تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب اختلاط المواسم أو وليمة القتل الكبرى
مجاني

اختلاط المواسم أو وليمة القتل الكبرى

0.0(٠ تقييم)
سنة النشر
2018
ISBN
9786140242609
المطالعات
٣٧١

عن الكتاب

تحكي رواية "اختلاط المواسم" قصة الشاب الجزائري "القاتل"، يفتح باب السرد بأسئلة وجودية: "ما الحقيقة؟ ما الموت؟ ما الخير؟ ما الشر؟" أسئلة دون أجوبة في وسط حياة عائلية سماتها الفقر والبؤس. القاتل يمارس القتل لأول مرة ويكتشفه بعد قتل قطة، وبعدها يقتنع أن بداخله قوة خفية تدفعه إلى القتل والتلذذ به. وفي أيام المحنة الوطنية ينخرط في فرقة الموت للدرك الوطني، للتصدي للمسلحين الإرهابيين الذين راحوا يحصدون الأرواح كل يوم (سنة 1994)، وصار قاتلا محترفا بتنفيذ عمليات ليلية بكل سعادة. تتابع الرواية مصيره وتحكي قصص ووقائع شبان جزائريين فتحوا أعينهم للدنيا في زمن التوحش البشري الذي يعيث فيه الإنسان فسادا وهلاكا ولا يولي للحياة الإنسانية معنىً ولا عنوانا.

عن المؤلف

بشير مفتي
بشير مفتي

كاتب وصحفي جزائري ولد عام 1969 بالجزائر العاصمة٬ أصدر العديد من الأعمال القصصية والروائية من بينها "أرخبيل الذباب" (2000) ٬"شاهد العتمة" (2002)٬ "بخور السراب" (2005)٬ "أشجار القيامة" (2007)٬ "خرائط لش

اقتباسات من الكتاب

ما الحقيقة؟ ما الله؟ ما العدم؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما الشر؟ وما الخير؟ ما أكثر الأسئلة، وما أقل الأجوبة! ما أكثر ما يمزقنا في الداخل، وما أقل ما يريحنا في الخارج! ما أكثر ما نواجه من الشكوك، وما أقل ما نحصل عليه من نعمة اليقين والطمأنينة! الحياة كما يقول الناس: «مرة رائعة ومرة سيئة، مرة جميلة -أو نحسها كذلك- ومرة قبيحة قذرة، ولا نرى فيها نقطة جمال واحدة!». الحياة هكذا مليئة بالمتناقضات، مليئة بالمآسي والشرور، مليئة بكل شيء ولا شيء، مزيج من عناصر سالبة وموجبة، وعليها تقوم الحياة. كان ذلك الاكتشاف رائعًا للغاية يوم عرفت أنَّ الموجب وحده لا نفع منه، والسالب بمفرده لا فائدة منه، ولكنَّ الطاقة تحدث من تلاقي الضدين، الانفجار يحدث من بارد وساخن، من عقل ووجدان، من جسد يشتهي وروح تتسامى، من هذه الأضداد خُلقنا، ومن هذه الأضداد تنفجر المآسي، عندما يحدث الخلل، طرف يغلب طرفًا آخر، جهة تهزم الجهة المضادة. التعاكس الذي بَدَل أن ينتج الحياة ينتج التراجيديا والموت، تُولَد المأساة في الروح أولًا، تصيبها بلوثة سوداء -ربما مصدرها عالم الداخل الغامض، أو من عالم غيبي يصعب الوصول إليه- قبل أن تنطلق الروح المأساوية في حرب ضروس لإثبات تلك المأساة في الواقع، فتقحم تلك الأشياء السوداء في وجود الآخرين. لا أدري إن كنت أتكلم بحكمة أم بجنون؟! وهل سيستوعب الناس كلامي الآن، مع أنَّني في هذه اللحظة أنشد الاعتراف والخلاص، أنشد السكينة. لقد تعبت من ذلك كله، أريد أن أصل إلى الحكمة الأخيرة من هذا المسار الملعون: مساري الخاص، تجربتي في الحياة التي سارت في هذا الطريق ولم تحد عنه كأنَّها قَدرٌ سماوي، رغم أنِّي منذ صغري كنت أشكُّ في وجود شيء في السماء. أعذروني؛ لأنِّي أختلف عنكم! لأنِّي لا أشبهكم! بعض الناس يولدون طيبين بقيم الخير والحب، وبعض الناس يولدون في بئر الكراهية، يولدون مزوَّدين بالحقد، محمولين على أجنحة الشرِّ، يعيشون مع الآخرين دون أن يشاركوهم الكثير من تلك المشاعر والقيم التي يتقاسمونها مع بعض، يجدون أنفسهم في عزلة منذ الصغر. حالتهم غريبة، ينظر إليهم البعض على أنَّهم عباقرة، ناس يملكون شيئًا خاصًّا لا تملكه البقية. شيء ما يظهر في ملامح وجوههم، في نظرتهم السارحة، مشاعرهم غير المعبر عنها بوضوح، يحملون جيناتهم المغايرة، فكرتهم المختلفة التي تقوم على عكس ما يعتقد فيه الأغلبية. لعلِّي كنت هكذا منذ الصغر، بروح كثيفة السواد، هل هذا وصف طبيعي؟ لا أدري. الطفولة ترتسم في عقول البشر كمرحلة براءة، إلَّا أنِّي منذ الطفولة رأيت نفسي بهذه القتامة، دون قدرة على الفهم أو الشرح، ولم يكن يوجد في الطفولة من ينتبه لشيء كهذا، شيء مروِّع يسكنني، شيء مخيف يستطيع أن يفعل الشر دون أن يعتريه إحساس بالذنب. هل كنت عديم الإحساس؟! لا؛ مطلقًا. كانت عندي مشاعري المشوشة. كنت أحب أمي وأعطف عليها كثيرًا، وأكرهها من حين لآخر مع والدِي لأنَّهما أنجباني في سنٍّ متأخرة. كانت أمي في الخامسة والأربعين وأبي يقارب الستين، وُلدت في بيت عجائز مسكونٍ بالصمت والوحشة، ولم يُتحْ لي الزمن معرفة سبب تأخرهما في قرار الإنجاب رغم أنَّهما تزوجا في مرحلة الشباب، وكان يجمعهما حب قويٌّ ومثيرٌ، وكان يظهر ذلك في علاقتهما المترابطة والمتراصة، وفي تفاهمهما الكامل عندما تحدث مشكلات أو تواجههما ظروف صعبة، شاهدت هذا في أكثر من موقف. وبالنسبة إليّ أعطياني كل ما يقدران على إعطائه: من محبة ورفق وتعليم واهتمام. لقد جئت إلى حياتهما باختيارهما، لقد أراداني؛ فكنتُ، ولم يبخلا عليَّ بشيء. لم أعرف أي نوع من الحرمان في طفولتي، كل ما أريده أحصل عليه، كانا يتدبران أمرهما كي أحصل على ما أرغب فيه، حتى السفر كانا يأخذاني معهما في رحلات قصيرة إلى مدن عديدة من العالم. وكان من المفروض أن يكون كل ذلك دعامة قويَّة في تربيتي على تقديس الحياة وحب الجمال، وإن كنت في الصغر قد تفطنت لبعض الخصوصيات التي تُميِّزني، وبعض المشاعر المضطربة التي تُلِّم بي، والكوابيس التي لا أفقه سرها حيث تطاردني ليلًا فأنهض مفزوعًا والعرق يتصبب من كامل مسامات جلدي؛ إلَّا أنِّي لم أتصورني مختلفًا تمامًا، وظننت أنَّ حالتي بالرغم من كل شيء لم تكن خاصة، وربما هي سمة جميع الصغار في ذلك الوقت؛ لأنِّي لم أكن أستطيع التمييز أو المقارنة مع غيري. هذا إلى جانب أنِّي كنت أنفر من الأطفال من مثل سني، وحتى عندما دخلت المدرسة كنت أشعر بعدم رغبة في الحديث أو اللعب معهم؛ إلَّا أنَّني كنت شديد العدوانية، ولم كن أتسامح مع من يخطأ في حقي؛ فأصبحت مكروهًا من طرفهم، ويتخوفون منِّي في الوقت نفسه، ذلك أنَّ واحدًا منهم حاول السخرية منِّي فدفعته بكل قوتي فسقط على الأرض وسال الدم من قدميه وراح يبكي ويصرخ. وتعرضي للضرب من طرف المعلم الذي شاهد الحادثة، لم يضعفني، بل جعلني أكثر تماسكًا وقوة، لقد صمت أمام جَلده الذي دام عشر دقائق تقريبًا. لقد أحمرّت مؤخرتي حينها وتعذبت ليلًا بسبب ذلك، لكنني كتمت ذلك وكنت من القوة بحيث لم يظهر على ملامحي أيُّ علامة ضعف أو شيء يذكر. ولم أخبر والدي بالحادثة، لكني صرت مُهابًا من الجميع، كانت تلك الحادثة مؤثرة في الآخرين أكثر ممَّا أثرت فيَّ. لقد كنت متفوقًا في الدراسة، لكن لم أكن أشارك في الحصص، أميل إلى الصمت، حتى يظن المعلمون أنِّي جاهل وأحمق، فيريدون السخرية منِّي ويطلبون إجابات عن أسئلة يطرحونها حتى يخلقوا مشهدًا مسرحيًّا هزليًّا أمام تلاميذهم، فأردُّ عليهم بثقة وترفع فتتحول سخريتهم إلى استغراب واندهاش كبيرين، فكان ذلك يدفعهم لتركي لحالي، ولقد كان ذلك هو المقصود. أنا لا أرغب في المشاركة داخل القسم، ولا اللعب مع الأطفال، دعوني أقضي عقوبتي تلك بصمت وهدوء أحسن، لكن التلاميذ لا يأخذون العبر ممَّا حدث، ولا يرحمون بعضهم بعضًا، لقد اتفقوا على مواجهتي مرة أخرى حتى يعطوني درسًا حينها. كنت أعيش خارج الجماعة، وكان هذا بالنسبة إليهم شيئًا ضارًّا، فإمَّا أن تكون معنا أو لن نتركك تتنعم بوحدتك بسلام! أذكر أنَّ ذلك حدث بعد نهاية الدراسة، كانوا ثلاثة أغلبهم ذوو أجساد خشنة على عكسي. كنت لحسن حظي قد جهزت نفسي لكل الاحتمالات، وبقيت أنظر لهم، وكانت نظرتي دائمًا ثاقبة، مؤذية، وحدها قادرة على إرسال شرارات قاتلة وخلْق بعضِ الذعر في الخصم، لكن الثلاثة كانوا على استعداد كامل لإعطائي الدرس ولإهانتي، فلم تفعل قوة نظراتي شيئًا غير أنَّها أشعرتهم بقوتي، وأن كونهم ثلاثة لن يجعلني أخاف أو أهرب، بل كان الهرب غير مبرمج نهائيًّا في ذهني. كنت على استعداد للقتال حتى الموت، رغم أنِّي كنت في السنة الحادية عشرة، وهم في نفس سني تقريبًا، لسوء حظهم كنت جاهزًا للمعركة، لقد أحضرت معي سكينًا من المطبخ، وعندما أخرجته أمامهم شاهدت حينها بأم عينيَّ ذلك الفزع الذي سيطر عليهم، وكأنَّهم انتظروا كل شيء إلَّا أن أفاجئهم بهذا السلاح الأبيض، ودون أن يصدر من أي واحد مهم كلمة صغيرة فروا جميعهم في رمشة عين، واختفوا تمامًا من أمامي. ارتسمت على شفتي ابتسامة فرح غامضة، أحسست بالسعادة العميقة التي لا أستطيع حتى شرحها لكم، ليس لأنِّي أرعبت ثلاثة أطفال كانت نيتهم النيل منِّي وإشباعي ضربًا حتى استسلم وأعلن أمامهم هزيمتي الكاملة، فلا تقوم لي بعد ذلك قائمة؛ بل لأنِّي كنت واثقًا بقوة مبهمة في روحي. لقد شعرت بهذه القوة دائمًا، وهي التي قلتُ لكم: «إنَّ مصدرها سرِّي للغاية»، ربما هي قوة غيبية، أو روحية، أو شيطانية، المهم أنَّها قوة جبارة لم تكن حتى نفسي تتحملها أحيانًا، وكانت تفرض عليَّ الابتعاد عن الآخرين، وعدم مخالطة أحد، ومتابعة سيري في الحياة دون تفكير في أبعد من اليوم الذي أعيش فيه، والبقاء في البيت أطول وقت ممكن. كانت لي غرفتي الكبيرة، المجهزة بكل ما أحتاج إليه، غير أنِّي لم أكن أحتاج إلى أشياء كثيرة. كان يكفيني السرير الذي أنام فوقه، المكتب الصغير الذي أدرس فيه، بعض آلات الرياضة التي تساعدني في القيام بحركات رياضية يومية، بعض الكتب المصورة التي تتحدث عن الفلك وألغاز الكون وباطن الأرض والبحار والغابات والأشجار، بعض القصص الملونة. وكان يوجد مصحف صغير لم أتصفحه يومًا، اشترته أمي لي وقالت أتركه كبَرَكة فوق مكتبك، مع أنَّ أمي لم تكن متدينة، وكنت أشكُّ في إيمانها بالله والرُسل، شأنُّها شأن والدي، لكنَّهما كانا ينظران إلى الحياة بتسامح كبير، ويعتقدان في أشياء غامضة لم أحاول فهمها يومًا. كانا يميلان إلى البوذية والصوفية ولأفكار لم يناقشاها معي، أو لم يشعرا بأهمية أن يشرحا لي هذا الطريق الذي سلكاه باختيارهما معًا وجعلهما يعيشان بالشكل الذي يعيشان به حتى مجيئي إلى وجودهما، والذي لم أشعر أنَّه غيَّر خط سيرهما في الحياة. بالنسبة إليهما؛ فقد قررا إنجابي لتستمر الحياة بعدهما في ابن ما، كان يمكن أن يكون شخصًا آخر، برؤية وحساسية أخرى مختلفة عني، ولكن كنت أنا لسبب أجهله، ولم أهتم كثيرًا بشرح ذلك لنفسي أو لغيري، وربما أحسَّا بأنِّي مختلف، لي طباع خاصة مثل حب العُزلة، وعدم الرغبة في المخالطة، وحب الاكتشاف والقراءة، والاعتماد على نفسي دون طلب مساعدة، واعتبرا ذلك علامة عبقرية ما، ولم يرياني سيئًا من الطفولة، أو ذلك الجانب المظلم من روحي. مرة فقط والدتي ارتعب ممَّا فعلت، لقد كانت لها قطة مدللة ومزعجة، كانت أمي عادة ما تحتضنها وتغني لها مرات، وتطردها مرات كثيرة عندما تجدها تدس لسانها في قدر الأكل في محاولة لأنْ تظفر منه بقطعة لحم، «اذهبي يا ملعونة»، وترميها بالقبقاب حتى تصرخ القطة فتفر هاربة. كان منظر القطة يزعجني أنا كذلك، وكثيرًا ما ركلتها بقدمي حتى تطير في السماء وتسقط بعيدًا عني، ثم تفر هاربة، لكنَّها تعود دائمًا لأنَّ والدتي كانت تعطف عليها، وتقدِّم لها الأكل اللذيذ، غير أنِّي مرة وأنا أشاهد أمي تطردها خارج البيت، حتى خرجت وراءها، لقد استفزتني بدوري، وقررت قتلها، ولم أكن أدري ما هو القتل حينذاك، كانت فقط قوة خفية بداخلي تقول لي خذها إلى مكان خفي، واخنق رقبتها بيديك حتى تلفظ أنفاسها، وهذا ما قمت به بالفعل، تحت تأثير صوت داخلي مُلِحٍّ، جعلني أقتل لأول مرة، تلك التجربة التي لن أنساها طوال حياتي، لقد أحسست بالقوة قبل التنفيذ وباللذة الغريبة بعد التنفيذ! كانت تجربة نادرة ومؤثرة ومحددة لطريقي كي أصبح قاتلًا في ما بعد!

يقرأ أيضاً

المراجعات

💬

لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!