف

الدكتور عبد الحكيم الكعبي، باحث وأكاديمي عراقي ولد عام 1951م بمدينة البصرة بالعراق، حاصل على شهادة دكتوراه دولة من جامعة تونس الأولى عام 1997، بإشراف المفكر التونسي هشام جعيط.عمل أستاذا للتاريخ والحضا
اقتباسات من الكتاب
أما بخصوص تصميم الدراسة المعمقة والمقاربة المنهجية المعتمدة، فإن نهوض البصرة السريع، وثراءها بعد فقر، على الرغم كل الظروف العصبية والأزمات السياسية والاجتماعية التي مرت بها، يطرح على الباحث الإشكاليات الآتية: * ما الذي تهيأ لتلك النواة العسكرية، المغلفة بجدار سميك من البداوة، والمحاطة بظروف بيئية غير ملائمة، لتتبوأ تلك الأهمية الاقتصادية، والمكانة التجارية العالمية بعد قرن واحد تقريبا من تأسيسها.؟ * ما هي الخصائص التي جعلت هذا المعسكر البدائي يتوجه بسرعة نحو الحياة الحضرية، ويتعدى السبب الذي أنشئ من أجله؟ * لماذا وكيف هاجر هذا العدد الكبير من السكان إلى منطقة هي فقيرة في الظاهر؟ وكيف شكل هذا الجمع البشري فيما بعد مدينة كبيرة ذات شأن هام في ذلك العصر؟ * كيف تحولت المنطقة من منطقة طفيلية إلى منطقة منتجة؟ * وأخيرا: لماذا وكيف تطورت تجارة البصرة؟ وما هو الدور الذي لعبته في ميدان النشاط التجاري؟ وما طبيعة وحجم نشاطها وصلاتها التجارية مع العالم الخارجي، ومدى انعكاس ذلك التطور على حقول الاقتصاد الأخرى، كالزراعة والصناعة والنظم المالية والأسواق وغيرها. إن هذه الدراسة كانت محاولة جادة للإجابة على هذه الإشكاليات في ضوء منهج يعد التاريخ نشاطا إنسانيا متكاملا تتراصف فيه العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية بأدوار وإن كانت متفاوتة في تأثيرها وفق الظرف ومعطيات المرحلة، إلا أن لها جميعا حكمها في صياغة الحدث، من دون اختزال لحقب التاريخ أو منعرجاته الكبرى في ثنائيات مبسطة: تقدم وتراجع، أو تطور وتأخر. مع الوعي بأن طريق البحث في مثل هذا الموضوع، شديد الوعورة، ولا يخلو من صعوبات جمة، منها ما هو متعلق بغموض الصورة بسبب غياب الوثائق والإحصائيات، أو للتضارب بين روايات المتقدمين في كثير من الموضوعات، ومنها ما هو مرتبط بالمنهج الذي اعتمدناه. فكان علي التدقيق في تلك الروايات والتوفيق بينها والخروج منها بنتيجة تتفق مع الواقع الذي كانت عليه الظروف آنذاك، مبتعدا عن الرواية المبسطة التي تختزل الحقيقة أو تحرفها، ومتجنبا تأويل النصوص أو تحميلها أكثر مما تتحمل، غير أن هذا الحذر لم يمنعني من أن أمضي إلى أبعد من التفسير الظاهري لبعض النصوص وأن أدقق في تلك الروايات التي تحمل صور المبالغة والتهويل -وما أكثر ما يعترض الباحث منها في مثل هذا الصنف من الأبحاث-.
يقرأ أيضاً
المراجعات (١)







