[{"data":1,"prerenderedAt":-1},["ShallowReactive",2],{"$fPLGsTPER7HVIAB9FzmA4Iyrcw7uO3Zpqg1UsacfXON8":3,"$fP_UQVtJZ3ghb74HYa1i6SeZRgWyvUizDI2a8ScHRTo8":136},{"id":4,"title":5,"visible":6,"description":7,"coverUrl":8,"pageCount":9,"publishYear":10,"isbn":11,"language":12,"avgRating":13,"ratingsCount":13,"reviewsCount":14,"readsCount":13,"views":15,"shelvesCount":13,"hasEbook":16,"ebookType":17,"visibleEbook":13,"hasEpub":18,"epubUrl":19,"author":20,"translators":23,"editors":23,"category":23,"publisher":24,"publishers":27,"reviews":29,"authorBio":59,"quotes":62,"relatedBooks":93},285524,"في صحبة الكتب",1,"\u003Cp>أنا قارئ أنتمي إلى تلك الفئة من الناس الذين يقرأون في أي مكان وزمان، \nأحمل الكتاب معي أينما أذهب، ويعرف أصدقائي أنني شخص موثوق عندما يحتاجون \nإلى ترشيح لكتاب يقرأونه، أو عندما لا يمكنهم تذكر من هو مؤلف الكتاب \nالفلاني وكم طبعة صدرت له، إن حياتي العملية شديدة التداخل مع محبتي \nللقراءة لدرجة أنني لا أستطيع الفصل بين الاثنتين، وشخصيتي هي نتاج الجمع \nبين كل شخصيات الكتب التي أحببتها، أصبحت جزءا من ذاكرتي، فأنا لم أذهب إلى\n بطرسبورغ، لكنني أحفظ أبرز معالمها التي أخذني فيها ديستويفسكي وتولستوي \nذات يوم، ولم أشاهد ماذا حدث لباريس أثناء الحرب العالمية الثانية، فتطوع \nهمنغواي يخبرني بكل التفاصيل، ولم أزر براغ، إلا أن ميلان كونديرا قدم لي \nوصفاً ممتعاً لما يدور في شوارعها، وأصبحت أعرف من خلال خبرتي في الكتب، أن \nالقراء يعيشون أكثر من حياة.\u003Cbr>\u003C\u002Fp>","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F400x600\u002FPool_Covers\u002F2017\u002FJan\u002Fb0b56862-642b-4f49-b70d-35042d454a0f.png",272,2017,"9782844099372","ar",0,4,3911,true,"pdf",false,"\u002Fapi\u002Fepub\u002F285524",{"id":21,"nameAr":22},63079,"علي حسين",null,{"id":25,"nameAr":26},2036,"دار أثر للنشر والتوزيع",[28],{"id":25,"nameAr":26},[30,38,46,54],{"id":31,"rating":13,"body":32,"createdAt":33,"user":34},39843,"كتاب رائع .يستعرض فيه الكاتب علي حسين حياة بعض المشاهير في عالم الأدب والرواية تحديدا بصورة مشوقة .أنصح بقرأة الكتاب.","2018-07-30T19:30:59.000Z",{"id":35,"displayName":36,"username":36,"avatarUrl":37},110883,"amen almaktabbah","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F100x100\u002FUploads\u002FNov2020\u002FUser\u002F110883\u002Fmedia\u002F114239\u002Fraffy-ws-1518628233-25307610-(1).jpg",{"id":39,"rating":13,"body":40,"createdAt":41,"user":42},33590,"أعتقد أن الكتاب عبارة عن مقالات نشرت أولاً في جريدة المدى ثم جمعت في كتاب دون مراجعة أو تنقيح أو تزويده بهوامش\nطبعاً الكتاب رائع، هذا الحشد الكبير من الشخصيات والمؤلفين والمبدعين ، لا سيما في المقال الذي يتناول رواية الصخب والعنف لفوكنر حيث يجمع بين جبرا ابراهيم جبرا وعلي حسين وفوكنر وهمنغواي وأندريه جيد وسارتر وبروست وألبير كامو وروسو..\nيتناول حياة المؤلفين بأسلوب تجعلهم قريبين منا وتجعلنا قريبين من واقعهم، قد تقرأ الكثير من المعلومات التي سبق وقرأتها في مكان آخر، لكن هذا بحد ذاته ممتع، قد تعرف أن \"مدام بوفاري\" مقتبسة من قصة امرأة فرنسية حقيقية، وأن تولستوي لا يحب \"الملك لير\" وأن دوستويفسكي يعاني من الصرع والإدمان واستغلال ناشره وأنه تزوج من الفتاة التي كان يملي عليها رواياته، وأن كامو  وسارتر اختلفا وافترقا بعد أن كانا صديقين مقربين، وأن طه حسين كان يرى من خلال عيني زوجته سوزان، وأن توفيق الحكيم هو أكثر مؤلف محبوب في الأدب العربي ربما، وأن همنغواي انتحر برصاصة في رأسه عندما لم تعد الكلمات تأتي إليه، وأن جيمس جويس كتب أصعب رواية في الأدب الإنجليزي، وأن فرجينيا وولف انتحرت وبجيبها كومة من الحجارة، ونيتشة يكره النساء، وغيرها الكثير من المعلومات حول حياة الأدباء ومؤلفاتهم.. ولكن مع ذلك فمن الممتع إعادة القراءة ، من الممتع أن تقرأ شيئاً كنت تعرفه لتستعيد تلك المعرفة، لتؤكدها، ولتشارك المؤلف فيها، من الممتع أن تكتشف جوانب جديدة لم تكن تعرفها أو تقرأ حياة مؤلف ما من وجهة نظر جديدة..\nهناك فقط بعض الملاحظات ربما سببها هو عدم مراجعة الكتاب قبل نشره فعلاً، فمايكل كننجهام مؤلف رواية الساعات هو كاتب امريكي وليس بريطاني كما يرد في الكتاب. والمشهد الذي تطلب فيه سيمون دو بوفوار من الممرضة أن تسمح لها بالتمدد إلى جانب جثة ألبير كامو الذي مات بحادث سيارة وكان يربطه ببوفوار وسارتر صداقة جعلت بوفوار تحزن لموته وتكتب مقالاً رائعاً عنه، لا أعتقد بصحته. فمشهد الموت هذا هو ما حدث عند موت سارتر وليس كامو، إذ طلبت من الممرضات أن تتمدد إلى جانب جثة سارتر بعد موته في المشفى وهذا ما جاء في كتاب: \"وجها لوجه سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر ( الحياة والحب )\"","2017-11-23T06:17:10.000Z",{"id":43,"displayName":44,"username":44,"avatarUrl":45},101,"رانيا منير","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F100x100\u002FUploads\u002FNov2020\u002FUser\u002F101\u002Fmedia\u002F766\u002F2011-11-21-12-50-554eca9eb6cd48b.jpg",{"id":47,"rating":13,"body":48,"createdAt":49,"user":50},33250,"ليدي ماكبث لزوجها:\n\"إن وجهك يا سيدي يشبه كتابا ممتلئا بالأشياء الرائعة\".\nفي  مؤلفه”في صحبة الكتب”يعيد علي حسين بإتقان المحترف العارف السيرة المجيدة  الكاشفة لمئات الكتب التي تصفحتها يداه، وتتبع سطورها بشغف وبعينين ظامئتين  فتركت في نفسه علامات لا تمحى.\nإنه لا يعدد الكتب التي أثرت به وغيرت  مجرى حياته فحسب بل يشرحها، يلخصها أو يفسرها بطريقة تقرّب محتوى الكتاب  وأهدافه للمتلقي، فيضع بين يديه عصارة الفكرة التي توصل إليها في سياقها  الاجتماعي والتاريخي.\n\n وهو هنا يتصل بتصور عالم النفس الأمريكي برهس سكينر عندما أطلق صيحته الشهيرة:”ينبغي ألا نُدرِّس الكتب العظيمة... علينا أن نُعلِّم حب القراءة\". وأحسب أن أحد مرامي علي حسين هو إشاعة القراءة على أوسع نطاق حالما بأن يتضاعف عدد القراء للحد الذي يصعب إحصاؤهم. هذه الأمنية العسيرة تلتقي بأمنية أخرى لهنري ميللر في مؤلفه”الكتب في حياتي”عندما حلم بأن تصبح الكتب متداولة كما النقود. لكن علي حسين يضيف شيئا هاما لذلك فهو يريد أن يتمكن أولئك القراء من استيعاب ما يقرأون لدرجة الإفادة القصوى فيصبحون قراء من طراز متميز فريد يسميهم الشاعر الإنجليزي كولريج”مالكو الجواهر\". يكتب علي حسين مؤلفه وفي أعماقه يتوهج أمل يحثه ويأسره لقارئه الذي يطمح أن يأخذ بيده نحو تلك الجواهر، جوهرة فجوهرة، نحو منابع المعرفة الأولى التي سوف تسهم في بناء عقله وحلمه وطموحه.\nإن علي حسين يتناول تلك الكتب النفسية واحدا واحدا ليعرض دليل عمل لأي قارئ ينشد المعرفة حيث يضيء أمامه صفحات الطرق المعتمة في الحياة. ولذلك يضع قائمة بالكتب التي أمضى معها أجمل أوقاته، وقائمة أخرى بالكتب المترجمة والموضوعة التي لم يستطع حل ألغازها حتى اليوم رغم قلتها إلا أنها لم تزل تثير حيرته.\n\"في صحبة الكتب”ليس كتابا فقط بل هو برنامج تنويري اعتمد على خبرة تراكمت خلال عقود من التقاط الأبرز والأكثر تأثيرا في العالم من خلال الرواية والقصة والمسرحية والفلسفة والديوان والبحث. علي حسين يتناول حياته الثقافية بالدرجة الأولى التي يصفها بأنها شديدة التداخل مع محبته للقراءة للحد الذي لا يستطيع الفصل بين الاثنين. إن شخصيته هي نتاج الجمع بين كل شخصيات الكتب التي أحبها وأصبحت جزءا من ذاكرته. والحق أنها أصبحت جزءا من ذاكرة أكثر من جيل.\nفيمر القارئ بحياة ومنجزات قامات كبيرة مثل ديستويفسكي، كافكا، همنغواي، انشتاين، نيتشه، ماركس، فوكنر، بيكاسو، شكسبير وغيرهم الكثير ممن اجتهد وتمكن من صياغة ذائقتنا الأدبية والفنية وأعاد بناء أفكارنا وعقولنا، بالإضافة إلى حيواتهم وإخفاقاتهم والمصاعب التي واجهوها أثناء السير العنيد في طريق المعرفة\nمؤلف علي حسين الممتع”في صحبة الكتب”هو علاقة حب بين الكاتب والكتاب.","2017-11-11T16:18:44.000Z",{"id":51,"displayName":52,"username":52,"avatarUrl":53},43163,"المراجع الصحفي","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F100x100\u002FUploads\u002FNov2020\u002FUser\u002F43163\u002Fmedia\u002F40519\u002Fdd99.png",{"id":55,"rating":13,"body":56,"createdAt":57,"user":58},33148,"يقولُ الماركيز دوساد «أنا أكتب فقط للقادرين على فهمي، وهؤلاء سيقرأونني بدون خطر». الكاتبُ والصحافي العراقي علي حسين هو من الذين يُطبق عليهم هذا التوصيف، فهو لا يشعر بالخطر من قراءة ومُتابعة الكُتب المتنوعة، إذ لا يتوقف عند صنف واحد من الكتب والمؤلفين، بل يرغبُ في ارتيادِ عوالم مُختلفة، ويجوبُ مع كُتابه المُفضلين في أزمان غابرة، مُستحضراً تلك الظروف التاريخية التي عاشَ فيها المُبدعون. \nفهناك فرق كبير بين من يقرأُ الكتابَ ويقتنع بما في طياته من الأفكار والنظريات، ومن يتطلع لمعرفة طبيعة الفضاء الذي أبصر فيه الكتابُ النور، وما تركه من تأثيرات على أجيال لاحقة، وما سبب من المشاكل لصاحبه، كما هو شأن كل المفكرين الذين أرادوا من خلال أعمالهم الإبداعية تحطيم الأسوار المحيطة بالعقول.\nعلي حسين من النوع الثاني، حاله كحال الشخص الذي لا يكتفي بُمشاهدة الفيلم، بل يريدُ أن يعرف ماذا كان يدور في الكواليس، زيادة على ذلك فهو قارئ مثالي لا تهمه الأجناس الأدبية، على حد قول البرتو مانغويل، يقرأُ الرواية والمذكرات والرسائل والنقد والحوارات، كما يهتدي من كتاب إلى آخر، وهذا ما يثري التجربة ويُعمق الفهمَ ويُعزز لديه الرغبة لمواصلة القراءة، وهي عملية في تَمددٍ دائم، يقولُ هنري ميللر في كتابه «الكُتب في حياتي» سمعتُ جدي يخبرُ أمي بأنها ستندمُ لأنَّ الأخيرة وضعت كتباً كثيرة بين يدى طفلها، كأن الجد يُدرك أنَّ هذا العالم لا تنتهي اكتشافاته، كما أن الكاتب البريطاني كولن ويلسون، يكشفُ في مذكراته أن زوجته وصفت كتبه بمصيدة الشمس، نظراً لما تراكم لديه من المراجع والمؤلفات في شتى المجالات، كذلك الأمر بالنسبة لعلي حسين، الذي ذكر في إحدى مقالاته أنه استأجر أخيرا شقة لكتبه، لأنَّ مكاناً واحداً لم يعدْ يتسع لما يقتنيه من العناوين، وهذا الشغف بالقراءة والمُتابعة تراه مُتجسداً في كتابه الصادر حديثاً بعنوان «في صُحبة الكتب» 2017 دار أثر المملكة العربية السعودية، حيثُ يقولُ في المقدمة بأنَّه اختار الصحافة مقتنعاً بأنه سيشارك القراء هذا الحُب للكتاب، مثلما يعتقدُ هنري ميللر بأنَّ الكتاب يصنع لك الأصدقاء، هذه الرؤية يقربها علي حسين أيضاً، فالأخير يكشفُ لك بأن الكتب هي محور كل صداقاته، فهو يصنف الكتب التي قرأها إلى مجموعتين، المجموعة الأولى استمتع بقراءتها مثل «الأخوة كارامازوف» لدويستوفسكي و»ليون الإفريقي» لأمين معلوف وثلاثية نجيب محفوظ. تضم هذه القائمة مؤلفات متعددة تتراوح بين الرواية والمذكرات والدراسات النقدية، ناهيك عن كتب فلسفية مثل «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا «العالم إرادة وتمثلا» وعناوين لمسرحيات ودواوين شعرية، إلى جانب بعض كتب تراثية، في المقابل هناك مجموعة من عناوين أخرى صنفها ضمن الكتب التي حَيرته. معظم ما تجدُه في هذه المجموعة عبارة عن كتب فلسفية مثل «نقد العقل الخالص» لكانط، فضلاً عن نسبية آينشتاين و«رأس المال» لماركس. وهذا يؤكدُ ما ذكرناه آنفاً بأن مؤلف «في صحبة الكُتب» ليس قارئاً أُحادي النوع، إنما تتسع حلقات القراءة لديه بحيثُ تمتد إلى حقول ومجالات معرفية متنوعة. \nيُفتَتَحُ الكتابُ بفصل يتحدثُ فيه المؤلف عن حياة بيكاسو، ومن ثُمَ يتوقف عند العلاقة القائمة بين صاحب لوحة غرنيكا، وسليفادور دالي، ورؤية الأخير لفن الرسم، إذ يقولُ لبيكاسو «لكي تستطيع أن ترسُمَ يجبُ أن تكون، مجنونا». إلى ذلك يذكر الكاتب المواقف الغريبة لسلفادور دالي وموافقته على وسام الجنرال فرانكو. كما يُشار في هذا السياق إلى الفنان الروسي مارك شاغال، فالأخير رسم رائعة غوغول «النفوس الميتة» فهو أيضاً يُقيم في باريس، دون أن يتخلى عن أحلامه الاشتراكية. \nوما تجدرُ الإشارة إليه في هذا الفصل، هو المشهد الذي يجمع بين بيكاسو، بريجيت باردو، رئيس وزراء فرنسا، آنذاك، هنري كويويل داخل أحد المطاعم إذ ما أن تدخل الفنانة الشهيرة إلى المطعم حتى يبدي كل من رئيس الوزراء وبيكاسو رغبتهما لانضمام الفنانة الشهيرة إلى طاولتهما، هنا تختار بريجيت باردو طاولة العبقري بيكاسو، مبررة موقفها بأن فرنسا مر عليها الكثير من رؤساء الوزراء، لكن هناك بيكاسو واحد لن يتكرر في تاريخها. ونحنُ بصدد حياة بابلو بيكاسو لا يصحُ تجاهل إشارة صاحب الكتاب إلى الأديب وعالم الآثار المصري كمال الملاخ الذي ينقل من صديقه أنيس منصور بأن الملاخ توفي وفي بيته 60 ألف كتاب، ومع ذلك كان يعتبر نفسه تلميذا في القراءة. وصدر له كتاب عن بيكاسو بعنوان «المليونر الصعلوك».\nلا يبتعدُ القارئ في الفصل الثاني عن أجواء باريس، ولكن يكون هذه المرة برفقة صاحب «الإنسان المتمرد» ألبير كامو وروايته «الغريب» التي حلّقت بمؤلفها إلى العالمية، بحيثُ كلما ترد كلمة الغريب تتذكر كامو، ربما ما تعرفه كقارئ حول علاقة سارتر وكامو هو وجود خصومة فكرية بين القطبين الوجوديين، وما أحدثه «الإنسان المتمرد» من الشرخ بين الاثنين. غير أن ما يوردهُ المؤلف يلقي ضوءاً على ما يتملك كامو من إعجاب شديد بسارتر عندما يقرأ روايته «الغثيان»، إذ يتجه كامو متأثراً بهذا العمل الروائي نحو مجال جديد، ولا يكتفي بأن يكون ناقداً للروايات، بل يشرع في تأليف الروايات. وعلى الرغم من انقطاع العلاقة بين سارتر وكامو، لكن ذلك لا يمنع صاحب «الدوامة» من أن يرثي غريمه الفكري بأسلوب مؤثر. عندما يموت إثر حادث السير. ويأتي الفصل الثالث المخصص للكاتب الأمريكي وليام فوكنر، حيثُ يتبع الكاتبُ طريقة قريبة من تقنيات تأليف القصة لعرض موضوعه، إذ ترى صورة صاحب «الصخب والعنف» ليس من وجهة نظر المؤلف، بل من زاوية نظر كل من همنغواي وجبرا إبراهيم جبرا وكامو، وما يجعل هذا الفصل أكثر تشويقاً هو الاعتماد على الحوار بين الكاتب ومترجم «الصخب والعنف» جبرا إبراهيم جبرا من جانب، والحوار بين وليام فوكنر وأرنست همنغواي من جانب آخر. بجانب ذلك تدرك ما بذله فوكنر من مجهود كبير لكتابة «الصخب والعنف» إذ أنجز هذا العمل خلال خمس سنوات، وعندما يقرأُ كامو «الصخب والعنف» يُعلقُ قائلاً: أقل ما يُقال عن هذه الرواية إنَّ مؤلفها أمسك بسر الأدب. وينتهي هذا الفصلُ بقراءة فوكنر لخبر انتحار صاحب «الشيخ والبحر» عند ذاك يتذكر اللقاء الأول حين قال له همنغواي «لقد قطعتُ سيدي آلاف الأميال لكي أراك».هكذا ينتظمُ الكتاب مُتَسَلسِلاً في عرض محطات مفصلية في حياة مشاهير الأدب والفكر، ولا يمكنكَ أن تفضلَ فصلاً على آخر، ولا تستغني عن تتبع حياة هؤلاء، إذ أبدع الكاتب في اختيار ما يعتبر محورياً في مسيرتهم، وتجنب الحشو وما لا يفيد القارئ، فهو يذكر في حياة ماركس مواقفه الثورية ونضاله المستميت وتضحياته، وما مر عليه من المآسي. كما ينقلُ لك رأي صاحب «رأس المال» عن دور الشعراء والروائيين على مسار تفكيره، وكان معجباً ببلزاك، مقتنعاً بأن الأعمال الأدبية تكشف دوافع البشر، ومن ثم يتحدث الكاتب عما أضافه ألتوسير إلى الماركسية، إذ يضعُ كارل ماركس إلى جانب بيتهوفن وغويا وأبسن ونيتشة.\nوفيما يتعلق بجان بول سارتر يسلط الضوء على نبوغه المبكر، حيثُ يسخر من أساتذته قائلاً، أستطيع أن أجادل نيتشه وأعلمه كيف يمكن للإنسان أن يكون حراً، كما يضعك أمام ما يبلغ إليه افتتان سيمون دي بوفوار بسارتر وهي تقول «ما أضيق عالمي الصغير إذا قيس بعالم سارتر الغني»، زد على ذلك هناك كتب غيرت اتجاه القراء فأندريه مالرو قبل أن يطلع على دوستويفسكي، أراد يصبح طياراً، ولكن ما أن يقرأ «المقامر» حتى يخوض في عالم الأدب، كذلك بالنسبة غروم سالنجر، فالأخير اختار أن يكون روائيا اقتداءً ببلزاك، وهذه الحالة تلاحظها لدى مؤلفة «ذهب مع الريح» ماغريت ميتشل، فهي بدورها تستعيد وقائع رواية «غادة الكاميليا» وتتذكر أن أمها سمتها بهذا الاسم تيمناً ببطلتها، لذلك تبدأ بكتابة رواية على غرار عمل دوماس الابن. أما عندما تصل إلى الفصل المخصص لغابرييل غارسيا ماركيز يتضح بأنه غامر بكل شيء من أجل إنجاز روايته الملحمية «مئة عام من العزلة». هنا يشير الكاتب إلى أنه عندما تنشر قصة لماركيز لا يمتلك ثمن الصحيفة التي نشرت فيها مادته، إضافة إلى ذلك يتعرف من خلال ما يذكره المؤلف على تلك الأعمال التي أثارت غضب السلطات مثل «كل شىء هادئ في الميدان الغربي» لأريك ماريا ريماك، فأحرقت هذه الرواية إبان الحكم النازي في ألمانيا، من الأدباء العرب يذكرُ المؤلف عميد الأدب العربي طه حسين، فأستاذه شاكر حسن آل سعيد، يهديه نسخة من كتاب «الأيام» ويعترف الكاتب بأنه بعد انتهائه من قراءته انتابته رغبة في أن يصبح مثله ضريراً. كما يفردُ فصلا لتوفيق الحكيم، حيث تستشف قدراً كبيراً من الإعجاب لدي المؤلف بهذين الأديبين.\nيرافقك الكاتب في رحلة في عالم مشاهير الأدب والفكر بدءاً ببيكاسو مرورا بشقة دوستويفسكى وحياة غوستاف فلوبير المضطربة واكتشافات فرويد وسبره في اللاشعور، وتصيده للأحلام، متوقفا عند قطعة بسكويت ألهمت بروست بكتابة روايته «البحث عن الزمن المفقود» وما أثاره داروين عندما صدم البشرية بأن أصلها منحدر من القرد. وما يدفع فرجينا وولف إلى الانتحار، انتهاءً بصراع كافكا مع أبيه وقرار ريجيس دوبريه بترك مباهج باريس. لا ينصحك المؤلف بقراءة عناوين محددة ولا تجد لديه وصفات جاهزة، لأن تصبح كاتباً، بل ما يتوصل إليه عقب قراءة هذا الكتاب أن وراء كل عمل أدبي أو فكري عظيم هناك ثمن باهظ، كما أن قرارك بأن تكون قارئاً يعنى ان تكون سارقاً للوقت، مثلما كان برموثيوس سارقاً للنار.","2017-11-04T07:31:45.000Z",{"id":51,"displayName":52,"username":52,"avatarUrl":53},{"id":21,"name":22,"avatarUrl":60,"bio":61,"bioShort":61},"https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F100x100\u002FUploads\u002FJanuary2023\u002FAuthor\u002F63079\u002Fmedia\u002F108563\u002Fbe078e3921524d0a85e059b7cccf463a.jpg","كاتب وباحث وناقد وصحافي عراقي",[63,66,69,72,75,78,81,84,87,90],{"id":64,"text":65,"authorName":23},52941,"فـي صحبة الكتب..في الطريق الى شقة دستويفسكي (14)\n\nفي الثالث من تشرين الاول عام 1866 اقترب منها معلمها ليخبرها أن هناك كاتباً يعاني من أمراض عدة وهو بحاجة الى مساعدة كاتبة اختزال ، من هو هذا الكاتب؟ سألت الشابة أنا جريجوريفنا ، أجاب الأستاذ إنه فيدور دستويفسكي . لم تصدق اول الامر ان الاسم الذي يقصده الاستاذ هو نفسه كاتبها المفضل الذي طالما ذرفت الدموع وهي تعيد قراءة \"ذكريات من منزل الأموات\" ، وأنها كانت مغرمة بـ \" فرنكا \" بطلة قصته الاولى \"الفقراء\" ، فهي مثلها تكتب رسائل لشخص مجهول تخبره ان حياتها تغيرت منذ ان توفي والدها، لتبدأ الخطوة الأولى لها في مسيرة الفقر ومخاطره وهمومه !\n\nوفي صبيحة اليوم التالي استيقظت انا جريجوريفنا على غير عادتها نشطة ، كانت تنتظر هذا اليوم منذ شهور، ان تتحول من طالبة صغيرة الى موظفة ، غادرت البيت مبكرا ، كان لابد ان تمر على منزل صديقتها ايميليا لتخبرها انها ستضع اولى خطواتها على سلّم الحياة ، ولتغيضها ايضا فهي ستلتقي وجها لوجه مع فيدور دستويفسكي الذي طالما تبادلت مع ايميليا كتبه .\n\nفي الساعة الحادية عشرة كانت تقف أمام الشقة 13 الواقعة في شارع بولشايا . ذكرتها البناية بأحداث رواية \"الجريمة والعقاب\" التي كانت قد أتمت قراءتها قبل مدة ، تتلفت حولها ، ربما في واحدة من هذه الشقق سكنت ذات يوم العجوز \"اليونا\" القاسية الأنانية التي ظهرت فجأة في طريق راسكولينكوف الذي شعر أمامها في لحظة أنها عقبة تقف في طريقه :\" لم تكن العجوز إلا وعكة أردت ان أتخطاها مسرعاً قدر الإمكان ، انا لم اقتل العجوز ، بل قتلت مبدأ \".\n\nتتذكر أنا جريجوريفنا ان والدها أعطاها يوما مجلة الرسول الروسي ،وفيها قرأت تلخيصاً قدمه دستويفسكي لروايته الشهيرة هذه، حين كتب ردا على تساؤلات القراء عن مغزى الجريمة قائلا :\" هذه الرواية انما هي عرض سيكولوجي لجريمة ... والحدث يدور في زمننا الراهن ، أي في هذه السنة بالذات. أما صاحب الحدث فهو شاب طالب في الجامعة من أصول بورجوازية لكنه يعيش في فقر مدقع، لذلك يقرر ،تحت تأثير بعض الأفكار الغريبة التي نراها رائجة هذه الأيام، ان يخرج بضربة واحدة من وضعه المزري : لقد قرر ان يقتل امرأة عجوزاً، هي أرملة لمستشار وتعمل اليوم في الربا . والشاب ينطلق في مشروعه من تساؤلات لا ينفك يطرحها على نفسه :\"ما فائدة هذه المرأة؟ لماذا تراها تعيش؟ هل تنفع أحداً في عيشها؟ وهو يؤمن ان في مقتل العجوز خلاص له واداء واجب تجاه إخوته في الإنسانية ، لقد شعر وهو يفك الساطور من الإبزيم بأنه لم تعد لديه لحظة يضيعها \"\n\nأخيراً انتبهت انا جريجوريفنا على صوت امرأة عجوز تقول لها : تفضلي ماذا تريدين ؟\n\nللحظة تصورت انها تقف أمام عجوز \"الجريمة والعقاب\" بشالها الأخضر وعينيها الماكرتين ، وقبل ان تعيد الخادمة عليها السؤال أجابت بنبرة مترددة : \"انا قادمة من طرف السيد أولخين وان صاحب المنزل على علم بموعدي معه .\"\n\nدعتها الخادمة للدخول ، وبعد دقيقتين ظهر أمامها كاتبها المفضل الذي لم يترك لها فرصة ان تأخذ نفسها حيث سألها مباشرة : \" هل انت بارعة بالاختزال؟ وقبل ان تجيب طرح عليها سؤالاً آخر : منذ متى وانت تعملين بهذه المهنة ؟ لكنه اخيراً تنبه الى أنها لم تجلس فطلب منها ان تدخل معه غرفة مكتبة، وقال للخادمة : \"احضري لنا الشاي.\"\n\n************\n\nكان الدائنون قد يئسوا من الحصول على أموالهم ، فباعوها لناشر الكتب ستيلوفسكي الذي كان يأمل بالحصول من دستويفسكي على رواية جديدة شبيهة بالجريمة والعقاب التي حظيت بمبيعات جيدة . وفي ركن من المكتب، وعلى الأريكة المغطاة بقماش قديم مهترئ ، كان ستيلوفيسكي يبرز كمبيالات الدائنين وهو يقول : \"انه العطف الذي اشعر به نحوك دفعني الى شراء هذه الكمبيالات رغم انني اعتبر الصفقة خاسرة ، فديونك ثلاثة آلاف روبل وهي قيمة اكثر من ثلاث روايات.\"\n\nوقبل ان يجيب دستويفسكي يحكم الناشر الخبير خطته بأن يخرج نقودا جديدة من جيب معطفه يقلبها وهو يقول : \"وفوق هذا يمكن ان ادفع مئات الروبلات الجديدة بشرط.\" ما الشرط ؟ قال دستويفسكي.\n\n- \"نوقع عقدا جديدا بثلاث روايات جديدة خلال فترة عام واحد\" ، قال ستيلوفسكي.\n\n* \"لكنه زمن قصير\" ، اجاب دستويفسكي.\n\n- \"وانا لا استطيع ان انتظر اكثر، هذه ليست أموالي إنها أموال شركاء لي.\" قال تيلوفسكي وهو يخرج من جيب معطفه الآخر أوراقا يضعها على مفرش أحمر يغطي المنضدة المستديرة والى جانبها اوراق الروبل الجديدة.\n\nمد دستويفسكي يده الى أوراق الروبل التي سحبها الناشر بخفة ليقدم له العقد وهو يقول : أرأيت رقة قلبي ، وما فطرت عليه من رحمة ؟\n\n*\"لكنك أفّاق كبير\" ، قال له دستويفسكي.\n\n- \"وناشر شاطر ستوافق على شروطه لأنك لاتريد ان تدخل السجن ثانية\" ، كانت كلمة السجن تثير الرعب في نفس دستويفسكي ، فهو مايزال يتذكر صبيحة الحادي والعشرين من كانون الاول عام 1849 حين أغمض عينيه ، انه السادس في ترتيب تنفيذ حكم الإعدام ، الدور القادم سيكون دوره ، فبعد خمس دقائق لن يعود موجودا ،اثناء ذلك يوجه الجنود بنادقهم الى الأعمدة التي ربط عليها زملاؤه ، يسود صمت يثير الحزن ينطلق صوت : \"نار\" ، ستنهار تلك الأجساد الثلاثة على الارض ، وسينتقل هو الى واحد من هذه الأعمدة ، ولكن مرت ثوانٍ ثقيلة ولم تُطلق النار . وبخوف يتلفت حوله لكي يرى ماذا يحدث ، كان هناك احد الجنود يلوّح بمنديل ابيض إعلانا بالتوقف عن التنفيذ ، لقد قرر صاحب الجلالة القيصر منحهم الرحمة وإبدال الإعدام بالسجن مع الأشغال الشاقة ، واخيرا نجا من الموت وسيقول لآنا جريجوريفنا بعد عشرين عاما : \"اني لا أذكر يوما شعرت فيه بمثل تلك السعادة.\"\n\nكان يرتعش وهو يتذكر تلك الأيام ، لاحظ ستيلوفسكي تغير وجهه ، للحظات أصيب برعب وهو يرى دستويفسكي يمتقع لونه ولربما سيصاب بنوبة من نوبات صرعه ، كان يعرف ان كاتبه المفضل مريض منذ زمن طويل .\n\n- \"ليست لدي شروط سوى ان تقدم لي رواية بـ 400 صفحة\" ، قال ستيلوفسكي ليخرج دستويفسكي من حالة الشرود التي سيطرت عليه\n\n* لكن لا أفكار جديدة عندي ، ولا استطيع ان اعدك بشيء.\n\n- \"يا للخسارة ، لقد تصورت أنك بأمسّ الحاجة الى النقود\"، قالها وهو يمد يده الى النقود ليعيد وضعها في جيب معطفه.\n\n* حسنا ، رواية بأربعمئة صفحة فقط.\n\n- \"وهذا ما أطلبه الآن\" ، قالها ستيلوفسكي وهو يقدم له العقد الذي كان من ابرز شروطه ان المؤلف مطالب بأن يقدم خلال شهر تشرين الثاني، رواية جديدة لاتقل عدد صفحاتها عن اربعمئة صفحة.\n\n************\n\n- كم أنجزنا من الصفحات؟ سألها دستويفسكي ذات يوم.\n\nكان العمل قد انتظم برواية \"المقامر\" ، واخذ دستويفسكي يطمئن بأن الرواية ستسلم في موعدها المحدد ، كان يشعر بمتعة غريبة وهو يعمل الى جانب هذه الفتاة الشابة ، التي ستكون يوما بطلة قصة حياته الحقيقية ، كان يملي عليها قصة غرام الكسي ابفانوفيتش بالشابة الجميلة بولين سوسولوفا ، فتاة بالغة العذوبة يقع في غرامها رجل مقامر، يضيف الى بطلة الرواية بعضاً من ملامح آنا جريجوريفنا ، كانت هي تصغي اليه وتحاول ان تتخيل بطل الرواية يقع في غرامها انه يقول لها :\"في حضورك افقد كل كرامتي\" وحين يصل دستوفيسكي الى السطور التي يقول فيها ايفانوفيتش : \"ضممتها بين ذراعي ، قبلت يديها وقدميها ، وجثوت على ركبتي امامها\". تكتب آنا جريجوريفنا في مذكراتها :\"بعد أشهر وجدت دستويفسكي وهو يعيد مشهد المعلم اليكسي ايفانوفيتش ، وقع عند قدمي مقبلا ، ضاماً اليه ركبتي وهو ينتحب بصوت عال ، لا اتخيل ان بمقدوري ان افقدك.\"\n\nبتاريخ 30 تشرين الاول عام 1866 ، وبعد خمسة وعشرين يوما من العمل المتواصل ، اصبحت \"المقامر\" جاهزة للطبع ، وفي اليوم الاول من تشرين الثاني وحسب الموعد المحدد ذهب دستويفسكي لمقابلة ستيلوفسكي وتسليمه مخطوطة الرواية.\n\nكان قد اعتاد على فتاة الاختزال والتي اصبحت تناقشه بشؤون ابطال رواياته بحماسة ، كانت فكرة فراقها تؤرقه وسألها ذات يوم :\"ضعي نفسك مكان بطلة قصة المقامر لدقيقة واحدة وافترضي ان ايفانوفيتش هو انا واني أبوح لك بحبي ، واني أطلب منك ان تكوني زوجتي قولي بماذا يمكن ان تجيبي؟\"\n\nكان منزعجاً من جرأته وخائفاً ان تفسد كلماته هذه الصداقة اللطيفة، ولم يكن يتوقع ان موظفة الاختزال ستنظر الى عينيه بهدوء ثم تقول له بكل بساطة : \"ساجيبك بأني أحبك وأني سأظل أحبك طوال حياتي .\"\n\n************\n\nلعب دستويفسكي في حياتي دوراً حاسماً ، فمنذ أن قرأت له لأول مرة رواية \"الأبله\" بترجمة العبقري سامي الدروبي أثار فيّ من الحماسة والنشوة للقراءة ما لم يثره كاتب آخر . ولا أزال أتذكر اللحظة الاولى التي قرأت فيها \"الأبله\" وأتمثل السطور الاولى من الرواية التي لاتزال تسحرني : \"في صباح من صباحات تشرين الثاني ، في نحو التاسعة أثناء ذوبان الجليد كان قطار وارسو يقترب من بطرسبورغ \" ، وما من مرة قرأت دستويفسكي الا تكشّف لي وجه الأمير مشكين ، صدمني هذا البطل الطيب الى درجة انني كنت ابحث عنه في وجوه جميع الذين التقي بهم ، بل حاولت ان اضع شيئا منه في شخصيتي، لكني فشلت .\n\nفي شباط من عام 1967 يكتب دستويفسكي رسالة الى اخيه يقول فيها : \"ان فكرة الرواية هي فكرتي المفضلة القديمة ، لكنها من الصعوبة بحيث انني لم اجرؤ على محاولة تنفيذها لزمن طويل ، الفكرة الرئيسية هي تصوير الرجل الطيب الفعال ، وليس على الارض ما هو اصعب من هذا خصوصاً في أيامنا الحاضرة ، فكل الكتّاب الذين تصدروا لتصوير الانسان الطيب قصّروا دائما في غاياتهم ، والسبب ان هذا عمل بلا حدود ، ولاشك ان ظهور هذا الشخص الطيب طيبة لاتقاس ولا تستنفد ليس الا معجزة ، دون كيشوت وحده بين اشخاص الأدب الطيبين اكثرهم إتقانا ، لكنه طيب لا لشيء، إلا لأنه مهرج ايضا ، كما ان بيكوك الذي ابتدعه ديكنز يدعو ايضا الى السخرية ، جان فالجان فكتور هيجو ايضا يمثل احدى المحاولات القوية لكنه يبعث على الشفقة والعطف من جراء حظه الشديد السوء وظلم المجتمع له ، ليس في روايتي شيء من هذا القبيل مطلقا ولهذا فإنني شديد الخشية من ان تفشل فشلا ذريعا .\"\n\nكان ديستويفسكي يشعر بأن القراء خذلوه في رواية \"المقامر\" ، والمبلغ الذي حصل عليه من الناشر تقلص كثيرا بسبب الديون المتراكمة ، ولاحظ ان زوجته حامل، وقرر ان المولود سيكون بنتا وانه سيسميها \"ايمي\" ، وأخفى عن آنا جريجوريفنا رواية \"الحرب والسلام\" التي صدرت حديثا ، لان تولستوي يروي فيها احتضار الاميرة بولكونسكي اثناء الولادة.\n\nالامير ميشكين المصاب بالصرع يعود من عيادة في سويسرا حيث يعالج من مرض الصرع ، وهو يتيم ولايملك شيئا سوى صرة ملابس هزيلة ، ولايعرف شيئا من امور الحياة، وقد قال له الطبيب : لقد حصلت لدي قناعة تامة بأنك طفل حقيقي\" ، هذا الطفل الذي بلغ السادسة والعشرين من العمر مهذب خجول طيب القلب وساذج ، وقد انقضت حياته في تأملات داخلية ، وعندما صدرت \"الأبله\" أربك بطلها النقاد وحيرهم، يقول تورجنيف لأحد النقاد :\"يا إلهي ما الذي لم يقله السيد دستويفسكي في هذه الرواية التي هي في الحقيقة اشبه بكتاب اعترافات ؟\"\n\nفي \"الأبله\" يستعير دستويفسكي حياته أكثر من أي رواية أخرى له، ويروي فيها على لسان بطله كيف وقف على منصة مرتفعة وهو في الثامنة والعشرين واعتقد انه بقيت له من الحياة ثلاث دقائق لا أكثر.\n\n************\n\nامضى المترجم السوري الكبير سامي الدروبي عشرين عاما في ترجمة اكثر من عشرة آلاف صفحة من أعمال دستويفسكي الى العربية وكنا نحن القراء ، نرى من خلال هذا الدبلومسي السوري معالم الدنيا في عناوين دوستويفسكي : \"مذلّون مهانون\"، و\"ليالٍ بيضاء\" و\"الإخوة كارامازوف\" التي تطرح ذلك السؤال: من هو المجرم الحقيقي، المحرِّض أم القاتل؟\n\nويشير سامي الدروبي ، في لقاء أجراه معه احمد بهاء الدين ضمن زاوية \"زيارة الى مكتبة\" عندما كان الدروبي سفيرا لسوريا في القاهرة، من ان علاقته بأعمال دوستويفسكي بدأت عندما كان في الثامنة عشرة. ويضيف : \"شعرت أن بيني وبينه أنساباً روحية، ووجدت نفسي فيه، وصرت أتحرك في عالمه كتحركي في بيتي، وأعرف شخوصه معرفة أصدقاء طالت صحبتي معهم، حتى لأكاد أحاورهم همساً في بعض الأحيان\". ويستشهد بقول لنيتشه: \"دوستويفسكي هو الوحيد الذي علمني شيئاً عن النفس الإنسانية.\"\n\nوتروي زوجة الدروبي أنها كانت برفقة زوجها في زيارة إلى موسكو. وخلال جولة في شوارع المدينة، أشار سامي إلى جسر مرّا بقربه، وقال: \"هذا الجسر ذكره دوستويفسكي في قصة الليالي البيضاء\" . وفي شارع آخر، وقف يتأمل بيتاً ثم علّق: \"أظن أن رواية الجريمة والعقاب حدثت في هذا المنزل\" .\n\nفي ليلة الثاني عشر من شباط عام 1976 كانت عينا سامي الدروبي ترنوان الى مكتبته حيث كتبه التي ترجمها الى العربية والتي بلغت ثمانين كتاب بأكثر من 40 ألف صفحة ، كان يعاني من ضيق في التنفس ويمشى بصعوبة باتجاه المكتبة ليراجع معجماً بحثاً عن كلمة تقلقه، ولم يدرِ أنها آخر اللحظات في حياته حيث وجدته زوجته ملقى على الارض والمعجم بالقرب من رأسه ، وكانت هناك اربعون صفحة من الجزء الثاني من \"الحرب والسلام\" لم تترجم بعد.",{"id":67,"text":68,"authorName":23},52948,"فـي صحبة الكتب..من يخاف فرجينيا وولف؟ (14)\n\nالى صديقي عواد ناصر : ذكرى القارئ العادي\n\nفي نهار من نهارات الحرب العالمية الثانية، أطفأت النور، وارتدت معطفها الشتوي الثقيل ليحميها من البرد ، تركت ورقة الى زوجها تخبره فيها بأن رحلتها هذه المرة ربما ستطول ، أغلقت باب المنزل وراءها ، وسارت باتجاه النهر ، كانت متأكدة من أنها ستفعل شيئاً تتمناه منذ سنوات . الطائرات تحلّق بارتفاعات منخفضة ، منذ الصباح والصداع يطحن رأسها ، تناولت اكثر من حبّة مسكن ، لكن يبدو أن الألم لاعلاقة له بجسدها ، انه شيء خارج إرادة الطبيعة .\n\nتساءلت وهي تنظر الى فلاح يزرع أنواعاً من الخضراوات : \" كم هو سعيد \" ، أصوات القنابل تأتي من مكان بعيد ، بعد أكثر من ساعة سيعود زوجها ويسأل : أين المدام؟ ستقول له فينسيا : يبدو أنها خرجت كعادتها ، تتخيّل أن زوجها لن يقرأ الرسالة وسيظل ينتظرها على الغداء ، تصل الى حافة النهر تخطو الى الأمام ، تمد يدها لكي تخلع حذاءها ، لكنها في اللحظة تغيّر رأيها ، لن تخلعه ، الماء بارد لدرجة لاتحتمل ، تتقدم ببطء يرتطم حذاؤها بأحجار صغيرة ، تفكر هل هذه الأحجار يمكن ان تشبة الأحجار التي أثقلت بها جيوب معطفها ، تفكر في الأطفال وفي زوجها الذي سينتظر على مائدة الغداء ، أين المفر في كل هذا؟ هل كل ما هو مسموح لها أن تكون مجرد رقم في عائلة فشل كلّ اعضائها ، أو ربّة بيت تتأكد من إطفاء الأنوار بعد نوم الصغار؟ فجأة تنتبه الى الماء الذي غمر قدميها ، تتخيل انها تستدير فتخرج الحجر من جيبها وتعود مسرعة الى البيت لتمزق الرسالة قبل ان يقرأها ليونارد ، ترى ما الذي سيقوله وهو يقرأ سطورها الأخيرة : أيها الأعز ، لديّ يقين أنني اقترب من الجنون ثانية ، وأشعر اننا لن نستطيع الصمود أمام الأوقات الرهيبة مجدداً ، فلن أشفى هذه المرة ، بدأت اسمع الاصوات ولم يعد في وسعي التركيز ، لهذا سأفعل الشيء الذي أظنه الأفضل ، لقد وهبتني أعظم سعادة إلى ان ظهر هذا المرض اللعين ، لقد كافحت طويلاً ولم يعد لدي المزيد من المقاومة، أعرف أنني أفسدت حياتك ، لكنك في غيابي سيمكنك العمل ، وسوف تواصل العمل ، اعرف هذا .انت ترى أنني لايمكنني حتى كتابة هذه الرسالة على نحوٍ سليم ، لم أعد استطيع القراءة .ما أود ان أقول هو انني أدين لك بكل سعادة مرت في حياتي ، لقد كنت صبوراً إلى اقصى حد وطيباً على نحوٍ لايصدق . أود ان اقول إذا كان ثمة من أنقذني فقد كنت انت ، كل شيء ضاع مني إلا يقيني بطيبتك ، لا استطيع إفساد حياتك أكثر .\n\nيجرفها تيار الماء بسرعة ، تبدو كمن يطير في الهواء ، ذراعاها تنفردان ، شعرها ينساب ، معطف الفراء ينتفخ ، الحذاء يطفو على سطح النهر ، تغمض عينيها للحظات ، ربما لم تكن تريد حقا الوصول إلى أي مكان. ربما كل ما كانت تريده هو أن ينتهي ذلك الصداع والآلام التي تغرقها في الظلام وعتم الجنون كل مساء ، تتخيل ليوناردو يسرع راكضاً في ارجاء البيت وبيده الرسالة ، يصصدم بالخادمة وهو يصرخ : أظن حدثاً سيئاً لوولف ، ألم تشاهديها وهي تذهب ، اي طريق سلكت ؟ تبدأ الخادمة المسكينة بالصراخ والعويل وتركض باتجاه الاطفال الذين عادوا من المدرسة ، تفتح عينيها بصعوبة فلا ترى سوى دعائم الجسر التي سرعان ما يرتطم وجهها بها ، لم تعد ترى شيئا ، الأصوات اختفت ومعها ذهب الصداع المزمن الى غير رجعة .\n\n• في أحد صباحات لندن الباردة العام 1932 ، تصحو فرجينيا وولف على حلمٍ كئيب ، لايزال يتكرر منذ أسابيع ، سوف يقودها هذا الحلم فيما بعد الى ان تجلس لتكتب السطور الأولى من روايتها \" السيدة دالاواي \" . منذ أشهر وهي حزينة تكافح من أجل السيطرة على عقلها الذاهب بقوة نحو الجنون.\n\n• في أحد مساءات لوس انجيلس عام 1949 تستيقظ السيدة لورا براون ، تشعر باضطراب وإحباط ، يتملّكها إحساس بالملل ، تحاول ان تجد مبرراً لوجودها ، تحاول ان تحضر مفاجأة لزوجها الذي نسي ان اليوم عيد ميلاده ، لكنها وسط كل هذا الاضطراب لا تستطيع التوقف عن قراءة رواية \"السيدة دالاواي\" لفرجينيا وولف.\n\n• في العام 1995 وفي نهار لندني مشمس تستيقظ السيدة كلاريسا فون ، اليوم تخطت الخمسين من عمرها ، عليها ان تعدّ حفلاً لتكريم حبيبها ريتشارد ، الشاعر الذي الذي فاز بجائزة كبرى ، لكنه يعيش محنة الموت البطيء إثر اصابته بالايدز.\n\nلقطات خاطفة للنساء الثلاث حاول من خلالها المؤلف البريطاني مايكل كننجهام في روايته \"الساعات\" الحائزة على جائزة بوليتزر عام 1999 ان يريط حيوات هؤلاء السيدات بخيوط تتقاطع مع رواية فرجينيا وولف \"السيدة دالاواي\" ، فالكل يبحث عن لحظات الوجود الحقيقية ، تلك اللحظات التي يحاول فيها الانسان ان يقبض على لحظة من الزمن الحقيقي ، او يجد مبررا لقبول حياته ، فالحياة لايجب ان تتحول الى مجرد ساعات تنقضي هنا وهناك ، بل لابد ان تتخللها ساعة تحنو فيها الحياة علينا ، وتفتح لنا نافذة أمل وتمنحنا بعضاً من الأشياء التي حلمنا بها . يقول البريطاني كننجهام في جواب على سؤال لماذا السيدة دالاواي : \n\n\" قرأت السيدة دالاواي لأول مرة وأنا طالب ثانوي بالمدرسة. كنت بطريقة ما متكاسلاً عن الدراسة، لم أكن صبياً من النوع الذي يختار كتاباً مثل هذا ليقرأه. قرأته في محاولة يائسة لأثير إعجاب الفتاة التي كانت تقرأه في هذا الوقت. أردت، لأغراض عاطفية تماما، أن أبدو أكثر ثقافة مما أنا عليه.\" ويضيف من أجل هؤلاء الذين لا يألفونها، تتعلق بيوم من حياة كلاريسا دالاواي، سيدة المجتمع التي تبلغ من العمر 52 عاما. تخرج في الرواية لتشتري احتياجاتها، وتقابل حبيباً قديماً لم تعد مهتمة به، تنام القيلولة وتنظم حفلاً. هذه هي الحبكة \" \"ترجمة أمير زكي - جريدة أخبار الأدب المصرية \".\n\nفي \"السيدة دالاواي\" ، تريد فرجينيا وولف ان تقول لنا أن يوماً في حياة أي شخص يحتوي، إذا نظرنا اليه باهتمامٍ كافٍ، الكثير مما نحتاجه لنعرف كل شيء عن الحياة الإنسانية. تبدأ الرواية مع السيدة دالاواي وهي تشتري زهوراً لترسلها إلى رسام صديق لها يعيش حالة انهيار صحي بسبب مرض خطير ، سيقوده في النهاية إلى الانتحار. وقبله حاولت السيدة دالاواي ان تجرب هذا الفعل – فعل الانتحار – بأن ترمي نفسها من النافذة لكنها فشلت بسبب الخوف الذي سيطر عليها ، في حين ينجح صديقها سبتيموس من تجاوز فعل الخوف فيرمي نفسه من النافذة نفسها ليموت. \n\nيكتب هارلود بلوم في مقاله الشهير \"كيف نقرأ فرجينيا وولف\" الى ان هذه الرواية تعد الأهم والأبرز بين النصوص التي كتبتها وولف ، ورغم انها رواية عصيّة على القارئ للّحظة الاولى ، فهي لاتسرد أحداثاً معينة ، لكنها تتعاطى مع الزمن مثلها مثل جيميس جويس وهو يلخص لنا الحياة في يوم واحد في ملحمته الشهيرة \"يوليسيس \".\n\n*********\n\nاتذكر أنني قرأت \"السيدة دولاواي\" في ترجمتها العربية التي قام بها عطا عبد الوهاب في منتصف الثمانينات ، ولا زلت أتذكر كيف أنني شعرت بالملل ، واعترف أنني فشلت منذ الصفحات الاولى في التعرف على دهاليز الرواية ، وفشلت محاولاتي للظهور بأنني قارئ جيد للرواية ، أمام تلك السيدة التي تريد ان تشعرنا ان للساعات في حياتنا أهمية كبيرة علينا ان نعرف جيدا كيف نقتنص لحظات الفهم والمعرفة فيها . كنت قارئاً كسولاً او بتعبير أدق قارئاً عادياً مثلما تصفنا فرجينيا وولف في كتابها الممتع \"القارئ العادي \" - ترجمته الى العربية الدكتورة عقيلة رمضان - هذا القارئ الذي دائما ما يبحث عن الأشياء السهلة التي تقدم له بعضاً من المعلومات الضعيفة والبعيدة عن الدقّة . صادفتني السيدة دالاواي وانا لا املك خبرة في قراءة الرواية الحديثة . قبلها كنت جربت مع \"يوليسيس\" جيميس جويس بترجمة الدكتور طه محمود طه ، وكان قد اهداني إياها صديقي الشاعر الراحل رياض ابراهيم الذي كانت له قدرات عجيبة في الدخول الى مغارة الكتب واقتناء ما هو مثير منها . وقد فشلت فشلاً ذريعاً في حل ألغاز الرواية ، وعرفت فيما بعد أنني لم أكن الوحيد الذي ناله التعب فقد سألت الكثير من الأصدقاء : هل قرأتم رواية (يوليسيس)؟ يضحك البعض منهم وآخرون يقولون ان لم يقرأها سوى القليل ، ، ومررت بالتجربة نفسها وأنا أصارع انفعالات أناتالي ساروت في ترجمة فتحي العشري .واكتشفت بعد سنوات ان ساروت وقبلها فرجينيا وولف وقبلهما الاستاذ جيميس جويس ، تخلوا بإرادتهم عن السرد التقليدي وألغوا الشخصية والعقدة والرأي والتسلسل الزمني مثلما تعودنا عليه في روايات القرن التاسع عشر ، واعتمدوا بديلاً عن ذلك التكرار والملاحظة الدقيقة للأشياء الصغيرة والأحداث اليومية، وسعوا جميعا الى تغييب التسلسل الدرامي للاحداث. هكذا غيّرتني السيدة وولف لأصبح قارئاً يحمل شيئاً من النباهة ، كما يقولون ..العجيب ان فرجينيا وولف كان لها راي اخر في جيميس جويس حيث وصفت روايته بوليسيس بانها \"كتاب أمي، هجين ، كتبله رجل محزن ، اناني ، لجوج ، فظ ، ومثير للغثيان\".\n\n **********\n\nحين ولدت فرجينيا وولف في الخامس من كانون الثاني 1882 ، لعائلة ارستقراطية تعيش في ضواحي لندن ، ظن الجميع انها لن تعيش طويلا فقد كانت ضعيفة البنية ، كادت تموت تحت نظر والديها ، سترافقها الأمراض طيلة حياتها وتلزمها باتخاذ احتياطات طبية صارمة . كان هذا المرض فرصة لأن تنسحب الى عالمها الداخلي وتتفرغ لكتبها وأوراقها ، في التاسعة من عمرها كتبت قصصا قصيرة ، كتمت منذ الصغر حباً محرماً لوالدها ، توفيت والدتها وهي في الثالثة عشرة ، فأصيبت بنوبات من الهيستريا ، كانت تخاف الظلام . توفي والدها بعد عامين آخرين فأصيبت بانهيار عقلي، حاولت الانتحار اكثرمن مرة ، اعتقد المقربون منها ان زواجها يمكن ان يداوي آلام غياب الأب ، تعرفت الى زوجها ليونارد عن طريق اصدقاء مشتركين . عندما طلب الزواج منها استاءت وكتبت اليه رسالة حادة ينقلها لنا ابن اختها \"كوينتين بيل\" في سيرة حياتها التي ترجمها الى العربية عطا عبد الوهاب: \"اشعر بالغضب من طلبك ، تبدو أجنبياً للغاية، وأنا مضطربة الى درجة تثير الخوف. كما قلت لك بقسوة.، لا اشعر بأي انجذاب جسدي نحوك. مع ذلك يغمرني اهتمامك بي\" . ونجدها في نفس اليوميات تعترف انها لم تشعر ابداً بمتعة جسدية مع زوجها ، رغم حبها الشديد له .\n\nحار الأطباء في معرفة نوع مرضها وأسبابه ، وعزاه عالم النفس جاك لاكان في كتابة \"الذهانات\" الى الحساسية المفرطة التي لازمتها طوال حياتها والى الخوف من الجنس بعد ان تعرضت للتحرش الجنسي وهي في سنّ السادسة . تقول في رسالة الى شقيقتها : .\"كم أعاني. لا أحد يعرف كم أعاني\". في يومياتها تكتب :\"لو استطيع مصادقة النساء، يا لها من متعة أن تكون العلاقة سرّية وخاصة مقارنة بتلك التي مع الرجال\". فضّلت النساء لكنها لم تمارس الجنس مع واحدة ابدا .\n\nأهدت روايتها \"اورلندو\" - صدرت عن دار المدى بترجمة توفيق الاسدي - الى احدى صديقاتها التي جعلتها شخصية متحولة تبدأ حياتها فتىً ، وتنتهي امرأة . أسرت بكتابتها جيلاً من الكتّاب الذين اعتبروها \"منارة الرواية الحديثة \" ، تناولت في\"الأمواج\" ست شخصيات تروي حياتها من الطفولة الى الشيخوخة.، يخبرنا ابن شقيقتها ، بأن كل رواية كتبتها كانت تثير عندها صداعاً مزمناً وتهيجاً عصبياً وفقداناً للشهية حتى عدّها الاطباء مجنونة ، لكنها تغلبت على حالات الكآبة ومضت تعالج نفسها بالانصراف الى الكتابة ، ويضيف كوينتين بيل: أن لحظات الاكتئاب كانت تعقبها لحظات الإبداع، وان بوسع فرجينيا ان تنتفع من أمراضها \" .\n\nكتبت ثلاث رسائل وداع ، قالت في واحدة منهن :\"إنني أجنُّ ثانية، وأشعر أنني لا أستطيع مواجهة وقتٍ صعب آخر. لن أشفى هذه المرة. بدأت أسمع اصواتاً ولا استطيع التركيز، لذا سأقوم بما يبدو افضل ما يمكن فعله... لا استطيع إفساد حيوات القريبين مني اكثر مما فعلت\". رأى زوجها الرسائل الثلاث وركض الى النهر. كان الحذاء الذي ارتدته يعوم ، تمنت بطلة رواية \" اورلندو \" الا يجدوا جثتها، لكن جثة كاتبة بريطانيا الشهيرة وجدها الاطفال تطفو قرب الجسر ، دُفنت في حديقة منزلها ومثلما طلبت في وصيتها بالعبارة الاخيرة من روايتها الأمواج : \"عليك ألقي نفسي بلا هزيمة أو استسلام يا موت\".\n\n*********\n\n كان إدورد آلبي قد توّج نفسه واحداً من كتّاب المسرح الاميركي الحديث ، لكن مسرحيته الاخيرة \"من يخاف فرجينيا وولف\" جعلت منه على قمة المسرحيين المعاصرين ، كان آلبي قد بدأ الكتابة بنصوص قصيرة مثل: الحلم الاميركي ومسرحية العبث المتميزة قصة حديقة الحيوان ، التي عالج فيها مسألة الفرد الأميركي ، وحاول في اكثر من عمل مسرحي فضح ممارسات الرأسمالية ، لكنه في \"من يخاف فرجينيا وولف\" وجّه سهام نقده هذه المرة الى النخبة الاميركية المثقفة ، ولأنه مغرم بفرجينيا وولف فقد استحضر شخصية شبيهة لها تعيش مع زوجها حياة مبينة على الكذب والرغبة في تدمير الذات الذي يؤدي في النهاية الى تحويل الصراع الصامت والحميم بين الزوجين إلى لعبة استعراضية يصل العنف فيها إلى أقصاه، مثلما وصلت حياة فرجينيا وولف الى اقصاها بعد ان تيقّنت ان لامفر من دخول النهر بجيوب مثقلة بالحجارة .",{"id":70,"text":71,"authorName":23},52940,"فـي صحبة الكتب..لم يستطع إغواء النساء بمزاياه الجسدية فقرّر إغواءهنّ بالكلمات (8)\n\nالزمان : العام 1906\n\nالمكان : باريس شارع لوغوف\n\nالطفل الذي رحل والده قبل عام ، كان موته”أكبر ضربة حظ. لم يكن عليّ أن أنساه”. هكذا يخبرنا في كتابه الكلمات ، والذي فيه ايضا لاينسى ان يسخر من فرويد ومقولته الشهيرة من ان الطفولة تقرر مصير الفرد ، فقد كان طفلا خجولاً ، وكانت امه تُصر على ان تلبسه ثياب البنات ، لكنه تعلق بجده : ” انه صاحب التأثير الاكبر على نشأتي”.\n\nفي واحد من اجمل كتبه ” الكلمات ” يكتب سارتر تعريفا لطفولته :” كنت ذلك الوحش الذي يصنعه الكبار وهم آسفون كل الأسف ” . في هذا الكتاب الذي اسماه سيرة ذاتية يقسم سارتر حياته مثل فصول الكتاب الى قسمين أساسيين، الاول بعنوان ” القراءة ” والثاني ” الكتابة” ويفسر لنا في الصفحات الاولى من السيرة كيف انه في طفولته وجد نفسه محاطاً بالكتب، يقرأها وقد لا يفهمها،: ” بدأتُ حياتي، كما سأنهيها على الأرجح: وسط الكتب، ففي مكتب جدي، كان ثمة كتب في كل زاوية ومكان. وكان من الممنوع على أي كان ان يدنو من المكتب ، في ذلك الحين لم أكن بعد، قد تعلمت القراءة، لكنني تعلمت تبجيل الكتب. كنت أراها مثل الحجارة المصقولة المرصوصة، سواء صُفّت جالسة او منحنية. مكدسة الى بعضها البعض فوق رفوف المكتبة، أو موضوعة بكل نبل بعيدة من بعضها البعض. كان يخالجني شعور غامر بأن ازدهار عائلتنا معلق بها».\n\nعاش مراهقة مؤلمة بسبب سخرية الفتيات من قبحه :” في مراهقتي كنت أعاني بسبب قبحي وهذا ما جعلني أتألم ، كان عليّ ان احرر نفسي تماما ، لان ذلك ضعف ينبغي على اي شخص يعرف قوته ” ويخبر ميرلوبونتي ذات يوم : ” لم استطع اغواء النساء بمزاياي الجسدية ، لكني اغويتهن بالكلمات ”\n\nبعد سنوات ستقول عنه سيمون دي بوفوار : ” انه اكبر انجاز في حياتي ” كان اصغر من تقدم لنيل شهادة الفلسفة ، وحين حاصره الاساتذة بالاسئلة سخر منهم وهو يتطلع من النافذة: ” استطيع ان اجادل نيتشه واعلمه كيف يمكن للانسان ان يكون حرا باختياره ” تتحققت نبوئته ويصبح اشهر فلاسفة القرن العشرين ، لم تجتمع لمفكر غيره الشهرة وقوة التأثير والتنوع في الكتابة .. اصبحت الوجودية معلماً من معالم العصر الحديث ، تسربت من الكتب لتدخل الى المقاهي وشاشات السينما والنوادي الليلية ، وتفشت فلسفته حتى اعتقد اصحاب ماركس ان الرجل سيسحب البساط من صاحب رأس المال ، مما دفع روجيه غارودي لان يكتب بعد صدور مؤلف سارتر الضخم ” نقد المنطق الديالكتيكي”: “يبدو هذا الكتاب اشبه بالتحدي لموقف الماركسية من الفلسفات الاخرى ” وبرغم العديد من الكتب التي صنفت سارتر باعتباره فيلسوف الوجودية ، إلا ان الرجل وهو الذي كتب أصعب كتاباً في الفلسفة ” الوجود والعدم ” يرفض ان يكون فيلسوفا ، فقد ظل الى اللحظة الاخيرة من حياته يعتبر نفسه مفكرا ويعتبر الوجودية فكرة كما اخبرنا في اخر كتبه ” نقد المنطق الديالكتيكي ” عن الماركسية التي توقفت والتي سيعاد احياؤها من خلال الوجودية .. وكان سارتر قد أصدر من قبل في سلسلة كتبه ” مواقف ” كتابا بعنوان المادية والثورة – سلسلة مواقف قدمتها دار الاداب مترجمة الى العربية بسبعة اجزاء وهذا الجزء كان من ترجمة واحدا من ابرز اساتذة الفلسفة في الوطن العربي عبد الفتاح الديدي –تحدث فيه عن الخطر الذي اصاب الماركسية والذي اسماه الكسل الفكري وهو يعترض على المقولة التي يؤكد اصحابها ان الماركسية قد اكتملت ولم يعد هناك من جديد يكتشف ، حيث يرى ان الفكر هو حالة متحركة لاتقبل السكون ، وانها الماركسية حين تتعرض للتثبيت فانها تصبح جامدة .. ويرى سارتر في الاحزاب الشيوعية انها انكرت الماركسية لأن الماركسية منذ نشاتها لم تتقولب او تتجمد ، لكنها نجحت في تفسير الظواهر الانسانية والاجتماعية والتاريخ ، فاذا بالماركسيين حسب قوله يحاولون انكار كل تقدم ويتساءل سارتر ما معنى هذا الجمود الفكري ؟ ليصل الى نتيجة يقول فيها : ” ان الماركسيين اكتشفوا صبيحة عام 1956 انهم لم يكونوا ماركسيين قط بل كانوا ستالينيين فقط ، ونراه يشن هجوما كبيرا على افكار ستالين التي قال انها تلاعبت بفكر نبيل مثل الفكر الماركسي ، فيصدر كتابه الشهير شبح ستالين .. وفي هذا الكتاب يحاول ان ينازع الماركسيين على تراث ماركس ، فهو يؤمن بان الوجودية ظهرت واستمرت لان الماركسيين جمدوا الماركسية ، والغريب ان سارتر في حوار اجراه معه موريس كرانستون -ترجمه الى العربية احدى دعاة الفلسفة الوجودية في العالم العربي مجاهد عبد المنعم مجاهد – يقول لمحاوره انه سنة 1925 أخذ في قراءة كتاب رأس المال لماركس انذاك ولم يفهم منه شيئا، فكرر المحاولة بعد عام لأن الذي كان يعنيه ليست قراءة ماركس وانما فهمه ” .\n\nفي مسرحيته جلسة سرية يقول سارتر على لسان غارسيان :” لقد تركت حياتي في ايديهم ” .. لم يترك سارتر حياته في ايدي قراء الفلسفة ومحبي الادب فقط ، لكنه ترك لهم عالما رحبا من الكلمات والافكار والمعارك السياسية والاهم النضال في سبيل الفكرة ، اليس هو القائل: “كل فكرة صحيحة هي انتصار ”\n\n************\n\nكانت في الثالثة عشرة من عمرها حين اعتقدت انها وقعت في الحب ، الحبيب ابن عمها جاك الذي كان له الفضل الاول في دخولها عالم الادب ، وطوال ثلاثة اعوام اصبح جاك الرجل الاول في حياتها ، وتكتب في مذكرات فتاة رصينة انها وضعت مخططا لحياتها المستقبلية ، ستتزوج من جاك وتحصل على شهادة الاستاذية : ” كنت اتحدث بغموض عن الحب ، فانا اعرف الثمن ، انا عقلانية جدا، ومتطلبة جدا ، وكان جاك بالنسبة لي مطلبا شخصيا “. لكنها تكتشف بعد ثلاث اعوام من قصة الحب الخيالية ان ابن عمها سيتزوج من بامرأة أخرى. :” عندها فقط ايقنت انه ليس بامكان اي شخص ان يكون مسؤولا عني على نحو كامل ، لا أحد يعرفني او يحبني تماما ، ليس لدي سوى نفسي فقط ”\n\nفي هذه الأثناء وفي منتصف عام 1928 يظهر سارتر في حياتها ، كانت تجلس في المكتبة الوطنية تقلب صفحات كتاب عن هيدجر ، فلمحته يدخل راقبته وهو يخلع معطفه ويجلس ليعمل بصمت ، ولما حان وقت الغذاء رأته ينهض تاركا كتبه وراءه وكعادتها تناولت دوبوفوار سندويجا في مقهى المكتبة ، رماها سارتر بابتسامة غامضة ، وافسح لها مكانا لتجلس بجانبه كانما خطط لهذا اللقاء الذي سيستمر حتى نهاية العمر .. تحدثا عن هيدجر وكانت . بعد ايام قليلة استحوذ سارتر عليها واحكم السيطرة على تفكيرها تكتب لصديقتها الحميمة زازا :” أعرف هذا الشاب منذ ثلاثة عشر يوماً وقد جال في غياهبي، وصار يتكهّن بأفعالي فإمتلكني. يحتاج ذهني إلى حضوره وينتابني الانفعال أمام تعاطفه. الشك والاضطراب والنشوة. أريد أن يرغمني على أن أصير شخصاً حقيقياً ويعتريني الخوف”.\n\n************\n\nفي ذلك الوقت كان سارتر اقرب ما يكون فوضويا منه ان يكون ثوريا ، فكان يرى المجتمع مقرفا ، في مقهى المكتبة عرضت دو بوفوار نظرتها الى الحياة ، والتي سمتها بالتعددية ، ضحك الفيلسوف الشاب وهو يستمع الى الفتاة ” الساذجة ” تحاول استعراض قراءتها ، لم تمض ساعات حتى اعترفت بهزيمتها امامه ، فقد اكتشفت ان معظم حججها وافكارها كانت مضطربة :” لاحظت انني لم اعد متأكدة مما افكر فيه بل وحتى من انني افكر ”\n\nخلال اسبوعين كان سارتر وبوفوار نادرا ما يفترقان ، في ذلك الحين كان سارتر يزودها بالكتب التي تقرأها ، وقد كتبت بوفوار في يومياتها :” ما اضيق عالمي الصغير اذا ما قيس بعالم سارتر الغني ”\n\nأتت بوفوار من عالم كانت المرأة فيه مقيدة ، وكانت النساء والرجال يقطنون عالمين منفصلين بحدة ، كان ينتظر من المرأة ان تذهب كل يوم أحد الى الكنيسة ، لم يكن بمقدورها الجلوس بمفردها في مقهى ، كان ثمة أوقات وصفت فيها بوفوار تمردها على تقاليد عائلتها بانه معجزة ، وقد أدركت ان الحب والحرية بالنسبة للنساء لا تنال إلا بثمن .\n\nفي تموز من عام 1929 ظهرت نتائج الجامعة لقد تنافس واحد وعشرين طالبا في الامتحانات النهائية ، نجح منهم ثلاثة عشر كانت المرتبة الاولى من نصيب الطالب جان بول سارتر ، تلته سيمون دي بوفوار وكان ذلك امرا استثنائيا فهذه المرة الاولى التي تحصل فيها فتاة على أعلى درجات الفلسفة . كانت في الحادية والعشرين من عمرها وبهذا تكون اصغر طالبة تنجح في الامتحانات النهائية في تاريخ الجامعة الفرنسية ، فقد انهت دراسة منهاج الفلسفة في ثلاث سنوات فقط ، اما سارتر فقد تطلب منه ذلك سبع سنوات ، وقد تجادل اعضاء لجنة الامتحانات طويلا حول منح الجائزة الاولى، لسارتر ام بوفوار ، لكنهم في النهاية قرروا منحها لسارتر\n\nفي عام 1930 تكتب في دفتر يومياتها ملاحظات تبدو من خلالها انها تعاني اضطراب عاطفي : “لا استطيع أن اتصالح مع الحياة ان لم يكن هناك هدف في حياتي ، يتحدث معي سارتر كما لو انه يتحدث الى فتاة صغيرة ..لقد فقدت كبريائي وذلك يعني أني فقدت كل شيء”.\n\nفي البداية كانت اشبه بالمسحورة لم تصدق انها وقعت في حب الرجل المتفوق ، الذي يعد الالمع بين اصدقائه ولم تكن تميل الى التذمر من سلوكه الغريب وقذارة ملابسه ، فمنذ بداية علاقتهما بذلت جهدا كبيرا لترى الامور من منظور سارتر، وذلك بسبب شعورها بانها تدين له بكل شيء وايضا بسبب انها كانت على قناعة بانها تحبه اكثر مما يحبها . كل شيء تآمر لجعلها تسقط في فخ مفهومه للعشق ، ونجدها بعد عشرين عاما تخصص في كتابها ” الجنس الاخر ” فصلا يدور حول المرأة التي ترى ان الحب هو الخلاص :” تحاول المرأة العاشقة ان ترى بعينيه ، تقرأ الكتب التي يقرأها ، تفضل الصور والموسيقى التي يفضلها ، تهتم فقط بالمناظر التي تراها معه ، بالافكار التي تنبثق منه ، تتبنى صداقاته وعداواته ووجهات نظره ، وحين تسأل نفسها تحاول ان تسمع اجاباته .. سعادة المرأة العاشقة القصوى هي ان ينظر اليها عشيقها كجزء منه ، وحين يقول ” نحن ” فهذا يعني انها متحدة ومتماهية معه ، تشاركه منزلته وتسود معه على سائر الناس ، ولا تتعب ابداً من أن تكرر الى حد الافراط هذه الـ نحن المبهجة ”\n\n************\n\nولدت سيمون دو بوفوار لعائلة غنية جدا ، الاب عاشق للمسرح والادب والتحف الثمينة، والام تنتسب الى طبقة النبلاء وتصر على تربية بناتها بطريقة محافظة جدا وتخبرنا في روايتها ” مذكرات فتاة رصينة ” انها دائما ما كانت تحاول ان تختلق المشاكل لكي تتمرد على سلطة أمها ، وتبحث بينها وبين نفسها عن طريقة للفرار بعيدا عن البيت العائلي. وأمام من يعرفونها، أو لا يعرفونها كانت تجاهر بعدائها لكل ما يتصل بالالتزام نحو العائلة :” في العشرين كنت اعتقد انني يجب ان اعيش خارج المجتمع ، وكنت يسارية لفظا ويمينة فعلا ، ” .\n\nخلال سنواتهما الاولى ، لم يهتم سارتر ورفيقته الصغيرة بالأحداث السياسية الكبيرة التي هزت العالم في ذلك الوقت مثل صعود النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، والحرب الأهلية التي اندلعت في إسبانيا ، فقد كانت الفلسفة كل ما يشغلهما. وكان طموح كل واحد منهما كتابة أعمال تخرج عن المألوف، وتنسف ما متعارف عليه من افكار . وكان سارتر قد أصدر في ذلك الوقت عملين جلبا له اهتمام النقاد والقراء هما رواية “الغثيان”، والمجموعة القصصية “الجدار”. أما سيمون دو بوفوار فلم تكن قد أصدرت أي شيء. ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية ، طلب سارتر الى التجنيد ليرسل إلى الجبهة. أما زميلته فقد واصلت تدريس الفلسفة في المعاهد الثانويّة، مهتمة، وشهدت فترة الأربعينيات من القرن المنصرم ذروة إنتاج دو بوفوار الأدبي والفلسفي، بدءاً من أولى رواياتها مذكرات فتاة رصينة واكتمالاً مع صدور كتابها المهم ” الجنس الاخر عام 1941 ، وقد أثار الكتاب في حينه ضجة كبرى في فرنسا وخارجها وانتقده الكثير من الأدباء ومنهم احد أصدقائها الحميمين “ميرلو بونتي” الذي كتب في هجائه يقول : ” كتاب يتسم بعدم اللياقة وبمخالفة الآداب العامة وبالوقاحة الصريحة”، واعتبره الحزب الشيوعي الفرنسي بأنه “إهانة للمرأة العاملة” فيما حرمته الكنيسة في روما، لكن سيمون دو بوفوار صمدت أمام جميع هذه الانتقادات لأنها صممت على خلق وعي ثقافي جديد في قضية المرأة اذ عرضت أوضاع المرأة من النواحي التاريخية والاجتماعية والنفسية والثقافية في القرن العشرين. حيث كانت المرأة تعاني اضطهاد الرجل الذي يتحول بفضل سطوته العاطفية عليها من إنسان بسيط الى رمز يشبه الآلهة.\n\nوتتساءل بوفوار إذا كان تاريخ النساء من صنع الرجال، فهل يعني ذلك أن المرأة هي التي سمحت للرجل بأن يعتبرها جنساً آخر؟ أم ان المجتمع هو الذي حكم عليها لتكون جنسا آخر؟ تابعة خاضعة للرجل؟ وهل اختارت أن تكون في قفص عوضا عن أن تكون طائرا طليقا؟ وتضيف : “إن المجتمع هو الذي ساهم في خلق الصورة النمطية للمرأة لتكون أنثى، خاضعة للرجل، صنعها المجتمع لتكون جنسا آخر، ألغى شخصيتها وطمس إنسانيتها، واعتبرها أنثى بالمفهوم المطلق جسدا كمتاع، حسب أهوائه، لا يمكن للإنسان العاقل أن يختار العيش في قفص، إلا إذا حكمت عليه ظروف الحياة أن يعيش مقيدا بالأغلال ”\n\nعندما توفيت سيمون دي بوفوار عام 86 قالت الفيلسوفة اليزابيث بادنتر: “يا نساء العالم، انتن مدينات بكل شيء لسيمون”، فبهذه الكلمة ودعت المرأة التي حرضت النساء على المطالبة بكل حقوقها لأنها “عالم آخر”وترفض ان تكون جزءاً تابعاً لعالم الرجل.\n\nفي دفتر يومياتها تكتب دي بوفوار :” لقد اصبح سارتر كل عالمي ، وبفضله اصبحت اكثر فتنة حتى اني نسيت نفسي”.",{"id":73,"text":74,"authorName":23},52947,"فـي صحبة الكتب..حكاية الطبيب الذي تحول الى حارس للأحلام (23)\n\nتبدأ حكايتنا في منتصف سنة 1856 ، وفي مدينة صغيرة تسمى فرايبرج ، كانت تابعة للإمبراطورية النمساوية، وهي الآن جزء من جمهورية التشيك حيث ولد طفل لأب كان يعمل في تجارة الصوف ، صارم الطباع متسلط في البيت ، كانت أمه تريد ان تسميه جوزيف على اسم والدها ، لكن الأب أصر على ان يسميه سيجموند ، ليحمل الاسم الثلاثي سيجموند شلومو فرويد . ولد هذا الطفل الذي سيعنى بآلام النفس ومشاغلها وهمومها في أسرة تعج بالمتناقضات ، الام فتاة صغيرة حسناء لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها ، فيما تجاوز الأب ،الذي كان يعاني من العصاب، الخمسين من عمره ، وهو يثير مشاعر الكره عند الطفل الصغير ، الذي يشعر بالمنافسة بينه وبين أبيه على عطف أمه ورقّتها . في العام الثالث من عمره ولدت شقيقته الصغيرة ، فعرف لأول مرة معنى الغيرة ، ولهذا يخبرنا في كتابه \"حياتي والتحليل النفسي\" أن أسعد وأجمل سنيّ حياته هي تلك الثلاث سنوات الأولى من عمره .ونراه في كتابه المثير \"مدخل الى التحليل النفسي\" يؤكد على ان الأساس التكويني للحياة النفسية عند الإنسان يتم في السنوات الثلاث الأولى من العمر . وقد ظل فرويد يسترجع تلك السنوات وأحلامها فيما بعد لتكون من أهم العناصر التي بنى عليها نظريته في علم النفس ، وأيضا لتكون مدخلاً لكتابة الكبير \"تفسير الاحلام\" الذي يعد الى جانب \"رأس المال\" لكارل ماركس و\"النظرية النسبية\" لآينشتاين ، أهم ثلاثة كتب غيرت مجرى التاريخ البشري .\n\nعندما بلغ الرابعة من عمرة أصيبت تجارة والده بالكساد ، وانتهى الأمر بالعائلة المكونة من الأب وزوجتين وتسعة أولاد وعدد من الأحفاد ان تنتقل الى فيينا، وهناك يلتحق الطفل فرويد بالمدرسة الابتدائية التي يثبت بها تفوقاً ، حيث ظل الأول على مدرسته لمدة سبعة أعوام ، وظهر تفوقه الخارق في حفظ اللغات، فلم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره إلا وكان يتقن الانكليزية واللاتينية والفرنسية بطلاقة . وبعد سنتيين نراه ينكب على دراسة الإيطالية والإسبانية ، لكن أكثر ما أثار اهتمامه وهو في سن الخامسة عشرة هو الفلسفة . كان يحلم بأن يصبح مثل الفيلسوف الألماني هيغل، ونراه وهو في السادسة عشرة من عمره يكتب كراساً صغيراً يسجل فيه إعجابه الشديد بصاحب كتاب \"أصول فلسفة الحق\"، حيث نقرأ في الكراس الصغير الذي ترجم الى العربية من قبل مصطفى صفوان أن عبارة هيغل التي جاءت في مجلده الضخم عن الأخلاق : \"إن ميولنا وانفعالاتنا الطاغية التي هي في نظر الأخلاق أصل الشر، لا ينبغي محاربتها واقتلاعها في النهاية، بل يجب ترويضها وجعلها تجري في قنوات الأخلاق الاجتماعية وما فيها من نظم وعادات\" . هذه العبارة ترافق فرويد سنوات طوال وهو يدرس السلوك البشري . عندما بلغ السابعة عشرة من عمره دخل جامعة فيينا لدراسة الطب، وبعد ثماني سنوات تجبره الأحوال المادية المتردية لعائلته على ترك الأبحاث للعمل في أحد مستشفيات فيينا طبيباً مبتدئاً ، ونراه يكتب في كتابه \"حياتي والتحليل النفسي\" ان تلك السنوات التي قضاها في المستشفى مكنته من التفرغ لكتابة المقالات عن طبيعة المخ ، الأمر الذي دفع أستاذه أدينجر ان يطلب منه التفرغ نهائياً لدراسة المخ ويعده بأن يجد له مكاناً في معهد التشريح ، لكنه يرفض العرض، فقد كان في قراره نفسه يشعر ان هذا الأستاذ يريد ان يستغل نبوغه وأنه لايحمل له مودة خالصة . لكنه في المقابل يلتقي بأستاذ آخر سيكون له تأثير كبير على مساره العلمي هو \"آرنست بروكة\" الذي يشير إليه في أحد أحلامه بأنه الشيخ \"بروكة\" او \"بروكة العجوز\"، فقد كان ذلك الرجل فناناً في مغامراته وبحوثه العلمية .\n\nفي معمل بروكة يقضي فرويد ست سنوات يعمل ليل نهار ، وقد بهرته الأبحاث الفسيلوجية الطريفة التي كان يجريها بروكة الذي طلب منه ان يتخصص في دراسة المخ والأعصاب . وأدى ذلك الى تضحية من العائلة الفقيرة التي تركت له حرية الاختيار ، فاختار ان يتفرع لبحوثه التي لم تكن تؤدي الى أية فوائد مادية ، لاسيما في نظر عائلة كانت تعيش أوضاعاً مالية صعبة . وقد سهلت له أبحاثة التي نشرت في المجلة الطبية الحصول على منحة دراسية في فرنسا ليدرس الأمراض العصبية .\n\nوفي سبيل تلك الدراسة نجد فرويد يؤجل زواجه خمسة أعوام ، ويؤكد لخطيبته وهو يعانقها انه سيعود الى فيينا بعد ان يحقق حلمه ، كان قد حزم ملابسه وأخذ معه كرسيه الخشبي \"بدون ظهر\"، وابتاع أرخص تذكرة قطار الى باريس ليبدأ رحلة الألف ميل الى التحليل النفسي . كانت شخصية فرويد قد تشكلت ، وتعلّم ان بالبحث والمثابرة يمكن إدراك ما يبدو مستحيلاً . كان يخفي مشاعره خلف قناع من الذكاء البارد والفطنة ، وقد كتب لخطيبته مارتا برنايس يقول :\"علينا الاهتمام بالأشياء وليس بالأشخاص\"، الأمر الذي يظهر كيف تغلب فرويد على الحرمان العاطفي والعجز المالي ، لكنه وجد في باريس ومعاهدها وجبة دسمة علمياً وثقافياً.\n\n\"يكتب في رسالة الى احد الاصدقاء :\" كان عقلي مركزاً في دراستي ، وقد قسمت وقتي بين المناهج والجزء العملي في المختبر والدراسة في المكتبة ، وكنت اعمل في المختبر في الأمسيات حتى وقت متأخر من الليل ، وكان كل ما أراه أو أتعلمه يمثل شيئاً ساراً ومبهجاً بالنسبة لي ، كان ذلك بمثابة عالم جديد انفتح أمامي ،عالم العلوم الذي سمح لي بالدخول إليه بكل حرية \".\n\n************\n\nالعام 1900 يفاجئ سيجموند فرويد العالم بكتاب مثير ومدهش ، حيث تصدر الطبعة الأولى من كتابه الضخم \"تفسير الأحلام\" ، وكان قبلها قد أصدر كتيباً صغيراً أسماه \"الحلم وتأويله\" لم يثر الاهتمام، حتى انه قال لزوجته \"يبدو ان البعض لايزال يعتقد ان الكتابة عن الأحلام أشبه بالكتابة عن الخرافات .\"\n\nالا ان كتاب الأحلام ايضاً يستقبل عند صدوره استقبالاً سيئاً من معاصريه ، وها هو أستاذه ليبمان يكتب عنه قائلا :\"لقد انتصرت في هذا الكتاب الأفكار الخيالية للفنان على البحث العلمي\" ، فيرد على أستاذه محاولاً ان يقدم تفسيراً علمياً لنظريته فيلخصها بالقول :\"جميعنا يرى البيوت بواجهاتها الخارجية المختلفة ، انها تشبة الكائنات البشرية ، ومحاولة الغوص في أعماق أحلامها هي التي تمكننا من معرفة أسرار هذه النفس ، كما يخترق المرء البنايات لاكتشاف دواخلها\" .\n\nفي فصل مهم من كتابه \"الأحلام بين العلم والعقيدة\" ينبهنا عالم الاجتماع علي الوردي الى عظمة فرويد فيكتب :\"ما يجب ان نعترف به قبل كل شيء هو ان فرويد باحث مبدع ، وله في العلم مكانة لايستهان بها ، ويمكن تشبيه فرويد بكولومبس الذي اكتشف القارة الأميركية ، وحين نرجع اليوم الى إنجازاته نراه من اولئك المبدعين العظام الذين انتجوا الأفكار الجديدة فقام عليها الرقعاء يتهمونه بالرقاعة .\n\nفي مقدمة كتابه \"الأحلام\" يكتب فرويد :\"ان هدفي الأول ان أثبت بصورة قاطعة ان تفسير أحلامنا على ضوء المنهج كفيل ان يدلنا على الصلة بين موضوع أحلامنا وما تضطرب به نفوسنا من الشواغل ، حتى اذا تم الوصول الى هذه الغاية بينت للقارئ كيف ان ما يتراءى لنا في الأحلام لابد ان يتلوى مبناه وتغمض معالمه من النشاط النفسي ذاته\" .ونراه عام 1931 يسجل رأيه في كتابه \"الأحلام\" فيقول عنه :\"انه حتى فيما أرى اليوم يحوي أثمن الكشوف التي شاء حسن الطالع ان تكون من نصيبي ، فمثل هذا الحدس لايأتي العمر مرتين \" .\n\nولعل الاهتمام بالأحلام قديم قِدم الاهتمام بعلم النفس ،ونجد في كتاب ارسطو الشهير \"رسالة في النفس\" تفسيراً للأحلام بأنها ليست رسائل ترد علينا من الآلهة وانها لاتكشف لنا شيئاً من المصادر الخارقة للطبيعة . ويقر أرسطو ان الأحلام هي لون من النشاط الإنساني النفسي يصدر عن النائم بحسب الظروف التي يكون عليها نومه ، وقد لاقت نظرية ارسطو ترحيباً من الفلاسفة في العصر الحديث ، واطلق الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون عليها اسم \"الحافز الحسي\" حين ألقى عام 1901 محاضرة في موضوع الأحلام قال فيها : ان الحواس لاتتعطل عن أداء وظيفتها اثناء النوم ، وكل اثر يقع عليها يؤدي بالنائم الى رؤية حلم مستمد منه ، فاذا كانت قدماه مثلا غير مستقرتين على نقطة ارتكاز ، رأى كأنه طائر في الفضاء ، واذا أضيئت أمام عينيه شمعة تحول الضوء في حلمه الى حريق ، واذا انطلقت حوله أصوات شجار ، حلم كأنه يرى ثورة ومظاهرات وصداماً مع الآخرين\".\n\nوبرغسون يقول إننا في الحقيقة لاننام ، وإن حواسنا ايضا لاتنام وانما هي تنعس فقط وتسترخي، بمعنى اننا نظل نحس ونظل نرى ونظل نسمع في اثناء النوم ، وبذهب اكثر من هذا ، حيث يؤكد انه حتى في اليقظة تستطيع الذاكرة ان تشكل رؤية وهمية تشبه ما يحدث في الأحلام . ما الفرق إذن بين الحلم واليقظة ؟ يجيبنا برغسون في كتابة \"الطاقة الروحية\" بالقول ان \"الفرق هو في درجة اليقين ، ودرجة الدقة ودرجة الصدق ودرجة التطابق بين واقع الإحساس وواقع التذكر\".\n\nويضرب لنا مثلاً بحلم من أحلامه فيقول :\n\n- كنت احلم أني أخطب في جمهور ، ثم بدأت اسمع همهمة في القاعة وبدأت الهمهمة ترتفع وترتفع حتى أصبحت صخباً مدوياً ، ثم ضجيجاً مرعباً ، ثم بدأت أميز بينها صيحات واضحة تتردد بايقاع منتظم : أخرج بره أخرج بره.\n\n- وتيقظت مرعوباً لأجد ان الكلب يعوي في الحديقة ، وعواؤه يتردد بإيقاع منتظم ينطبق على الفقرات التي كنت أسمعها \"أخرج بره اخرج بره\" . لم يقل لنا ما السر في الضجة التي تتهافت عليه في الحلم ، وهذا عيب اخبرنا فرويد بعد سنوات انه حاول الاجابة عنه في كتاب \"تفسير الأحلام\".\n\n************\n\nما هي إذن نظرية فرويد التي اراد ان يشرحها في كتاب تفسير الاحلام ؟ \n\nانها دراسة في الرغبات المدفونة في النفس منذ أيام الطفولة ، ومحاولة لتلبية الرغبات التي حرمنا منها بحكم الأخلاق والدين وتقاليد المجتمع وتحقيق لما لايمكننا تحقيقه في الواقع وما لايليق ان نفكر فيه في يقظتنا ونحن بكامل وعينا . بل أن الأحلام بمجموعها هي تحقيق لرغبات عليا ، فبدلا من ان نتيقظ لأننا نشعر بالعطش ، نحلم بأننا نشرب ونشرب من الماء ، الحلم اذن هو قضاء رغبة ، وهي ليست اية رغبة، انها رغبات الطفولة ، وغالباً ما تكون رغبات جنسية مخجلة .\n\nونظرية فرويد في الأحلام هي نفسها نظريته في الهيستريا والأمراض العصبية ، فالأعراض العصبية التي تصيب الإنسان ما هي إلامحاولة للتنفيس عن رغبة مكبوتة ، فالرجل الذي يكبت إحساساً بالذنب قد يصاب بوسواس النظافة ، وقد يعمد الى غسل يديه مرة بعد اخرى ، والعقل الباطن ،كما يتصوره فرويد، لاينتظر الى منتصف الليل لكي ينشط في الأحلام ، انه يعمل ايضا في اليقظة ، وكل زلة لسان تقع فيها انما تكشف عن رغبة باطنة تحاول إخفاءها . هذا هو رأي فرويد . \n\nوسواء قبلنا نظريات فرويد هذه أو لم تقبلها، فقد كان لها تأثير منقطع النظير على الفكر الحديث ، لقد صاغ فرويد افكاراً ومصطلحات في محيط المناطق المجهولة من العقل، صارت جزءاً من حياتنا اليومية، واليوم نحس بآثار تعاليمه كل مجال من المعارف من الأدب والفن والدين وعلم الأجناس البشرية الى التعليم والقانون وعلم الاجتماع وعلم الإجرام والتاريخ . \n\nوبسبب فرويد، تختلف فكرة الناس اليوم عن انفسهم، يعتقدون ان افكار فرويد مثل تأثير والأساس الجنسي لاضطراب وظائف الأعصاب،ووجود الغريزة الجنسية لدى الأطفال وأهميتها، ووظيفة الأحلام، وعقدة أوديب، والكبت والمقاومة وقراءة الأفكار، يعتقدون ان هذه الأفكار أمور عادية، ثم ان عيوب الإنسان كفلتات اللسان ونسيان الأسماء وعدم القدرة على تذكر الروابط الاجتماعية، تتخذ اهمية جديدة عند النظر اليها من وجهة نظر فرويد. ومن الصعب الآن إدراك مقدار الرفض والاعتراض الذي كان على فرويد ان يواجهه عند نشر نظرياته .\n\nيقرر فرويد في أعظم نظريات التحليل النفسي جدلاً، انه تحت تأثير الشهوة الجنسية، تنمو في الطفل إحساسات جنسية نحو والديه مبتدئاً بأولى اللذات الجنسية المشتقة من التغذية بثدي امه، فتكون لدى الطفل صلة حب لأمه، وعندما تتقدم به السن، ولكن في سن مبكرة تنمو لدى الطفل الذكر انفعالات جنسية قوية نحو أمه، بينما يمقت أباه ويخافه كمنافس له.\n\nاما الطفلة الأنثى فقد تبتعد عن صلتها القريبة بأمها وتقع في حب أبيها وتصير الأم موضع كراهيتها. ومنافسة لها. وبتطبيق هذه النظرية على الطفل الذكر، يطلق عليها اسم \"عقدة أوديب\" التي أخذت اسمها من الشخصية الأسطورية الإغريقية القديمة \"اوديب\" الذي قتل أباه وتزوج امه ، وقال فرويد ان عقدة اوديب موروثة عن أسلافنا البدائيين الذين قتلوا آباءهم في ثورات الغيرة..وعندما يصل الشخص الطبيعي الى طور البلوغ تنمو فيه الدوافع الأوديبية.. أما الأفراد الضعاف فقد لاينجحون إطلاقا في قطع الصلة بالأبوين، وبذا ينقادون الى سلسلة من الاضطرابات النفسية.\n\nكان كتابه \"تفسير الأحلام\" اول محاولة لدراسة عملية جديدة لهذه الظاهرة.. وقد أبدى فرويد ملاحظته بعد نشر ذلك الكتاب بواحد وثلاثين عاماً، \"بأنه يتضمن، حتى بعد حكمي في هذا اليوم الحاضر، اعظم الاكتشافات التي ساعده الحظ في ايجادها، واكثرها قيمة\". وتبعا لفرويد \"يحق لنا ان نؤكد ان الحلم هو الإنجاز المستمر، لرغبة مكتوبه\". يمثل كل حلم دراما في العالم الداخلي \"فالاحلام دائماً نتيجة صراع\". وقال فرويد: \"والحلم هو حارس النوم.. ووظيفته مساعدة النوم، لا ازعاجه فيطلق سراح التوترات الناتجة عن رغبات لايمكن تحقيقها\".\n\nتغدو الطبيعة الثورية لافكار فرويد ، من خلال دخوله مجالاً لم يرتده أحد قبله إطلاقاً، وهو منطقه اللاوعي في العقل البشري.\n\nيكتب اريك فروم في كتابه مهمة فرويد: \"هناك سبب قوي الى الاعتقاد بأنه بعد مئة عام منذ الآن، سيعتبر فرويد في مصاف كوبرنيكوس ونيوتن، كأحد الرجال الذين فتحوا أفقاً جديداً من آفاق الفكر.. فمن المؤكد انه في عصرنا هذا، لم يلق احد ضوءاً على أعماق عقل الانسان.. كما فعل فرويد\".\n\nقضى فرويد آخر ايام حياته في المنفى ، فبعد الاحتلال النازي للنمسا، اضطر الى مغادرة فيينا في عام 1938، فمنحته انكلترا حق اللجوء، ولكن سرطان الفم تسبب في موته في أيلول عام 1939.",{"id":76,"text":77,"authorName":23},52939,"فـي صحبة الكتب..حين يموت العشّاق تحت المطر أو على حافة اليأس (6)\n\nعندما بلغ د.ه. لورنس الأربعين قرر أن يكتب سيرة حياته ، كان يريد أن يكتب عن حالات المسرة والسعادة التي عاشها ، بعدما تجهّم طويلاً في تأمّل مرارات الحياة وعبث الدنيا.. كانت الفكرة أن يسرد جزءا من حكاية عاطفية ، يكمل بها ما ابتدأه في روايته \"أبناء وعشاق\" التي قدم في الجزء الأول منها لمحات من حياته : طفولة أراد لها الأب أن تكون خشنة ، فعامل المنجم الذي بالكاد يعرف القراءة والكتابة أراد لابنه الرابع أن يدرك جيدا أن الحياة تحتاج إلى ساعدين قويين ، فيما الأم التي تنتمي إلى عائلة برجوازية كانت تتمنى أن يصبح أبناؤها رجال دين أو أساتذة في الجامعة .. ولأن الكتابة لم تكن مجدية في نظر الأسرة فقد اضطر لورنس أن يكتب بطريقة سرية ، وذات يوم قرأت أمه فصلا من رواية \"الطاووس الأبيض\" فتعجبت وقالت له : \"ولكن يا ولدي كيف تعرف أن الأمور كانت تسير على هذا النحو ؟ إنك لا تستطيع معرفة ذلك\" . كانت تعتقد أن المرء يجب أن يعرف ما يكتب ، وظلت وصيتها الوحيدة لابنها : \"عليك أن ترتقي في الدنيا خطوة خطوة \".\n\nفي تلك السنوات وفي أحد شوارع أكسفورد ، عاش بريطاني آخر اسمه توماس إدوارد لورنس من مواليد العام 1888 عرف باسم لورنس العرب الذي تحول إلى أسطورة في الغرب والشرق معاً،.. كان لورنس الآخر قد قرر أن يكتب عن تجربته في بلاد العرب منذ أن وَطِئت قدماه أرض بلاد الشام، في العام 1909 ، حيث كان يسعى لدراسة تصاميم القلاع الصليبية، لتقوده تلكما القدمان إلى صنع خرائط جديدة للمنطقة العربية .\n\n************\n\nالجلوس لكتابة تجربة الحياة والتساؤل ، ماذا فعلتَ ؟ أين أنجزتَ، وأين أخفقتَ ، أين صرعَتك الحياة وأين غلَبتها، ؟ كانت هي الهمّ الذي رافق الاثنين .\n\nلم يستطع د.ه . لورنس كتابة سيرة حياته ،فقد أخذته فكرة حاجة الإنسان إلى التحرر، إلى أن يكتب رواية يقول عنها في رسالة إلى الشاعر إليوت : \"للإنسان احتياجات صغيرة واحتياجات أعمق .. لقد وقعنا في خطأ العيش على احتياجاتنا الصغيرة إلى أن أوشكنا أن نفقد احتياجاتنا الأعمق بصورة مجنونة\" . كانت هذه الكلمات هي حاشية رواية \"عشق الليدي تشاترلي\" التي هي آخر ما كتبه الروائي الإنكليزي الشهير ، فيما استمر لورنس الآخر بتسطير تجربته الحياتية في كتاب أسماه \"أعمدة الحكمة السبعة\" . قال عنه تشرشل : لقد احتل هذا الكتاب مركزه، بين الكتب الكلاسيكية الإنكليزية. فالحال أنّ غنى الموضوع، وقوته، وميزة الأسلوب الرفيعة وتلك الشخصية الصوفية التي لا حدود لها، كل ذلك رفع هذا العمل الجبار إلى ما فوق مستوى جميع المؤلفات المعاصرة \".\n\nفيما قال لورنس العرب لكاتب سيرته إدوارد جارنت \"إن كتابي مهزلة لا تستحق أن تقرأ..فإذا أردت أن ترى بعينك كيف تشوَّه الأفكار الجميلة والمادة الرائعة فارجع إلى أية صفحة من صفحات الكتاب, إنني لا أعتقد بأن هناك أي ناشر يرضى حتى بأن يحرق الكتاب فكيف بحق السماء تعتقد بأني قد جئت بعمل ممتاز؟\"\n\nلا أذكر عدد الكتب التي ظهرت عن الضابط الذي عرف باسم \"لورنس العرب\" وجميعها كانت تنحت في أسطورته وفي دوره في \"الثورة العربية\" . وهي الأسطورة التي حاول كولن ولسون في اللامنتمي أن يقدم صورة مغايره لها حيث وجدنا أمامنا لورنس مغايرا ، مجرد إنسان وحيد وقلق يعجز عن إقامة علاقات إنسانية بسيطة مع الآخرين . . في الوقت نفسه جاءت سمعة وشهرة الروائي د.ه.لورنس متأخرة، بسبب قوانين الحظر الأدبي الذي تعرضت له رواياته ، لكن هذا لم يمنع النقد الأدبي الإنكليزي من وضعه في قائمة أهم روائيي بريطانيا ، حتى أن ناقدا بحجم رتشاردز يكتب مشيداً بقدرة لورنس على إخراج الأدب من العصر الفيكتوري التقليدي المتشدد ، فاسحاً المجال لشتى أنواع التعبير خصوصاً الرغبة الذاتية.\n\n************\n\nفي شتاء عام 1910 كتب د.ه .لورنس إلى ناشر لندني يسأل عن كلفة طبع روايته \"الطاوس الأبيض\" . رفض الناشر أن يرد عليه واعتبر ان نشر رواية لكاتب مبتدئ مجازفة لا تحمد عقباها ، بعد هذا التاريخ بسنوات يندم الناشر لأن صاحب الطاووس كتب رواية تهافتت عليها دور النشر وصدرت أكثر من نسخة مزورة عنها نتيجة الطلب المستمر عليها ، وكانت هذه الرواية هي \"عشيق الليدي شاترلي\" ، التي لا تزال تُطبع حتى اليوم. حُوّلت الى أفلام في بريطانيا وخارجها، معظم قرائها في أوروبا من النساء حسب تقرير نشرته الغارديان بمناسبة 50 عاما على القرار الذي أصدرته محكمة بريطانية ببراءة الكاتب من تهمة ترويج المجون في رواياته .\n\nأنهى لورنس \"عشيق الليدي شاترلي\" في لحظة كره للمجتمع البرجوازي ، استمر في كتابتها أكثر من عامين بين خريف 1927وصيف 1929 وأمضى عيد الميلاد وحيدا بعد انفصاله عن زوجته . في ذلك الوقت كان يكتب الرسائل إلى عدد من أصدقائه ، قال في واحدة منها : \"يبدو لي أن الأمر الرئيس بالنسبة للمرأة هو أنها لا يمكن تعريفها بكلمات من قبيل الحب أو الجمال أو الشرف أو الواجب أو الجدارة أو التحرر، فعلى المدى البعيد لا تمثل هذه الكلمات حقيقة المرأة \" ، وفي أخرى يضيف :\"إن ما تحتاج إليه المرأة هو الاكتفاء ، على الأقل الاكتفاء الجسدي بقدر ما هي بحاجة إلى الاكتفاء النفسي، الجنس بنفس قدر ما تحتاجه من الروح\".\n\nلم يعد لورنس يطمح بكتابة رواية عن حب لم يسعد به ، فالأمر تحول إلى ارتياب في العواطف التي تريد طبقة البرجوازيين فرضها على المجتمع .. تدور \"عشيق الليدي تشاترلي\" حول السير كليفورد تشاترلي، رجل واسع الثراء ألحقت به الحرب عاهة وتركته مشلولاً ومصاباً بعجز جنسي، فانصرف إلى الكتابة والتأليف لتعويض فشله في علاقته الحميمة مع زوجته الليدي تشاترلي، وهي في أوج شبابها وأنوثتها. لم تكد تمضي فترة حتى ضاقت ذرعاً به وأقامت علاقة مع ميلورز، بستاني يعمل لدى زوجها، تحوّلت في ما بعد إلى علاقة روحية على رغم الاختلاف الطبقي الشاسع بين العاشقين، وتُوّجت في ختام الرواية بمولد طفلهما والاستعداد للزواج، حيث نجدها تغادر بيت الزوجية لترتيب حياتها من جديد.\n\nيكتب الناقد هارولد بلووم أن ثورة الليدي تشاترلي ، وإن كانت تأخذ طابعا جسديا ، فإنها قريبة لثورة نورا بطلة مسرحية إبسن الشهيرة \"بيت الدمية \". ويضيف الناقد الشهير أن لورنس كان معجبا بطريقة إبسن في نسج الأحداث وفي القدرة على رسم ملامح شخصياته النسائية .\n\nحينما حاول لورنس نشر الرواية رفض جميع الناشرين عمله، وذلك للإباحية التي وصف بها العلاقة الحميمة بين الليدي تشاترلي وعشيقها، ما دفعه إلى طباعتها سرا وتوزيعها.. وفي المرتين الثانية والثالثة طبعها في كل من فرنسا وإيطاليا من دون تصريح، وكذلك طبعت في أميركا من دون استئذانه.\n\nفي رسالة إلى طليقته يكتب لورنس : \"تلقيت عرضا متأخرا من المزورين الأوروبيين يحددون لي نصيبا مقابل حق الملكية عن كل النسخ المباعة في الماضي ، والتي ستباع في المستقبل لو قبلت أن أعتمد طبعاتهم ، قلت لنفسي على قاعدة : من لا يظلم يظلم ، وكان علي أن أقبل العرض . تمكنت بعد ذلك من نشر النسخة الفرنسية الرخيصة ، وحثني الناشرون الإنكليز على عمل نسخة منقحة ووعدوني بمقابل كبير ، وأصروا على أن تكون رواية نظيفة لا تحتوي على الألفاظ الفاضحة ..كنت قد بدأت أستسلم للإغراء وأبدأ في تنقيح الرواية وتهذيبها ، ولكني وجدت أن ذلك مستحيل ،لأنه يعني أن أقطع أنفي بالمقص ليصبح أجمل شكلا .. ومع ذلك وعلى الرغم من كل المعارضات فإنني أعرض روايتي ككاتب أمين وصحي وضروري لنا حاليا .. الألفاظ التي تصيب بالصدمة الشديدة في البداية سيعتادها القارئ بعد ان يمضي في قراءة الرواية ، هل يرجع ذلك إلى أن العقل يفسده الاعتياد ، لا على الإطلاق إن الألفاظ تصدم العين ولكنها لا تصدم العقل مطلقا .. إن أعظم الكفر ضد الحقيقة الجنسية هو اعتبارها عملا مشينا مع أننا جئنا من خلاله ، المحافظون التقليديون يحرصون على عدم الخوض في المسألة الجنسية مع أولادهم واعتبار ذلك من المحرمات ، لكنهم ينسون أن الغريزة هي المعلم الأول ، وهي التي تقود أبناءها للحقائق دون معلّم \".\n\n************\n\nحاول لورنس العرب أن يهرب من الشهرة التي أخذت تلاحقه بعد صدور كتابه \"أعمدة الحكمة السبعة\" ، ويذكر المقربون منه أنه كان يعاني من شعور بالذنب ، ولهذا رفض وسام الشرف من ملك بريطانيا، ، فقرّر الاختباء في شخصية أخرى، وقام بتغيير اسمه وتطوّع كجندي في سلاح الجو البريطاني، ولكن سرعان ما افتضح أمره وتم فصله من الجيش، وعرض عليه ونستون تشرشل أن يكون مستشاره الخاص ، ولكنه اعتذر ليعيش سنواته الأخيرة معتزلا في كوخ بضواحي لندن حيث كتب أحد المقربين له ، بعد موته، بأن لورنس كان يدفع الأموال لأحد الأشخاص كي يقوم بجلده يوميا، ومات بحادثة بعد أن انقلبت دراجته النارية في العام 1935، وعمره ستة وأربعون عاما، لتضع مجلة التايم صورته على صدر غلافها وتحتها عبارة تشرشل :\"لن يظهر له مثيل مهما كانت الحاجة ماسّة إليه.\" \n\n************\n\nفي مقالة بعنوان \"ملاحظات حول عشيق الليدي تشاترلي\" يلقي لورنس الضوء على الظروف التي كتب فيها هذه الرواية فيقول عن الزوج كليفورد الذي تهجره زوجته كونستانس لتضاجع حارسه :\"انه نتاج الحضارة الصناعية المادية الحديثة ، مشكلته تتلخص في ان دماءه تسري فيها برودة الموت ، وهو لايفتقر الى الدفء الانساني فحسب ، بل انه فقد كل صلة تربطه بالنساء وبزملائه من البشر ، في حين ان حارس الصيد يتميز بدفء المشاعر والحيوية ، ويضيف لورنس ان هناك ما يبرر استخدامه للكلمات الجنسية المكشوفة في روايته ، فالهدف هو تحرير هذه الكلمات من اية دلالات بذيئة ، فليس في ممارسة الجنس ما يشين أو يدعو للخجل ، يقول لورنس لفي دفاعه عن الرواية : :ان الانسانية استغرقت في ممارسة الجنس دون فهمه او ادراكه ، ولهذا تحولت الممارسة الجنسية عبر الزمن الى فعل آلي كالح تغيض عنه الحياة ويبعث على الملل وخيبة الآمال ومن ثم فقد حان الوقت لإدراكه إدراكا سليماً وذلك بتجديد الافكار المتعلقة به. \"\n\n************\n\nفي عام 1959 تولت مطبعة في نيويورك نشر رواية \"عشيق الليدي تشاترلي\" كاملة وبدون اي حذف منها وذلك بعد حصولها على موافقة ارملة لورنس ، وظهرت الرواية في المكتبات بمقدمة لمارك سوكرر ، وبعد اسبوع من نشرها امر رئيس مصلحة البريد بمنع ارسال الكتاب عن طريق البريد باعتباره كتابا بذيئا ، كما امرت المصلحة بمنع ارسال اية نشرات دعاية عن الرواية بالبريد ، ما دفع الناشرون الى رفع قضية ضد مصلحة البريد وطالبوا القضاء ان يعلن ان الكتاب ليس بذيئا بالمعنى الوارد في نص القانون القاضي بمنع المطبوعات البذيئة من التداول. وفي 21 من تموز عام 1959 اصدر القاضي الفيدرالي الاميركي حكما لصالح الكتاب ، فقد اوضح القاضي ان رئيس مصلحة البريد تنقصه الحجة لعدم قدرته على التمييز بين المطبوعات البذيئة والمطبوعات المحترمة ، واشاد القاضي باسلوب اخراج الكتاب على نحو محترم وبيّن ان المشتركين في شرائة قلة ضئيلة العدد ينتمون الى فئة الادباء ، وبعد ان استعرض القاضي قضية رواية \"يوليسيس\" لجيميس جويس والتي كانت معروضة قبل مدة أمام القضاء ، خلص الى انه لايصح اعتبار اي كتاب يتناول الجنس بذيئا الا اذا كان اهتمامه العام يميل الى الجنس بشكل فاضح وبحيث يطغى الجنس فيه على ما يتضمنه من اهمية اجتماعية .\n\nمات د.ه.لورنس وعمرة خمسة وأربعون عاما ، وكتب في آخر رسائله : أعرف أن الشجرة ستموت في النهاية ، فهل سأتخلى عن زرع بذرة ، سيكون ذلك جبناً وغروراً .\n\nلم يعترف النقاد بلورنس إلا بعد مرور عقود على وفاته، فتحوّلت صورته من مجرد كاتب خليع إلى ممثل للأدب الإنكليزي في مرحلة الحداثة ووُضع أدبه في مكانته بين الموروثات الأدبية في الرواية الإنكليزية، وفي حياته القصيرة التي لم تتعدَّ الـ45 عاماً، ألّف لورنس نحو 800 قصيدة وأكثر من 13 رواية و10 مسرحيات، إضافة إلى مجموعاته القصصية ومؤلفاته في أدب الرحلات وكتاباته النقدية والرؤى الفلسفية ، إلى جانب رسم لوحات فنية تعرضت هي الأخرى للمصادرة والحظر .. وفي العام الماضي كشفت جريدة الديلي تلغراف عن العثور على مخطوطة جديدة للورنس كانت عبارة يوميات كتبها على شكل رسائل ، في هذه اليوميات نكتشف أن \"عشيق الليدي تشاترلي\" هي سيرة لورنس مع زوجته ،ففي السنوات الأخيرة من حياته عانى الروائي الشهير أمراضاً عدة تسببت بإصابته بعجز جنسي ، ليكتشف فيما بعد أن زوجته تقيم علاقة مع شاب يصغرها بسنوات ما أدى إلى الفراق بينهما .\n\nتكتب صاحبة نوبل دوريس لسنج : \"إن العشاق غالباً ما يتصرفون بغرابة ولا يرغبون في أن يطّلع أحد على محادثاتهم الغرامية ،ولكن لورنس يجعل عشاقه يركضون تحت المطر، فشجاعته على وجه الدقة هي التي تقربه أحيانا من حافة الحكاية الهزلية ،فالروائي الأكثر دهاءً والأقل موهبةً كان سيزيل هذه الفقرات الموحية بالسخرية ،ولكن بالنسبة لـ \"لورنس\" فإن الروعة تتجاور مع الغرابة في أغلب أعماله \" .",{"id":79,"text":80,"authorName":23},52946,"فـي صحبة الكتب..أيما بوفاري هي أنا غوستاف فلوبير (22)\n\nفي الثامنة من عمره بدأ يكتب عن الموت الذي يطارده ، وهو يتجول بين أروقة المستشفى الذي يملكه والده الجراح الشهير، كان أول ما تفتحت عليه عيناه هو صراع الناس مع وحش خفي اسمه الموت : \" كان مدرج المستشفى يشرف على حديقتنا ، وكم مرة تلصصت عبر الأبواب لكي أرى الجثث المددة على الأسرَّة \" . أراد أن يرسم منظراً أدبياً لهذه الجثث ، فكتب أولى قصصه التي سخر منها والدهُ ، فمزقها وجعلها طعاماً لنار مدفأة غرفة مكتبه مؤناباً اياه :\" الكتابة مهنة الضعفاء والمجانين، انت خُلقت لتمسك المشرط ، لا القلم\". بعد سنوات يكتب الى عشيقته لويزا كوليه : \" كنت ذلك الإنسان الذي بلا هويّة ، ويريد الآخرون ان يشكلوا له حياته \"هذه الحياة التي تأرحجت بين جديّة الأب وقسوته ، وعطف الأم التي كانت تعشق القراءة ، كان سريرها مزدحماً بالروايات والقصص الخيالية، ثمة كتب في كل مكان،: في المساء كانت تنتابني رغبتان ، حضن أمي وكتبها التي تتحدث عن العشق\" .\n\nفي العاشرة من عمره حاول ان يقلّد كاتبه المفضل فكتور هيجو فكتب رواية قصيرة متأثراً برواية هوجو الشهيرة \"أحدب نوتردام\" ، وحين قدر له بعد سنوات ان يزور صاحب \"البؤساء\" في بيته كتب لوالدته فرحاً : \" أخيراً استمتعت برؤيته عن قرب ، فحدقت به مشدوهاً ، كما أحدق في إناء مملوء بملايين الجواهر الكريمة ، متأملاً كل صغيرة وكبيرة تصدر عن هذا الرجل الذي جلس بجواري على مقعد صغير، مدققاً النظر في يده اليمنى التي كتبت كل تلك الروائع الجميلة قائلاً لنفسي : \" هذا هو الرجل الذي جعل قلبي ينبض أشد نبض عرفته منذ ولدت ، والذي أحببته أكثر من جميع من لم أعرف\". \n\nفي الخامسة عشرة من عمره يلتقي بالمرأة التي سيحبها طوال حياته ، وقد خلّدها في روايته \"التربية العاطفية\"، كانت تكبره بثلاثة عشر عاماً ، زوجة أحد كبار رجال الأعمال ، حين كانت تنظر إليه ، يصاب بالتعرق والارتباك، ويخبرنا سارتر في كتابه \"أبله العائلة\"، ان فلوبير كان يرى فيها بعضاً من ملامح أمه التي عشقها منذ الصغر، ونراه يكتب في \"يوميات مجنون\" انه لم يحب في حياته سوى أمه وهذه المرأة التي تدعى \"ماري شيزنجر\". \n\nيعود الى المنزل مسرعاً ، يخرج الأوراق فيكتب كتابه الأول \" يوميات مجنون\": في ذلك اليوم رأيت على الشاطئ برنساً أحمر جميلاً ، مزيناً بخطوط سوداء ، كان المدّ عالياً والشاطئ مزركشاً بالزَّبد ، علا الموج وتدفق مبللاً حواشي ذلك البرنس الحريرية ، انتشلته لأضعه بعيداً ، فألفيت نسيجه ناعماً رقيقاً، لابد أنه برنس امرأة ، ويبدو أن أحداً ما رآني لأني في اليوم نفسه وفي قاعة الاستراحة سمعت أحدهم يقول لي :\n\n-أشكرك جداً على لطفك. \n\nاستدرت، رأيت امرأة شابة جالسة مع زوجها على الطاولة المجاورة . سألتها باضطراب :\n\n• تشكرينني على ماذا؟\n\n- على أنك لممت برنسي ، ألم تكن أنت؟\n\nأجبتها مرتبكاً :\n\n• نعم ياسيدتي .\n\nنظرت الي ، فخفضت بصري ، وتورد وجهي خجلاً ، يالسحر نظراتها، ما أجملها هذه المرأة ، أصبحت شخصاً غريباً عن نفسي ، انبعث صوت جديد في روحي ، كل مافي هذه المرأة يحدث تأثيراً خارقاً في نفسي ، ثنية فستانها ، ابتسامة ثغرها ، قدمها ، أقل كلمة تافهة تقولها . \"\n\nبعد عام يكتب لأحد أصدقائه: \"لا تتوهم أني حائر ومتردد فيما يخص اختيار مهنتي في المستقبل..في الواقع أنه لن تكون لي أية مهنة! إني عاجز عن العمل. وذلك لأني أحتقر البشر إلى درجة أني لا أستطيع أن أفعل لهم خيراً أو شراً. وعلى أية حال فسوف أدرس في كلية الحقوق وأتخرج كمحام. ولكني لن أشتغل في مهنة المحاماة إلا إذا طلبوا مني الدفاع عن مجرم كبير. وأما فيما يخص الكتابة، فإني أراهنك على أني لن أصبح كاتباً ولن أطبع حرفاً واحداً\".\n\nلم تكن الوظيفة تشغله ولا المستقبل ، فقد كان مشغولاً بتتبع حكايات النساء ، يتخيل صديقات والدته ، ويسرح في صور النساء اللواتي شاهدهن في الشارع ، الى ان يعثر على لويز كوليه وكانت مغرمة بالأدباء ، حتى ان حكايتها مع فكتور هيجو كانت حديث الصالونات الأدبية، ويبدو ان فلوبير البالغ من العمر الآن خمسة وعشرين عاماً قد أحبها بإفراط ، فلم تمض على لقائهما سوى ساعات قليلة حتى كتب لها خطاباً نارياً : \" إنك المرأة الوحيدة التي أحببتها باستثناء امرأتين، الأولى أمي والثانية كنت عشقتها قبل عشرة أعوام ، دون ان أفاتحها او ألمسها ، لكنك الوحيدة التي أحيت في قلبي الأمل في أن أحظى بإعجابها ، بل لعلك الوحيدة التي حظيت بإعجابها فعلا \".\n\nوقد سخر فلوبير فيما بعد من هذه العبارات التي كتبها ، وسرعان ما بدأت قصة الحب تفقد بريقها تدريجياً حتى كتب لها ذات يوم : \" يبدو أنك لاتفهمينني على حقيقتي، فأنت أحياناً ترفعينني الى مرتبة أسمى مني ، وأحياناً اخرى تهبطين بي إلى درك أدنى مما استحق، وهذا هو داء النساء منذ القدم ، فهن لايعرفن الاعتدال ، ولايردن ان يفهمن المخلوقات المعقدة التي هي الغالبية العظمى بين البشر، ولقد تبيّنت منذ زمن أنّ من يريد أن يعيش حياة هادئة لابد أن يعيش وحيداً ويحكم إغلاق نوافذه لئلا يتسرب اليه هواء المجتمع، وهذا هو السبب في أني عشت سنوات عديدة أتجنب رفقة النساء \".\n\nوتصف لويزا ، فلوبير بأنه كان قاسياً سريع الغضب فريسة للانفعالات والتقلبات العاطفية فتكتب بعد وفاته: \" كان شخصية وحشية دائمة السخط\"\n\nعلى أن لويزا كان لها تأثير آخرعلى فلوبير غير قصة الحب العاصفة التي عاشها ، فقد استمد منها ملامح بطلة روايته الشهيرة \"مدام بوفاري\" التي تفرغ لها منذ ان كان في الثلاثين حتى السنوات الأخيرة من عمره.\n\n************\n\nبعد أن اشترى والده قصراً كبيراً يطل على نهر السين ، قرر الابن فلوبير ان يتخذ منه مسكناً ، كان يكتب طوال ست ساعات في اليوم ، لكنه يمزق ما كتبه في اليوم التالي ، في ذلك الوقت يلتقي بالشاعرة لويز كوليت ، التي سرعان ما أصبحت عشيقته ، حدثها عن حيرته في الكتابة ، كان قد قرأ عليها قصة بعنوان \"البائسون\" وما ان انتهى من القراءة حتى قذف بالأوراق من النافذة وصاح : -هراء .. كل ما أكتبه هراء ، متى تبدأ يافلوبير بدايتك الحقيقية ؟ .\n\nقالت له كوليت : يجب ان تعدل تماماً عن كتابة موضوعات غامضة ، خذ موضوعاً من الواقع ، ألم تقرأ في الصحف عن حكاية مدام دلفين ديلمار ، انها تستحق عملاً ممتازاً بشرط ان لا تقول لي أنك كنت أحد عشاقها.\n\n- للأسف لم أكن في قائمتها .\n\n• حسناً اكتب عنها إذن، لو كنت أمتلك موهبتك لما ضيّعت هذه الفرصة.\n\n- وماذا لو تعرضت لمضايقة عشاقها، هل تريدينني ان أقضي بقية عمري بالسجن بتهمة التشهير بمواطنين شرفاء؟\n\nضحكت كوليت على عبارة المواطنين الشرفاء ، وكانت تدرك في قرارة نفسها ان الموضوع استهوى فلوبير وسيكتب عنه.\n\nأخذ فلوبير يبحث عن حكاية المدام ديلمار فماذا وجد؟\n\nكان الزوج يوجين ديلمار ، طالبَ طب يدرس الجراحة على يد والد فلوبير وكان طالباً عادياً فشل في العديد من الاختبارات الجامعية ، ولم يستطع نيل دبلوم الطب فأصبح مأموراً في إحدى دوائر الصحة. في ذلك الوقت تزوج من أرملة تكبره بالعمر لكنها توفيت بعد سنوات ، فأصبح وحيداً، وراح يبحث عن رفيقة لحياته ، عندئذ قابل فتاة في السابعة عشرة من عمرها ، جميلة ذات شعر أشقر وجسد متناسق كانت ابنة لواحد من مرضى ديلمار، تعلمت في دير وقد امتلأ رأسها بالأحلام التي تثيرها قراءة الروايات الرومانسية ، في البدء كانت تعتقد انها تزوجت من فارس أحلامها ، لكنها سرعات ما اكتشفت ان ديلمار انسان فاشل وثقيل الظل ولايملك الطموح ، كانت تحلم برجل مندفع مثير ، لكنها بدلاً من ذلك تزوجت بإنسان غبي يصفه فلوبير بدقة :\" كان حديثه مسطحاً مثل رصيف الشارع ، انه لايستطيع السباحة ، لايستطيع المبارزة والإمساك بسلاح ناري ، مشاعره عادية ، يعانقها في أوقات محددة ، وأصبح الجلوس معه غير محتمل ، يحلو له ان يلتهم الطعام الذي أمامه بشراهة ثم يذهب الى الفراش ليستلقي على ظهرة ويشخر\".\n\nونجدها كثيراً ما تردد حين تكون لوحدها : \"يا إلهي لماذا تزوجت\"، وتحاول ان تتخيل ذلك الزوج الذي لم تعرف ، رجلاً وسيماً وفطناً ومتميزاً وجذاباً ، وتسأل نفسها ما العمل؟ هل سيدوم هذا البؤس للأبد ، كانت تتوق الى الحياة الصاخبة ، تبحث عن الحب ، عن رجل يختطفها ويطير بها بعيدا ، لقد قررت ان تفتح الباب المظلم ، ففي مقابل احتقارها لزوجها وللحياة السخيفة التي تعيشها معه ، نظرت في المرآة الى جمالها وأيقنت ان بإمكانها ان تحوِّل أحلام اليقظة الى واقع ، قررت ان تكتشف عالماً اكثر إثارة يحقق لها وجودها . بدأت تبالغ في إنفاق الأموال على الألبسة والحفلات دون ان يعلم زوجها ، وسرعان ما تراكمت عليها الديون ، وبعد ان تفقد الرغبة في الملابس والحفلات ، تقرر ان تغوي الرجال . في البداية كان العشيق جاراً لها يدعى لويس كامبيون ، ثم عامل المزرعة ، ثم كاتب العدل ، ثم العديد من الموظفين الشباب. ويكتب فلوبير في الرواية :\" لقد بدأت تعيد الى ذهنها بطلات الروايات التي قرأتها ، وبدأ هذا الفيلق من النساء العاشقات يغرد في رأسها \".\n\nأهملت زوجها وابنتها الصغيرة وأقاربها وجيرانها ، لكنها في النهاية بدأت تشعر بالملل ، كل هؤلاء العشاق الذين مارست الجنس معهم مخيبون للآمال ، وأخيراً في فجر السادس من اذار عام 1848 بدأت المشاكل تحاصرها : زوجها أفلس ، العشاق تبخروا ، تقرر ان تتناول جرعة مميتة من الزرنيخ لنتهي حياة بلا طعم ولا أمل .\n\nكان فلوبير مقتنعاً بأن قصة ديلمار هي وسيلته الوحيدة لإثبات موهبته الأدبية ، ولإسكات الأصوات التي كانت تقول ان هذا الشاب الذي دخل عامه الثلاثين سيظل مجرد مراهق أبله طائش يزحف وراء رائحة النساء . ألا ان هناك مشكلة يجب ان يجد لها حلا ، فالقصة سوقيّة ونشرتها معظم الصحف ، لكنه لم يستطع مقاومة سحر السيدة ديلمار وإصرارها على ان تتمتع بكل ذرة من جسدها ، بقيت مشكلة مستعصية هي رفض أمه القاطع ، ان يكتب عن موضوع هذه السيدة خوفاً من مقاضاته، وأيضا لأن الموضوع مبتذل ، لكنه في النهاية استطاع إقناعها ، بعد أن قرر تغيير أسماء الشخصيات لتتحول السيدة ديلمارالى \"مدام بوفاري\".\n\nسارت الرواية ببطء شديد ، ست صفحات في الأسبوع، قال لأمه : \" يالها من مهنة صعبة مهنة الكتابة ، القلم أشبه بمجذاف ثقيل \" ، ظل يعمل سبع ساعات في اليوم على مدى اكثر من خمس سنوات ، درس خلالها كل ما يتعلق بالروايات الرومانسية التي ربما قرأتها السيدة ديلمار او مدام بوفاري، وحاول دراسة تأثير مادة الزرنيخ على وظائف الجسم ، ومن حين لآخر كانت الكتابة تصيبه بالمرض :\"عندما كنت أصف تسمم إيما بوفاري كنت أحس بطعم الزرنيخ في فمي ، وقد عرّضني ذلك الى آلام في المعدة وسوء في الهضم رافقني طوال حياتي . ويكتب الى صديقة : \" لقد توقفت عن الكتابة لا أستطيع مغالبة دموعي\" ، ولم يكتف بشهادات الجيران ومعارف السيدة ديلمار ، بل ذهب الى القرية يستطلع مجريات الاحداث التي تتعلق بتفاصيل حياة البطلة ، وفي الدوائر الرسمية ومراكز الشرطة اطلع على التقرير التالي : \" يوم السادس من اذار 1848 انتحرت في قرية ري نورمانديا ، سيدة في السادسة والعشرين من عمرها بتعاطي كمية كبيرة من الزرنيخ \" . في النهاية يجد نفسه قد كتب أكثر من 1800صفحة من القطع الكبير.\n\n************\n\nلم يحاول فلوبير أن يقرأ الرواية على المقربين منه ويكتب الى أمه : \" أشعر بأنني كتبت عملاً كبيراً ، لا أريد أن أعرضه على هواة تحطيم الأدباء وحفاري قبور الأعمال الفنية ، سأذهب بالمخطوطة الى الناشر\".\n\nلكنه ما أن يسلّم هذه الحزمة الكبيرة من الأوراق الى أحد الناشرين المعروفين الذي وجد صعوبة في قراءة خطه الرديء ، وايضا لم يستهوهه الاسم ، من يشتري رواية اسمها مدام بوفاري ، كما ان الرواية تحتاج الى تعديلات سيقوم بها الناشر نفسه بدأ من الاسم الذي سيتغير الى \" قلوب في العاصفة \" وانتهاء بمشهد الموت حيث اقترح الناشر ان تقتل على يد زوجها بعد ان يضبطها متلبسة بالخيانة\n\nلم يرد ان يصفع الناشر، لكنه طلب منه بكل هدوء أن يعيد إليه المخطوطة.\n\nذهب بروايته الى صديقه مكسيم دو كامب الذي نشرها في مجلة الـ \" ريفيو دو باريس \" على ستة اقسام ، وقد اثار نشر الاجزاء الاولى عاصفة ، فما ان ظهرت الرواية حتى ثار المشتركون في المجلة ، وصاحوا غضبا :\" ان المجلة تنشر قصصا فضائحية ولا اخلاقية \" كتبوا رسائل يهددون الناشر لان الرواية تسيء لسمعة فرنسا ، هل ثمة امثال تلك المراة ، نساء يخدعن ازواجهن ، ويقابلن عشاقهن في الفنادق وبيت الزوجية ؟ .\n\nويحاول الناشر ان يهدا غضب القراء بان يطلب من المؤلف ان يجري تعديلات على الاحداث\n\n- اسف لن أعدل حرفاً ، اجاب فلوبير\n\n• انت لاتعرف حرج موقفي ، قال الناشر ، وهو يخرج خطاباً من سكرتير القصر الامبراطوري ، يقول فيه ان نابليون الثالث مزق العدد الذي نُشرت فيه اول حلقة وقذف به في وجه السكرتير\n\nوما ان تمضي المجلة بنشر الحلقات الاخرى ، حتى تقوم نقابة الاطباء باقامة دعوى تطالب فيه المؤلف والناشر بتعويض مالي كبير لانه اساء لسمعة الطب ، بعدها يتقدم عدد من المواطنين بدعوى جديدة الى المحكمة بتهمة نشر عمل أباحي يسيء الى الدين ، ويقف امام القضاء مدافعا عن وليده :\" ايما بوفاري من ابتكارات خيالي ونتاج عبقريتي الفنية ، إيما بوفاري هي أنا \" فتقرر المحكمة تبرئته من التهم الموجهة اليه .\n\nواخيراً اصبحت مدام بوفاري حرة ، واقترح احد الاصدقاء ، نشر الرواية كاملة في مجلدين، وخلال عام 1857 صدر الجزء الاول الذي بيع منه خلال شهر واحد اكثر من خمسين الف نسخة ، وارسل فكتور هيجو تهانيه الحاره ، واعجابه الشديد بالرواية التي قال عن مؤلفها ان له اسلوبا خاصا.",{"id":82,"text":83,"authorName":23},52938,"فـي صحبة الكتب..\"الغريب\" الإنكليزي الذي تحول إلى \"اللامنتمي\" العراقي (5)\n\nفي نهاية الخمسينات ظهر في المكتبات كتابان ، الاول لمؤلف لم يكن معروفا آنذاك اسمه كولن ولسن ، وكان عنوان كتابه \" اللامنتمي \" والثاني لواحد من ابرز الكتاب الروس بوريس باسترناك \" الطرق الهوائية \" . الكتابان صدرا عن دار نشر بيروتية شهيرة آنذاك هي \" دار العلم للملايين\n\nالتي تخصصت من خلال صاحبها المترجم الشهير منير البعلبكي بنقل روائع القصص العالمي.\n\nولأن الكتابين جديدان في موضوعهما ، فقد نالا انتشارا واسعا في صفوف القراء والمثقفين . لكن الغريب ان قلّة هي التي التفتت الى اسم المترجم الذي نقل هذين الكتابين الى العربية بلغة أنيقة ، كان اسمه أنيس زكي حسن : شاب متوقد بالحماس والمعرفة ، حصل على شهادة من دار المعلمين العالية حيث تتلمذ على يد جبرا ابراهيم جبرا ، والذي اصبح فيما بعد أقرب أصدقائه اليه ، وفاز بجائزة الترجمة في المسابقة التي اعلنتها مؤسسة فرنكلين عن ترجمة كتاب \"مغامرات الأفكار\"، لهوايتد ، ثم عرف الناس اسم انيس زكي حسن المترجم الذي قدم الى العربية \"اسطورة سيزيف\" لألبير كامي و\"تاريخ الأدب الانكليزي\" لايفانز ، و\"أربع خطوات نحو الفن الحديث\"، لفينتوري و\"الإنسان الصرصار\"، تأليف دوستويفسكي و\"سقطة\" البير كامي و\"العودة إلى ميتوشالح\"، لبرنارد شو .\n\nفي مقدمته لكتاب \"الطرق الهوائية\" لباسترناك ، يحدثنا أنيس زكي حسن عن منهجه في الترجمة فيقول :\" يؤسفني أن أقول أن أغلب مترجمي وناشري هذه الكتب لم يكونوا أمناء قط.. وكانت الكتب تحمل اسم باسترناك كاملاً فقط.. أيها القارئ العزيز إنني آسف على مالك، وعلى وقتك، وعلى الأدب وعلى باسترناك وعلى الجحيم.. واللعنة على ، شيء واحد أريد أن أهمس به في أذن القارئ أرجوك.. قد تحاول الدعايات أن تستغل باسترناك فتجرك وتجره إلى عوالم لا أظنك تثق بثباتها واستمرارها وصدقها، أرجوك.. إنني أقدم إليك فن باسترناك فأقرأ فن باسترناك. ودعنا مرة واحدة، لحظة واحدة، ثانية واحدة، نكون ذلك القلب الواحد الكبير، الذي نتشدق به، ونبكي عليه، ونجرد سلاحنا لندافع عنه، ونطعنه، ونحن فيه. ولا نفهمه، ولا نريد أن نفهمه، شيء واحد فقط هو هذا.. وأنت تعرفه.. وو.. كفانا عنجهية.\" وهو منهج يدل على ان صاحبه يتميز بلقطات الذكاء الحاد والحساسية البالغة الاهداف ، والعشق للمعرفة.\n\nولم يكتف انيس زكي بالترجمة ، كان يدرك ان الادب العراقي بحاجة الى تجديد فكتب الرواية ، وابتدأها بـ\"الاخطبوط\" عام 1958 التي طبعتها دار نشر عراقية بنسخة سيئة الطباعة ، مليئة بالاخطاء ، جعلته يقرر ان يتلف النسخ التي تسلمها من الناشر ، ما جعل العثور عليها شاقا . اما روايته الثانية \"السجين\" التي نشرها عام 1961 وبمساعدة دار العلم للملايين بعد ان حققت كتبه المترجمة اقبالا كبيرا وخصوصا كتاب \"اللامنتمي\" الذي اعيد طبعه في عام واحد ثلاث طبعات متتالية ليصبح اشهر كتاب يترجم الى العربية في عقد الستينات .\n\nورواية \"السجين\" قريبة الشبه للروايات العبثية ، وكأنها متأثرة بما كتبه سارتر في \"الغثيان\" ، موضوعها الاساسي هو البحث عن الحرية .\n\n يقول الروائي :\"اراد السجين بعدئذ ان يتخلص من المستوى الحشري للحياة ، فطرد زوجته نهائيا ، وترك العمل بالمصلحة التي كان موظفا فيها ، وهجر الاماكن التي ارتادها مع الاصدقاء مرارا وهام على وجهه في الأزقة والطرقات متجها الى الشارع المؤدي الى الحقيقة او الى احد وجوهها : الحرية بالتحديد ولم يعنِه مطلقا ان يشير اليه الناس بأنه مجنون ، وهو لم يتخلص من المستوى الحشري للحياة فقط ، بل اراد ان يرتفع على المستوى البشري فراح يسبق البشرية الى اليوم الذي تحرق فيه كل ما لديها من اوراق وسطور وتبدأ الحياة فعلا ، لأن الحقيقة لا تظهر الا حين لايعود صاحبها في حاجة اليها على الإطلاق \" ص25\n\n************\n\nحين أصدر كولن ولسون كتابة الأول والأشهر\"اللامنتمي\" عام 1956كان في الرابعة والعشرين . وهو الكتاب الذي جلب له المال والشهرة العريضة و تُرجم إلى مختلف لغات العالم. في ذلك الوقت أبدى عدد من النقاد الإنكليز ازدراءهم واستخفافهم بـ (الجهد) الذي بذله المؤلف واعتبروا جهده مجرد سياحة في سير ونتاجات قادة الفكر الأوروبي ودراسته مصادر وينابيع الفلسفات. ومحاولته إيجاد روابط بين سير هؤلاء المفكرين وما قدموه من نتاج، لكن القراء ضربوا بالحائط بكل صرخات النقاد ليضعوا الكتاب لسنوات على عرش الكتب الأكثر شهرة ومبيعا وليتحول صاحبه إلى واحد من أبرز نجوم المجتمع البريطاني.\n\nكان الكتاب قد كتب في إحدى قاعات المطالعة بالمتحف البريطاني، عندما كان ينام على فراش متنقل في شارع هامبستيد هيث. كان ابناً لعامل في أحد المصانع الصغيرة، ترك دراسته في السادسة عشرة،ونجح في التهرب من الخدمة العسكرية بحيلة صغيرة. مارس في شبابه مهناً غريبة ليتفرغ لقراءة كل ما كان ينشر في ذلك الوقت، ويواصل تسجيل ملاحظاته في سجل كبير استدان ثمنه من أحد الأصدقاء.\n\nيحدثنا كولن ولسون في كتابه\"رحلة نحو البداية\" الذي ترجمه الناقد المصري الراحل سامي خشبة عن قصة كتابه الشهير هذا قائلا:\"قبل أن أنشر كتابى\"اللامنتمى\" فكرت وقلت لنفسى ينبغي لهذا ان يعيد الأمور إلى نصابها ويعيدها إلى الحياة. ثم فجأة أصبحت في التلفزيون تحت الأضواء المركّزة، ألقى التشجيع لكي أتشاجر.. أو في افتتاح معرض للفن.. مع أحد اللوردات ألقى التشجيع لكى أناديه باسمه المجرد.. في حفلة يشير إليّ الضيوف باعتبارى مثل الأعجوبة الطبيعية، أو يهاجمنى ناقد.. فما علاقة كل هذا بكتاب\"اللامنتمى\"؟..لقد كان شيئا لا يصدق، وكان أكثر غباءً وجنونا من كل ما كان بوسعى أن أتخيله، ولم يكن على علاقة مطلقا بأي شيء أهتم به. كان استعراضا ساخرا فكاهيا للنجاح.\n\nفي ذلك الصباح من يوم الأحد، حينما ظهرت أول عروض الكتاب، فكرت بينى وبين نفسى قائلا،إننى كسبت وفزت وأحرزت هدفي. ثم حينما مرت أسابيع الدعاية، تبينت كل ما فعلته عدا ذلك، تبينت أننى لم أحرز هدفي. وأن المعركة قد انتقلت فحسب إلى جهة أخرى، وبدأت أكتشف حقيقة ما قاله سارتر من ان الجحيم هم الآخرون\" ..وفي اليوم التالي ظهرت صحيفة\"ديلى إكسبرس\" بعنوان يقول: (كولن ولسون يعترف بأنه مخادع) ونقل عني أنني قلت: \"إن اللامنتمى قد كتب بناء على قصد زائف تماما\".\n\n************\n\nاللامنتمي بين انيس زكي وكولن ولسون\n\nفي مقال نشر بمجلة العلوم اللبنانية يلخص انيس زكي حسن الأفكار التي يطرحها اللامنتمي : \"وانا اترجم كتاب اللامنتمي تحاشيت كتابة مقدمة عن المؤلف والكتاب واكتفيت بان اترجم مقدمة الناشر الانكليزي بناءً على طلب من صاحب دار النشر الذي كان مترددا بنشر الترجمة العربية لكتاب لا يدخل ضمن اختصاص الدار التي اشتهرت بأنها تقدم روائع الاعمال الادبية - يقصد دار العلم للملايين - الا ان القارئ العربي ظل منذ صدور الكتاب يحاصرني بالسؤال عن اللامنتمي، ورغم ان مقدمة الطبعة العربية جاء فيها من ان اللامنتمي هو الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واهٍ، والذي يشعر بأن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذرا من النظام الذي يؤمن به قومه . واعتقد ان هذا الملخص يسلط الضوء على المشكلة التي يطرحها الكتاب ، هل اللامنتمي يناقش قضايا ادبية خالصة ؟ بالتاكيد هذا الرأي كان سببا في النظرة القاصرة التي وجهت للكتاب ومؤلفة، اذا اعتبره الكثيرون مجرد استعراض لقراءات شاب وجد متسعا من الوقت ليجلس في مكتبة المتحف البريطاني ويقوم بتلخيص الكتب ، بينما الحقيقة ان هناك جانبا مهما في الكتاب لم يثِر اهتمام النقاد العرب، واعني به الجانب السايكلوجي والذي حاول من خلاله مؤلف اللامنتمي ان يوليه اهتماما كبيرا .. اذن اللامنتمي كتاب يناقش سايكولوجية الابداع اكثر من كونه كتابا يقدم خلاصات لعدد من المؤلفين\".\n\nيُعرّف كولن ولسون اللامنتمي بأنه الرجل الغامض :\" انني ارى نفسي في المرآة الطويلة الضيقة المعلقة في واجهة ذلك المحل ، قادما يلوح علي َ الشحوب والنعاس \"\n\nهذه السطور من رواية \"الجحيم\" لهنري باربوس الذي يضرب به ولسون مثلا على اللامنتمي النموذجي في الأدب الحديث ، رجل غامض يلجأ إلى غرفته في الفندق ليغلق بابها ويعيش ليراقب الآخرين من ثقب في الحائط. انه كما يقول باربوس\"يرى اكثر واعمق مما يجب\" وهو لا يرى إلا الفوضى. ويتبع ولسن طبيعة اللامنتمي خلال رواية كامو\"الغريب\" و أعمال أرنست همنغواي الأولى ، ويقر ولسون بأن الجو الذي يتميز به عالم اللامنتمي المعاصر جو كريه جدا.ان هؤلاء الأشخاص لا يرفضون الحياة فحسب وإنما يعاديها الكثير منهم.ان عالمهم المجرد من القيم هو عالم أشخاص بالغين، والفرق بين عالم البالغين وعالم الأطفال هو احد الفروق الرئيسية بين عالم القرن العشرين وعالم القرن التاسع عشر.\n\nويتبع ولسون اللامنتمي الرومانسي في\"آلام فرتر\" لغوته، وفي اللصوص لشيللر، وكثيرين غيرهم مثل هولدرلن و رامبو و مالارميه ورلكه و بروست. على ان مشكلة اللامنتمي هي في جوهرها مشكلة حية. ولهذا فإن ولسون يعود من الأدب إلى الحياة نفسها فيعتبر فان كوخ و لورنس و نجنسكي لا منتمين. إنه يختارهم باعتبارهم ثلاثة نماذج للامنتمي يتميز كل واحد منهم بمميزات خاصة ينافس بها الآخرين في انتمائيته. ميزات في العقلية والشعور والجسد. ألا نجد ان الطريق التي شقها كل واحد من هؤلاء لم تكن مثمرة في حد ذاتها؟\n\nذلك ان الأمر انتهى بفان كوخ ونجنسكي إلى الجنون.في حين لم يكن انتحار لورنس العقلي ليقل عن جنون نجنسكي. وينتهي ولسون إلى ان اهم ما يشغل بال اللامنتمي هو عدم رغبته في ان يكون لا منتميا.إلا انه لا يستطيع ان يتخلى عن كونه لا منتميا لأنه لا يريد ان يكون بورجوازيا عاديا،فليس ذلك بالحل الصحيح ، ان مشكلته هي كيف ينطلق إلى الأمام. إلا ان لورنس ونجنسكي وفان كوخ إنما عادوا إلى الخلف فاندحروا جميعا.\n\nيريد اللامنتمي ان يكون حرا وهو يرى ان صحيح العقل ليس حرا، ولقد وجد نيتشه الذي يتناوله ولسون بالبحث أيضا حلا في إخباره العالم، بأن جميع الناس يجب ان يكونوا لامنتمين.أما لامنتمو تولستوي فقد هربوا من انفسهم بتمسكهم بإنكار الذات باعتبار انه جوهر المسيحية. و ينتهي هذا الفصل بدوستويفسكي الذي يخصص له ولسون معظم ما تبقى من الكتاب محللا أعماله تحليلا دقيقا ذلك لأن أعمال هذا الكاتب تمهد الطريق لتطورات جديدة.\n\n************\n\nفي الخامس والعشرين من أيار سنة 1974 وصل كولن ويلسون الى دمشق بدعوة من اتحاد الكتاب العرب في سوريا ، وفي المركز الثقافي العربي بدمشق يلتقي كولن ويسلون بمعجبيه من العرب ، ويلخض لنا الناقد السوري المعروف حسام الخطيب في مقال نشر بمجلة \"الموقف الادبي\" بعنوان \" كولن ولسون وتجربته الفكرية \" ما دار من حوار بين صاحب اللامنتمي والقراء العرب ، حيث فوجئ الكاتب البريطاني بأن معظم الحضور قرأوا كتابه ولديهم ملاحظات مهمة عنه ، لكن الجمهور حسب مقال الدكتور الخطيب فوجئ بأن ولسون ركز في حديثه على الجوانب النفسية دون الثقافية والأدبية ليقول لهم:\" حين كتبت اللامنتمي لم اكن مهتما بالناحية الاجتماعية وانما عنيت بالظاهرة السيكولوجية ، وفي البدء لفت نظري ان هناك لحظات معينة في حياة كل انسان يشعر خلالها بالسعادة وبالقيمة وهو يستمتع استمتاعا شديدا بهذه اللحظات ، ولكنه يحس بعد انتهائها احساسا حاداً بالخيبة \" . وحين يسأل احد الحضور ما هي مشكلة اللامنتمي يجيب كولن ويلسون : في المجتمع الحديث عدد كبير من الناس لايستطيعون احراز المكانة المعتبرة التي ينشدون ، ولكنهم من الذكاء بحيث يقبلون المكان الذي يعطى لهم ، وبين هؤلاء فنانون وادباء وهم يقفون بين العناصر القيادية والعناصر القابلة للقيادة\" .\n\n************\n\nاللامنتمي عراقي بالأصل والنسب\n\nترجم كتاب (اللامنتمي) إلى العربية عام 1957 وقد استطاع المترجم أنيس زكي حسن من ان (ينحت) تعبير (اللامنتمي) بعد ان وجد انه أنسب وأفضل تسمية عربية للعنوان الإنكليزي الأصلي للكتاب \" outsider \" ، ومنه أخذ الكتّاب والنقاد العرب يتداولون هذه التسمية وظلت حتى الآن هي المعتمدة في الدراسات الأدبية.. وقد انشغلتُ كما انشغل غيري بمعرفة أهواء وميول هذا المترجم،فعرفت انه قاص عراقي ينتمي إلى جيل الخمسينات ترجم العديد من الكتب ،كما نشر العديد من القصص القصيرة في مجلة \"أهل النفط\" ومن بعدها في مجلة (العاملون في النفط) وكلتا المجلتين كان يشرف عليها الروائي والمترجم القدير جبرا إبراهيم جبرا الذي جمعتني معه جلسات من الود،سمحت لي ان اسأله ذات يوم : أين اختفى أنيس زكي حسن؟ ابتسم جبرا ابتسامته المعهودة ليخرج بعدها صوته خفيضا كعادته حين يتكلم:\n\nوما الذي ذكّرك به وهو من جيل سبقك بعقود؟\n\n-لأنه توقف عن الترجمة!\n\nنظر إليّ جبرا من دون ان يتكلم ولاحظت في عينيه ظلال حنين إلى ماضٍ جميل..\n\n-يبدو أنني أثرت شجونك يا أستاذ؟\n\n- بالعكس ذكّرتني بصديق كان ولايزال من أعز أصحابي..لكنه عنيد! هل تدري انه توقف عن الترجمة لإحساسه ان ما ينشر في الغرب من أفكار لا يستحق التوقف عنده ، ليس هذا فقط بل هو رفض عروضاً من دور نشر عربية لترجمة أعمال أخرى لكولن ولسون لقناعته أنها لا ترتقي إلى مستوى الكتب التي ترجمها للمؤلف نفسه وهي اللامنتمي..\"سقوط الحضارة\".. \"المعقول واللامعقول\" في الأدب الحديث..ولكون كولن ولسون حسب رايه تحول إلى كاتب استهلاكي يكتب الرواية البوليسية وكتب الشعوذة. ويضيف جبرا ان أنيس أخبره ان كتاب اللامنتمي هو اهم ما كتبه كولن ولسون والكتب التي جاءت بعده هي شروح لكتاب اللامنتمي.\n\nولكي يرضي جبرا فضولي فقد أخبرني أن أنيس زكي حسن خريج دار المعلمين العالية يجيد الإنكليزية وعمل مديرا لدائرة الصحف الأجنبية في وزارة الخارجية العراقية ثم حصل على وظيفة في الأمم المتحدة.\n\nونسيت أنيس زكي حسن إلى أن وقع في يدي كتاب \"وداعا أيها الملل\" لأنيس منصور وهو مجموعة مقالات كان قد نشرها في صحيفة الأهرام، ولأن منصور من المهتمين بالفلسفة فهو قد درسها على يد عبد الرحمن بدوي في الخمسينات وعشق الفلسفة الوجودية تيمناً بأستاذه فأصدر وهو شاب كتاباً باسم (الوجودية) يعدّ من أوائل الكتب العربية التي تناولت هذه الفلسفة. فقد خصص كتاب \"وداعا أيها الملل\" للحديث عن فلسفات العبث واللامعقول والتمرد..وفي الفصل المسمى \"المنتمي واللامنتمي\" وجدت أنيس منصور مثلي يبحث عن شخص اسمه أنيس زكي حسن، لكنه على العكس مني حظي بمقابلة الرجل وتحدث معه: \"ظهر فجأة وبلا مقدمات كتاب عنوانه الغريب..وقد ترجمه إلى العربية أنيس زكي حسن وهو من أدباء العراق بعنوان (اللامنتمي)، وعندما قابلته في بغداد في أوائل السبعينات عرفت منه أنه تعب كثيراً حتى وصل إلى هذه الكلمة وهي لاشك كلمة موفقة.. وهي تدل إلى حد بعيد على المعنى الذي يريده كولن ولسون من ان الإنسان اللامنتمي هو الذي لا يرتبط بأحد ولا يلتزم بشيء وهو يحس انه وحده وان وحدته هي السجن الذي اختاره لنفسه\"\n\nووجدت في كتاب أنيس منصور أجوبة لبعض تساؤلاتي حول أنيس زكي وترجمته لكتاب اللامنتمي، لكن السؤال المهم أين اختفى أنيس زكي حسن؟ لم أجد له إجابة إلى ان طالعت مقالة كتبها أنيس منصور في جريدة الشرق الأوسط عام 2008 تحت عنوان\"ولكن أين أنيس زكي حسن\"يقول فيه: \"لم أنسَ أديبا عراقيا اسمه أنيس زكي حسن ترجم كتاب (اللامنتمي) وانه صاحب هذه الكلمة البديعة وأدهشني كيف عثر عليها.. وحاولت ان أعرف أين هو، ولم اجد جوابا وإنما كلهم يقولون لا نعرف أين اختفى وكتبت في الأيام الماضية عنه،وفجأة قرأت على الإنترنيت رساله منه يشكرني انني مازلت أذكره وأنه يعيش في أحد أحياء باريس، واننا سوف نتواصل مادمنا أحياء إن شاء الله\".\n\n************\n\nوفي سيرته الصادرة حديثاً عن دار المدى بعنوان «حلم غاية ما» والتي ترجمتها القديرة لطفية الدليمي يقول ويسلون انه وضع مائة كتاب حتى الآن. لكنني أعتقد ان كولن ولسون سوف يدخل التاريخ والذاكرة الأدبية تحت عنوان واحد هو «اللامنتمي». الكتب الأخرى كانت تكراراً أو استفاضة لفكرة واحدة وثقافة واحدة برغم سعتها الهائلة. والحكم والهدف كانا واحداً لديه: أن يكتب.\n\nفي آخر حوار أجري مع كولن ولسون قبيل وفاته بعام واحد قال لمحررة النيويورك تايمز\"آمل العيش إلى أن اكمل 93 عاماً، السنّ التي رحل فيها كاتبي المفضل جورج برنارد شو. \"\n\nوحين تسأله كيف سيكون نعيه؟ يقول\"لا يهمني ذلك فعلاً.. إنني أنظر إلى نفسي باعتباري الأكثر أهمية بين كتّاب القرن العشرين. وسأكون أحمق إن لم أدرك هذا\"!",{"id":85,"text":86,"authorName":23},52945,"فـي صحبة الكتب..والآن ياعزيزي كل ما نحتاج اليه هو ان يفشل الكتاب(4)\n\nبدأ اهتمامه بالرواية في الليلة التي قرأ فيها رواية “المسخ” لكافكا . يتذكر كيف عاد الى غرفته البائسة وبيده نسخة من تلكببب الرواية أعارها له صديق . كانت النسخة بترجمة اديب ارجنتيني لم يكن معروفا آنذاك اسمه خورخه لويس بورخس ، خلع قميصه وحذاءه واستلقى على السرير ، فتح الكتاب وبدأ بقراءة السطر الاول : “حين استيقظ غريغور سامبا في صباح يوم من الأيام إثر أحلام مضطربة ، وجد نفسه وقد تحول في سريره الى حشرة هائلة. ” رمى الكتاب جانبا وهو يقول لنفسه :” اللعنة ، انها تشبه الأسلوب الذي كانت تتحدث به جدتي” .\n\nبعد يوم قال لأحد اصدقائه : لقد وجدت مهنة تناسبني .. انها الكتابة.\n\nجلس ليكتب قصته الاولى، اختار لها اسم “الاستسلام الثالث” ، تدور فكرتها الرئيسية عن شخص غير متأكد ان كان حياً او ميتاً . وبالرغم من ان والده اخبره ان قصته مرتبكة ولا معنى لها ، لكنه جازف وارسلها الى احدى الصحف المحلية ، وبعد اسبوعين كان يجلس في المقهى ، ولدهشته شاهد عنوان قصته يغطي صفحة كاملة من الصحيفة . نادى على بائع الصحف ليشتري نسخة لكنه تحسس جيوبه ليكتشف انه لايملك الخمسة سينتافو ثمن الصحيفة ، عاد الى البيت وحاول ان يقنع شقيقته فسخرت منه ، ليستنجد بأحد اصدقائه حيث خرجا معا لشراء صحيفة “الاسسبكتادور” ليوم الثالث عشر من ايلول عام 1947 ليجدا على الصفحة الثالثة قصة “الاستسلام الثالث” لغابرييل غارسيا ماركيز.\n\n************\n\nقال لماكس برود انه كتب بالأمس رواية صغيرة الحجم ، ظل يكتب فيها من دون انقطاع في ليلة واحدة كان فيها مستسلما لخيال غير واقعي :”كتبت المسخ من دون توقف منذ العاشرة ليلا حتى السادسة صباحا ، ولم اكن قادرا على سحب ساقيَّ المتصلبتين من تحت الطاولة ، كان الارهاق الفظيع والبهجة اللذان تابعت من خلالهما تطور القصة يشبهان التقدم على الماء ، كنت احمل في اثناء تلك الليلة ثقلي الذاتي فوق ظهري مرات عديدة ” – كافكا اليوميات – ارسل نسخة من “المسخ” الى مجلة ادبية ، وكان الجواب انهم على استعداد لنشرها بشرط ان يختصرها . حين كتب كافكا هذه الرواية القصيرة، كان في السادسة والعشرين من العمر، وكان يحس أن نهايته تقترب، بسبب إصابته المبكرة بالداء الذي قضى عليه شاباً. كان رد فعله على طلب المجلة حاسما ، يمكنه تحمل فكرة ان لا تنشر الرواية ، لكن فكرة ان ينشر ويبتر كانت فكرة لاتحتمل ، فيكتب رسالة الى روبرت موزيل المسؤول عن التحرير : “لئن راودتك هذه الفكرة الغريبة في ان تطلب مني القيام فيها بتقطيعات للنص ، فلأن تعاقب الصفحات التي تؤلف “المسخ” يبدو لي الامر مملا ، لا استطيع حقا عمل اي شيء لكن ما يدهشني بوجه خاص هو انك تجهد في اقناعي ، متوهما اني اقل ذكاء منك “. ويضيف كافكا في رسالته الطويلة : “الرواية بالنسبة لي ليست نوعا ادبيا محددا ، و لافرعا من فروع شجرة الادب ، لن نفهم في الرواية اذا انكرنا ملهمنا الخاص وهو الانسان الذي يبدو اليوم بلا ملامح .” بعد خمس سنوات يبدا موزيل يتذكر رسالة كافكا وحديثه عن الانسان بلا ملامح ، وذات مساء يجلس موزيل الى مكتبه ليكتب رساله الى كافكا خاطبه فيها بالأب العزيز رغم انه يكبره بثلاثة اعوام ، وفي لفته غير مسبوقة قام موزيل باعادة نشر “المسخ” مع الرسالة التي يقول فيها : “لقد سألتني قبل سنوات انك لم ترد مني ان ابتر عملك الروائي ، وكالعادة لم استطع الرد عليك ، من ناحية بسبب الاحترام الذي اكنّه لك ، ومن ناحية اخرى لأنني لكي اجد تعليلا لهذا الجواب بدأت أبحث عن ملامح بطل قصتك ، فأكتشف ، ويا للرعب ، اننا جميعا تحولنا الى مسوخ بلا ملامح انسانية ” . وبعد عام يبدا موزيل بنشر الفصول الاولى من روايته المثيرة “انسان بلا ملامح” ساعيا لتحقيق هدف كافكا : ايجاد نوع من المصالحة مع الانسان الذي لم تحدده سمات ، لأنه الانسان نفسه ، لأنه الحياة نفسها ، والانسان والحياة لاضفاف لهما .\n\n************\n\nبعد مضي سنوات يقول غارسيا ماركيز انه عاد الى البيت وجلس الى آلته الكاتبة ، وتذكّر كاتبه المفضل كافكا ، تماما مثلما قرأه للمرة الاولى قبل عشرين عاما :”انني هذه المرة لم أنهض لأمضي ثمانية عشر شهرا أواصل الكتابة كل يوم” ، وقد اخبر صديقه فيدل كاسترو ان المشكلة الكبرى التي واجهته هذه المرة تمثلت في البدء بالكتابة ، فهو يتذكر اليوم الذي اكمل فيه الجملة الاولى بصعوبة بالغة : “بعد سنوات طويلة ، وأمام فصيل الإعدام تذكر الكولونيل اورلياندنو بوينديا ، عصر ذلك اليوم البعيد الذي اصطحبه فيه ابوه كي يتعرف الى الجليد” ، بعدها يسأل نفسه وهو في حالة من الهلع عن الجملة التالية ، ولم يكن يتوقع ان الكتابة هذه المرة ستصل الى نهاية معينة ، فقد ادرك ان عالم كافكا الغرائبي والساحر يتملكه ، بعد عشر صفحات وعند جملة “مات ملكيادس” قال لنفسه انه يستطيع الان ان يسترخي ويذهب باتجاه المطبخ ، كانت ميرثيديس تعد الغداء ، اقترب منها وهو يقول “هذه المرة لن يكون الأمر سيئا لقد اكتشفت طريقي” . يكتب ثمانمئة صفحة بطريقة متواصلة ، لكنه يقرر في النهاية ان يختصرها الى 400 صفحة ، وفيها سيروي لنا قصة اربعة اجيال من اسرة بوينديا ، التي تعيش في بلدة اركاتاكا ، لكنه يستعمل اسما آخر لها هو ماكوندو ، هو الان في الاربعين من عمره ، يدرك ان العمر يمضي سريعا وعليه ان يؤلف كتابا حول ذكريات طفولته وليس كتابا عن قصة عائلته ، وبدلا من ان يكتب رواية واقعية ، عليه ان يكتب شيئا اخر يجعله قريبا جدا من كافكا ، وبعد ان كان يتململ من الكتابة ويكتب في اليوم صفحة واحدة، الان هو يكتب عدة صفحات منقحة في اليوم الواحد ، والكاتب الذي كان يعاني من تسلسل الاحداث الواقعية فيما يكتبه ، بات الان يتلاعب بالاحداث فيدمج حياة جده مع حياة ابيه ، ويدمج جدته مع زوجته مرثيدس ، دامجا تاريخ اسرته بتاريخ اميركا اللاتينية . ومثل سيرفانتس وهو يكتب “دون كيخوته” حاول في “مئة عام من العزلة” ان يضع قواعد جديدة للرواية الحديثة ، موحدا المكونات الادبية : بورخس ، ستورياس، ورابليه ، بهمنغواي وفوكنر وديفو بمدونات الفتوحات الاسبانية . انتهاء الاسبوع الاول من الكتابة كان ماركيز قد قطع شوطا كبيرا ، وسرعان ما اكتشف انه بحاجة الى ان يعلق كل نشاطاته ، يكتب رساله الى صديقه كاسترو يطالبه بتأجيل لقائهما ، ثم يكتب رسالة اخرى الى وكالة الانباء التي يعمل فيها يخبرهم فيها بعدم تمكنه من الاستمرار في العمل ، وتخبره مارثيدس انه يقوم بمقامرة غريبة لرب اسرة يفترض فيه انه يفضل عائلته على الرواية ، بعد ذلك يخبر كاتب سيرته جيرلد مارتن “لم اكن واعيا بأي أمر ، كنت اعتقد انني مجرد رجل عليه ان يروي القصص والحكايات .”\n\nفي ايلول من عام 1965 كان ماركيز يذهب بولديه كل يوم الى المدرسة وبعد ان يعود يجلس الى مكتبه من الساعة الثامنة صباحا وحتى منتصف الغروب حابسا نفسه في غرفة صغيرة وغارقا وسط الدخان ولايظهر الا عند اوقات وجبات الطعام . لكن الغريب ان الجميع كان ينتظر هذا الكتاب ، ويتذكر ماركيز فيما بعد فيقول لبلينيو ميندوثا في رائحة الجوافة : “مارس الكتاب منذ اللحظة الاولى وقبل نشره بزمن طويل تأثير السحر على جميع الذين اصبحت لهم صلة بالكتاب ، اصدقاء كانوا او افراد عائلة وحتى الآخرين كالجزّار وصاحب البيت الذي نسكن فيه وغيرهم من الذين كانوا ينتظرونني كي افرغ من كتابته كي اسدد ديوني” ، كانوا مدينين لصاحب البيت بأجر ثمانية اشهر ، لما كان صاحب البيت يكثر في طلب نقوده قالت له زوجة ماركيز : انظر ما إن ينتهي من هذا الكتاب حتى تجد نقودك بين يديك ، وكانت قد سألت ماركيز متى ينتهي من الرواية فأخبرها ان أمامه خمسة اشهر ، عندئذ قالت للدائنين : عليكم الانتظار حتى ايلول المقبل . ومن بين الذين كانوا ينتظرون ماركيز ان ينتهي من الرواية ، الفتاة المريضة التي تشتغل على الالة الكاتبة. كان ماركيز يأخذ لها كل بضعة ايام ملزمة سبق ان نضدها وصححها بيده لتقوم بتنضيد نسخة خالية من الأخطاء ، كانت الفتاة تشكو من اخطائه الإملائية الفظيعة ، وذات يوم كادت الرواية ان تضيع حين تعرضت الفتاة الى حادث دهس وتطايرت الاوراق في جميع ارجاء الشارع ، بعد ذلك قالت ارياثا انها كانت تدعو صديقاتها كل نهاية اسبوع لتقرأ لهن ما يقدمه اليها غارسيا ماركيز من فصول الرواية .\n\n************\n\nفي مطلع عام 1966 كانت النقود قد تبخرت من البيت ، في الوقت الذي اخذت فيه الرواية تكبر وتكبر ، لكن الدائنين يزدادون ويزدادون ولم يجد من حل سوى ان يقود سيارته من طراز اوبل الى موقع بيع السيارات ليرجع بمبلغ من المال ، وعندما بدات النقود التي حصل عليها من ثمن السيارة تنفد، بدأت ميرثيدس تبيع كل شيء : التلفزيون ، والثلاجة والمذياع وماتبقى من حلي رخيصة ، وكان اخر شيء عندها مفرمة اللحم الكهربائية ، واقنعت مالك البيت ان ينتظر شهرا اخر ، اما صاحب محل الخضار والجزار فإقناعهم كان امرا صعبا للغاية .\n\nوبعد شهر وفي تمام الساعة الثامنة من صباح الثامن عشر من تشرين الاول عام 1966 صعد ماركيز الى غرفة النوم حيث مارثيدس غارقة في النوم استلقى على الفراش واخذ في البكاء ، لقد مات العقيد اوريلياندو ، وشعر حينها ان كل شيء انتهى . لقد اجهز على بطله وعلى الرواية في ان واحد ، لقد انتهت الان مرحلة مهمة من حياته وانتهت معها علاقة خاصة ربطته بأهم انسان في حياته وهو جده الذي فقده نهائيا وكان يتمنى ان الادب يستطيع بعثه من جديد .. لقد تمكن من انهاء الرواية واخبر صديقه الروائي فونتيس: “وصلت الرواية الى نهايتها الطبيعية اتمنى ان يلقى الكتاب رواجا.” كان اول عمل قام به ان ارسل نسخة منها لبلينيو مينوثا قبل ارسال نسخة الى دار النشر ، وتلقى كاسترو نسخة، فألغى اعماله لذلك اليوم وقرأها من البداية حتى النهاية واخبر شقيقه راؤول “لقد فعلها صديقنا وحقق الضربة القاضية التي كان يتمناها”، ثم سحب السيجار من بين شفتيه وطلب ان يتم الاتصال بماركيز ، يريد ان يقول له “لقد انجزت عملا مدهشا” .\n\n************\n\nالآن شعر ان باستطاعته ان يأخذ اجازة طويلة فهو استطاع اخيرا ان يرحل من عالم ماكدونو السحري ليبدا بالبحث عن عمل يوفر له بعض المال ، ويتذكر انه كتب مئات الصفحات ودخن ثلاثين الف سيجارة وانه كان مدينا بمئة وعشرين الف بيزوس وانه يشعر بعدم الامان ..بعد اسبوعين من الانتهاء من الرواية يرافق زوجته الى دائرة البريد لارسال المخطوطة النهائية الى الناشر في بوينس ايرس ، كان الاثنان اشبه بشحاذين يحملان رزمة تحتوي على اربعمئة وتسعين صفحة . وعندما قال لهما موظف البريد ان ثمن الطرد اثنان وثمانون بيزوس نظر ماركيز الى زوجته وهي تفتش في حافظة نقودها ، لم يكن لديها سوى خمسين بيزوس فاخبرهما الموظف ان بامكانهما ارسال نصف الطرد وطلب ماركيز من موظف البريد ان يقتطع النصف ويرسله. وما ان وصلا الى البيت حتى اكتشفا ان موظف البريد ارسل النصف الثاني من الرواية ، فلم يكن امامهما الا الذهاب الى اقرب الاصدقاء لاستدانة باقي المبلغ ليرسل النصف الاول ، وما ان خرجا من مبنى البريد حتى توقفت زوجته وهي تنظر اليه بأسى لتقول : ” والان ياعزيزي كل ما نحتاج اليه هو ان يفشل الكتاب ” .\n\n************\n\nفي الثلاثين من ايار عام 1967 صدرت “مئة عام من العزلة” بسعر دولارين ، كانت الفكرة المبدئية تتمثل باصدار ثلاثة الاف نسخة ، غير ان حماسة فونتيس ويوسا للرواية جعل الناشر يقرر ان يجازف ويطبع خمسة الاف نسخة ، وتوقعوا ان تباع الرواية في غصون عام واحد وبعد اسبوع بيعت الخمسة الاف الاولى، ويجد ماركيز نفسه على قائمة الكتاب الاكثر مبيعا في اميركا اللاتينية . لم يكتف الناشر بالطبعة الاولى فاصدر الثانية والثالثة والرابعة بعد شهر واحد، ثم قرر ان يصدر طبعة شعبية وهذه المرة ستكون المجازفة بمليون نسخة ستطرح مرة واحدة ، وتصدر الرواية في اسبانيا والارجنتين وكوبا في وقت واحد ، وتتاح الفرصة للعجوز بورخيس ان يقراها فيكتب رساله حماسية الى ماركيز يخبره انه احب الكتاب حبا جنونيا حاله حال حبه لبروست وانه من الان فصاعدا سيؤمن ان تثربانتس جديد يعيش بيننا .\n\nالعام 1982 كان مليار انسان في معظم ارجاء العالم قد قرأ مائة عام من العزلة ، وفي الوقت الذي كان موسم جائزة نوبل كان ماركيز قد اصدر روايتين بعد ذلك هما “خريف البطريك” و”ساعة نحس” ، وكما حدث في السنوات السابقة فإن اسم ماركيز طرح من جديد ، ولكن هذه المرة هناك اصرار على منحه نوبل ، ، في يوم السابع عشر من تشرين الاول عام 1982 كانت الصحف الكولمبية تتحدث عن رواية ماركيز الجديدة التي ستكون عن الحب ، وفيما كان ماركيز ومارثيدس جالسين الى مائدة الغداء اتصل بهما فونتيس ليقول ان كل الدلائل تشير الى ان الجائزة في حكم المنتهية لماركيز، لم ينبسا بكلمة واحدة نظر كل منهما الى الاخر وقررا ان يقضيا السهرة خارج البيت ، وبعد ان عادا فجرا لم يستطيعا النوم ، وعند السادسة صباحا اتصل نائب وزير خارجية السويد بمنزل ماركيز يخبره بحصوله على نوبل ، وعندما وضع ماركيز سماعة الهاتف التفت الى ميرثيدس وقال لقد اضحينا في ورطة ، ولم تمر دقائق حتى كان كاسترو على الهاتف وقال انه سمع الخبر للتو من فرانسوا ميتران الذي سمعه بدوره من رئيس وزراء السويد ، دقائق ويتصل الرئيس الكولومبي ، ثم يعاود كاسترو الاتصال قائلا : اخيرا تحقق العدل ، يؤسفني انني لا استطيع الحضور لتهنئتك بنفسي ، ان الاحتفالات تعم كوبا منذ اذاعة الخبر ، ثم كان ميتران على الهاتف بعده المعلم بورخيس والرئيس المكسيكي . وعلى مدى اسبوع ادعت كولومبيا وكوبا والمكسيك ان ماركيز هو مواطنها واديبها.\n\nبعد سنوات يكتب كارلوس فوينتيس: لدي شعور أن الكتّاب في أمريكا اللاتينية لا يمكنهم استخدام كلمة «عزلة» مرة أخرى؛ لأنهم يشعرون بالقلق من أن الناس سوف يعتقدون أنها إشارة الى الساحر ماركيز.",{"id":88,"text":89,"authorName":23},52944,"فـي صحبة الكتب..اسمحوا لي ان أقدم لكم نفسي: أنا البير كامو (2)\n\nالى رئيس التحرير مجلة الأزمنة الحديثة :\n\n\" لم تكن صداقتنا بالأمر الهين ، بيد انني سافقدها ، اذا انهيتها انت في اللحظة التي سمحت فيها بالاساءة المباشرة لي ، فذلك يعني دون شك انه كان ضروريا ان تنتهي ، امور كثيرة جذبتنا كلينا للآخر وقليل منها فرّق بيننا ، ولكن هذا القليل على قلته كان ولا يزال كثيراً جدا\".\n\nهذه الرسالة التي ارسلها صاحبها عام 1951 ، انهت صداقة بين اثنين من اشهر فلاسفة ومفكري القرن العشرين ، وهما جان بول سارتر والبير كامو.\n\nيتذكر كامو في دفاتر ملاحظاته التي صدرت ترجمتها العربية قبل عامين ، بثلاثة اجزاء ، ان علاقته بسارتر بدأت العام 1938 حين اكتشفه بالصدفة بعد ان اهداه صديق جزائري رواية : \"الغثيان\" ، ما ان اغلق الصفحة الاخيرة من الرواية حتى قرر الكتابة عنها ، آنذاك كان ينشر مقالات متفرقة في الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية ، يظهر المقال تحت عنوان \"درس في الادب\" : \"هذه اول رواية من كاتب لنا ان نتوقع منه كل شيء ، يالها من سكينة طبيعية جدا عند الحدود البعيدة للفكر الواعي ، ويالها من مؤشرات دالة على مواهب غير محدودية ، ونرى في كل هذا اساسا مكينا لكي نرحب بالغثيان باعتبارها اول الغيث في عقل اصيل مفعم حيوية ونشاطا ، ما يجعلنا نتحرق شوقا الى الآتي من دروسه\". لم يكن كامو قرر بعد ان يتجه لكتابة الرواية ، فقد كان يهوى النقد الادبي ، ونشر عددا من المقالات عن كتب صدرت حديثا مثل \"المزيفون\" لاندريه جيد ، و\"باهينا\" لجورج امادو ، و\"الاوراق القاحلة\" لهكسلي ، لكن انطوان روكتان بطل \"الغثيان\" جعله يسدل الستار على دور الناقد ، ليفتح الباب امام عالم الرواية الساحر . كان سارتر آنذاك يبلغ الثانية والثلاثين من عمره ، لم يصدر له من قبل سوى كتاب واحد بعنوان \"التخيل\" ، حاول فيه ان يقدم تفسيرا فرنسيا لفلسفة الالماني هوسرل ، ثاني اثنين يعشقهما سارتر ، ويعتبرهما اساتذته ، الاول طبعا هيدجر .\n\nومثلما حولت \"الغثيان\" سارتر من فيلسوف مبتدئ الى واحد من اشهر كتاب فرنسا ، استطاعت الرواية نفسها وبعباراتها المثيرة ان تستفز الشاب كامو ليصدر بعد عامين روايته \"الغريب\" التي عجلت بحصوله على نوبل عام 1957 ، قبل ان يحصل عليها معلمه سارتر عام 1964 ، وقد قيل انذاك ان احد أسباب رفض سارتر لها ان القائمين على الجائزة قدموا تلميذه عليه.\n\nكان عرض كامو لرواية \"الغثيان\" ينطوي على اعجاب كبير ، ومثلما تحكي رواية سارتر الشهيرة تحطم الحياة الهادئة لبطلها روكتان ، فإن \"الغريب\" تتناول عبء الحياة اليومية على بطلها ميرسو ، يكتب كامو في دفتر ملاحظاته : \" انه فكر مليا ببطل الغثيان ووجده قريبا الى نفسه ، انها اول رواية تعبر عنا بالصور الذهنية \".\n\nبعد سنوات يلتقي الشاب كامو بالمعلم سارتر ، اللقاء عام 1943 ، تم عند افتتاح مسرحية سارتر الشهيرة \"الذباب\" ، تقول سيمون دي بوفوار :\" كنت اقف مع سارتر حين اقبل علينا شاب وسيم وقدم نفسه : انا البير كامو ، كنت قد قرات له باعجاب روايته الغريب ، وطلبت من سارتر ان يقراها .\" وتضيف بوفوار:\" لقد وجدنا فيه شخصا جديرا بالحب \" .\n\n**********\n\n\"..او ربما كان ذلك بالامس ، لا ادري على وجه التحديد ، تلقيت برقية من البيت مؤادها ( امك ماتت .. الجنازة غدا ) ولا يعني هذا اي شيء ، اذ ربما كان ذلك بالامس \" ، يقرر ان يذهب لدفنها وهو حزين ، لكن بلا شعور بالاهتمام ، ثم يعود الى المدينة ليقابل الفتاة التي يحبها ، ويذهب معها الى السينما ، ثم يذهب مع صديقه الى ساحل البحر ، فيفاجأ ببعض الاشخاص يهددونهم بسكين ، ياخذ ميرسو من صديقه المسدس الذي يحمله خوفا من ان يتورط بجريمة قتل ، ويفترق الصديقان ، لكن ميرسو يلتقي صدفة من جديد بأعداء صديقه ، ويشهر احدهم سكينا، ويشاهد لمعان نصل السكين في الشمس التي تضرب اشعتها عينيه ، فيخرج المسدس ويطلق رصاصة على حامل السكين . \"صدفة سخيفة\" هكذا يقول للقضاة عندما حاكموه ، وهو يشرح لهم كيف انه ذهب لدفن امه ، ثم شاهد فيلما سينمائيا والتقى بصديقته ، واطلق الرصاص من دون سبب ، وتقرر المحكمة انه يستحق الاعدام رغم تعاطف المحلفين معه . في اليوم التالي تصفق باريس للكاتب الجديد الذي يريد ان يقول ان مأساة الانسان المعاصر تتلخص في عبث الحياة الذي نعيشه كل يوم ، رواية لا بداية لها ولا نهاية ، لكنها تعكس التحولات التي تجري على حياة الناس كل يوم .\n\n\" اما انا فقد كنت أصغي وأسمع انهم يرونني شخصاً ذكياً ، لكنني لم اكن افهم جيدا كيف يمكن ان تصبح سمات شخص عادي تهما فادحة \" . تقول جيرمين بري في كتابها \" البير كامو \" : \"ربما كان كامو يفكر في سارتر عندما خط هذه السطور من روايته الغريب ، غير انها تنطبق عليه شخصيا ، كأنه كان يتنبأ بما سيقدمه للناس \" .\n\nبعد عام على صدور \"الغريب\" يكتب سارتر في الاعداد الاولى من مجلة الأزمنة الحديثة :\" ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه ، بل هي جريمة اخرى سيفهمها فهما تاما في النهاية، عندما يدرك مستوى جديدا من الوعي ، ان رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث \" . قبل ذلك كان سارتر قد قرأ \"اسطورة سيزيف\" وهو يعد مسودات كتابه الكبير \"الوجود والعدم\" فيقرر ان ينشر مقالا مطولا عن كامو وسيزيفه فيكتب :\"العبث ليس كامنا في الانسان ولا في العالم اذا ما فكرنا في كل منهما بمعزل عن الآخر ، ولكن حيث ان الخاصية المهيمنة للانسان هي الوجود في العالم ، فان العبث في النهاية جزء لا انفصال له عن الظرف البشري ، ومن ثم لنقل بادئ ذي بدء ان العبث ليس موضوع فكرة مجردة ، وانما يتكشف لنا في استنارة باعثة على الحزن ، الاستيقاظ والتنقل بالسيارة واربع ساعات عمل وغداء ونوم والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة والسبت على النمط نفسه ، ثم فجأة ينهار المشهد ونجد انفسنا في حالة من وضوح الفكر العضال\" . يكتشف سارتر في الغريب واسطورة سيزيف نمطا جديدا من الكتابة يستلهم الوجودية لكنه يخلطها بالعبث ، فيما بعد بسنوات يقول سارتر:\"الشعور بالعبث يسطع وجه الانسان عند اية زاوية من زوايا الطريق\" ونجد في صفحات اسطورة سيزيف كلمات قريبة ممما قاله بطل الغثيان ، واذا قلبنا الصفحة الاولى من كتاب كامو سنجد اسم رواية سارتر يشار اليه بشكل واضح :\" هذا الغثيان كما يسميه كاتب من كتاب اليوم هو ايضا العبث .\"\n\n**********\n\nتكتب سيمون دي بوفوار : \" كان كامو قبل خلافه مع سارتر هو الشخص الذي نجد في صحبته مصدرا للاستمتاع والمرح الى اقصى حد ، رأينا في علاقتنا به صفقة كبيرة اذ تبادلنا قصصا لاحصر لها ، كان بسيطا يفيض مرحا ، لكنه في المقابل كان يتحرق شوقا للنجاح والشهرة ولم يكن يخفي هذا ، واعتاد بين الحين والاخر ان يبدو في صورة الشاب الطموح على الرغم من انه معدم لكنه كان بسيطا رائق المزاج \" .\n\nهذا الذي كتبته دي بوفوار كان قد نشر في كتابها الشبيه بالسيرة الذاتية \"قوة الاشياء\" وفيه نراها كثيرا ما تردد اسم كامو وتبدو كانها معنية بافكارة وتطوره الادبي والفني ، ونكتشف في خفايا اوراق دي بوفوار انها حاولت ان تقدم نفسها كعاشقة لكنه صدها ما دفعها لأن تكتب في صفحات اخرى من الكتاب :\" انه فظ فج ضيق الصدر \" ، ولم تعرف انه راى فيها امراة غير جذابه وانه قال يوما لميرلوبونتي :\" ماذا عساها ان تقول وهي على الوسادة ، يالهول مثل هذه الامرأة المثقفة الثرثارة ، انها شيء غير محتمل\" . كانت تعرف ان سارتر معجب بكامو الاديب ، وان هذا الشاب الجزائري ينظر الى صاحب الغثيان نظرة التلميذ ، ووضعت وصفا مثيرا لها ولكامو ، بأنهما كانا في الايام الاولى يتنافسان على سارتر \" كنا اشبه بكلبين يتناوبان قطعة عظم ، قطعة العظم هي سارتر وكلانا يريدها.\"\n\n**********\n\nظل كتاب كامو الشهير \"الانسان المتمرد\" الذي صدر بالعربية عام 1965 ، لا يحظى بالاهتمام من القراء العرب الذين وجدوا في روايات صاحب \"الغريب \" ومسرحياته متعة تفوق كتبه الفلسفية التي انشغلوا عنها بما كتبه سارتر عن الوجودية وغرائبها ، ولم يعرف القارئ العربي للاسف كامو الفيلسوف حيث طغت صورة المعلم سارتر على صور معظم تلامذته وابناء جيله ، وظل هو وحده الذي يحظى بالاهتمام والمناقشة .. و\"الإنسان المتمرد\" الصادر عام 1951 اعتبره البعض اسهاما بارزا في النظرة المناهضة للماركسية ، واعتبره اخرون فهما جديدا للفكر اليساري يتصف بالحيوية والنقاء ، وكان من اهمية هذا الكتاب انه اثار هجوما عنيفا من قبل مجلة \"الازمنة الحديثة\"، وأصبح سببا في القطيعة الشهيرة مع سارتر .\n\nكان الخلاف بين المعلم والتلميذ حديث باريس ، فقد ندد كامو في المتمرد بالاستبداد الستاليني ، وهاجم سارتر على نحو خفي لتعاطفه مع الحملة الستالينية ، وكما راى كامو فإن المتمرد لديه عقل مستقل في حين ان الثوري هو شخص تسلطي يعقلن القتل دائما ، وقد حاول كامو ان يبرهن ان العنف دائما غير مبرر حتى اذا كان وسيلة لغاية .\n\nفي اجتماعات هيئة تحرير \"الأزمنة الحديثة\" تجري مناقشات حامية حول المتمرد ، من منهم سيكتب نقدا عنه ؟ اخيرا وقع الاختيار على فرانسيس جانسون الذي كتب مقالة نقدية قاسية اكثر مما طلب منه سارتر ان تكون ، لكنه كرئيس تحرير للمجلة مررها دون اية اضافات او تعديل\n\nشعر كامو بالخيانة وفي الرد الذي بعثه الى المجلة يعبر عن غضبه ازاء ما اعتبره تشويها فاضحا ومنافيا للذوق لكل ماجاء في كتابه \"الانسان المتمرد\" ، ورغم ان سارتر لم يكتب شيئا ضد الكتاب ، الا ان كامو ظل يعتقد ان محرر المجلة كتب المقال بوحي من سارتر: \"اخيرا لا احد سوى صحيفتكم سيراوده التفكير في الطعن في الدعوى بأنه اذا كان ثمة تطور قد حدث من رواية الغريب الى الطاعون ، فان هذا التطور مضى في طريق الانسان المتمرد ، لكنكم تريدون ان تثبتوا للاسف انني في هذا الكتاب منفصل عن الواقع والتاريخ \" . والمقال الذي نشر في 17 صفحة يغمز فيه كامو من قناة سارتر ويحاول ان يصور للقارئ ان كاتب مقال الهجوم على الانسان المتمرد هو سارتر لاغيره .\n\nلم يسكت سارتر امام هذا الهجوم الشديد ، فأراد ان يقدم درسا قاسيا لتلميذه فيكتب مقالا مطولاً في الأزمنة الحديثة :\"من المؤسف ان تضعني عن عمد امام محكمة وبمثل هذه اللهجة القبيحة ، بحيث أصبحت عاجزا عن التزام الصمت من دون ان افقد ماء وجهي ، لذلك سوف اجيبك من دون غضب ، ولكن في اسهاب لاول مرة منذ عرفتك . ان جمعك بين تصورات كئيبة وموقف هش حال دائما بينك وبين الناس ، واطلاعك على الحقيقة من دون تجميل او مواربة ، والنتيجة انك اصبحت ضحية زهو اخرق ، يخفي مشكلاتك التي تطوي عليها صدرك .. عاجلا ام اجلا سيخبرك احدهم بهذا ، وربما من الافضل ان اكون انا .\"\n\nكانت رسالة كامو حادة ، فجاء رد سارتر موجعا . تتذكر سيمون دي بوفوار ان انقطاع العلاقات بين سارتر وكامو كان اشبه بنهاية قصة حب ، وهي تعترف انها انحازت الى سارتر وستكتب في قوة الاشياء : \" كامو الذي كان عزيزا علي لم يعد له وجود بالنسبة لي. \"\n\nمنذ عام 1951 لم يتحدث سارتر ولا بوفوار مع كامو ، لكنهم كتبوا عنه يوم وفاته بحادث سيارة مقالين منفصلين كانا غاية في الرقة والوفاء لصديق سنوات الخوف والحرية والبهجة، كما وصفه سارتر في نعيه.\n\n**********\n\nفي نهاية عام 1959 تنشر غاليمار رواية كامو الاخيرة التي كانت اشبه بالسيرة الذاتية ، ولأنه لا يزال يعتبر ان سيمون دي بوفوار ليست طرفا في الخلاف مع سارتر ارسل لها نسخة من الكتاب مع اهداء يقول فيه :\"اعرف انك لن تقرئي هذا الكتاب الان ، لكنه سيثير اهتمامك في يوم من الايام\" . لم يكن كامو يعرف انه يتنأ بنهاية خلافه مع سارتر وبوفوار فبعد اسابيع قليلة يسافر مع صديقه صاحب دار النشر الشهيرة غاليمار ، وفي الطريق تفلت السيارة من السيطرة وترتطم بشجرة ، صباح اليوم التالي كانت بوفوار تجلس كعادتها تقرا في الصحف صمت ، لتقع عينها على صورة كامو مضرجا بدمه ، مع عنوان كبير : \"مات المتمرد .\"\n\n**********\n\n\" يمثل كامو في هذا القرن ،وضد حركة التاريخ ، الوريث المعاصر لتلك السلسلة الطويلة من فلاسفة الاخلاق الذين قد تشكل اعمالهم الاكثر اصالة في الكتابات الفرنسية ، ففي صفائها وبساطتها وحسيتها شنت نزعته الانسانية العنيدة حربا غير مضمونة العواقب على احداث ذلك الزمان، ولكنه على غير ذلك استطاع بصرامة مواقفه الرافضة ان يشدد على وجود الحقيقة الاخلاقية في قلب الحقيقة التاريخية التي نعيش فيها ، ضد انصار الميكافيلية وضد عجل الواقعية الذهبي\" ، كانت هذه مرثية سارتر لكامو التي جاءت بعد ايام قليلة على رحيله ، ليقدم فيها اعتذارا عن سنوات الفراق والهجر والخصام و مراجعه لآرائه حول فيلسوف التمرد والعبث .\n\n**********\n\nفي ساعات الصباح الباكرة تسللت من شقتها باتجاه المستشفى الذي نقلوا اليه جثمان كامو ، شاهدت حشدا كبيرا امام المستشفى ، خافت ان يعرفها البعض فتسللت من الباب الخلفي ، وصلت الى الغرفة ، لم تجد احد سوى ممرضة شابة طلبت منها ان تتركها لوحدها مع الميت، سحبت الشرشف شاهدت اثار الدماء واضحة على الوجه ، همت بالاستلقاء الى جانبه ، دخلت عليها الممرضة مسرعة :\"ارجوك لاتفعلي ذلك\" . كانت تشعر بألم رهيب ، حاولت ان تغمض عينيها، الا ان الممرضة اخبرتها ان هناك من يتقدم صوب الغرفة ، انسحبت بهدوء ، ذهبت مسرعة الى شقتها ، تجلس على مكتبها لتكتب . في الصباح تنشر صحيفة لبيراسيون على صفحتها الاولى مقالا بعنوان \"سنواتنا مع البير كامو\" بقلم : سيمون دي بوفوار.",{"id":91,"text":92,"authorName":23},52943,"في صحبة الكتب \u002F ماركس وتلميذه المشاغب سارتر\n\n• الزمان العام 1977 الساعة السادسة عصرا\n\n• المكان : مقهى في بغداد الجديدة تجاور سينما البيضاء\n\nجئت الى المكان قبل ساعات ، كنت منهمكا بحل الغاز الجزء الاول من مختارات ماركس وانجلز التي اصدرتها دار التقدم انذاك ، هناك التقيت للمرة الاولى صديقي الشاعر والمترجم قحطان جاسم ، ، كنت شابا مهوسا بالقراءة ، وكان هو الشيوعي الملتزم الذي تداعب خياله احلام الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ، وجه أنيس تراه فتتعلق به ، عينان ضاحكتان ، دائما هناك ابتسامة خفيفة على شفتيه ، انا كنت منهمكا بحل الغاز الجزء الاول من مختارات ماركس وانجلز ، وهو كان يقلب صحيفة الفكر الجديد ، في تلك السنة كانت هناك معركة على صفحات الفكر الجديد بين المرحوم سامي محمد واستاذنا كاميران قرداغي حول دستويفسكي ، واتذكر حينها انني كنت الى جانب اراء قرداغي ، ففي ذلك الوقت كنت قد قرات كتابا لايمكن ان انساه حتى هذه اللحظة ، وما تزال سطوره راسخة في ذاكرتي ، الكتاب بعنوان الواقعية اليوم وابدا لمؤلف اسمع به للمرة الاولى ” بوريس بورسوف ” وفيه يعالج النظريات الادبية الحديثة ، الغريب ان الكتاب خلا من اسم المترجم ، وقد سألت وبحثت ، فعرفت ان الاستاذ قرداغي هو من ترجم الكتاب بلغة صافية ، لكن وزارة الاعلام العراقية ، والتي كانت تصدر سلسلة الكتب المترجمة ، حذفت اسم المترجم الذي قيل لي انه ذهب الى الجبال لينضم الى الثورة الكردية ، وفي هذا الكتاب العجيب قرات للمرة الاولى نقدا لكتاب الواقعية بلا ضفاف لروجيه غارودي ، والذي كنت اسمع باسمه فقط باعتباره مطرودا الحزب الشيوعي الفرنسي ، بعدها بدات بقراءة غارودي ، ليس فقط دراساته في الادب الحديث وانما كتبه في شرح الماركسية ونقده العنيف لبعض حراسها المتجهمين، ، ولا يزال كتابه عن ” كارل ماركس ” من اجمل واغنى ما قرات ، طبعا فيما بعد ظهر كتاب جميل ، لفرنسي اخر اسمه جاك اتالي بعنوان” ماركس ارادة العالم ” وفيه ياخذنا مستشارالرئيس الراحل فرنسوا ميتيران في جوله ممتعه حول كتاب ماركس الشهير راس المال وما يتعلق بهذا الكتاب من أحداث ومفارقات، وكيفية كتابته والسنوات التي قضاها ماركس يحاول اقناع الناشرين باهمية كتابه حتى انه قال لاحدهم : ” بعدما اموت سيتحول هذا الكتاب الى نصب تذكاري لي ”\n\nاعود الى لقائي بصديقي قحطان جاسم الذي وضع الصحيفة جانبا ونظر الي وهو يبتسم ، ثم علق بصوت خفيض :” هل من المعقول تريد ان تفهم ماركس في المقهى .. هذه الكتب لا تقرا الا في هدوء تام فهي ليست رواية للمتعة ، انها محاضرات في الفكر والاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع ” .. كان هذا هو الدرس الاول الذي تعلمت فيه كيف ومتى اختار الكتاب الذي اقراه ، في ذلك الحين كنت مهوسا بكتب سارتر ومتعلقا بسيرة ماركس .. وكنت اتحول الى طفل حين اعثر على كتاب جديد لسارتر ، او اسمع حديث عن ماركس ، وكان الشاعر الصديق عادل عبد الله يحمل لواء الوجودية في بغداد الجديدة ولهذا كنت دائم الالتصاق به والحديث معه عن معنى الحب في ثلاثية سارتر دروب الحرية ، وعن مفهوم ” الاخرون هم الجحيم ” في ” سجناء الطونا ” .\n\n*******************\n\nالزمان : العام 1906\n\nالمكان : باريس شارع لوغوف\n\nالطفل الذي رحل والده قبل عام ، كان موته”أكبر ضربة حظ. لم يكن عليّ أن أنساه”. هكذا يخبرنا في كتابه الكلمات ، والذي فيه ايضا لاينسى ان يسخر من فرويد ومقولته الشهيرة من ان الطفولة تقرر مصير الفرد ، فقد كان طفلا خجولا ، وكانت امه تصر على ان تلبسه ثياب البنات ، لكنه تعلق بجده : ” انه صاحب التاثير الاكبر على نشاتي ” بعد سنوات ستقول عنه سيمون دي بوفوار : ” انه اكبر انجاز في حياتي ” كان اصغر من تقدم لنيل شهادة الفلسفة ، وحين حاصرة الاساتذة بالاسئلة سخر منهم وهو يتطلع من النافذة :” استطيع ان اجادل نيتشه واعلمه كيف يمكن للانسان ان يكون حرا باختياره ” تتحقق نبوئته ويصبح اشهر فلاسفة القرن العشرين ، لم تجتمع لمفكر غيره الشهرة وقوة التاثير والتنوع في الكتابة .. اصبحت الوجودية معلماً من معالم العصر الحديث ، تسربت من الكتب لتدخل الى المقاهي وشاشات السينما والنوادي الليلية ، وتفشت فلسفته حتى اعتقد اصحاب ماركس ان الرجل سيسحب البساط من صاحب راس المال ، مما دفع روجيه غارودي لان يكتب بعد صدور مؤلف سارتر الضخم ” نقد المنطق الديالكتيكي وا ” : ” يبدو هذا الكتاب اشبه بالتحدي لموقف الماركسية من الفلسفات الاخرى ” وبرغم العديد من الكتب التي صنفت سارتر باعتباره فيلسوف الوجودية ، الا ان الرجل وهو الذي كتب اصعب كتاباً في الفلسفة ” الوجود والعدم ” يرفض ان يكون فيلسوفا ، فقد ظل الى اللحظة الاخيرة من حياته يعتبر نفسه مفكرا ويعتبر الوجودية فكرة كما اخبرنا في اخر كتبه ” نقد المنطق الديالكتيكي ” عن الماركسية التي توقفت والتي سيعاد احيائها من خلال الوجودية .. وكان سارتر قد اصدر من قبل في سلسلة كتبه ” مواقف ” كتابا بعنوان المادية والثورة – سلسلة مواقف قدمتها دار الاداب مترجمة الى العربية بسبعة اجزاء وهذا الجزء كان من ترجمة واحدا من ابرز اساتذة الفلسفة في الوطن العربي عبد الفتاح الديدي –تحدث فيه عن الخطر الذي اصاب الماركسية والذي اسماه الكسل الفكري وهو يعترض على المقولة التي يؤكد اصحابها ان الماركسية قد اكتملت ولم يعد هناك من جديد يكتشف ، حيث يرى ان الفكر هو حالة متحركة لاتقبل السكون ، وانها الماركسية حين تتعرض للتثبيت فانها تصبح جامدة .. ويرى سارتر في الاحزاب الشيوعية انها انكرت الماركسية لان الماركسية منذ نشاتها لم تتقولب او تتجمد ، لكنها نجحت في تفسير الظواهر الانسانية والاجتماعية والتاريخ ، فاذا بالماركسيين حسب قوله يحاولون انكار كل تقدم ويتساءل سارتر ما معنى هذا الجمود الفكري ؟ ليصل الى نتيجة يقول فيها : ” ان الماركسيين اكتشفوا صبيحة عام 1956 انهم لم يكونوا ماركسيين قط بل كانوا ستالينيين فقط ، ونراه يشن هجوما كبيرا على افكار ستالين التي قال انها تلاعبت بفكر نبيل مثل الفكر الماركسي ، فيصدر كتابه الشهير شبح ستالين .. وفي هذا الكتاب يحاول ان ينازع الماركسيين على تراث ماركس ، فهو يؤمن بان الوجودية ظهرت واستمرت لان الماركسيين جمدوا الماركسية ، والغريب ان سارتر في حوار اجراه معه موريس كرانستون -ترجمه الى العربية احدى دعاة الفلسفة الوجودية في العالم العربي مجاهد عبد المنعم مجاهد – يقول لمحاوره انه سنة 1925 اخذ في قراءة كتاب راس المال لماركس انذاك ولم يفهم منه شيئا، فكرر المحاولة بعد عام لان الذي كان يعنيه ليست قراءة ماركس وانما فهمه ” .\n\nفي مسرحيته جلسة سرية يقول سارتر على لسان غارسيان :” لقد تركت حياتي في ايديهم ” .. لم يترك سارتر حياته في ايدي قراء الفلسفة ومحبي الادب فقط ، لكنه ترك لهم عالما رحبا من الكلمات والافكار والمعارك السياسية والاهم النضال في سبيل الفكرة ، اليس هو القائل :” كل فكرة صحيحة هي انتصار ”",[94,100,106,111,116,121,126,131],{"id":95,"title":96,"coverUrl":97,"authorName":22,"avgRating":98,"views":99},255101,"سؤال الحب من تولستوي إلى أينشتاين","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002FJul18\u002Fraffy.ws_2551011015521530555884.jpg",3,12595,{"id":101,"title":102,"coverUrl":103,"authorName":22,"avgRating":104,"views":105},247332,"دعونا نتفلسف .. كيف استطاع 25 مفكراً تغيير حياتنا","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002FNov17\u002Fraffy.ws_2473322337421509780357.jpg",3.3,2956,{"id":107,"title":108,"coverUrl":109,"authorName":22,"avgRating":13,"views":110},247331,"أنت طالق","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002FNov17\u002Fraffy.ws_2473311337421509780292.jpg",624,{"id":112,"title":113,"coverUrl":114,"authorName":22,"avgRating":98,"views":115},256532,"غوايات القراءة","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002FMar19\u002Fraffy.ws_2565322356521552415051.jpg",324,{"id":117,"title":118,"coverUrl":119,"authorName":22,"avgRating":13,"views":120},474321,"برميل سارتر","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fbulk-covers\u002Flbb420264-421038.jpg",83,{"id":122,"title":123,"coverUrl":124,"authorName":22,"avgRating":13,"views":125},383280,"لماذا نقرأ الكتب المملة؟","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fbulk-covers\u002Flbb407427-406573.jpg",80,{"id":127,"title":128,"coverUrl":129,"authorName":22,"avgRating":13,"views":130},408492,"مائدة كورونا ؛ مفكرون وأدباء في مواجهة الجائحة","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fbulk-covers\u002Fsab37135-20037303.jpg",79,{"id":132,"title":133,"coverUrl":134,"authorName":22,"avgRating":13,"views":135},442084,"الموسوعة الشاملة في ترشيد القرارات الإدارية","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fbulk-covers\u002Flbb220830-196536.gif",78,{"books":137},[138,140,141,143,148,152,157,159],{"id":101,"title":102,"coverUrl":103,"authorName":22,"ratingsCount":6,"readsCount":139,"views":105},8,{"id":95,"title":96,"coverUrl":97,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":14,"views":99},{"id":112,"title":113,"coverUrl":114,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":142,"views":115},2,{"id":144,"title":145,"coverUrl":146,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":13,"views":147},404376,"أحفاد سقراط ؛ قصة الغرام بالفلسفة من أرسطو إلى ميرلو بونتي","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fbulk-covers\u002Flbb361310-356953.jpg",288,{"id":149,"title":118,"coverUrl":150,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":13,"views":151},351043,"https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fraffynf-covers\u002Flbb420264-421138.jpg",419,{"id":153,"title":154,"coverUrl":155,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":13,"views":156},394015,"الاطرالقانونية للعملية الانتخابية","https:\u002F\u002Fcdn.raffy.me\u002Fresize\u002F200x300\u002FBooks\u002Fbulk-covers\u002Fegb285493-5303716.jpg",493,{"id":122,"title":123,"coverUrl":124,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":13,"views":158},144,{"id":117,"title":118,"coverUrl":119,"authorName":22,"ratingsCount":13,"readsCount":13,"views":160},273]