
📱 كتاب إلكتروني
خرائط التيه
تأليف بثينة العيسى
3.7(٩ تقييم)•٢٥ قارئ
عدد الصفحات
٤٠٨
ISBN
9786140116313
المطالعات
٣٬٠٤٤
عن الكتاب
نبيع كل شيء، ولا مال لدينا لنشتري أنفسنا. ماذا لو كانت قيمة الإنسان ميتًا أعلى منه حيًّا؟ مضيق هرمز. خليج فارس، أو الخليج العربي. بئر برقان. بئر زمزم. الهلال الخصيب. فلسطين المحتلة. دلتا سيناء. البحر الأحمر. مضيق باب المندب. من مضيقٍ إلى مضيق.. نبحثُ عن معنى. إذا لم يكن هناك ما يقال.. فلتَقُل ما لا يُقال.
عن المؤلف
بثينة العيسى
كاتبة حاصلة على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال - تخصص تمويل، كلية العلوم الإدارية - جامعة الكويت 2011 بتقدير امتياز. عضو في:رابطة الادباء الكويتية _اتحاد كتاب الادباء العرب الجوائز: حائزة على جائزة
اقتباسات من الكتاب
‟„
الذين نناديهم على وجهِ الخصوص ، لن يأتوا
1 / 2
يقرأ أيضاً
المراجعات (٦)
ن
نهال ابراهيم
١/١١/٢٠٢١
تعتبر بثينة العيسى واحدة من الكاتبات الكويتيات الشابات التى عرفت رواياتها انتصارات بين القراءة و ذلك لفثاحة لغتها و اسلوبها الرائع كما تمتاز بتسليطها الضوء على واقع المرأة العربية و قضاياها الا انه لم يتم تصنيفها كنسوية على عكس اللواتي تم انتقادهن إضافة إلى انها تمتاز بالحيادية في كافة المواضيع التي تعالجها اما عن رواية خرائط التيه فقد كانت نقطة تحول في مسيرته الأدبية بعد أن تكرمت دوما لقضاء المرأة الا انها هذه المرة ناقشت موضوعا اجتماعيا موضوعا فالاحداث تدور حول أسرة كويتية ذهبت لاداء موسم الحج مع طفلهم مشاري الذي يبلغ من العمر سبع سنوات و في ظل الازدحام في مكة يضيع منهم و هنا نتوغل أكثر في القصة لنكتشف مع الكاتبة قصص اختطاف الأطفال في مكة و العصابات التي تنشط في هذه المواسم و تتاجر بالاعضاء البشرية كما تصف لنا بكل الم ما يتعرض له الأطفال المختطفون من عنف جسدي و تعذيب بل و حتى اغتصاب بحيث تصور مشهد اغتصاب احد الخاطفين لفتاة هندية و رميها في عرض البحر و نرى كيف ينعكس ضياع مشاري على أسرته بحيث بتخذ الأبوين طرفي نقيض للبحث عنه و تبدأ رحلة التيه و الضياع بحيث ان الحبكة الجغرافية كانت مرسومة بإبداء شدي يجعلنا نتعرف على مناطق مختلفة بدأ من مكة جنوب السعودية وصولا إلى صحراء سيناء و الحدود الفلسطينية تركيب أبدعت فيه الكاتبة جدا

ساندرا علي بك
٧/٨/٢٠١٨
ما يميز هذه الرواية أنها تطرقت لمواضيع لم نعتد على سماعها من قبل أو أننا غير مطلعين على تفاصيلها بما يكفي، مثل تجارة الأعضاء البشرية وجماعات المهربين على اختلاف مهامهم بين إفريقيا بشكل عام والسعودية ومصر بشكل خاص، كما حاولت الكاتبة أن تتطرق إلى السياسة بحديثها عن كامب ديفيد وأثر نزع السلاح في سيناء وغير ذلك.
عموماًً أستطيع أن أقول بأن الرواية هي من أفضل ما قرأت لروائي عربي مؤخراً.
Sara Mohamed
٢٦/٢/٢٠١٦
اسم الكتاب : خرائط التيه الكاتب : بثينة العيسيعدد الصفحات : 410دار النشر : الدار
العربية للعلوم ناشرون سنة النشر : 2015 قبل تلك اللحظة كان كل شيء علي ما يرام .من فترة لا بائس به
كنتُ علي يقين ببشعة الواقع و مدي ما يخبئه من وحشه و ظلام و وحوش آخذت أفظع ما في
الإنسان و الحيوان فأضحت مُسوخ .. لكني لم أكن أتصور بعد مدي التيه في خرائط التيه
.تبدأ الرواية في مكة
بطفل ضائع في مكان مزدحم ، عثرت عليه روينا التي تعمل في عصابة الرقيق _ و كأني لم
أكن أتصور أن سوق الرقيق لم ينتهي هو فقط أصبح يتاجر في الأطفال السواد _ لكن
مشاري الطفل الضائع كان أبيض لدي عائلة تستطيع أن تدفع مليون دولار لتستعيده و
كأني أيضا لم أكن أتصور أن للعنصرية مكان في متاجرة الأطفال ، و كعادة المُسوخ يريد
كلا منهما أن يحصل علي المال وحده ، فيقتل جرجس رئيس العصابة روينا و عثمان و يفر
مشاري لمصير أشد وحشه .. يهرب إلي نظام شجاع الدين المجرم الذي يصلي صباحًا و
يغتصب طفل ليلًا ! .و علي الجانب الآخر
كانت سمية الأم التي تمسكت بالله ، حتى صارت تراه في كل شيء ، صارت تصلي و تطوف
كمن يجد في ذلك عودة ابنها أو التفتت ليتفتت ألمها معها .. و فيصل الأب الذي أصبح
يعيش في عالم دون آله و سماء مطبقة صامتة .. و أخيرًا سعود العم الذي جاء من
الكويت لمكة ليبحث عن ابن أخيه _ سبع الليل يبحث عن سبع البرومبة _ و من مكة لعسير ومنها لسيناء حيث اصطدم بواقع
أشد من تجارة الرقيق و هي التجارة في أعضائهم ، خلايا و جثث و مقابر و أطباء
يقطعون كل عضو للبيع و كل عضو بسعر ! الجميع أصطدم بالواقع
الأكثر إيلام من الفقر و الجوع ، واقع بلا إنسانية .. لم يعد أحد كما كان حتى
مشاري الطفل الصغير الذي عاد بعد رحلة اختطفاه لم يعد كما كان فقد كبر بعدما تاه .و أظنني أنا أيضا لم
أعد كما كنت ، تغيرت مفاهيم كثير في عقلي ، ظنت أنني حين سأطوي صفحات التيه سريعًا
سأتخلص منها لكنها هي التي تخلصت مني ، حاولت أن أتخلص من الشيء الذي يطبق علي
صدري لكن محاولاتي عابثًا كانت .لقد تركت الرواية ندبة
عميقة داخلي ، سوف تؤلمني أكثر كلما رأيت طفل خشي عليه من رحلة مشاري .. من مصير
مشاري و مريم و غيرهما .أنا خائفة و موجوعة ،
هناك شيئا في صدري يؤلمني ، أنا متورطة معهم في التيه ، إن كنت بمأمن عنهم فأنا
لستٌ بمأمن عن الألم .. جمعينا علي نفس الخريطة و لا مفر منها .جذبتني شخصية سمية عن
غيرها ، سمية ظنت أنها إذا تفتت عن طريق الله سيتفتت معها ألمها سيختفي ، تدروشت
لتقتل الألم لكن هل سيختفي الألم ؟ .. في الحقيقة الألم ليس موجعًا كتفاصيل الألم
، الشيطان ليس وحده الذي يقطن في التفاصيل بل الألم أيضا يكمن في تفاصيله ، في
هوته السحيق في أنفاق الظلام و الوجع .الألم لا يتفتت ، لأنه
يختلط بذراتك ويمتزج بخلاياك .. الألم يبقي ! الشخصيات مرسومة حيث
تكون واقعية ، كل منهما ضحية أصبحت جانية ، الشر شيء مكتسب من النفس ، لا أحد قط
يولد بقلب أسود لكن الظروف هي من تحيل الأبيض للرمادي ثم يكمل الشر الكامن تفحيمه
لأسود بلا نور بلا سماء بلا رحمة بلا إنسانية .الرواية أدبيًا تعتبر
قفزة لبثينه التي بدت كأنها تحررت من عالم المرأة و دخلت عالم أكثر واقعية و
تفاصيل و شخصيات .. عالم أكثر رحابة و كثافة ." تشعر بأن حجب القداسة قد تمزقت
جمعيا .. و تكشف لك الوجه الآخر العاجز ، الكسيح ، لمكة ، لمدينة عاجزة عن الحراك
"قفزة واسعة من عالمها
الأثير التي أبدعت فيه ، إلي عالم أكثر ألم ، يحدث فيه كل شيء في أي مكان ،
القداسة لا تعني شيئا لغير تابِعنها ، حتى مكة بيت الله و مكان الرسول لها وجه آخر
.. وجه موحش أمام مدينة عاجزة ._ نفير .. هجير .. سعير .. عسير .. مسير
.. نذير .. نعير .. سرير .. هدير .. جزير .. نشير .. جرير .. مصير .. نمير . أربعة عشر فصلًا .. كل فصل يحتوي علي أجزاء
صغيرة بدت كأنها فلاشات مكثفة مليئة بالتفاصيل لمصور مغرم بالتفاصيل ، فلاشات تدوي
أمامك ، تغرقك في تفاصيلها ، تجذبك مع أحداثها ، تريد أن تعرف ماذا سوف يحدث و في نفس الوقت لا تريد لها أن
تنتهي .. تظن أنك قد ربطت بمصير كل شخصية و تريد أن تعرف كيف سيكمل كل منهما حياته
؟اللغة كانت سلسة و
بلاغية ، محببة و تنساب في يسر و الحوار مشذب بعناية فائقة ، خليط اللهجات و
الفصحى في شيء من الجمال و الذكاء ، بحيث يكشف لك الحوار عن الشخصيات و الأحداث
دون أن تشعر أن الأمر مقصود بأن تعرف ..
أين من يتنكرون للهجات العامية ؟ يحتاجون درس في لغة نجيب محفوظ و يوسف
السباعي و إدريس و إحسان و أخيرًا بثينة .الحبكة كانت شديدة
العبقرية ، سرعة سير الأحداث هي سرعة مثالية ، ستقرأ كل حرف دون أن تشعر بأنه ليس
له داعي .ربما لا أجيد هنا
الحديث عن التركيبة الروائية لأنها رواية واقعية ، لذا سأتحدث عن الرواية الواقعية
، هي أدب يقدم نماذج إنسانية معرضها للأزمات .. هل الواقع بهذا السخف الذي يعني أنه
فقط الأزمات ؟! لقد تألقت الرواية
الواقعية علي مدار سنوات في فضاء سردي خاص بها ، مليء بشخصياته المستقلة التي تهبط
و تصعد مع أحلامها و أفكارها ، و تستطيع بسهولة أن تترك لديك أثرًا لا يمحي و ألم
مخفي .. تضيء له جوانب لم يتخيل وجودها بهذا الشكل و الدقة .. الرواية الواقعية لها
سحرها لأن تريك الواقع بذلك القدر من الظلام و الظلم و الحزن و الخزي .أما النهاية هنا فكانت
شديد الذكاء ، في الواقع لا نهايات سعيدة لا نهايات حزينة ، هي فقط نهايات لأشياء
تحدث و تترك ندبة داخلك تجبر علي حاملها طوال حياتك .. مشاري عاد لكنه لم يعد كما
كان أبدًا .سامحك الله يا بثينة
علي كل هذا الألم الذي تطويته داخل حروفك .كلنا علي نفس الخريطة
.. كلنا في التيه و لن نعود منها .
عائشة محمد
١١/٢/٢٠١٦
منذ أن قرأت عائشة تنزل إلى العالم السفلي لبثينة العيسى، و أنا أتحرى متعطشة لقراءة أخرى لبثينة العيسى؛ و ها أنا ذا، اليوم، أتم قراءة خرائط التيه لبثينة العيسى متمنية مجدداً بإشباع أن أقرأ لبثينة العيسى.خرائط التيه، الدهشة، الذهول. لم يسبق لي و أن قرأت منذ وقت طويل رواية تأسرك، تقيدك و لا تمنحك فرصة لنيل قسطٍ من الراحة عن كل هذا التيه الذي حملته بين سطورها. مرعبة، مروعة، مؤلمة للحد الذي لا تمنحك فرصة النحيب على أرضٍ و عالم تعيش فيه. قليل أولئك الكتاب الذين يجعلون القارئ يتيه في روايتهم، تيه لا يتيحون له فرصة التوقف للحظة عابرة حتى. كانت خرائط التيه كذلك، على وتيرة واحدة من الجمال. لا تحمل وجود احتمالية أي فرصة للتوقف عن القراءة لأي سبب كان و لأي مدة كانت؛ و قد نجحت الكاتبة في ذلك، حين أن الرواية، رغم أنها كانت من الممكن أن تكون على شاكلة قصة قصيرة، إلى أنها كانت قصة عن حالة تتخللها هذيان يثير فيك سؤالاً موجعاً، أي أنا عن كل هذا التيه؟في البداية، لم تتمكن الكاتبة من صنع التناغم و الانسجام في السطور الأولى، كما كانت متمكنة من ذلك بعد حالة التيه الذي وقع، و التي كانت هي محور الرواية بحد ذاتها. فالقارئ يجد في بداية الرواية خللاً أدبياً، و لا يتمكن من الانسلال بين السطور بانسيابية تامة، إلى أن يصل في قراءته تيه اليوم الثاني. فتلك المنطقة من الرواية –تيه اليوم الأول- كانت محملة من الخلل التوازني الأدبي بين سطورها الكم الكبير جداً، فلم تتمكن الكاتبة من جعلها منسجمة و متناغمة، و كان لذلك أسباباً عدة.منها، أن في بداية الرواية، في تلك المنطقة، تيه اليوم الأول، تلتقط كقارئ كلماتٍ عربية مكثفة، ثقيلة بحد ذاتها، و التي كانت من الممكن استبدالها بكلماتٍ أخف وطأة و أكثر انسجام مع النص الذي تتخالط معه. فبعض الكلمات كانت تصنع خللاً في التوازن، فيتضح للقارئ كيف أن الكاتبة حاولت بشكل مبالغ في أن تجعل الرواية بالعربية الفصحى و هذا ليس الخطأ الذي وقعت فيه، و إنما كيف بالغت للحد الذي جعلها تقع في خطأ الخلل الأدبي من حيث الكلمات ثقيلة الوطأة على النص لتفقده التوازن و الانسجام الأدبي. لكن، بعد تيه اليوم الأول، يتدرج ذلك بالاختفاء، بشكل مفاجأ لحدٍ ما. حيث تكون تتمة الرواية منسجمة أكثر بكثير من تلك المنطقة التي تتضمن تيه اليوم الأول.كذلك، في منطقة تيه اليوم الأول خصوصاً، و غيرها من بعض المناطق، كان تكدس الحوار المحشور في السطور كثيفاً، سبب في خلق خللٍ في التوازن الأدبي. فالحوارات التي كانت تتعاقب بعضها تلو الآخر بشكل متكدس، تسبب ارتباكاً للقارئ حيث يجد نفسه في لحظاتٍ تائهاً بين السطور متسائلاً، من كان المتحدث؟ و كان من الممكن أن تتفادى الكاتبة ذلك بأي شكل آخر تعرض فيه الحوار الذي كان متكدساً في مرات عدة على طول الرواية.أيضاً، من الأمور التي كانت سبباً في اخلال التوازن الأدبي، و الذي يقع فيه معظم الكتاب، أن تحوي الرواية حواراتٍ على لسان الشخوص في شكلين. مرة باللغة العربية الفصحى و مرة بلهجة الدولة التي ينتمون إليها. مما يثير لدي التساؤل ذاته في كل رواية أقرأها على ذات الشاكلة؛ أكان حقاً هنالك اتفاق بين الشخوص و الكاتبة بالمواضع التي يتحدثون فيها بالعربية الفصحى و في تلك التي يتحدثون فيها باللهجة التي تخصهم؟مما زاد من سوء الأمر كذلك، اللغة غير العربية التي تتواجد في سطور الرواية، كان من الأفضل على أقل تقدير ترجمتها للقارئ العربي أياً كان مستوى القارئ.صيغة الرواية من حيث الأزمان، الأفعال، صيغة المخاطب، فعل المضارع، فعل الماض، زمن الاستمرارية، كل هذه الأمور، كانت معالجة في الرواية بطريقة ركيكة، مما تسبب للقارئ ارتباكاً و توقفاً لحظياً يسترجع فيها من المتحدث عنه؟ من المخاطب إليه؟ من المتحدث إليه؟ كل ذلك كان كفيلاً من أن يسبب خللاً أدبي بشكل ما.أيضاً، كانت الكاتبة بثينة العيسى تائهة في بعض السطور. حيث يجد القارئ في الرواية سطراً ما غير مكتمل الفكرة، و آخر يجتاحُه فكرة أخرى و هو لم يكتمل في توصيل معناه. كل هذه التيه في بعض السطور القليلة، كانت كفيلة بإرباك القارئ و التسبب في اتزان أدبي للرواية.الأخطاء الإملائية، الخطأ الصريح الواضح المفضوح الأكثر شيوعاً؛ فالرواية كانت تحمل من الأخطاء الإملائية ما تسببت في اخلال التوازن الأدبي للرواية بشكل هائل.بعيداً عن كل هذا الاختلال الأدبي الذي كان معظمه متكدساً في تيه اليوم الأول، كانت في مقدمة الرواية في بعض من أجزاءها، خللاً قلل من التقييم الإيجابي للرواية. حيث أن الكاتبة، كانت متواجدة بشخصها في حدود بعض السطور. فمرة تشعر و كأنها تتحدث إليك طارحة في شأن ما وجهة نظرها، مما لا تتيح في ذلك مساحة يفكر فيها القارئ متخذاً الأمر من وجهة نظره؛ و مرة كانت تسيء إلا شغف القارئ للاستمرار في قراءة الرواية، حيث أنها في تلك اللحظات كانت تفضح ما سيحدث، أو الحدث المقبل على الحدوث، مما يفقد القارئ حماسه لما لم يستطع توقع حدوثه؛ و قد و قعت في هذا الخطأ بفضح ما سيحدث مرتان بالتحديد. قليلٌ من الكتاب ينجح في أن لا يتواجد بشخصه فيما ينتج من كتاب، و لم تتمكن بثينة العيسى من ذلك في خرائط التيه بشكل تام. أما عن خرائط التيه، الرواية، كانت قصة مدهشة، مذهولة، مذهلة. تمكنت فيها الكاتبة من أن تجعل الرواية منذ الوهلة الأولى و حتى آخرها مأهولة بالدهشة و الذهول. تجعل القارئ يلتهم الرواية بنهم كبير. لكن، حين تتحدث الكاتبة عن بعض اللحظات، لم تكن عميقة في حديثها عن تلك اللحظة كعمقها اللامتناهي في الرواية كوحدة واحدة. مثال ذلك، لحظة الهروب من القارب، مشاري، جرجس، و الآخرين، لم يكن وصف الكاتبة لهذه اللحظة عميقة للحد الذي تمنح فيه القارئ الرؤية التامة لما كان يحدث. فلم يكن القارئ مقتدراً من إيضاح الصورة في مخيلته بعدما تمكن من صنعها في مخيلته كما وصفت الكاتبة. لأن الكاتبة كانت تمسح بيدها على اللحظة في وصفها دون أن تغرز أصابعها في تفاصيل اللحظة لتوصل بوصفها للقارئ الرؤية الكاملة، فلم يقتدر القارئ على إتمام ما خلقه من الرؤية في مخيلته. يظهر هذا في عدة مرات، فيتضح للقارئ أن الكاتبة لم تتمكن من التعمق في أمر ما، سواء كان لحظة، حالة، قضية، فعل، أياً يكن هذا. عدم التمكن هذا، لم يكن عدم مقدرة من الكاتبة، و إنما سببٌ آخر –لا أفضل ذكره- امتنعت فيه الكاتبة عن التعمق في تلك الأمور بالشكل الذي كانت فيه متعمقة في الرواية كوحدة واحدة تامة. مثلاً، أن يكون نظام، الذي يصلي، يتعبد، يضع صورة الكعبة على الجدار، هو ذاته الذي يتعامل مع مشاري بالطريقة التي تعامل فيها معه. هذه الصورة، و صورٍ أخرى عدة، التي كانت الكاتبة تفضح فيها بعمق تام ما أرادت أن توصله للقارئ من قضية كانت تتحدث عنها، بخلاف أمور كانت لا تتعمق فيها بالمقدرة التي كانت تمتلكها؛ و على ذلك، فضلت في أمور و قضايا أخرى أن لا تصل فيها حد العمق الذي تقتدرهُ و تتمكن فيه. كانت الكاتبة جيدة جداً في تفاصيل القصة. حيث أن معظم الكتاب يقعون في خطأ الحظ العاثر، اللعنة، الشؤم الذي يغطي رواياتهم بحيث كل ما يحدث لأبطال الرواية و شخوصها سيء للحد الذي لا منطقية فيه. رغم أن خرائط التيه كانت كتلة كبيرة من الشؤم، إلا أن الكاتبة لم تقع في خطأ اللا منطقية في مسار الأحداث. فكل الشخصيات، الأحداث، ردات الفعل، كانت منطقية لحد كبير. فكانت الكاتبة متمكنة من أن تخلق الشخوص بشخصياتٍ متناغمة مع الأحداث و مجريات الرواية دون أن تفصح عن شخصيات الشخوص عن الحد الزائد عن اللزوم؛ و كانت جيداً جداً في ذلك. بعيداً عن كل هذا، فكرة ترتيب الرواية من فصول و تواليها كأيام، كانت فكرة مستهلكة أساءت للرواية بشكل سلبي. كان من الممكن اتباع نهج آخر مبتكر غير مستهلك لعرض الرواية على القراء. بثينة العيسى، أيضاً، في روايتها عائشة تنزل إلى العالم السفلي، كانت بذات الفكرة، أيامٌ متتابعة، تروي لنا فيها بثينة بذات النمط في خرائط التيه عن تيه اليوم الأول و الثاني و ما يلحقه من أيام. و مع هذا و ذاك، كانت بثينة العيسى ممتازة في عنوان الرواية، الذي لا يمنح القارئ و المقتني أيضاً فرصة للتخمين أو توقع ما ستتحدث عنها الرواية. أيضاً، النص الخلفي المطبوع على غلاف الرواية من الخلف، كان ممتاز للحد الذي لا يسيء لشغف القارئ في اقتناء الروية، حيث أن ذاك النص لم يفضح شيئاً و لم يرسم انطباعاً أولياً يفسد فيها بذلك شغف الاقتناء و القراءة.

المراجع الصحفي
٢١/١٢/٢٠١٥
قد يوحي عنوان رواية الكويتية بثينة العيسى «خرائط التيه» (الدار العربية للعلوم- ناشرون) بأنّه يحاكي التيه العربي في ظلّ أحداثٍ مدوّخة تُذهب العقل وتشوّشه. لكنّ هذا الانطباع سرعان ما يتبدّد أمام معنى أكبر تطرحه العيسى حين تضع القارئ في مواجهة التيه الإنساني داخل عالمٍ مشوّه تغدو الحياة فيه أشبه بمتاهة لا خلاص منها.تحكي «خرائط التيه» عن ألم والدين يفقدان فجأة طفلهما الصغير أثناء أداء مناسك الحج. «كانت سمية أوشكت على إتمام شوطها الرابع، تطوف مأخوذة بجلال اللحظة، بين مئات الآلاف من الحجّاج. شفتاها تلهجان غارقة في العرق»... (ص 13). يسبح الأبوان بين أمواج بشرية، يذوب صراخهما باسم ولدهما مشاري في نداء الحجاج «لبيك اللهمّ لبيك»، لكنهما يُكملان بحثهما من مضيق إلى آخر أملاً بلقاء ابنهما. وتتكرّر كلمة «مضيق» كأنها لازمة ليس للدلالة على الضيق المكاني فحسب، بل الضيق النفسي الذي تشعر به عائلة مشاري ومن خلفها قارئ الرواية نفسه.تتوقف بثينة العيسى عند تفاصيل صغيرة تكوّن مشهد «الفقد» الكبير. تنقل إلى القارئ خلجات أمّ تائهة وأب مفكّك بعد ضياع ابنهما في الزحام. تختار لنصّها راوياً خارج الحكاية، يسرد- عبر ضمير الغائب- الحدث واضحاً، شفافاً، كأنّما ينقله عبر كاميرا تلتقط المشاعر بتلاوينها والأشياء بجزئياتها. «فكّر %9صل بأنّ عليه أن يتبع التيار، لا شكّ وأنه جرف ولده. مشاري الهزيل، الصغير، الهش. ما أسهل أن يجرفه نهر بشري. أخذ يعدو بين الجموع، يعدو ويصرخ. سمية أيضاً مثله، صارت تعدو وتصرخ». (ص 15). فقدان الطفلتبدأ الرواية من العقدة. تنطلق الأحداث، أو الأصحّ الحدث الرئيس الذي تقوم عليه الرواية، من مشهد فقدان الطفل مشاري ابن السبع سنوات: «مكة المكرمة، 7 ذي الحجة 1431، 12:16 ظهراً... قبل تلك اللحظة، كان كل شيء على ما يرام». وما هذا التحديد الزماني والمكاني إلا دلالة على تأزّم اللحظة/ الموقف. فأن يتوه طفل صغير بجسد هزيل مثل مشاري في الحرم المكي أثناء الطواف، ليس كمثل أن يتوه في حيّ أو زقاق. فمن أين يتبدى جسد مشاري الضئيل وسط احتقان بشري تُشكله آلاف الأجساد المتسربلة بالإحرامات البيضاء والعباءات السود؟ هذه هي إذاً مأساة سمية وفيصل، والدَي مشاري، اللذين ينطلقان معاً، من مكة إلى عسير وجيزان فسيناء، في رحلة بحثٍ تتأرجح بين الأمل والخيبة. ومع تتبّع مسار الوالدين، يلتمس القارئ أنّ رحلة البحث هذه ليست إلّا رحلة تيه جديدة. واللافت أن الجملة الافتتاحية في النصّ «كان كلّ شي على ما يُرام» تتكرّر أيضاً كلازمة على طول النصّ، مما يعطي القصة بُعداً وجودياً عميقاً. فالحياة غالباً ما تكون هادئة إلى أن تأتي لحظة ما تشطرها نصفين، فتصير لنا حياة قبلها، وأخرى بعدها. وهذه الفكرة تتعمّق مع تحديد الكاتبة زمن الأحداث بالثواني.تتيح بثينة العيسى لقارئها أن يعايش تجربة مختلفة، لا هي حياة ولا موت. تأخذ بيده ليمشي فوق خطّ فاصل بين النجاة والسقوط. وعبر «خرائطها»، تنقلنا العيسى إلى مرحلة ثالثة تهتزّ فيها الثوابت وتتبدّل الرؤى. والدا مشاري يتشاركان المصيبة ذاتها في حين يواجهها كلٌ منهما على طريقته. سمية، الأم، تدخل في حالة من التصوّف أو «الدروشة» الشديدة. تُسلّم أمرها إلى السماء لعلّها تُعيد إليها ابنها. تتحرّك في بحثها عن ابنها المفقود بأمل تُغذّيه بالإيمان والابتهال. أمّا والده، فيُعلن سأمه من كلّ شيء، ويفقد ثقته بكلّ شيء. يمضي في البحث عن ولده مدفوعاً بغريزة الأبوة من دون أن ينعم بيقين المؤمنين. هكذا تختار الكاتبة أن ترصد موقفين إنسانيين متضادين تجاه مأساة واحدة، لا للحكم أو الإدانة، إنما مراعاةً للحقيقة الإنسانية التي تجنح في أوقاتها المصيرية نحو النقيضين. «البعض منا يساعده الله... البعض الآخر عليه أن يساعد نفسه».حالة الفقد، سواء موتاً أو خسارة، تدفع الإنسان إلى السؤال عن علاقته بنفسه، وبالأشياء من حوله. هو «التيه» الذي يهزّ البنية الداخلية والنفسية والوجودية للكائن البشري، فتدفعه إلى إعادة طرح السؤال عن علاقته بربّه، وبذاته، وبالآخرين. وهذا ما حصل مع سمية وفيصل اللذين دخلا- منذ لحظة ضياع ابنهما- في حالة شجار دائم ولوم متبادل، قبل أن ينفصلا ويغيب كلّ في عالمه الخاص. مسافة زمنيةاثنان وعشرون يوماً هي زمن الرواية (من 7 ذي الحجة 1431 حنى 29 ذي الحجة 1431). مساحة زمنية ضيقة تبني عليها بثينة العيسى رواية تمتد على أربعمئة صفحة. الزمن يطول لأنه يُقاس بثوانيه. لكنّ الخطاب لا يسير بموازاة الحكاية دائماً، بمعنى أن زمن الحكاية لا يُطابق زمن الأحداث مطابقة تامة، لأنّ الراوي غالباً ما يسترجع أحداثاً ويستقدم أخرى.أما المكان فيتغير بتغيّر حركة الوالدين المفجوعين. يعيش الأب فيصل وشقيقه سعود وزوجته معنى التيه الجغرافي بين أماكن قد يكون الصبي وصل إليها: أسبوع في عسير، ثلاثة أيام في مكة، ثم في جيزان وفي سيناء. تتحرّك الشرطة السعودية والسلطات الكويتية تحركت من أجل إيجاد الطفل، ليتوصّل المسؤولون، عبر فيديو يظهر فيه الصغير، بأنّ امرأة خطفته، وهي تعمل لمصلحة عصابة تتاجر بالأعضاء البشرية مقرها إسرائيل.بيدأ إيقاع الأحداث سريع ومشوّق، لكنه يخف تدريجاً، علماً أنّه كان ممكناً اختزال بعض الفصول التي قد لا تُضيف الكثير إلى العمل، خصوصاً في ما يخص الأحداث العامة في مصر واسرائيل، لأنّ الرواية تستمدّ جماليتها في الحفر داخل النفس البشرية (الأم- الأب- الصبي)، أكثر من الغوص في المعلومات التوثيقية العامة.وتستغلّ صاحبة «كبرتُ ونسيت أن أنسى» هذا الموضوع لتتطرّق إلى مسألة العنصرية. فالعصابة اعتادت أن تخطف أطفالاً من مصر وإثيوبيا ودول افريقية أخرى، لكنّها المرة الأولى التي تخطف طفلاً كويتياً. وهنا تكشف العيسى كيف يُميّز العالم في تعاطيه مع قضية خطيرة كهذه وفق جنسية المخطوف ولونه وبيئته.تختتم بثينة روايتها بعودة الطفل إلى أهله. لكنّ الحياة بعد الخطف ليست كما كانت قبله. الأبوان انفصلا. الأب تقوقع على نفسه ومرضه، والأم نذرت نفسها إلى السماء. أمّا مشاري الصغير فلم يعد يتكلّم. الخوف والضرب والاغتصابات المتكررة خلّفت فيه آثاراً نفسية وجسدية لا تُمحى. وقد يرى القارئ في وجع هذه العائلة وتيهها وانكساراتها مرآةً لضياعه ووجعه وانكساراته هو. «ليس من حقك أن تعطي طفلك أماناً كاذباً، ولكن تُرى أين المشكلة؟ المشكلة أنّ الأمان كلّه كاذب، الأمان كذبة. حتى لو خبأت طفلك في غرفة بمليون قفل، بحيث لا يستطيع أحد أن يصل إليه وأن يؤذيه، أصغر وأحقر فيروس في هذه الحياة قادر أن يودي بحياته». (ص 258).«خرائط التيه» رواية صادقة وموجعة، تُشعر القارئ أنّ صاحبتها كتبتها في لحظة وعي بالظلم. وهل أكثر عنفاً وظلماً من واقعنا الإنساني الراهن؟

المراجع الصحفي
٢١/١٢/٢٠١٥
حين نقول عن رواية ما إنها «تحبس الأنفاس» يبدو التعبير مكرورا مستهلكاً، ولا ينتمي إلى لغة النقد، ولكننا حين نقرأ رواية «خرائط التيه» لبثينة العيسى يتخذ هذا التعبير بعداً آخر، إذ يعني في ما يعنيه حكايةً تضع القارئ في أتونها منذ صفحتها الأولى، وتمسك بتلابيبه حتى الصفحة الأخيرة، من دون أن يتوقف السرد لحظة واحدة، من خلال موضوع طريف، ولغة تتسم بكثير من التدفق والرشاقة.كل شيء في هذه الرواية سردي بامتياز، الوصف الدقيق الجميل يقدّم من خلال الحدث، وسمات الشخصيات تنسرب من خلال مواقفها، والقارئ يلهث لمعرفة مصير مشاري، الطفل الذي اختطفمن بين يدي أمه وأبيه في الحج، وخاض رحلة العذاب المضنية، ليعود إليهما في النهاية، وقد تشوهت طفولته بالاغتصاب والوجعين الجسدي والروحي.تبدأ حكاية العذاب من الحج، حيث تمسك الأم سمية بطفلها مشاري، وفي زحمة الوفود المتصادمة يفلت من يدها، وتدفعه الجموع بعيداً، وتختطفه رونيا بعد أن تخدره، وتأخذه إلى عصابة جرجس التي تتاجر بأعضاء الأفارقة، وتطمع في فدية كبيرة لقاء خطفه، وكان من المفترض أن يقاد إلى سيناء، عبر البحر، ولكن الخلافات بين أفراد العصابة والظروف المواتية تمكنه من الهرب قبل العبور ليجد نفسه عند رجل بنغالي، يغتصبه ثم يرميه لقدره وحيداً منهكاً. وبينما يبحث الأب فيصل، وأخوه سعود عن الطفل في سيناء يتلقيان اتصالاً من سمية تخبرهم فيه أنّ طفل%D\"]ا ما زال في السعودية، ليجدوه في النهاية مشوه الفكر، مشوش الجسد والنفس. تمنح بثينة العيسى العتبات النصية في هذه الرواية أهمية بالغة؛ إذ تحاول من خلال العتبة الأولى الإحالة إلى عنوان النص، من خلال بيت شعر لأبي تمّام، هو أول ما تصادفه عين القارئ في الرواية:«تاهت على صورة الأشياء صورتهحتى إذا كملت تاهت على التيهِ»فإذا سألتَ عن السياق النهائي أدركتَ أن الروائية تسعى إلى ربط البداية بالنهاية، والماضي بالحاضر، مؤشرةً إلى أزمان متوالية من التيه، عبر رسالة من سعود إلى الضابط المصري مصطفى وجدي يقول في ختامها: «أما أنا يا صاحبي فما زلت تائهاً، وإذا فكّرت في الأمر أكثر، فكلّنا في التيه».في العتبة الثانية تصوغ الروائية صياغةً مختلفةً ذلك الاحتراز الذي اعتاد الكتاب على إدراجه في عتباتهم، حول علاقة الأحداث بما يمكن أن يحصل في الواقع، مشيرة إلى أن التشابه المحتمل بينهما «من قبيل سوء الحظ، ليس لكاتبتها وحسب، بل للعالم كلّه».أمّا في عتبات الفصول فإن الروائية سعت إلى ترسيخ إيقاع لتلك العتبات، يمنح النص نوعاً من التوازن الشكلي واللغوي، من خلال إجرائين: الأول إعطاء فصولها عناوين على وزن صرفي واحد (نفير، هدير، سعير، عسير). أما الإجراء الثاني فقد تمثّل (موضوعياً وشكلياً) بحرصها على تخصيص المساحة العليا اليمنى في بداية كل فصل للتحديدين الزمني والمكاني اللذين يؤطران أحداث ذلك الفصل، فإذا انتقلنا من العتبات نحو الافتتاحية الروائية لاحظنا عناية الكاتبة بوضع القارئ أمام أزمة الحكاية بأسرع ما يمكن، بادئة سردها المثير على الشكل التالي:«قبل تلك اللحظة كان كلّ شيء على ما يرام. كانت سميّة قد أوشكت على إتمام شوطها الرابع، تطوف مأخوذة بجلال اللحظة، بين مئات الآلاف من الحجاج».ومن غير إضاعة لوقت القارئ، ومن غير تشتيت انتباهه، تقدّم وصفاً سردياً يحدّد تموضع عائلة فيصل التي فقدت ابنها في الحج، فها هي ذي الزوجة، من دون توقف لحركة السرد، تلهج بالدعاء، وتلاحق زوجها بنظراتها، وتمسك ابنها بيدها: «لبّيك لبّيك.. كانت تهمس. ترسل عينيها إلى اليمين، تلمح قفاه، فيصل يسبقها ببضع خطوات. بين كل الرؤوس الحسيرة، الحليقة، الصلعاء، المحتجبة، السوداء، الرمادية، البيضاء، المتعرّقة، كانت تستطيع رؤيته. تنظر يساراً؛ الكعبة محرمة، مشمّرة الأستار، أحجارها مرصوصة في قاعدتها، يعلوها قماش أبيض، ينتهي بالكسوة السوداء المذهّبة. أحسّت بتعرّق يد الصغير في يدها، نظرت إليه يحثّ خطوه كي يواكب. ها مشاري.. تعبت؟ يهزّ رأسه نفياً». هكذا، وبسرعة، يقفز الحدث إلى ذروة تصاعده الدرامي، في الصفحة الثانية من المتن الروائي، فقد رأى القارئ نفسه أمام العقدة الكبرى المتمثلة في ضياع مشاري: «اصطدم بهما وفد آسيوي يسير متماسك الأيدي، انفكت يده من يدها. شعرت سمية بكتفها تكاد تنخلع، وبجسدها ينقذف إلى الأمام خطوتين، تعثرت بطرف عباءتها. عندما استعادت توازنها، واستقامت واقفة لم تره، تلفتت حولها؛ كان قد اختفى».وتعتمد الرواية اعتماداً واضحاً على السرد الاستذكاري، وتتمحور معظم الاستذكارات حول مشاري، وتأتي طيعة سريعة متنوعة، إذ لا تستحضرها الروائية بالطريقة ذاتها، فتجعل الموقف مرة للاستذكار، فيما تلجأ مرة أخرى إلى اللغة أو المكان لتحفّز ذكريات قديمة.ففيصل/ الأب المفجوع بفقدان ابنه لا يصدّق أنّ مشاري يمكن أن يضيع، ويتخيّل الحياة تعود إلى طبيعتها، وقد امتازت استذكارات الأب بالتداخل زمناً ومكاناً، إذ كثيراً ما تزدحم المشاهد في رأسه. وقد جاءت استذكارات مشاري شبيهة باستذكارات والده من حيث التداخل، على خلاف سعود، عم مشاري، الذي كانت استذكاراته أكثر انتظاماً وتماسكاً. مثل هذا الاضطراب الذي عانت منه استذكارات فيصل لم يكن مقتصراً عليها فقط، إذ أنّ شعوره بالفقدان أثّر على شخصيته جسداً وروحاً، ويمكن للقارئ أن يلاحظ الوهن الجسدي له، إضافة إلى الانهيار الروحي الذي وصل إلى درجة فقدان اليقين، وقد بدا ذلك في أكثر من موقف، فهو يسأل زوجته سمية: «بماذا كنت تفكّرين عندما تمنيت لولدك أن يرى الكعبة؟ ها قد رآها الآن، فهل حصلت على تذكرة دخولك إلى الجنة؟ هل حصلت على حسناتك التي كنت تريدين؟ هل أنت راضية سميّة؟».الغضب يملأ صوته الذي كان هادئاً، والخواء يملأ فراغ الروح، والسؤال عن جدوى رؤية الكعبة يحمل اللغة نحو مدى آخر يعضده إيمانه الطارئ بأنّ «الصلاة ذريعة من يملك الوقت والقلب». ولأن فيصل لا يملك الوقت، ولأنّ قلبه/ انتُزع منه فقد أشاح بعينيه حين التفتت نحوه سمية بعد أن فرغت من صلاتها، سائلةً: ألن تصلّي؟وتبدو لغة الرواية للقارئ سريعة لا تكاد تتوقف، حتى في الوصف، وكأن ثمة حافزاً خرافياً دائم الحضور يدفع كل عبارة نحو النهاية المنتظرة، فما تكاد لغة الوصف تبدأ حتى يدفع الحدث سكونها نحو الحركة، فالأرض الجارحة تحت قدمي مشاري تعرف السكون، وسرعان ما تصبح متكأ لحدث وحركة وتطوير، والكهف الذي تتدلى منه الخفافيش، يصبح جزءاً من حركة سرد سريع، حتى أنّ لغة الحوار ذاتها، وعلى مدى الرواية، جاءت سريعة خاطفة، ولم تحتفل بالمشهدية، لأن هذا النوع من الرواية الدرامية يتطلّب سرعة نجحت الروائية في تجسيدها عبر كل شكل من أشكال السرد.إن «خرائط التيه» التي رسمتها بثينة العيسى في صفحات روايتها الأربعمئة لا تتحدث فقط عن تيه مشاري، ولا عن تيه أسرته بحثاً عنه، بل تتسع تفاصيلها لتشمل تيه عصابة التهريب ذاتها، عبر المنظومة التراتبية التي تحكمها، فالزعيم جرجس الذي يأمر فيطاع، ليس سوى فأر تحمرّ أذناه أمام سيّده، وأفراد العصابة ذاتهم يبيع بعضُهم بعضا. وفي نهاية الأمر لا يجد أحد نفسه خارج التيه، لا سعود عمّ مشاري، ولا الضابط المصري، ولا حتى القارئ نفسه.*بثينة عيسى: خرائط التيه، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، ط2، أغسطس/آب، 2015 (ط1، مايو/أيار 2015)







