عندما سمعت عنوان الكتاب للمرة الأولى , ظننت أن محتواه تاريخياً .. لم أتصور للحظه أنه كتاب سياسي ( مع أنه كتاب شهير ) .. لا أعرف لمَ ظننته تاريخياً , على أيّة حال هذا ما جعلني أبدأ بقراءته ! عندما بدأت بالقراءة اكتشفت - بذعر - أنّ الكتاب سياسي بامتياز ! مع ذلك وجدت الكتاب ممتعاً , أمّا لماذا لم أكمله فهو لأني وجدت تكراراً في الأفكار عندما وصلت لنهاية ثلثه الثاني , عدا عن أنّي قد فهمت ما يريد الكاتب إيصاله لنا .. الحقيقة أنّي وجدت الأفكار مذهلة ! .. أنا لا أملك معلومات سياسية وافية , لكني وجدت ما يقوله منطقياً جداً .. ضايقني قليلاً دوران الأفكار حول محور "الغرب " ومن وجهة نظر الغرب لكن الكاتب " غربيٌ " بالنهاية .. ثم من منا ينكر تفوق الغرب وإيديولوجياته ؟هيا إلى مناقشة بعض من هذه الأفكار :1- يتحدث الكاتب عن العلاقة بين التحديث والتغريب والصراع فيما بينهما .. ويقول أنّ هناك دولاً ترفض التغريب لكنها ترحب بالتحديث ( كاليابان مثلاً ) وهناك دولٌ ترحب بهما معاً ( كتركيا في عهد كمال أتاتورك ) ودولٌ ترفضهما معاً ( كالصين حسبما أذكر ) , المثير هنا إشارة الكاتب إلى إحدى الدول العربية وهي مصر كدولة ترحب بالتغريب لكنها لا تحرز أي نقطة في سبيل التحديث ! وبعبارتنا الشهيرة هنا " نأخذ القشور فقط ! "أثار استيائي قليلاً جعل التحديث مرادفاً للتغريب في هذا القسم من الكتاب , ثم زال هذا الاستياء مع تقدمي بالقراءة ورؤية كيف أشار الكاتب إلى أن هناك الكثير من الدول التي حافظت على تراثها الحضاري وكانت حديثة .. أي من غير الضروري أن تكون غربياً لكي تكون حديثاً .. هنا تبرز اليابان كحالة متفردة في المحافظة على حضارتها وتراثها دون أي محاولة منها للتغريب لكنها مع ذلك تكاد توازي الغرب من حيث التحديث بل وربما ستتفوق مستقبلاً !2- قسّم الكاتب الدول إلى دول ممزقة ودول غير ممزقة .. الدول الممزقة هي الدول التي لم تحدد هويتها الثقافية بعد , هل هي دول ذات توجه غربي أم إسلامي أم ذات توجه حضاري آخر مستقل ؟ ضرب لنا مثالاً دولتي روسيا وتركيا .. فتركيا على عهد كمال أتاتورك كانت ذات توجهاً غربياً علمانياً , لقد حوّل أتاتورك تركيا إلى دولة غربية إيديولوجياً متجاهلاً تاريخها الإسلامي وثقافتها الشرق أوسطية , لكن فيا بعد عهد أتاتورك كان هناك صحوة دينية ثقافية وبدأ الإسلام بالظهور كسمة من سمات الثقافة التركية .. هكذا لم تجد تركيا نفسها ضمن الاتحاد الأوربي , وبنفس الوقت لم تحاول هي أن تكون أقرب إلى الدول الإسلامية المحيطة .. هنا نشأ التمزق .. 3- تحدث الكاتب عن قوة كل حضارة بل وتنبأ - عبر دراسات وإحصائيات منطقية - بالدول التي سيكون لها زمام السيطرة في الأعوام المقبلة .. أشار إلى ظهور الإرهاب وارتباطها بالأصولية الإسلامية مستقبلاً ( وهذا ما رأيناه في أحداث أيلول التي وقعت بعد نشر هذا الكتاب بأعوام ! ) كما وأشار إلى بروز الصين واليابان كقطبا سيطرة محتملين مستقبلاً .. الغرب سيتراجع وستبرز قوة الحضارات الأخرى .. قوة الحضارات الآسيوسة اقتصادياً .. والإسلامية بشرياً ! .. يقول الكاتب في هذا الخصوص :"إن النمو الاقتصادي للصين والمجتمعات الآسيوية الأخرى , يزود حكوماتها بالدوافع والمصادر لكي تكون أكثر قوة في تعاملها مع الدول الأخرى . النمو السكاني في الدول الإسلامية , وبخاصةً زيادة نسبة من هم بين الخامسة عشرة والثانية والعشرين , يقدم مجندين جدد للأصولية والإرهاب والتمرد والهجرة .. النمو الاقتصادي يقوي الحكومات الآسيوية , بينما يهدد النمو الديموغرافي الحكومات الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية "لا يخلو هذا الرأي من إجحاف لكنه أيضاً لا يخلو من صحة !4- ما أعجبني إشارة الكاتب إلى العلاقة بين زيادة نسبة الشباب في بلد ما والاضطرابات التي تحدث فيه .. لقد بيّن الكاتب عبر إحدى الدراست إلى أنه عندما تصل نسبة الشباب في بلد ما إلى أعلى مستوياتها المتوقعة سيحدث هناك ثورة ما أو اضطرابات وتمرد .. هذا ما حدث في الثورات العالمية وهذا ما سيحدث في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين في كل من المغرب ومصر والجزائر و .. سوريا !! بسبب وصول نسبة الأعمار الفتية إلى أعلى مستوياتها ! .. أذهلني هذا الجزء .. لم أفكر هكذا يوماً ..هناك الكثير من الأفكار التي أود مناقشتها والكثير من النقاط التي وقفت عندها عندما كنت أقرأ .. لكن للأسف وكالعادة .. ما إن أنتهي حتى يتبخر كل شيء .. ! هذا ما أذكره الآن .. بقي أن أقول أن الكتاب من العيار الثقيل و الدسم جداً .. يحتاج إلى عقل "مصحصح " ووقت فراغ طوييييييل وبال رائق أكثر من اللازم .. هل سأكمله يوماً ؟ لا أدري .. لدي الآن قائمة كبيرة من الكتب التي علي قراءتها .. لقد أنفقت وقتاً أكثر من اللازم في قراءة هذا .. !