
الطريق إلى قنطرارة ؛ رواية تاريخية عن قيام وسقوط الدولة الأمازيغية الإباضية في تاهرت
تأليف أحمد إبراهيم الفقيه
عن الكتاب
"هنا في منطقة النجود من جبال أوراس، سيكتشف الشيخ عبد الرحمن، الخبيئة التي أدخرتها له الأقدار، الكنز الذي احتفظت به منذ بدء الخليقة، لتقدمه هدية له هو فقط، عندما كان يتحول على غير قصد ولا خطة إستمتاعاً بالطبيعة وتأملاً في بديع خلق الله تعالى، ومحبة في الأشجار التي تتنوع تكويناتها، مفعمة بأسرار خلقها، وإعجاز وجود بعضها يخترق صخور الجبل إختراقاً، عندما رأى عبر شق بين الصخور، أرض الأحلام تنطرح أمامه، بما لا يستطيع أن يقنع نفسه بأن ما يراه حقيقة تنتمي للواقع الذي حوله، فأعاد فرك عينيه وأغمضهما، ليقوم بفتحهما مرة ثانية، كأنه يرى طرفاً من الفردوس، كما تتحدث عنه كتب العرفان، وتشويق البشر إلى النعيم الأرضي، تتهادى أمام عينيه، أرض منطرحة بين الجبال، تمتد على مدى البصر، ثلاثة أنهار تتدفق عبر تلك الأرض التي لا تظهر مصدرها ولا مصبها، وإنما هي هناك، كأن الواحد منها، سهم الله نفذ في الأرض، يخترقها، من مبتداها إلى منتهاها، ثلاثة أسهم، تتقاطع عبر الأرضين، تصنع فيما بينها مساحات ذات أحجام مستطيلة أو ثلاثية الأضلاع أو مربعات، مفعمة بخضرة أشجار ونباتات، ليست خضرة فقط، ولكنه مهرجان من الألوان يشكل الإخضرار لونه الأغلب والأعم والأكثر هيمنة على بقية الألوان خبأ فرحته في قلبه، لم يعبر إطلاقاً عن شيء، من الإنفعالات التي اضطربت في نفسه، أحس بأن ما شاهده أكبر من كل تعبير، أكبر من كل بوح، سيعود حاملاً هذا الإكتشاف في قلبه، وسيظل طعاماً لوجدانه وعقله وخياله؛ لأن ثمة شيئاً إلهياً، شيئاً سماوياً يكمن في هذا الإكتشاف، وسيفصح عن نفسه على مهل وتردٍّ، إنه أشبه بالإلهام، ويحتاج إلى أن يصبر عليه، ويتكتمه إلى أن تظهر كل جوانب الصورة وينكشف له السر الذي أراده الله من وراء هذا الإلهام. كان بيته بناء من الحجارة به عدة غرف... وكان من حول مسكنه والمساكن التي أقامها بقية أفراد الأسرة والمرافقين، براحٌ واسع، سرعان ما إحتاجه الناس الذين يطلبون القرب من مقام الشيخ تبركاً به، ومحبةً له، وطلباً للإنتفاع بعلمه، وأقاموا فيه مساكنهم، حتى تحول إلى حيٍّ كبير، نما على جانبه سوق شعبي، واستقطب السوق القوافل التي تحمل القادمين لزيارة الشيخ، من شتى أركان الأوراس، بعد أن ذاع صيت الشيخ بإعتباره شيخ أشياخ الإباضية وكبير علماء هذا المذهب... هنا في هذا المكان سيؤسس قيروان الجديدة، تاهرت التي سيقدم عبرها ومن خلالها ولادة جديدة للدولة الإباضية التي أطاحت بها جيوش العباسيين، عادت به الذاكرة إلى القيروان، عندما ولاه إمام الدولة الإباضية الأولى الشيخ الشهيد أبي الخطاب العوفري، ولاية القيروان، وبقي هو يدير الدولة من منطقة صياد بطرابلس، فلم تستمر ولايته للقيروان غير أربعة أعوام، هي كل عمر تلك الدولة، يتذكر تلك الليلة التي هجع فيها إلى فراشة بعد صلاة العشاء، وهو مشغول البال، بما يهدد الدولة الإباضية التي أسهم في تأسيسها مع ثلة من العلماء، يقودهم المجاهد الصوفي، اليمني الأصل والمولد، أبي الخطاب العوفري، فهناك تهديدات تجدد صدورهما من العراق، على لسان الخليفة أبو جعفر المنصور، بسحق هذه الدولة التي نشأت في طرابلس وهزمت عماله في كل من طرابلس والقيروان، وأزالت حكمه من هذه المنطقة". وتستحيل هواجش الشيخ ابن رستم إلى حقيقة، وتصاب الدولة الإباضية بالنكبة وتضحي خراباً، يغادر الشيخ الخرائب والحرائق ورائحة الموت وأكداس الدمار والرماذ... لكنه كان يعرف أن هذه ليست نهاية المأساة وأن دمار قنطرارة سيعقبه كما يقول الكابوس سقوط كل الحواضر الرستمية.... ولكن الشيخ وفي ليلة، وفي هدأتها، وقد هجع فيها مرتاحاً وقد تحرر إلى الأبد من هيمنة ذاك الكابوس، عرف أنه سيهيأ بنومه وقد غادره ذاك الكابوس إلى فضاء الواقع الشاسع... وسيبزغ شمس ذاك النهار الذي سيؤسس من جديد، فتلك الدولة الإباضية الأمازيغية التي تعيد أمجاد القيروان بعلمائها وعلومها... بنائها وعمرانها... وبأرضها وفضائها الرحب... هي حيث ذاك المكان المتسع الذي رأه ذاك يوم من خلال ذاك الشق بين الصخور ذاك المكان هو أرض الأحلام حيث ستظهر للعيان الدولة الإباضية الأمازيغية من جديد.
عن المؤلف

أحمد إبراهيم الفقيه (مواليد 28 ديسمبر 1942). كاتب وأستاذ جامعي ليبي في الأدب العربي الحديث، يقوم بالقاء المحاضرات في عدد من الجامعات الليبية والمصرية والمغربية وله ترجمات لعدد من الأعمال الأدبية إلى ل
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!




