لا يستطيع قارىء رواية " ورقة في الرياح القارسة " .. الصادرة ضمن إصدارات إبداعات عالمية أن يوغل في تمنياته و رغبته في قراءة عملٍ روائي مشبعٍ بتلك المخيلة التي زودت الكثير من الأعمال الروائية القادمة من شرق أسيا بالعديد من العناصر الفنتازية و السحرية و بما يقلص الفارق أو المسافة بين المخيلتين ; الشرقية العربية و الشرقية الأسيوية .., إذ أن أهم ما تنطق به هذه الرواية هو أنها تنسحب من فكرة الجنس الروائي الى جنس المذكرات الشخصية المروية على لسان البطلة التي تحمل الأسم ذاته الذي تحملهالروائية , خاصة و أنها قد قدمت للرواية بتسلسل زمني للأحداث التي عاشتها و تروي تفاصيلها في الصين ما بين عامي 1947 و 1994 و لعلها في صنيعها هذا تؤكد ما نذهب إليه في اعتقادنا من أن هذه " الرواية " قد جرى الحاقها و دفعها إلى جنس أدبي لا تنتمي إليه , فالأثر الواقعي الذي تتركه لدينا و منذ بداية متابعة التسلسل الزمني , يفرض نفسه على فعل القراءة ذاته و لتصبح عملية البحث عن المتعة مندمجةً مع بحثنا الإيهامي عن انفراج تنتهي إليه الأحداث الواقعية التي عاشتها المؤلفةتتحدث الرواية عن عائلة صينية تنتمي الى الطبقة المتوسطة , تحاصرها التغيرات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي عاشتها الصين في طور تحولها من مجتمعٍ زراعي برجوازي إلى مجتمعٍ يخضع للقوانين الاشتراكية و لسلطة الحزب الشيوعي و لعل بداية أحداث التحول تبدأ من وفاة والد الأسرة الذي صودر معمله الصغير ليتحول من برجوازي إلى عامل يجر العربات المليئة بالأحذية في معمله و عبر هذه الوفاة التي تسبب بها أولئك الذين استغلوا القوانين التي جاءت بها الشيوعية ليحققوا المكاسب الانتهازية , تبدأ حياةالعائلة بالإنقلاب والتدهور تبعاً لتطورات المجتمع الذي يسم أفرادها بأْشنع التهم بسبب الماضي البرجوازي "العفن" .. وهكذا يخسر الأولاد أحلامهم بالدراسة المستمرة التي حرموا منها بسبب القوانين المفروضة عليهم و المنشأة من أجل تحقيق الشعارات لا متطلبات الواقع ... هذه القوانين التي تصيب القارىء بنوبات الضحك أثناء قراءته للرواية تحول الضحك إلى ألم و حزن حين نعرف الثمن الذي دفعته شعوب الصين و هي تتعامل مع النزوات التي تصيب الأخ الأكبر ماو على أنها أفكار منزلة غير قابلة للمناقشة ... فالفلاحون يتركون أراضيهم و زراعاتهم ليبدأوا البحث عن المعادن في المنازل و في الشوارع من أجل صهرها وتحويلها الى فولاذ بعد أن قرر ماو تحويل الصين إلى بلدٍ يفوق بريطانيا في صناعة الفولاذ ..!! وفي الآن ذاته نرى العصافير و هي تخوض معركة مع الصينيين بعد أن اتهمها النظام الاشتراكي بأنها تأكل الحبوب وتسرقها من أفواههم وحينما تختفي يحل مكانها الدود و الآفات الحشرية التي تفتك بالمحاصيل التي أمست شبه معدومة بعد انشغال الفلاحين بأوهام الفولاذ الصيني ...!!تتعرض الأسرة بعد وفاة الأب إلى مصيبة أخرى هي مرض السرطان الذي يصيب الأم و يودي بها ..ليبقى الأبناء بلا أي سند سوى محاولاتهم التأقلم مع واقعٍ يرفضهم و يوجه حرابه ضدهم , فتذهب بطلة الرواية في رحلتها الإجبارية للعمل في مزرعة سجنٍ في أحد الأقاليم إثر تخرجها من دراستها المتوسطة .. و لتمتد الرحلة سنوات حافلةٍ بالقهر و بالكثير من اللحظات الحرجة في حياة الصينيينالذي خاضوا ثورتهم الثقافية وراء شعارات شعبوية أزاحت الإرث " البرجوازي " من أمام أعين الجماهير ليحل محله اللون الأحمر و صور الرفيق ماو و شعارات الحزب الواحد الهادفة إلى تطهير الوطن الشيوعي من أعدائه الطبقيين و منالمنحرفين الذين يخالفون توجهات الرفيق ماو أو يحملون ميولاً معتدلةً ...هذه اللحظات التي تمر في الرواية حاملةً للعديد من المواقف التي تشبه ؟؟ في تداعياتها الكثير من الثيمات التي نعثر عليها في الآداب التي كتبت عن الأنظمة التوتاليتارية حين تسحق الفرد تحت أحذية الشعارات و أصحابها و لعل الأسئلة التي يولدها التشابه لا تنتهي في الوقوف أمام مقولة أن أساسالتسلط هو غياب الحرية .. بل إنها تتعمق في الخيبات التي عاشتها ( آه سي بطلة الرواية بعد أن امتد القهر في جنبات حياتها طويلاً وإذا كان الأمل هو أصل الخيبة " كما عبرت المؤلفة فإن هذا الأمل ظل أمامها حتى في أسود وأحلك الظروف التي مرت بها, حتى لاحت لها فرصة استثنائية لمتابعة الدراسة في جامعة بكين التي عايشت فيها موت ماوتسي تونغ وتولي عصابة الأربعة الحكم , ثم الانقلاب الذي أطاح بزوجة ماو وعودة دنغ هسياو بنغ الى السلطة , ولتبدأ بعدها التحولات الاقتصادية التي دفعت بالصين صوب أن تكونواحدة من القوى الاقتصادية العظمى في العالم , ولكن دون أن يكون لهذا التطور أي أثر على وضع الحريات في هذا البلد الجبار ..!! و إثر تخرج آه سي ) من الجامعة تقع تحت براثن احتمال أن تدعى إلى وظيفة إجبارية في جهاز الاستخبارات الصيني و حينما تنجح في الانفكاك من هذا الاحتمال تبدأ مرحلة جديدة في حياتها تمر فيها بعدة محطات كالزواج بشاب تشك في كونه شاذ جنسياً و تتأكد لاحقاً من طبيعته الإنتهازية .. , و كذلك إنجابها لطفلتها الوحيدة , مروراً بمعاناتها مع قانون الطفل الواحد للعائلة الواحدة حيث تكاد الحكومة أن تعقم النساء من أجل تطبيق القانون .. !! هذه التفاصيل الإنسانية لا تضع القارىء أمام عملٍ أدبيٍ أحادي الرؤية رغم أحادية السرد فيه , بل إنها تفجرلديه المشاعر القاسية و المتضاربة التي تتناول الأثر السلبي للقوانين التسلطية على الحياة الفردية الإنسانية رغمأن هذه القوانين و كما هي في كل البلدان ذات الحكم الشمولي إنما تصاغ تحت عنوان كبير هو صناعة الإنسان الاشتراكي ..هذا الإنسان الذي أمست أحلامه ضيئلة ًو محدودة ً في العثور على فسحة لحريته الشخصية .. تقول بطلة الرواية في ختام الرواية: " نجوت من الريح القارسة . إنني حرة الأن . لا أحد يراقبني من علٍ , و لا أحد يرفع تقارير بحقي لمسؤولي الحزب يفصّل فيها تحركاتي و أنشطتي . لا أحتاج إذناً من أي أحد للسفر الى أي مكان .. لي أفكاري الخاصة أعبر عنها و أدونها بمنتهى الحرية ." (ص48الرواية و عبر صفحاتها الخمسمائة أشبه بالوثيقة المكتوبة لتكون صورةً من الداخل للصين المحكومة بقبضة الحزب الواحد و لمعاناة الصينيين في زمنٍ متحولٍ دون توقف , تكرست فيه الإلغائية كسلاح يمحي الأفراد و يلحقهم بزمنأفرادٍ يأممون أمماً بأكملها ..