
ــ الكسـيحُ ينهض
تأليف عبد الله خليفة
عن الكتاب
مع اندفاع عربته وسط السوق يبدأ العالم القصصي الذي رسمه الروائي عبدالله خليفة في هذه المجموعة القصصية "الكسيح ينهض" وينفتح النص الحكائي على عوالم وحيوات كثيرة تتعدد طبقات القص فيها، ويقف القارئ مبهورا أمام قدرة القاص على تحريك كل هذه الحيوات في حيز ضيق، هو كل ما يتيحه زمن القصة، وما يسمح به شكلها الفني، لئلا تقع في انزياح شكلي يغير هويتها كقصة قصيرة ويحولها إلى سرد آخر له قوانين أخرى غير قوانين القصة القصيرة المتعارف عليها. وفي هذه المجموعة القصصية أيضا يفاجئنا بمهارة لا نجدها إلا لدى قلة من قصاصي الأجيال السابقة لجيله والتالية له من الكتاب العرب المعروفين، تميزوا بهذا الفن النثري الرفيع، أسمع ذكرياته التي ترف في عينيه كصور يراها القارئ بوضوح عبر الكلمات: "يهدأ وهو يتأملُ المقهى وروائحُ الشوي والخبز الطازج الطالع من التنور تقتله، كم جلسَ هنا وهو شاب! كم أكلتْ هذه الدروبُ من عمرهِ وأعطاها الكثير! يروح يتكلم مع رفيق وهو يطالع السلع المبهرة والفاترينات البراقة" ثم يتبع البطل مخاطبا نفسه والناس ليعبر به عن قناعاته الجديدة بعد أن تخلى عن قناعات الشباب، واندفاعاته بحثا عن لغة الحلم والتغيير للحياة "هل أحدٌ يضحي من أجلِ هؤلاء البشر البقر؟ ألم يكلْ مصطفى؟ هل هناك رجلٌ عاقلٌ يفتحُ مكتبةً الآن وفي السوق؟" ومصطفى هذا الذي يتكلم عنه الأيوبي هو ابن مريوم الخياطة . وضعنا القاص والروائي عبدالله خليفة في هذا النص القصصي الثري، كما وضعنا في الكثير من قصصه ورواياته أمام ذلك الكم الهائل من نقد المثقف المرتد على أفكاره وثقافته والمسحوق بمتطلبات الحياة المرفهة. ويتألق القاص عبدالله خليفة بوصف قصة كسيح الذي نهض من القصص العربية القليلة التي تناولت الفصام في شخصية المثقف العربي، وطرحت الكثير من حالات الصراع النفسي التي تضطرم داخل الذوات، التي هي أكثر وعيا باحثة عن الصفاء النفسي إلى جوار الحياة الرغدة المرفهة من دون أن تخسر شيئا، فهي ترغب العيش المرفه، ولكنها تقع في تناقض مع واقعها الجديد، كما أنها تحمل في داخلها ذكريات ما عاشته من ظروف مريرة وتجارب قاسية في بدايات حياتها الفكرية، وتطلعها الثقافي، لأفق غير الذي كانت تعيشه ... الكسـيحُ ينهض (قصص) دار نينوى للدراسات والنشر 2017 . ❖ (القصص: الشاهدُ . . على اليمين ــ الكسـيحُ ينهض ــ جزيـرة الموتـى ــ مكي الجني ــ عـرضٌ في الظـلام ــ حفار القبور ــ شراء روح ــ كابــوس ــ ليلة صوفية ــ الخنفساء ــ بائع الموسيقى ــ الجنة ــ الطائـر الأصفـر ــ موت سعــاد ــ زينب والعصافير ــ شريفة والأشباح ــ موزة والزيت ــ حمامات فوق سطح قلبي ــ سقوط اللـون ــ الطريق إلى الحج ــ حادثة تحت المطر ــ قمرٌ ولصوص وشحاذون ــ مقامة التلفزيون ــ موتٌ في سوق مزدحمٍ ــ نهايــاتُ أغسطس ــ المغني والأميرة).
عن المؤلف
كاتب وروائي من البحرينخريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصح
اقتباسات من الكتاب
عبـــــــدالله خلــــــــيفة 【حادثة تحت المطر】 قصة قصيرة↬ أول الوجوه التي بدت تسبح أمامي داخل هلام شفاف كان وجه أمي .. أستطيع أن أميز وجه أمي في الظلام وهي بعيدة وصامتة فرائحة الأمهات لا تعوزها حواسنا الخمس . فتحت أجفاني على عينين بالكاد أبصرتا بقية الوجوه المحملقة فوق رأسي .. أحدها لأخي الأكبر وآخر لصديقتي من الجوار وثالث لأبي ووجوه أخرى لا أعرف أصحابها . بدا الجميع متفقين على ابتسامة واحدة توحي بأن أمراً جيداً قد حدث أو أن مكروهاً اختفى بعد أن كان في طريقه إلى موتي . اكتشفت ذلك من كلماتهم حول حادثة الأمس .. شيء ما يتعلق بالصاعقة . جربت أن أفهم لكن ذاكرتي بدت وكأنها لم تمارس عملاً منذ مئة سنة . أجل .. كان عصر يوم هارب من الشتاء إلى الربيع وأذكر كم كنت مستمتعة بالوقوف تحت شلال المطر المفاجئ الذي اندلع من السماء وكأن أحد العابثين أحدث ثقباً كبيراً فيها فأثار جنونها بهذه الروعة . لحظة محددة ما بعدها صار اللون الأسود وحيداً يمرح في ذاكرتي حتى دخلها أحد المنتشرين حولي بمفردات تشير إلى أنه طبيب على الأغلب وهو يلقي علي الأوامر عبر أمي .. ولكن .. لماذا يجب ألا أرى الشمس ، وبعض الألوان والروائح ؟!. وماذا عنى بالهدوء التام وهو يمرر كفه على شفتيه مثل المشعوذين ؟. هل تبدو حالتي خطيرة لا أمل في شفائها إلا ببيان ممنوعاته هذا ؟!. عاد الجميع بعد محاضرة الطبيب ثم انصرافه إلى التحديق مجدداً في وجهي .. وازداد عدد الابتسامات والقبل على جبيني وخدي فأيقنت أن ثمة أمراً غريباً يجري .. في الواقع لم يكن أكثر غرابة من أحداث اليومين التاليين عندما بدأت أتلقى دهشات تبلغ حد الاستنكار أحياناً بعد كل عبارة أتفوه بها . ما بال سكان هذا المنزل كأنما أصابهم وباء التعجب !!.. ضحك أخي الأصغر متراجعاً إلى الخلف ينادي أمه لمجرد أن شجعته على اللعب بالطين خارج المنزل حلاً لمشكلة التلعثم في النطق .. وقد تجاوزت أمي هذا التحريض رغم استنكار نظراتها لي . أما أخي الأكبر فقد تخلى عن هدوئه للغضب بعد أن رآني ألصق ورقة مالية كبيرة بالصمغ على جدار في غرفتي وقد أضفت إلى إطارها بعض ألوان زيتية على سبيل التجميل .. لم أفهم سبب ثورته فأية لوحة أخرى قد تكلف أكثر من هذا المبلغ لتعلق على نفس الجدار .. أين الخطأ في كل هذا ؟!.. يبدو أن الخطأ الحقيقي وقع مساء ذلك اليوم بحق أبي وبسبب البؤساء الذي يقرأ صفحاته منذ أيام .. لم أقصد إغضابه أردت فقط إزالة الحيرة عن أسئلتي .. يعني كيف يتفق أن تكلف السماء السيد فالجان برفع الظلم عن طفلة لكونه عاش مرارته طويلاً بينما يستطيع الله أن يحسم الأمر بثانية ودون الحاجة أصلاً إلى هذه الدوامة التي يتناوب عليها البؤساء فقط دون غيرهم !.. كانت إجابة أبي تحمل إنذاراً مبكراً بالحد من ارتكاب الأسئلة الحمراء .. لم يكن يعلم أن عمى الألوان ربما تمكن من أسئلتي أيضاً .. طيب هل صاحب القرار في تعاسة كوزيت هو نفس إله الأطفال السعداء في مكان آخر؟.. لا بد من وجود شريك يتلاعب بالحسابات ويفسد الخير القادم من السماء .. وإلا فكيف ؟!.. آه .. يبدو أني عككت بتعليق طائش أصاب مكاناً ما في دماغ أبي فقد خرج من خلف النظارة والتفت بقلق نحو أمي التي نقلت نسخة من التفاتته إلى أخي .. وتداعوا جميعهم إلى غرفة أخرى وكأنهم سينصبون فخاً .. ما الذي يجري ؟!.








