تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب حاكمية الله وسلطان الفقيه: قراءة في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة
مجاني

حاكمية الله وسلطان الفقيه: قراءة في خطاب الحركات الإسلامية المعاصرة

4.0(١ تقييم)٢ قارئ
عدد الصفحات
١٦٨
سنة النشر
1997
ISBN
0
المطالعات
٣٩٩

عن الكتاب

قراءة في كتاب «حاكمية الله وسلطان الفقيه» مدخل : في مدخل الكتاب يؤكد المؤلف أن العودة إلى النص، وهو معطى إلهي علاقة البشر فيه من حيث الفهم والتفسير والعمل بمقتضاه،لأنه «النبع الذي تستقي منه الحركات الإسلامية مفاهيمها وخطابها، فبدون هذه العودة لايمكن معرفة كيف يتعامل هذا الخطاب مع النصوص الدينية، وكيف يتم تفسيرها؟، وتضمين هذه التفسيرات الجديدة مفاهيم تتعلق بالواقع الراهن وتطوراته، ثم كشف الكيفية التي تتم بها عملية تأويل النصوص، خاصة تلك التي يتم استخدامها بكثافة، ثم البحث عن الجديد في هذا الخطاب، وما هي حدود الاجتهاد الذي يقدمه، ومدى علاقته بالنص الذي يستند إليه.. الحاكمية الإلهية من المفهوم إلى الخطاب: شهد مفهوم «الحاكمية»استخداماً مكثفاً ،وحُمّل «أبعاداً سياسية وعقائدية ذات مدلولات عميقة تركت أثرها على قطاعات واسعة من الشباب ...ويمكن القول إن رواج مفهوم «حاكمية الله» يعود إلى أنه يعتبر من الصياغات السهلة والخطرة في الوقت ذاته، فهو سهل لأنه بسيط يخاطب الفطرة في المؤمن، ويلخص له الحل بكلمتين «لا حكم إلاّ لله» وهو خطير، لأنه بتعميمه الشديد، ومعياريته المطلقة، يفتح الباب لاستخدام اسم الله وسلطانه بشكل تعسفي واعتباطي. في أصول المصطلح: مصطلح «الحاكمية» مصدر صناعي من اسم «حاكم»، وهو غير مألوف الاستعمال لغوياً لعدم وروده في المعاجم العربية المعتمدة كلسان العرب، لقد ورد مصطلح «الحكم» أكثر من مائتي مرة في القرآن الكريم وورد في الأحاديث وكتب الفقه، وهو في جميع ذلك لم يستخدم بمعنى ممارسة السلطة السياسية، فهو يرد إما بدلالة الحكمة والبصيرة النافذة أو بدلالة القضاء والفصل بين الخصومات .وعندما “يشير القرآن الكريم إلى معنى السلطة السياسية ،فإنه لا يستخدم مصطلح “الحكم” وإنما المصطلح السياسي السائد آنذاك بشأن سياسة الدول وهو مصطلح «الملك»ومصطلح «الأمر» وهكذا يجد المؤلف أن مصطلح «الحكم»و«الحكومة» ، بمعنى السلطة السياسية والسلطة التنفيذية، لم يكن وارد إلاّ في المرحلة الحديثة، عندما أخذت مفاهيم الفكر السياسي الأوربي، حوالي منتصف القرن التاسع عشر تشق طريقها تدريجياً وتتخذ مكاناً لها في الفكر السياسي العربي... المودودي: فقه الجاهلية والحاكمية والدولة المؤجلة: يرى الكثير من الباحثين أن مفهوم “الحاكمية “شهد ولادته الأولى على يد الخوارج “يوم خرج هؤلاء من بين الصفوف في موقعة صفين رافضين تحكيم الحَكمين، ومكفرين القابلين به، ومعلنين صيحتهم المشهورة “لا حكم إلاّ لله” وقد أدرك الإمام علي مخاطر هذا الشعار، ورد عليهم قائلاً:«كلمة حق يراد بها باطل»! نعم لا حكم إلاّ لله، لكن هؤلاء يقولون:«لا إمرة إلاّ لله»..وإنه لابد للناس من أمير براً أو فاجراً .. لقد أدخل أبو الأعلى المودودي مفهوم الحاكمية إلى الاستخدام السياسي المعاصر، وقد عاش في باكستان، وتوفي عام 1979م، ثم انتقل الاستخدام السياسي للمصطلح إلى العالم العربي في الستينيات مع سيد قطب ، حيث أضفى على هذا المفهوم الطابع المتشدد إثر محاولة الانقلاب الفاشلة على النظام السياسي في مصر، الذي كان يقوده الرئيس جمال عبد الناصر..لقد كان نضال المودودي شديداً ضد دعاة القومية الهندية الواحدة، وضد مبادئ الدولة الديمقراطية، التي تحكمها الأغلبية وتخضع للأقلية، وضد العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وتقوي الروح المادية للحضارة الغربية..وكانت هذه المحاور الثلاثة هي عناوين الملفات الساخنة التي أثارها المودودي وخاض ضدها حرباً لا هوادة فيها.. كان النضال الإسلامي الذي خاضه المودودي نضالاً انفصالياً، وهو ما يخالف طبيعة الإسلام التوحيدية والشمولية، لكنه كان نضال لحماية الذات والهوية..إنه مناخ الحصار حيث يعيش المودودي عقدة الاضطهاد الاستعماري وقهر الأغلبية الهندوسية التي ترفع شعار: السيادة للأمة، والدولة الديمقراطية، وهذه الشعارات إذا طُبقت فسوف تحوّل الأقليات الإسلامية إلى جاليات مقهورة ومغلوبة..في ظل هذا المناخ بدأ استخدام مفهوم «الجاهلية الجديدة »و«الحاكمية لله» بكثافة من قبل المودودي..لهذا أسس المودودي الجماعة الإسلامية في مواجهة حزب الرابطة بقيادة محمد علي جناح، الذي تبنى مشروع «دولة للمسلمين» ،بينما المودودي يريدها «دولة إسلامية»..لقد خاض المودودي صراعاً على السلطة، فكانت النتيجة أن سجن أكثر من مرة، واستمر على أطروحاته إلى أن تراجع عن بعضها قبل وفاته عن ستين سنة.. لقد استخدم المودودي مفهوم «الجاهلية» كسلاح معرفي لرفض الفكر الغربي، فلسفته وكأداة سياسية واجتماعية لرفض أنماط العيش والاجتماع والنظم السائدة في الهند وفي العالم على حد سواء، فهو يرى الحضارة الغربية «جاهلية محضة» وفي رأي المودودي فإن الجاهلية استيقظت من جديد واستمرت مع الأمويين والعباسيين والأتراك، وهو الرأي الذي كرره سيد قطب،بل وأضاف حكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان، كخروج عن خط الخلافة الراشدة،ورغم أن المودودي قد عاد ليقول إن الواقع الإسلامي هو «مزيج من الإسلام والجاهلية بعد أن كان عنده جاهلية محضة، إلاّ لأن هذا التراجع الشكلي والذي سار عليه الدكتور يوسف القرضاوي، لاينقض فكرة جاهلية الدولة والمجتمع والأمة، لأن الخطأ يكمن في استخدام مصطلح «الجاهلية» في وصف سلبيات تاريخنا وأمراض حضارتنا، كما يرى الدكتور محمد عمارة في فترته العقلانية، وقبل أن يتأسلم كلياً في تسعينيات القرن العشرين! فنتائج هذا الاستخدام كما يرى عمارة هو تكفير الدولة والمجتمع في المحيط الإسلامي، ويطالب بإسقاط هذا المصطلح من «لغتنا التي نقيّم بها واقعنا».. يغلق المودودي جميع أبواب الاجتهاد فيقرر إنه يجب أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من أيدي البشر «منفردين أو مجتمعين»،لأن ذلك أمر مختص بالله،فلا يؤذن لأحد أن ينفذ أمره في بشر فيطيعوه أو ليسن قانوناً لهم فينقادوا له ويتبعوه ،فالخليفة يقوم بوظيفة «خليفة الله» وهو يرفض إطلاق وصف الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية، ويرى أن مصطلح «الحكومة الإلهية» أو «التيوقراطية» أصدق تعبيرعن الدولة الإسلامية، فخصائص الديمقراطية تجعل سن القوانين بيد الشعب، فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلاّ برأي الجمهور..هذه خصائص الديمقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء ..والمودودي بهذا الطرح الذي يدمج بين الوحدانية والاستخلاف ويضفي الطابع الإلهي والقداسة الدينية يؤسس لقطيعة معرفية مع المفهوم الفقهي السني للنظرية السياسية الإسلامية والتي تقوم السلطة فيها على أساس مدني أو بشري..إنه يتناقض مع الخلاصة النظرية للفقه السني بطرحه «الخلافة الإلهية» التيوقراطية ،ويقترب بتفسيراته من الفهم الشيعي للنظرية السياسية في الإمامة..ومن هنا تأثر سيد قطب بآراء المودودي السلبية عن الوطن والقومية وتبنى مصطلح«الحاكمية» و«الجاهلية الجديدة» ، لكنه أخذ هذه النصوص وعزلها عن بيئتها السياسية التي أدت إلى إنتاجها، وحول الحالة الخاصة الهندية إلى حالة إسلامية عامة، ناقلاً أفكار المودودي من تربة إلى أخرى ويستنتج بعض الباحثين أن «عقدة الاضطهاد» هي التي جمعت بين سيد قطب والمودودي، وجعلت الأول ينقل عن الثاني، إلاّ أن هذا لا يبرر انتزاع نصوص المودودي من ظرفها وقراءتها بمعزل عن الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي أدى إلى إنتاجها أيديولوجيا ... التكفير وجدل الحاكمية: مايجمع المودودي وسيد قطب ليس تطابق المفاهيم والمصطلحات وإنما أيضاً تشابه التفسير والمضامين..يحدد سيد قطب المنهج منذ البداية ، إذ يحتل عنده الدين مكان العقل، فالدين هو الذي يؤدي إلى فهم صحيح للطبيعة والفطرة الإنسانية، وعليه فإن أي نظام أو منهاج لايحقق هذه الفطرة هو غير طبيعي وغير عادل وغير متناسق مع حركة الإنسان والكون، وهو يتناقض مع طرح الشيخ محمد عبده الذي أكد تناسق العقل والوحي .. يعتبر قطب أن مشكلة عبده أنه نظر إلى العقل والوحي كمتساويين لا أن الواحد منهما تابع للآخر، بينما يقوم سيد قطب بعزل العقل معتبراً أنه لا تساوي بينه وبين الوحي، لأن العقل المجرد لايوجد في عالم الواقع بل في عالم النظريات والخيال، ولهذا يلغي سيد قطب إنجازات الفقهاء طيلة القرون الماضية، فنراه وأمثاله من دعاة الحاكمية يقفزون فو ق مراحل تاريخية مشددين أن أصل التشريع هو الله ،وأنه لا يكفي رفض الحاضر، بل يجب التخلص من الماضي من خلال إعادة قراءته، وتقديم تفسيرات جديدة له،وهو ما جعل الدكتور يوسف القرضاوي يرد عليه بعد أكثر من عشرين عاماً على رحيله، بعد أن قدم نقده بصياغات وتمهيدات إطرائية، يقول:«لو أهملنا الفقه لأنه فقه لترتب على ذلك إهمال ما نسميه «الشريعة» نفسها لأنها لا توجد إلاّ داخله النظريات والفروع والمسائل والصور والشروح والتعليلات التي قام الفقهاء بتقديمها على توالي العصور.. ليست شيئاً هيناً يتصور الاستغناء عنه بسهولة..لقد قدم سيد قطب تفسيراً مغايراً وشاملاً للإسلام، يقف على النقيض في مسائل كثيرة من التفسيرات التي أنجزها الكثير من المفسرين والفقهاء، فهو يعتبر أن التفسيرات التقليدية غير ملزمة للمسلمين، فقدم تفسيره الخاص من خلال كتابه الشهير«في ظلال القرآن».. انطلق سيد قطب من حيث انتهى المودودي واعتبر العالم اليوم بما فيه العالم الإسلامي يعيش جاهلية مدمرة شبيهة بتلك الجاهلية التي كانت سائدة قبل الإسلام، فهو يعرف الجاهلية قائلاً:«إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده»،وبهذا التعريف الموضوع تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم على الأرض فعلاً... وهو يعتبر أن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها ..وهو يخلص إلى أنه لابد من تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض ..ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم، لكنها تقوم بانتزاع السلطان من أيدي مغتصبة من العباد، ورده إلى الله وحده، وسيادة الشريعة الإلهية وإلغاء القوانين البشرية ..لقد تجاوز سيد قطب مفاهيم المودودي صاحب مفهومي «الحاكمية والجاهلية الجديدة» ، فحكم بكفر الأمة وليس المجتمع وحده والدولة فقط، إذ قال:«ليس على وجه الأرض مجتمع قرر فعلاً تمكين شريعة الله وحده ورفض كل شريعة سواها ..فالأمة الإسلامية انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق الأرض جميعاً..وفي موضع آخر يؤكد حكمه بإعلان عدم شرعية الأمة بشكل صريح فيقول: «إن الناس ليسوا مسلمين، والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهليين إلى الإسلام ولتجعل منهم مسلمين من جديد»..يعتبر سيد قطب أن الأمة تعيش في ردة ويسودها الحرام ويحكمها الكفر وهي تغرق في جاهلية أظلم من تلك التي عاصرها الأوائل، والخروج من هذه الجاهلية لا يقوم إلاّ من خلال «العصبة» الصغيرة من أعضاء الجماعة، وأن البداية تكون حين يبلغ عدد المؤمنين ثلاثة أشخاص كحد أدنى لتشكيل المجتمع الإسلامي،فالثلاثة يصبحون عشرة والعشرة مائة (معالم في الطريق)..وهذا يعني أن مرحلة «الحضانة والتكوين» تقوم على رفض منابع الجاهلية والاقتصار على نبع واحد هو القرآن الكريم ،فجميع ما حولنا جاهلي، ونقاء المنبع بالغ الأهمية كي لا يتسمم الكيان الوليد.. بعد ذلك عليها بالانسحاب من النسيج الداخلي للمجتمع الجاهلي من خلال عدم المشاركة والانخراط بمؤسسات المجتمع، مدنية أو عسكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، فالعزلة الشعورية للجماعة المؤمنة تقوم على اعتزال من ناحية واتصال مع استعلاء على مايسميه بالمجتمع الجاهلي ، لابد أن نثبت أولاً، ولابد أن نستعلي ثانياً ، بحيث يدفع الشعور بالاستعلاء والامتلاء ، الطليعة المؤمنة إلى أن تتحصن مما يجري توصيفه بالكافر والجاهلي..باختصار لابد من أربع مراحل لتحقيق البعث الإسلامي:ـ التكوين العقيدي والحركي(القناعة) ـ الاعتزال الشعوري (المفاضلة)ـ الاستعلاء على المجتمع (الثبات)ـ التمكن لقتال الجاهلية الجديدة وإسقاطها وإعلاء الحاكمية (التقويض)فالأرض التي لا تخضع لحاكمية الله هي دار كفر وحرب، بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه السكان..ففي خلاصة التحليل القطبي تنشأ الدولة الإسلامية عندما تصبح الحاكمية لله ويطبق فيها النظام الإسلامي، سواء كان الشعب مسلماً كله أو بعضه.. المجتمع يكون مسلماً ليس لأنه مكوّن من مسلمين وإنما بمقدار خضوعه للحاكمية. نهاية التاريخ..والانقلاب على الأمة : لقد شعر حسن البنا أن شباب الإخوان المسلمين يستعجلون الانقلاب على الأمة فقال في رسالته إلى المؤتمر الخامس:«أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المعجلون منكم ، اسمعوها مني كلمة عالية داوية.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده.. قد تكون طريقاً طويلة لكن ليس هناك غيرها ...الوقت الذي يكون فيه منكم ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها، روحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبوني أن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله».. ومن النظام الخاص الذي أسسه حسن البنا، ثم البناء الفكري الذي أقامه سيد قطب على أساس العزلة والمفاصلة وتكفير الأمة، تناسلت الجماعات الإسلامية بطريقة عنقودية لتصبح كل مجموعة جماعة، بل كل فرد مفاصل للآخر! لقد جاءت كتب سعيد حوى لتضيف لبنة أخرى في اعتبار المجتمعات دار حرب يصح الجهاد عليها، ودعا حوى إلى «بناء جماعة الإخوان المسلمين في سورية وتجديدها بما يحولها من جماعة دعوة إلى حزب انقلابي –رباني يسميه «حزب الله» وفي تقديره أن «الإخوان» انحرفوا عن رسالتهم وتحولوا إلى جماعة دعوة تتشبه بالمرحلة «المكية» قبل ورود الإذن بالقتال وهو يرى أن المسلمين اليوم ليسوا في مرحلة العهد المكي، ولكنهم في مرحلة الردة عن الإسلام بعد الإسلام.. لهذا فهو يضع نظام الأسرة والكتيبة ويدعو إلى ما يسميه طريقة «حرب العصابات» ويأتي فتحي يكن ليعلن جاهلية المجتمع وإن كان حذراً في الإعلان عن تكفير المجتمع ..ففي كتابه «كيف ندعو إلى الإسلام»تتردد بكثرة مصطلحات الحاكمية والجاهلية، وهو مخصص للدعاة من أعضاء الجماعة، إلا أنه في تسعينيات القرن العشرين تراجع عن بعض أفكاره المنقولة عن سيد قطب ،وقبل بالمشاركة السياسية في المجتمع والدولة اللبنانية، بعد أن كان يرفض ما يسمى بالمرونة والانفتاح والمشاركة في الحكم في «ظل أنظمة وضعية كافرة» يقدم فتحي يكن قراءة تعارضية بين مفهوم الشورى والديمقراطية ،مستنداً إلى الصياغة المودودية –القطبية لنظرية الحاكمية، وينتقد الاتجاهات الإصلاحية والدعوية في الحركة الإسلامية،ويشكو من ازدحام الساحة الإسلامية بالوعاظ والمرشدين والفلاسفة والمؤلفين والمنظِرين.. داعياً إلى تبني الجهاد الحسي في تغيير المجتمعات وتحقيق الانقلاب الإسلامي..وتتجه كتابات فتحي يكن التربوية إلى «كراهية الحياة» فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وعلى العاملين في الحقل الإسلامي أن يؤمنوا بحتمية المحنة إلاّ أن تسعينيات القرن العشرين حفلت بالمرجعات للمواقف والاجتهادات وأساليب العمل التي كان ينادي بها فتحي يكن قبل ذلك.. متبنياً في التسعينيات شعار «فقه المرحلة» والمشاركة السياسية في المجتمع ومؤسسات الدولة..في مصر تناسلت أفكار قطب من خلال العديد من الانشقاقات داخل جماعة الإخوان المسلمين، فقبل قطب كان انشقاق «شباب محمد» وانتهاجهم لأسلوب العنف في الأربعينيات، كذلك كان إنشاء «النظام الخاص» للإخوان المسلمين عام 1940م،والذي يبدو أن بعض قراراته قد انفلتت من سيطرة حسن البنا إلاّ أن الخمسينيات وما بعدها حفلت بالعديد من الجماعات التي تبنت العنف، ففي عام 1958م طالب نبيل البرعي بممارسة العنف المسلح، وأنشأ علوان مصطفى عام 1973م ما عُرف بـ«تنظيم الجهاد» وفي نفس العام كان الدكتور صالح سرية قد شكل تنظيمه، الذي عُرف بـ«تنظيم الكلية الفنية العسكرية» وأنشأ وكيل النيابة يحيى هاشم عام 1975م تنظيماً ضم حوالي 300 عضو من الإسكندرية وفي عام 1977م ظهر إلى الوجود تنظيم التكفير والهجرة لشكري مصطفى وعام 1979م تكونت أخطر الجماعات المسلحة وهي «جماعة الجهاد الإسلامي» بقيادة محمد عبدالسلام فرج وعبود الزمر وكمال السعيد وناجح إبراهيم وكرم زهري وفؤاد الدواليبي وسالم الرحال «أردني الجنسية» وكمال السعيد حبيب، ومع هذه الجماعات التي خرجت من معطف «سيد قطب» أخذت مفاهيم «الجاهلية» و«الحاكمية» أبعاداً أكثر تطرفاً مع مجموعات وتنظيمات حزبية إسلامية جديدة، استقت منطقها من الينابيع نفسها، وهي اتجهت عملياً نحو تشريع استخدام العنف وممارسته عملياً ضد المجتمع ..لقد تجاهل الإسلام الحزبي المعاصر الظروف التي نشأت فيها أفكار بن تيمية في ظل بيئة حرب مع التتار، وتسلط حكم المماليك ، وأسقطوها على المجتمع المسلم..لقد قام هذا الخطاب بإعادة اكتشاف ابن تيمية واستحضاره راهناً، وإعادة إنتاج فتاويه، بحيث يجعل لها سلطة مرجعية حاسمة في إعلان مشروعية الحرب والجهاد على المجتمعات الإسلامية المعاصرة من خلال المماثلة بينها وبين الدولة التتارية «الإيلخانية» ، تتمتع أيديولوجيا التكفير والجاهلية كما تبدو بمرونة معرفية تسمح باستخدام مفاهيمها بطريقة توليدية ،فهي ترتكز على فكرة «الحاكمية لله» وحيث تنتفي هذه الصفة عن أي مجتمع فهناك جاهلية وبالتالي كفر وشرع شيطاني... فكرة الحاكمية أدت إلى إنتاج مفهوم الجاهلية المعاصرة، هذا المفهوم بدوره ساهم في صعود خطاب التكفير، الذي أنتج بدوره سلسلة من المفاهيم تشكل مع بعضها البعض حلقات في خطاب واحد «إن مأزق هذه الجماعات» ..أنها انتقائية فضلاً عن أنها «تاريخانية»، فبعد الرسول والصحابة والتابعين وتابعيهم، ينتقون الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، ثم ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب.. إن مشكلة هذه السلفية هو أنها تشددت في التعامل مع النص وبالغت في التمسك به إلى درجة التوجس من الرأي وإعمال الفكر، والقول: إن النصوص قد أحاطت بكل صغيرة وكبيرة، وعليه تم توسيع مفهوم النص ليشمل الآثار، أي الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، وكذلك فتاوى الصحابة وأقوالهم حتى لو تعارضت فيما بينها، وكان أحمد بن حنبيل يقول: «الحديث الضعيف أقوى عندي من الرأي»، بل إن الأمر بلغ حد الوقوف عند ظواهر النصوص رفضاً للتأويل والقياس وكل صيغ إعمال الفكر أو مناهج تفكيك اللغة.. لقد مثلت الجماعات الإسلامية المعاصرة ارتداداً عن سلفية الفقهاء المجتهدين، ففي نص لافت للإمام الغزالي يوضح فيه أن الحكم والقضاء والسياسة وشؤون المجتمع السياسية ليست دينا وشرعاً وبلاغاً يجب فيها التأسي والاحتذاء بما في السنة من وقائع وأوامر وتطبيقات، لأنها أمور تقررت بناء على بيّنات قد نرى غيرها، أو عالجت مصالح هي بالضرورة متطورة متغيرة.. وذلك على عكس ما هو دين وشرع وبلاغ من هذه السنة النبوية الشريفة ،مثل ما جاء منها متعلقاً بالرسالة والفتوى، فإن الاتباع فيه واجب والتقيد بأحكامه شرط لصحة إيمان المؤمن بدين الإسلام. بين الإمامة وولاية الفقيه : يتشابه الموقف الفقهي الإمامي من ولاة الجور مع الموقف السياسي السني من الحكام غير الشرعيين ،الذين استولوا على السلطة عن طريق القوة والغلبة ،لكن المشكلة التي تحتاج إلى حل على المستوى الفقهي الشيعي هي الموقف من الحكم الإسلامي في عصر «الغيبة الكبرى» للإمام الثاني عشر..لقد بقي الإمام الثاني عشر مختفياً عن الأنظار، وهي فترة الغيبة الصغرى التي بدأت سنة 260هجرية، وكان الاتصال بين الشيعة والإمام يتم بواسطة السفراء ،وهم أربعة :ـ عثمان بن سعيد العمري ـ محمد بن عثمان العمري ـ الحسين روح النوبختي ـ علي بن محمد السًمري، وقد امتدت الغيبة الصغرى حتى سنة 329هجرية وانتهت بوفاة السفير الرابع، وبوفاته بدأت الغيبة الكبرى. إشكالية السلطة بسبب الغيبة الكبرىبلورت اتجاهين، الأول يذهب إلى عدم مشروعية إقامة حكم إسلامي في عصر الغيبة الكبرى ،والثاني يذهب إلى مشروعية إقامة حكم إسلامي في عصر الغيبة .ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى ما اصطلح عليه بـ«ولاية الفقيه» والدليل عندهم أن الإمام قد نصّب الفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة الكبرى، ولياً عاماً، ولاية تصرف على المسلمين “ويمكننا القول من خلال السياق التاريخي الذي نشأت فيه فكرة ولاية الفقيه إنها نتاج لشراكة بين الدولة والفقيه،فمع الدولة البويهية، أو الصفوية فيما بعد، كانت الحاجة ماسة لحل إشكالية السلطة في عصر الغيبة، ولم يكن من مخرج لهذه الإشكالية سوى الشراكة بين الفقيه والدولة المتغلبة الناشئة في ذلك الحين، وهذه الشراكة ما كان لها أن تنجح إلاّ بعملية «تكييف» للفقيه الشيعي بما يتناسب والدولة الصاعدة التي ينطبق عليها وعلى ولاتها صفة «حكام الجور» حسب التوصيف الشيعي ،فكان وجود الشيخ «الكركي» في بداية الدولة الصفوية، ثم محمد الباقر الملقب بـ«المجلسي» الذي برز في أواخر العهد الصفوي –تجسيداً لحالة الشراكة بين الدولة والفقيه بل ويعكس كتاب المجلسي «بحار الأنوار» عملية الدمج بين التعصب المذهبي الصفوي والنزعة القومية الإيرانية ،من خلال رواية زواج الحسين بن علي من ابنة يزدجر، وهي رواية تحمل في مغزاها اتجاهاً لجعل أصل الأئمة مشتركاً مع الفرس وهناك علماء كثيرون عارضوا فكرة «ولاية الفقيه»كالشيخ القطيفي أحد كبار علماء النجف وهو معاصر للكركي والفقيه ابن المطهر الحلي، وهو معاصر لابن تيمية والشيخ مرتضى الأنصاري صاحب كتاب المكاسب، وهم يأخذون على «ولاية الفقيه العامة» مآخذ عديدة من أبرزها تساوي الإمام المعصوم مع الفقيه في الولاية العامة ،وأن كل راية تظهر قبل الإمام صاحب الزمان هي راية ضلالة ،وأن الأصل عدم ولاية أحد على أحد، فلا دليل على ولاية الفقيه المطلقة ، وقد استمر عدد كبير من فقهاء الشيعة على معارضتهم لفكرة ولاية الفقيه العامة، على أن تحولت راهناً مع الإمام الخميني من مجرد فكرة إلى خطاب ثم من خلاله توسيع صلاحيات الفقيه لتشمل القيادة السياسية وأمور الحكم .وبالرغم من التبني الرسمي الإيراني لهذا النهج، لم يحظ الخطاب «الولايتي» بالإجماع في الوسط الشيعي، فلا زالت المواقف المخالفة تحتل مكانها البارز. المرجعية والتقليد وسلطان الفقيه لقد تبلور الفقه الشيعي على يد العلماء الأوائل (الكليني، المفيد، المرتضى، الطوسي،الحلّي..وقد جمعت لأول مرة المصنفات في الكتب الأربعة التي تعتبر بمثابة الصحاح لدى الشيعة ,ومن هذه الكتب والأصول: الكافي في أصول الدين للكليني المتوفى سنة 329 وكتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن بابويه القمّي المشهور باسم «الصدوق» والمتوفى سنة 381 هجرية وتهذيب الأحكام والاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي الملقب يشيخ الطائفة المتوفى سنة 460 هجرية، فضلاً كمّا كتبه الشيخ المفيد.. لقد وضع علماء الشيعة شروطاً أساسية يجب توافرها في المرجع، وهي الاجتهاد المطلق والأعلمية والتقى، والتضلع في اللغة العربية، وإصدار رسالة علمية تتضمن اجتهاداته وجديده في كل القضايا ...الخ. عن المرجعية والتقليد : لقد قامت في العصر الحديث دعوات لدمج القيادة السياسية والمرجعية الدينية في شخص واحد، وتبع هذه الدعوة سعي حثيث من أجل ذلك في إيران،وفي قراءة متميزة يعتبر العلامة محمد مهدي شمس الدين أن مصطلح «مرجعية» و «تقليد» غير موجودين في أي نص شرعي، وإنما هما مستحدثان، فالموجود في الشرع هو الاتباع ،بمعنى أن الإنسان ليس متبعاً للفقيه بل هو متبع للشريعة ، فـ«الفقيه لا يتمتع بأي قداسة على الإطلاق وليس مؤهلاً لأن يكون متبوعاً لذلك فإن مفهوم «تقليد» هو مفهوم «دخيل» أما «المرجعية» فلا علاقة لها بأي نص ديني..إنها وفق تعبيرهم أحد مظاهر انتظام المجتمع، فالمرجع في الشريعة هو «مجتهد جامع للشرائط» لا أكثر وهو يعتبر أن مصطلح «مرجع أعلى» والذي يوحي بوجود منصب أعلى واحد، لا أساس له في الشرع أو في الفكر الإسلامي خارج إطار النبي والأئمة المعصومين، ويقول:«هذا المصطلح نحن أوجدناه «السيد محمد باقر الحكيم، السيد محمد مهدي الحكيم، والسيد محمد بحر العلوم، السيد الشهيد محمد باقر الصدر ومحمد مهدي شمس الدين، كنا مجموعة تعمل في مواجهة نظام عبدالكريم قاسم المؤيد للشيوعية، وأردنا أن نوجه خطاباً للخارج.. وآسف لأنه أصبح مصطلحاً رائجاً وهو لا أساس له على الإطلاق ..إن مصطلح «مرجعية» أنتجته ضرورات وصراع سياسي أثناء المواجهة مع نظام عبدالكريم قاسم، ولأن المصطلح سياسي مرتبط بصراعاتها فلقد أصبح للشيعة مرجعان أساسيان في النجف وطهران، وهو مايعد خروجاً عن الاتجاه العام، حيث كان النجف تاريخياً وفي أغلب الأحيان مركز المرجعية الشيعية، ومؤخراً أشهر السيد محمد حسين فضل الله مرجعيته، وأصدر رسالته العلمية بعنوان «المسائل الفقهية».. إن تعدد المراجع موجودة منذ قرون طويلة، لكن مصطلح «المرجعية» كما يرى محمد مهدي شمس الدين اخترع حديثاً لأسباب سياسية وظروف محددة، إلاّ أن الصراع على رتبة «المرجع الأعلى» وضمها إلى منصب «المرشد» يهدف إلى الجمع بين الرتبة العلمية وسلطان الدولة، وهي محاولة لاستئناف سيرة الإمام الخميني. ولاية الفقيه أم ولاية الأمة على نفسها؟ لقد شكل الهم الأساسي في الخطاب الفقهي السياسي للإمام النائيني تلك العلاقة ما بين الإمامة «العاصمة المعصومة» والدولة..فقد وقف النائيني يتصدى لأنصار الدولة ممن يسميهم «أنصار المستبدة» الذين يعتبرون أمر الإمامة ليس من شأن الرعية، وأنه لا يجوز النظر في الإمامة في عصر الغيبة، وأن انتخاب الرعية للمندوبين يعتبر في باب الاغتصاب للمقام، أي من باب المشاركة في اغتصاب حق الإمام في الولاية ، كما وقف وتصدى لحجج من يسميهم بـ«المتعممين» واتهمهم بتجهيل الأمة الإيرانية ،فولاية الأمة على نفسها من الأمور الحسبية لا من التكاليف العمومية بمعنى آخر «إذا كان الشيعي غير مكلف بإقامة الحاكمية الإلهية لاستحالة تطبيقها في غيبة الإمام، فإنه مكلف شرعاً بأن يحمل هذا الشأن السياسي –الحسبي بما ينسجم مع مصلحة الأمة، فإذا كانت السلطة المستبدة، حسب الإمام النائيني –تغتصب حقّين في آن واحد، هما حق الإمام وحق الأمة، فالسلطة الديمقراطية المشروطة تغتصب حقاً واحداً هو حق الإمام وحسب، وهذا الاغتصاب جبري لأنه محكوم بغيبة الإمام ولا دواء له إلاّ حضور الإمام «فالأمة مدعوة إلى تشكيل حكومة مدنية عادلة ديمقراطية، محددة الصلاحيات»،وهو يرى هنا إمكانية كبرى لاتفاق سني ـ شيعي حول هذه الصيغة .وتبقى في رأيه «القوة العاصمة البشرية» مرتبطة بقوة المجالس التمثيلية من دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء دور «مرجع التقليد» في الحوزات العلمية الكبرى في مجال فقه العبادات والمعاملات في المجتمع ..لقد كان الهم الأساسي للنائيني هو تقويض السلطة الدينية وصياغة مفهوم «ولاية الأمة على نفسها» وهو يقف على النقيض من فكرة «ولاية الفقيه» بشكلها القديم عند «الكركي والمجلسي» أيام الدولة الصفوية، أو بشكلها المعاصر لدى «الخميني –الخامئني... ولاية الفقيه: من الفكرة إلى المفهوم،: تحولت «ولاية الفقيه» إلى مفهوم بعد أن كانت في حيز الفقه ومسائله العبادية والعملية، فلقد انتقلت إلى حيز على الكلام ومسائله الاعتقادية، مما يعني أنه أصبح جزءاً من أصول الدين، فلقد أصبحت ولاية الفقيه بديلاً لإمامة الإمام المعصوم، فليس هناك من فارق بين ولاية الإمام المعصوم وولاية الفقيه سوى أن الأولى بحسب رأي الخميني «تكوينية إلهية» في حين أن ولاية الفقيه «اعتبارية»، فالفقيه هو الذي يعطي الأمة مشروعيتها في ممارسة خيارها..وهذا مايفقد نظرية الشورى اعتبارها، كمكون للمجتمع السياسي الإسلامي، ويصادر حق الأمة في الولاية على نفسها ، أي أن المجالس النيابية محكومة تشريعياً بالكتاب والسنة وسلطة المرجع ،الذي هو من الناحية الشرعية «النائب العام» عن الإمام الحجة المهدي المنتظر، فالأمة تمارس الخلافة الإلهية كحق من حقوقها ضمن الإشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام الذي هو رأس السلطة العليا في نظام لأحادي يبدأ من القمة وينزل متدرجاً إلى القاعدة أو الأمة، أي أننا أمام ولايتين متناقضتين:ولاية الأمة على نفسها بتأسيسها لدولة ديمقراطية حديثة، ودولة دينية – تيوقراطية لولاية الفقيه ،حتى قاربت سلطات ولاية الفقيه سلطات النبوة والإمامة.. . إشكالية الآخرين بين المفاضلة والمواطنة: ينطلق خطاب «المفاضلة» كما يرى المودودي من أن القانون الإسلامي يقسم رعاياه من غير المسلمين إلى ثلاثة أصناف:المعاهدون، والمغلوبون بعد الهزيمة، والذين ينضمون إلى الدولة الإسلامية بغير طريقي الصلح والحرب، وهذه المجموعات الثلاث لا يحق لهم رئاسة الحكومة وعضوية مجلس الشورى، ولا يحق لهم الانتخاب ويتابع سيد قطب المفاضلة بعد شحنها بتفسيرات وتأويلات تتناول بعض الأحكام والآيات ،ينفرد سيد قطب بتأويل خاص لما يسميه «آيات السيف» يخالف فيه أبرز الفقهاء المعاصرين ويعتبرها منعطفاً معرفياً أدى إلى فسخ كل القواعد التي كانت تقوم عليها العلاقات مع غير المسلمين من قبل، وبخاصة النصارى منهم والجديد عنده هو «الأمر بقتال أهل الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» حيث لم يعد يقبل منهم عهود موادعة ومهادنة إلاّ على هذا الأساس «الجزية» إذ لا يتركون على دينهم إلاّ إذا أعطوا الجزية وقام بينهم وبين المجتمع المسلم عهد على هذا الأساس “وفي تعقيبه على آية الموالاة «ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ...»فإن سيد قطب يعتبرها قاعدة تعامل إلى يوم القيامة، فهي لا تتعلق بالمعتدين المحاربين للإسلام كما فهمها أغلب المفسرين ولكنها حكم مطلق، وقتال أهل الكتاب حكم عام لديه، وهو الذي اعتمده الاتجاه الحزبي الإسلامي بشكل عام، ورفضهم للفكرة الوطنية التي تساوي بين الأفراد دون النظر للعرق والدين والطبقة... يقول عبد الجواد ياسين:«يحلو للأقلية النصرانية في مصر أن تتحدث عن الوحدة الوطنية، فهم في ظلها والمسلمون سواء ،فلا جزية يعطونها عن يد وهم صاغرون ،ولا إحساس للدينونة لحكم المؤمنين» وهو ما يختلف فيه الإمام الأكبر محمود شلتوت، الذي يؤكد أن الإسلام لا يرى أن مجرد المخالفة في الدين تبيح العداوة، وتمنع المسالمة والتعاون في شؤون الحياة، وهو أيضاً ما يعتبره الشيخ محمد الغزالي «تحريفاً للكلام عن مواضعه»، خاصة حين يستشهد البعض بآيات مثل «ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء...»، ويقول الشيخ الغزالي هنا، أن هذه الآيات واردة في المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله، ولا يجوز الاستناد إليها للدعوة إلى مقاطعة غير المسلمين ..ويناقش الشيخ البوطي بعض الأوهام التي علقت بالأذهان حول تفسير الآية «...حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون»فيقول:«إن مانقرأه في هذه الآية من الإلجاء إلى الجزية ونظامها بما يسميه البيان الإلهي (صغار)جزاء رتبّه الله على الحرابة ،ومعاذ الله أن يكون مرتباً على كفر أو انتساب لكتاب ,ومثل هذا الإلجاء بهذا الشكل تترتب شرعيته على أي تمرد أو تعد عدواني يصدر من أي فئة من الناس حتى ولو كانت فئة مسلمة ،ويضيف: «ومن أبرز ما يدل على هذا بوضوح أن هؤلاء الكتابيين إذا اعتمدوا أسلحة عدوانهم، وأبرزوا صفحة التعاون الإنساني في المخلص، انمحى الردع لكل مظاهره وذيوله، وحل محله قانون المعاملة بالمثل ،وهيمن مبدأ «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» وقامت شرعة الاحترام المتبادل، فحرياتهم مصونة ،ومعابدهم وأنشطتهم الدينية مكلوءة بالحماية ضد أي معتد أو متربص، والوطن حق مشترك بين الجميع ،وثمار التكافل الاجتماعي لا يعكر صفو العدالة في توزيعها عرق أو دين، فلا صغار عندئذ ولا هوان. محمد ناجي أحمد https://www.facebook.com/notes/%D9%85... http://www.neelwafurat.com/itempage.a...

عن المؤلف

عبد الغني عماد
عبد الغني عماد

خبير فى شئوون الحركات الاسلامية واستاذ جامعى. - مواليد طرابلس – لبنان - أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية - أستاذ الدراسات العليا في جامعة الجنان - عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين - رئيس المرك

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات

💬

لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!