
بلا دماء
تأليف أليساندرو باريكو
ترجمة أماني فوزي حبشي
عن الكتاب
يصوّر الإيطاليّ أليساندرو باريكو في روايته"بلا دماء"ترجمة أماني فوزي حبشي، كيف أنّ المنتصر يفرض شريعته وقانونه في الحروب، يقتل معارضيه باسم القانون الذي ينكّل به، يمثّل به، يُدينه ويحاكمه ويطبّق عليه الحكم في محكمة ميدانيّة مرتجلة، من دون أن يفسح له المجال كي يقدّم إفادته أو يدافع عن نفسه، يكون الخصم والحكم في الوقت نفسه، كما يكون منفّذ الحكم الذي يصدره فوراً. يقسّم باريكو روايته إلى قسمين، في القسم الأوّل يتحدّث عن جريمة تقترفها جماعة محاربة بحقّ أسرة صغيرة، تقتل الأب وتمثّل به، تقتل طفله الصغير، وتحرق بيته. تكون العصابة المؤلّفة من بضعة أشخاص ساعية للانتقام من الرجل على دوره في الحرب التي كانت قد وضعت أوزارها، لكنّ العصابة تذرّعت بأنّ الحرب لم تنتهِ بعد، وأنّها تستكمل تطهير المنطقة، وتقضي على المجرمين المشاركين في ارتكاب جرائم وحشيّة في الحرب. بعد عملية قتل الرجل وابنه، يبحث أحد أعضاء العصابة"أصغرهم سنّاً، عن آخرين محتملين في البيت، وكان الشابّ قد التحق بالحرب منذ أشهر، وقتل عدداً من الضحايا من الطرف الآخر، وبرغم ذلك فإنّه كان يحتفظ بشيء من طيبة القلب، وتجسّد ذلك في رؤيته للفتاة الصغيرة نينا، وهي مستلقية في قعر مخزن تحت البيت، رآها ببراءتها أنشودة محتملة للسلام، بثّ مرآها الطمأنينة في روحه لدقائق، تخيّل أنّه يسوح في عالم رَحْب من الأمان والسلام، وفي لحظة عصيبة، أعاد الغطاء إلى مكانه، وخرج يخبر زعيمه أنّه لم يرَ أحداً في الداخل، وكتم أمر الفتاة الصغيرة، لكنّه حزن حين أقدم مَن معه على إحراق البيت، ولم يقل إنّ هناك فتاة صغيرة قابعة فيه.
عن المؤلف
الكاتب الأكثر شعبية في إيطاليا بلا منازع، هو أيضاً مخرج ومؤدي. تُرجمت رواياته إلى عدد كبير من اللغات العالمية، مثل أراضي الزجاج، وحرير، والبحر المحيط، ومدينة، وبلا دماء. وتم تحويل مونولوجه المسرحي 190
اقتباسات من الكتاب
واحد في الريف كانت المزرعة القديمة لماتو ريو تقبع مختفية، يلفها الظلام الدامس في مواجهة ضوء المساء. كانت كأنها البقعة الوحيدة الموجودة في تلك المنطقة السهلية الواسعة... وصل الرجال الأربعة بداخل سيارة مرسيدس قديمة. كان الطريق مليئًا بالحفر، كان طريقًا جافًّا، فقيرًا، ريفيًّا. ومن المزرعة رآهم مانويل روكا. اقترب من النافذة. في البداية رأى عمود التراب يرتفع خلف خيال الذرة، ثم سمع ضوضاء محرك السيارة. لم يعد أحد يملك سيارة في تلك الأنحاء. كان مانويل روكا يعرف ذلك. رأى المرسيدس تظهر من بعيد ثم تتوارى خلف أشجار البلوط. اكتفى بذلك. عاد تجاه المائدة، ووضع يده على رأس ابنته، وقال لها: استيقظي. أخذ مفتاحًا من جيبه، ووضعه على المائدة وأشار برأسه لابنه. أجاب الابن: حالًا. كانا طفلين... مجرد طفلين. وعند مفترق الغدير، تجنبت السيارة الطريق المتجه إلى المزرعة واستأنفت السير تجاه ألفاريز، متظاهرة بالابتعاد. كان الرجال الأربعة يرتحلون في صمت. كان الذي يقود السيارة يرتدي زيًّا ما، وكان الرجل الآخر الذي يجلس جواره يرتدي حلة بيضاء اللون. كان يجلس ممددًا، ويدخن سيجارة فرنسية. قال: لتبطئ. سمع مانويل روكا الضوضاء وهي تبتعد تجاه ألفاريز، وفكّر: كيف يظنون أنه ستنطلي عليّ خدعتهم هذه؟ رأى ابنه وهو يدخل الحجرة ومعه بندقية في يده وأخرى أسفل ذراعه. قال له: ضعهما هنا، ثم التفت نحو الابنة: تعالي يا نينا، لا تخافي، تعالي إلى هنا. أطفأ الرجل الأنيق السيجارة على لوحة (تابلوه-حاجبة) المرسيدس، ثم أمر مَن يقودها بالتوقف. قال: هنا مكان مناسب، وأخْرِسْ هذه الضوضاء الرهيبة. وكانت ضوضاء فرملة اليد كأنها صوت سلسلة تُركت لتسقط في بئر. ثم ساد الصمت، وبدا كأن الريف قد ابتلعه هدوء مُزمن. قال الشخص الجالس في الخلف: كان من الأفضل الذهاب إليه مباشرةً؛ الآن سيكون لديه الوقت الكافي ليهرب. كان ممسكًا بمسدس في يده، كان مجرد صبي، وكان يُدعى تيتو. قال الرجل الأنيق: لن يهرب؛ لقد ضاق من الفرار، لنذهب. حرّك مانويل روكا السلال المليئة بالفاكهة وانحنى ثم رفع غطاءً سريًّا لأحد المخازن ونظر بالداخل، كان مكان أكبر بقليل من ثقب كبير محفور في الأرض، كأنه جحر حيوان. - استمعي إليّ يا نينا، الآن سيصل بعض الأشخاص ولا أريدهم أن يروكِ، لا بد أن تختبئي هنا في الداخل، من الأفضل أن تختبئي هنا وأن تنتظري حتى يذهبوا بعيدًا، هل فهمتِ ما أقوله؟ - نعم. - يجب عليكِ فقط البقاء صامتة هنا. - ... - مهما حدث لا تخرجي. يجب ألا تتحركي، يجب فقط أن تلزمي الهدوء وأن تنتظري. - ... - كل شيء سيكون على ما يرام. - نعم. - استمعي إليّ. يمكن أن أضطر إلى الذهاب مع أولئك الأشخاص. لا تخرجي إلا عندما يأتي أخوكِ ليأخذكِ. هل فهمتِ؟ أو حتى تشعري أنه لا وجود لأحد وأن كل شيء قد انتهى. - نعم. - يجب أن تنتظري ألا يكون هناك أيّ شخص. - ... - لا تخافي يا نينا، لن يحدث لكِ أي شيء. حسنًا؟ - نعم. - أعطيني قُبلة. قبّلت الطفلة أباها على جبهته، الذي بدوره ربّت بيده على شعرها. - كل شيء سيكون على ما يرام يا نينا. ثم مكث هناك، كأن عليه أن يفعل شيئًا آخر، أو أن يقول شيئًا آخر. قال: لم يكن هذا ما أردت. تذكري دائمًا أنني لم أكن أريد هذا. بحثت الطفلة ببراءة بداخل عين أبيها عن شيء يساعدها على أن تفهم، لم ترَ شيئًا. انحنى أبوها وقبّلها. - هيا اذهبي يا نينا. هيا انزلي هنا. تركت الابنة نفسها لتسقط في الحفرة. كانت الأرض قاسية وجافة، واستلقت هناك. - انتظري، خذي هذا. أعطاها أبوها غطاءً، بسطته على الأرض، ثم عادت لتستلقي. سمعت أباها يقول شيئًا ثم رأت غطاء المخزن وهو ينخفض. أغلقت عينيها ثم فتحتهما، ومن بين ألواح الأرضية كانت تدخل لها شرائط من الضوء. سمعت أباها وهو لا يزال يتحدث معها، ثم سمعت صوت السلال وهى تُجَرّ مرة أخرى على الأرض. ازداد الظلام هناك في الأسفل، سألها والدها عن شيء وأجابت. كانت مستلقية على أحد جانبيها، منكمشة حول نفسها كأنها في الفراش حيث لم يكن لديها شيء آخر لتفعله سوى أن تنام وتحلم. سمعت والدها يقول لها شيئًا آخر برقّة وهو ينحني أرضًا، ثم سمعت صوت طلقة مسدس، وصوت النافذة تتهشم. - روكا! تعالَ إلى الخارج يا روكا... لا ترتكب حماقات وتعالَ خارجًا. نظر مانويل روكا إلى ابنه، وزحف نحوه، حريصًا على ألا يكشف نفسه، وامتدت يده لتلتقط البندقية من فوق المائدة. - يا إلهي! ابتعد من هنا، اذهب لتختبئ في مخزن الحطب، لا تخرج منه ولا تدَع أحدًا يسمعك، لا تفعل أي شيء. خذ معك البندقية وعبّئها. كان الطفل يحدّق إليه دون أن يتحرك. - تحرّك من هنا، افعل ما أقوله لك. ولكنّ الطفل تحرّك خطوة تجاه أبيه. سمعت نينا أصوات انهمار طلقات تدمر المنزل فوقها، كانت الأتربة وقطع الزجاج تتساقط إلى أسفل من بين الفتحات الضيقة للأرضية. لم تتحرك. سمعت صوتًا يصرخ من الخارج: - ماذا تفعل إذًا يا روكا، هل يجب علينا أن ندخل لنأخذك؟ إنني أتحدث معك يا روكا، هل يجب أن أدخل لآخذك؟ كان الطفل لا يزال واقفًا في مكان مكشوف، كان قد أمسك بالبندقية ولكنه كان قد تركها مدلاة، كان يؤرجحها وهو ممسك بها في إحدى يديه. قال أبوه: اذهب من هنا، ألا تسمعني؟ اذهب من هنا حالًا. اقترب منه الطفل أكثر، كان كل ما يفكر فيه هو أن ينحني، وأن يلقي بنفسه بين أحضان أبيه، كان يتخيل شيئًا من هذا القبيل. صوّب الأب بندقيته نحوه وتحدث معه بصوت منخفض، ولكن بقسوة: - اذهب من هنا وإلا قتلتك بيدي. سمعت نينا مرة أخرى ذلك الصوت: إنه الإنذار الأخير يا روكا. انطلقت طلقات متتابعة وأطاحت بالمنزل من الأمام والخلف كأنها البندول، وبدا أنها لن تنتهي أبدًا، من الأمام ومن الخلف كأنها أضواء فنار على صخر بحر أسود، صبور. أغمضت نينا عينيها والتصقت بالغطاء، وانكمشت أكثر جاذبةً ركبتيها تجاه صدرها. كانت تحب البقاء في هذا الوضع؛ كانت تشعر ببرودة الأرض أسفل جنبها كأنها تحميها، كانت تشعر بأنها لن تتخلى عنها، وشعرت بجسدها المضموم والملفوف حول نفسه كالقوقعة، وكانت تحب هذا الوضع، كأن جسدها الصَّدَفة والحيوان في آنٍ واحد يحمي نفسه، كان هذا بالنسبة إليها كل شيء، لا شيء يمكنه أن يؤذيها ما دامت في ذلك الوضع. فتحت عينيها من جديد، وقالت لنفسها: لا تتحركي، أنتِ سعيدة هكذا. رأى مانويل روكا ابنه وهو يتوارى خلف الباب، ثم رفع نفسه بقدر ما يكفي ليلقي نظرة خارج النافذة. ثم فكّر: حسنًا. نظر إلى نافذة أخرى، نهض وصوب بندقيته بسرعة وأطلق النار. أخذ الرجل ذو الحلّة البيضاء يسب ويلعن وألقى بنفسه أرضًا قائلًا: انظر ماذا يفعل هذا السافل! وأخذ يهز رأسه، انظر ماذا يفعل هذا الفاسق. واستمع إلى صوت طلقتين تأتيان من تجاه المزرعة، ثم سمع صوت مانويل روكا. - لتذهب إلى الجحيم يا ساليناس. بصق الرجل ذو الحلة البيضاء على الأرض، وقال له لتذهب أنت إلى الجحيم أيها المجرم، وألقى بنظره على يمناه ورأى إل جوري متجهمًا وهو منبطح خلف كتلة من الخشب. أشار إليه ليطلق النار. استمر إل جوري في تجهمه، كان يمسك المدفع الرشاش الصغير في يمناه، وبيسراه كان يبحث عن سيجارة في جيبه، لم تكن تبدو عليه العجلة. كان قصيرًا ونحيفًا، كان يضع فوق رأسه قبعة قذرة، وفي قدميه زوج أحذية ضخمة كمتسلقي الجبال، نظر إلى ساليناس، عثر على السيجارة، وضعها بين شفتيه، كان الجميع يطلقون عليه اسم إل جوري. نهض وأخذ يطلق النيران. شعرت نينا بالطلقات وهي تخترق المنزل من فوقها، ثم الصمت، وانطلقت بعد ذلك طلقات أخرى متتابعة لمدة أطول. فتحت عينيها، أخذت تنظر إلى الفتحات الضيقة فوقها، أخذت تنظر إلى الضوء والتراب الذي يتساقط من بينها، ومن حين لآخر كانت ترى ظلًّا يتحرك، كان ذلك ظلّ أبيها. استلقى ساليناس بجوار إل جوري، خلف الكتلة الخشبية. - كم من الوقت يستغرق تيتو ليدخل؟ رفع إل جوري كتفيه، واستمر في التجهم. ألقى ساليناس نظرة على المزرعة. - نحن من هنا لن نتمكن أبدًا من الدخول إلى هناك، لا بد أن ينجح هو في الدخول وإلا سيكون موقفنا سيئًا. أشعل إل جوري السيجارة، ثم قال إن الصبي ذكي وسينجح في ذلك. قال إنه يعرف كيف يزحف كالثعبان، وإنه يجب الوثوق به. ثم قال: والآن لنقُم نحن ببعض الضوضاء. رأى مانويل روكا إل جوري وهو يظهر من خلف كومة الخشب ويلقي بنفسه أرضًا. ثم انطلقت الرصاصات المتتابعة دقيقة واستمرت طويلًا. ففكر قائلًا: يجب أن أبتعد من هنا، ولكنّ الذخيرة، أول شيء الذخيرة، أزحف على الأرض حتى المطبخ ومن هناك أخرج مباشرةً إلى الحقول. ولكن هل يمكن أن يكونوا قد وضعوا أحدًا خلف المنزل؟ إن إل جوري ليس غبيًا، لا بد أنه ترك أحدًا هناك أيضًا، ولكنهم لا يطلقون النيران من ذلك الاتجاه. إذا كان هناك أحد لأَطلقَ النيران. ربما لا يتولى إل جوري زمام الأمر، ربما كان ذلك الجبان ساليناس، إذا كان ساليناس هو العقل المدبر فيمكنه أن يفعل ذلك. إن ساليناس لا يفقه شيئًا. لتمكث خلف مكتبك ياساليناس، إنه الشيء الوحيد الذي تتقن عمله. اذهب إلى الجحيم، ولكنّ الذخيرة قبل أي شيء. أخذ إل جوري يطلق النيران. الذخيرة والنقود، ربما استطعت أن آخذ النقود أيضًا معي. لا بد أن أهرب على الفور. يا للغباء، الآن عليّ أن أذهب بعيدًا من هنا أيضًا، إذا توقف فقط للحظة واحدة. ولكن من أين تمكن من الحصول على مدفع رشاش؟ لديهم سيارة ومدفع رشاش. لقد أصبحت ثريًا إذًا يا ساليناس. الذخيرة، والآن النقود... أطلق إل جوري الرصاص.
يقرأ أيضاً
المراجعات (١)









