تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية

4.0(٢ تقييم)٤ قارئ
عدد الصفحات
٢١٦
سنة النشر
2012
ISBN
9781855168671
المطالعات
١٬٠٨٠

عن الكتاب

اعتقل الشاب ياسين الحاج صالح من كلّية الطب في جامعة حلب بتهمة الانتماء إلى حزب معارض… تنقّل بين سجن حلب المركزي ومعتقل عدرا في دمشق مدّة خمسة عشر عاماً. قبل أن تنتهي مدّة حكمه يُعرض عليه أن يصبح مخبراً، يكتب التقارير ويشي بأصدقائه. يرفض ياسين، ويرحَّل مع ثلاثين سجيناً إلى سجن تدمر الرهيب، ليمضي سنة إضافية في مكان جحيمي لا تنفتح أبوابه إلا لتلقي الطعام والعقاب. هناك، لا أخبار جديدة، لا طعام شهياً، لا زاد عاطفياً، لا شيء طازجاً من أي نوع. زمن آسن متجانس، أبدية لا فوارق فيها ولا مسام لها. سجناء يقتلون الوقت بما يتاح من وسائل التسلية، وآخرون يروّضونه بالكتب والأقلام. عالم بلا نساء، لا أسرار فيه ولا خصوصيات. زمن الثورة السورية يبدو وقتاً مناسباً للإفصاح عن هذه النصوص المؤلمة، حيث تجربة سجين ومفكّر سياسي عاش ستّة عشر عاماً من عمره على حافة التحطّم والخوف.

عن المؤلف

ياسين الحاج صالح
ياسين الحاج صالح

ياسين الحاج صالح هو مفكر وباحث وكاتب سوري معارض، وسجين سياسي سابق. ولد في مدينة الرقة عام 1961، واعتقل عام 1980 بتهمة الانتماء إلى ما يسمّيه "تنظيم شيوعي ديمقراطي". ينشر في العديد من الصحف والمجلات ال

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٥‏/٥‏/٢٠١٥
يستبق ياسين الحاج صالح القارئ مجيباً عن السؤال الذي قد يلح عليه منذ أن يفتح كتابه «بالخلاص يا شباب: 16 عاماً في السجون السورية» (دار الساقي)، مسقطاً عن النصوص التي يضمّها صفة «أدب السجن» الذي يملك مواصفات لم تتوافر عليها نصوصه هذه، كما يقول. والكتاب، وفق رأيه، لا يمكن تصنيفه في خانة «أدب السجن» ولا في جريرة البحث الاجتماعي، ولا السيرة الذاتية ولا التوثيق السياسي الذي يفضح النظام بأدواته وأحابيله اللاإنسانية. بل هو يضع الكتاب في ما يسمّيه «موضع قلق» مؤثراً عدم حصره في نوع دون آخر، فالغاية التي سعى إليها، كما يعبّر هي جعل السجن «موضوعاً ثقافياً». إلا أنّ قارئ الكتاب لا يوافق الكاتب في هذا الحكم الشخصي، بخاصّة عندما يتوقف أمام بضعة فصول لا يمكنها أن تخفي نزعتها البيّنة الى «أدب السجن» الصرف. وقد تكون هذه الفصول من عيون هذا الأدب، بفجاجتها اللغوية والأسلوبية ونأيها عن الصناعة أو اللعب و «التفاصح»... ولعلّ هنا تكمن فرادة هذه الفصول التي يتنكّب الكاتب خلالها مهمة الراوي أو السارد الذي لم يسقط من حسبانه أنه ليس بالروائي ولا القاص. وهذا التحدّي الذي يخوضه صالح هو ممّا يمنح نصوصه مواصفات فريدة تنبع من صميم الأدب وتتمرّد عليه في آن. أمّا «موضع القلق» الذي تحدّث عنه، وقد أسبغ على الكتاب صفة التعدّد، فهو كتاب في أدب السجن والبحث الاجتماعي والسيرة الذاتية والتوثيق السياسي و «الحقوقي»... والمهمّ أنّ الحقول هذه لم تعرف حالاً من التضارب والتصادم، فالسياق الذي خضع له الكتاب جعل من تعدّدها حافزاً على الانتظام والتطابق. ولعلّ هذا التعدّد أضفى على الكتاب طابعاً «شمولياً» إن أمكن القول، فالكاتب يقارب عالم السجن بعين الأديب كما بعين الباحث السوسيولوجي والكاتب السياسي، ولم تفته النظرة «الهندسية» الى السجن، فقاربه أيضاً بصفته عمارة تضمّ داخل أجنحتها وغرفها مكان السجناء ومكان السجانين. ولم يكن صالح أصلاً غريباً عن أدب السجن العربي والسوري، فهو لم يفته ذكر صنع الله ابراهيم مثلاً الذي استخلص من روايته «اللجنة» مقولته الصارخة «كلوا أنفسكم»، ولا مصطفى خليفة صاحب رواية «القوقعة» التي تعدّ من أهمّ ما كتب في أدب السجن، سورياً وعربياً وحتى عالمياً، ناهيك عن قراءاته الكثيرة في حقل أدب السجن العالمي.   «النسيان ممنوع» وعلى غرار الكتّاب الكثيرين الذين زجّوا في السجون سعى صالح الى الكتابة وراء القضبان، لكنّ ما كتبه في الأعوام الأولى لم يرق له. وبدءاً من العام 1988، بعد مرور ثمانية أعوام على سجنه، راح ينكبّ على الكتابة، لا سيّما في قضايا الفكر والسياسة، ثم كتب عن السجن والحياة في داخله، على رغم قناعته بأن ما يكتبه ليس أدباً، كما يصرّ. إلا أنّه، لم يستطع تحاشي الأدب في ما كتب لاحقاً، بعد الخروج الى «الحرية» عقب قضائه ستة عشر عاماً وأربعة عشر يوماً في السجن. ولئن بدا «التذكر» صعباً بعد تلك الأعوام كما يقول، فـ «النسيان ممنوع». وانطلاقاً من هذا الدافع كتب صالح نصوصه، ليكف عن فعل «الهرب» ويتخفف من «عبء الحكاية». ولم تكن الكتابة التي مضى بها، بعد خروجه من السجن، إلا عملاً «ضدّ الخيانة»، خيانة نفسه وأصدقائه الذين ماتوا في السجن أو بُعيد خروجهم منه، وخيانة الأمهات والآباء الذين ماتوا في الانتظار. عندما اعتقل صالح فجر 7/12/1980 كان في العشرين من عمره، طالباً في السنة الثالثة في كلية الطب (جامعة حلب) وعضواً في الحزب الشيوعي. وكان لا بدّ في هذا العالم «الجديد» من أن يعاود اكتشاف طفولته أو أن يعيش وفق تعبيره «الطفولة الثانية» التي ستنتهي به كاتباً سياسياً ومفكراً، على خلاف الاختصاص الذي كان ينوي المضيّ به، وهو الطب. داخل السجن أُغلقت أبواب العالم الخارجي وفُتحت أمامه أبواب عالم كان مجبراً على العيش فيه. وأدرك للحين أنّ «السجن وحش ولا يمكن المرء أن يعايشه إلا إذا روّضه وسيطر عليه». ولم تكن حياته في السجن إلا تمريناً دائماً على ترويض هذا «الوحش» وعلى قتل «الوقت» الضائع والإفادة منه قدر ما أمكن. وكان عليه، مثله مثل سائر السجناء، أن يكافح لينسى أنه سجين. وأدوات النسيان تتعدّد وتختلف بتعدّد السجناء واختلافهم ومنها: القراءة، شغل الخرز وحفر النحاس في الخشب وصنع المسابح من نوى التمر والزيتون وصنع طاولة الزهر من الكرتون والنرد من العجين... أما هو فكانت «الكتب» حيلته شبه الوحيدة لمواجهة الزمن الذي يسيل ببطء. وقد أدرك أنّ السجن يلائم قراءة الكتب الضخمة التي تتطلب مزيداً من الصبر، وحجته هنا موسوعة «قصة الحضارة» المتعدّدة الأجزاء. ويسمّي الكتّاب والمفكرين والفلاسفة الذين راقت له قراءتهم في جوّ السجن: هيغل، فرويد، عبدالله العروي، سمير أمين، ادوارد سعيد (الاستشراق)، جورج قرم وحسين مروّة (النزعات المادّية في الفلسفة العربية...) وفرانسوا شاتليه وروجيه غارودي وولتر سيس وإمام عبدالفتاح إمام وزكريا ابراهيم وسواهم... وقد سُمح بإدخال الكتب الى السجن في العام 1982 وكانت في أحيان كثيرة تهرّب بالسرّ. كانت القراءة تجعل من الزمن «رفيقاً نستأنس به» يقول صالح، لم تكن تقتله كعدو، بل كانت «تضاعف الحياة، تمنحنا حياة فوق حياتنا...». وكانت تصنع لسجناء مثل صالح «سجل وجود وإدراكاً جديداً وذاكرة إضافية». إلا أنّ القراءة لم تكن بالفعل اليسير داخل السجن. يعترف صالح بأنّه كان في البداية يواجه صعوبة بالغة في التركيز خلال القراءة. وكان لا يكاد ينهي قراءة أربعين صفحة خلال ستّ أو سبع ساعات، مع حصيلة في الفهم، ضئيلة. ولم يستعد التركيز إلا بعد أشهر، عندما راح الفهم أو الاستيعاب يتحسّن. وكان عليه أن يعاود قراءة الكتب التي قرأها سابقاً فيعيد اكتشافها، مدركاً فائدة هذه القراءة الثانية. ينقل ياسين الحاج صالح، في النصوص الأولى من الكتاب، تفاصيل «الحياة» في السجن، أو بالأحرى في السجون التي تنقّل بينها وهي: سجن حلب، سجن عدرا وسجن تدمر، وهو الأشد هولاً ورعباً بين السجون السورية كافّة. إنها حياة السجين السياسيّ المرميّ بين سجناء يختلفون في التهم المُكالة لهم، وفي مقدّمهم الاخوان المسلمون. حياة السجين - الذي يظل فرداً - كما يكتبها ويتأمل فيها ويلقي عليها نظرة شاملة، بتفاصيلها وزواياها الخفية وآلامها وشجونها، وبالأحاسيس التي تنتاب السجناء – والسجانين أيضاً – ومزاجاتهم وطبائعهم. حياة التعذيب والتحقير والإذلال، حياة العبث والصمت، حياة القهر أو الأمل الذي لا بدّ منه... أما أسوأ ما خامر الكاتب في السجن فهو ما يسمّيه «استهلاك الخصوصية»، أي أن يجد السجين نفسه «مكشوفاً» أمام رفاقه. فالعيوب والنواقص تنكشف هنا بسرعة: الكذب والشره والجبن والبخل والنكد... يصبح المرء «معروضاً» أمام عيون الآخرين أربعاً وعشرين ساعة كلّ يوم. «لا أسرار في السجن»، يقول صالح، ثم يسأل: «هل ما يكشفه السجن عنّا هو حقيقتنا، ذاتنا الحقيقية؟». إلا أنه لا يلبث أن يفرّق بين الخصوصية «البرانية» والخصوصية «الجوّانية». الخصوصية «البرانية» تتلاشى بسرعة: «نحن نغيّر ثيابنا على مرأى من الآخرين، ونشخر على مسمع منهم، ونحزن ونغضب... إنهم يروننا ونراهم في أوضاع وأحوال لا نحب عادة أن نُرى فيها»... أما الخصوصية «الجوانية» فهي التي تجعل من الهشاشة والضعف البشري «قوّة إنسانية»، إنها «المجال الشخصي» المقيم في الداخل، الحرية المعنوية والاستقلال الذاتي.   «الحنين» وعلى رغم المعاناة القاسية التي عاناها في السجن يتحدث صالح عما يسميه «الحنين» الى السجن. بعد كل هذه التجربة الاليمة واللاإنسانية التي خاضها بجهد وصبر وجد الاسير (السابق) نفسه يحنّ الى السجن بعد خروجه منه. لكنه يوضح أنّ هذا الحنين هو احتفال «مقنّع» بالخروج من الاسر: «كأنني أقول إنني واجهت الوحش وها أنا أتوق الى مواجهته ثانية». لكنّ هذا الحنين الذي قد يكون مأثرة لم يسبقه اليها أحد من كتّاب السجون، يحمل في باطنه ما يتخطى «الاحتفال بالنجاة» كما يعبّر. يُبرز الحنين صفة تحويلية أو «قربانية» لتجربة السجن وفق تعبيره، ثمّ إنّ السجين يشعر بأنه تحرر داخل السجن من «عبء» الحرية. وهذا الحنين لا ينصبّ على السجن بصفته مكاناً بل على التجربة في داخله. ولعل السجين الذي يعبر «الطقس القرباني» يكتسب أمراً ثميناً جداً وهو ما يصفه صالح بـ «البداية الجديدة» و «الانبعاث» أو «الولادة الاخرى». ويعترف صالح بأنّ السجن وفّر له أموراً ثلاثة في حياته الجديدة وهي: قطيعة «كاوية» مع ماضيه الذي شهد إخفاقات، تخطٍ للتخبط الذي طالما آذى نفسه وميدان إيجابي جديد لاختبار قواه. ويقول: «في المحصلة ذهب الشخص الذي دخل السجن عام 1980 قرباناً لذاك الذي خرج منه بعد ستة عشر عاماً. مات أحدنا كي يعيش الآخر». يصعب فعلاً اختصار كتاب ياسين الحاج صالح. هذا أكثر من كتاب، ليس فقط لما يضمّ من حقول معرفية أو لما يطرح من افكار ورؤى جديدة أو لما يحمل من زوايا يعالج عبرها قضية السجن، بل لأنه جعل من قضية السجن قضية ثقافية قائمة بذاتها ومفتوحة على سائر القضايا الثقافية الاخرى، ناهيك عن القضايا الانسانية والسياسية. هذا كتاب تأسيسي في ما يسمى ثقافة السجن، كتاب أشبه بـ «بيان» يطمح الى ترسيخ ثقافة السجن «المهمشة» في صميم ثقافة «المتن»، ثقافة «الطرف» في قلب ثقافة «المركز». هذا كتاب شامل عن السجن، أدبياً وسياسياً وفكرياً وسوسيولوجياً... كتاب يؤرخ (تاريخ الاعتقال في سورية، بورتريهات المعتقلين السياسيين) ويوثّق (سجن تدمر الرهيب) ويصف السجون السورية والحياة الملغاة داخلها وأحوال السجناء والسجانين ويحلل ويرصد ويروي... يهـدي صـالـح كـتـابه الـى أمـه وأبـيه، الام الـتـي «لـم تـُطـق أن يُسجن ابنـها ثـم إبـنـان آخران لها» فـمـاتت ولم يـودعـوهـا...هـذه الام هـي ام الكـثـرين مـن الـشـبان والـشابات الذين لم يتسنّ لهم ان يـودعوا أمهـاتهـم قبـل رحـيلـهن أو عـند رحيلهم هم في غيابهنّ.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٥‏/٥‏/٢٠١٥
‘لم يفٍ ما كُتِبَ عن السجن السوري حتى اليوم التجربة حقها. سُجن آلاف ومرّ بتجربة السجن عشرات الآلاف، ولم تُكتب أو تُنشر غير بضعة كتب’! هذا ما يقوله الكاتب السوري ياسين الحاج صالح في كتابه الجديد ‘بالخلاص يا شباب: ‘ (دار الساقي، بيروت، 2012). هناك خانة في المكتبة الأدبية العربية تدعى ‘أدب السجون’، وهي حديثة، نسبياً، في الكتابة العربية نظراً لكونها ثمرة خبرات، مباشرة أو غير مباشرة، حديثة العهد أيضاً. يمكننا أن نلحظ بروز هذا النوع من الكتابة، بالترافق مع ما يسمى ‘الدولة الوطنية’ التي جاءت بعد الاستعمار الأجنبي، هناك نصوص كثيرة عن السجن كُتبت في فترة الاستعمار الأجنبي (مشرقاً ومغرباً) ولكنها لم تتمكن، لأسباب عديدة، من استيلاد هذا المصطلح، فظلت أعمالاً منفردة تُدْرَجُ في سياق أدبيات الكفاح الوطني العام ولكن من دون أن توضع في خانة ‘أدبية’ خاصة بها. لا أعلم من هو صاحب أقدم نص في هذه الخانة الكتابية، ولكني أرجِّح أن يكون مصرياً، وأن يكون النصّ عن سجون العهد الناصري. إنها لمفارقة أن تولد ‘كتابة السجن’ في عهد ‘الدولة الوطنية’ العربية وليس الاستعمار الأجنبي، وأن يكون كاتبوها أقرب، على المستوى الأيديولوجي، الى سجَّانهم من سواهم، وأعني هنا الكتاب ذوي الخلفيات الاشتراكية (الماركسية تحديداً). ففي عقديّ الخمسينات والستينات زجَّت أجهزة أمن النظام الناصري عدداً كبيراً من الكتّاب والمثقفين المصريين في السجون بسبب معارضتهم بعض برامج نظام عبد الناصر وليس ‘جوهر’ سياسات عبد الناصر.. قد يكون الفارق في ‘فهم’ موضوع الحرية، والديمقراطية، هو الذي أدى إلى أن تشهد السجون المصرية موجة من المثقفين الاشتراكيين. كان هؤلاء الذين ينتمون، في معظمهم، الى الحزب الشيوعي المصري، يؤيدون، للمفارقة أيضاً، سياسة عبد الناصر الخارجية المعادية للامبرياليات الغربية، تصدّيه للمشروع الصهيوني، موقفه من الرجعيات العربية، مساندته لحركات التحرر العالمية، كما كانوا على وفاق مع اجراءاته ‘الاشتراكية’ الداخلية، حتى إن الحزب الشيوعي المصري قد حلَّ نفسه بطلبٍ، كما هو رائجٌ، من الاتحاد السوفييتي حليف عبد الناصر في ذلك الوقت، وربما لأنَّه لم يجد، أيضاً، فوارق كبيرة بين برنامجه وبرنامج عبد الناصر، ولكنَّ ذلك لم يمنع أجهزة عبد الناصر الأمنية من اعتقال المثقفين الشيوعيين، ناهيك، بالطـــــبع، عن كوادر الاخوان المسلمين الذين كانت الحرب بينهم وبين نظام عبد الناصر معلنة على رؤوس الأشهاد. هكذا يمكن لنا القول إن كتابات صنع الله ابراهيم وفتحي عبد الفتاح وطاهر عبد الحكيم وشريف حتاتة ( وغيرهم) هي التي دشَّنت هذا النوع من الكتابة الأدبية في الثقافة العربية الحديثة. ‘ ‘ ‘ ريادة الكتابات المصرية على هذا الصعيد لا تعني أن نظام عبد الناصر انفرد، عربياً، في قمع الحريات وتكميم أفواه المختلفين، فما حصل في عهد عبد الناصر لا يقارن، البتة، بسجلات حزبي البعث السوداء في كلٍّ من العراق وسورية، لا من حيث نطاق القمع ومداه ولا من حيث نوعيته. لا تمكن المقارنة، انطلاقاً من مدونات المعتقلين المصريين أنفسهم، بما عرفه هذان البلدان العربيان ‘القوميان’. وبما أن مدخلي الى هذا الموضوع هو كتاب ياسين الحاج صالح الأخير، سأقصر كتابتي، بهذا الخصوص، على ‘التجربة السورية’ انطلاقا منه. ‘ ‘ ‘ يحدِّد ياسين الحاج صالح هوية كتابه منذ الأسطر الأولى بأنه لا يتوضَّع، براحةٍ تامة، في خانة ‘أدب السجون’، كما أنه ليس بحثاً اجتماعياً عن السجون أو حتى سيرة سجين سابق، كما أنه (وهذا ما لا يُغفل ياسين الاشارة إليه) وثيقة سياسية أو حقوقية تفضح النظام السوري وتظهر جرائمه على العموم. ففي أي خانة نضع كتاب ياسين الحاج صالح ‘بالخلاص يا شباب’؟ إنَّه يتفلت، في الواقع، من أيِّ تصنيف، وبهذا المعنى يمكنني القول إنه خليط من شظايا السيرة والتأمل والتحليل النفسي والوثيقة السياسية والحقوقية ذو نزعة أدبية ملجومة. في نظام منعدم الشفافية، تغيب فيه الأرقام والاحصاءات لصالح الانشاء والشعار كما هو عليه النظام السوري، يصعب تحديد عدد الذين تم اعتقالهم، لأسباب سياسية، في عهدي الأب والابن، لكن بالوسع القول، من دون مبالغة، إنهم في خانة عشرات الآلاف. أتحدث، بالطبع، عن الفترة التي سبقت الثورة السورية الراهنة، حيث يكاد يكون مستحيلاً معرفة أعداد الذين تغيّبهم، اليوم، آلة القمع السورية عن الأنظار. بين عشرات آلاف الذين عرفوا سجون النظام الأسدي هناك عدد من الكتاب والشعراء والفنانين والصحافيين لكن قلة من هؤلاء تجرأوا على تدوين تجربتهم الاعتقالية أو التأمل فيها، وعندما أقول تجرأوا فأنا أعني الكلمة في وجهين، الأول يتعلق باستحالة كتابة هذه التجارب ونشرها في سورية أو حتى نشرها في الخارج مع وجود كاتبها في سورية، والثاني رغبة بعض المعتقلين في التغليق على تجربة السجن بإحكام في محاولة، تصعب معرفة مدى نجاحها، لجعل كلِّ ما يتعلق بالسجن وراء ظهورهم. فرغم أن السجن لأسباب سياسية شارة تميِّز اجتماعي على عكس السجن لأسباب جنائية، إلا أن كثيراً من السجناء السياسيين يفضلون نسيان تلك الأيام (أقصد السنين بالطبع!) القاسية لئلا تقف حائلاً أمام مواصلة حياتهم على نحو ‘طبيعي’. استعادة ‘طبيعية’ الحياة أمرٌ يمرُّ به قلم ياسين الحاج صالح ويلحُّ عليه. لكن ليست الرغبة في النسيان هي التي جعلت كتابات السوريين عن السجن شحيحة قياساً بعدد السوريين الذين مروا بتجربة الاعتقال السياسي ولكن الخوف من السجن. لا أقصد الخوف من مواجهة أشباح السجن وكوابيسه بل العودة الى السجن مجدداً. هذان السببان يفسران ندرة الكتابات الموضوعة عن تجربة الاعتقال السياسي في سورية. ‘بالخلاص يا شباب’ (وهذا بالمناسبة هو التعبير الذي يقوله المعتقلون السوريون لبعضهم بعد الانتهاء من الطعام، فيما يقول الناس الطلقاء: دايمة!) لا يأتي ليذكرنا بهذه الحقيقة، ولا ليفضح الاستبداد الذي قذف وراء الشمس أعداداً يصعب احصاؤها من النشطاء السياسيين والحقوقيين والمثقفين السوريين رجالاً ونساء، بل يأتي ليصنع فارقاً في مجاله. ورغم صدور الكتاب في حمأة الثورة السورية وفي ذروة جرائم بشار الأسد ضد شعبه المنتفض إلا انه لا ‘يستثمر’ مادته الرهيبة كي تكون أداة تحريض سهلة ضد النظام، ولا ليصنع من نفسه بطلاً وهو الذي قضى ستة عشر عاماً من شبابه في سجون الأسدين، بل، للغرابة، كي ينقض ‘بطولة’ السجين السياسي ويفكك أسطورته. ومثلما لا يندرج كتاب الحاج صالح في خانة ‘أدب السجون’ فإن مادته لا تندرج، بدورها، في أيِّ سياق قرأناه عن تجارب الاعتقال السياسي في السجون العربية. إنها قراءة فريدة في تجربة مريرة. قراءة متخلصة من المرارة ومتطلعة، بقوة، إلى حيث تستعرض الحياة معجزاتها اليومية خارج القضبان. وأختم بكلمات من ياسين الحاج صالح نفسه تؤكد هذا المسعى ‘التفكيكي’: ‘لنا قضية هي الكفاح ضد الاستبداد، ضد السجن السياسي، كما ضد السياسة التي تسجن، هذا يوجب تحرير قصص السجناء وسيرهم من أيديولوجية السجن الخاصة. وبقدر ما يمحو السجن الفردية فإنَّ واجب الكتابة عن السجن هو، العكس، شقُّ بطن هذا الوحش واستخراج الأفراد منه واحداً واحداً. أسماؤهم، صورهم، قصصهم، أزمنتهم الضائعة، كلّها ثمينة، وكلّها فذّة’!