
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
اهبطوا مصر
تأليف محمد عبد السلام العمري
4.0(١ تقييم)•٢ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عدد الصفحات
٣٢١
ISBN
0
المطالعات
٤٤٥
عن الكتاب
التيمة التي تعالجها رواية " اهبطوا مصر " التي نحن بصدد دراستها ، هي ذاتها التي عالجها الكاتب سابقاً في " قصر الأفراح " : القهر والقمع في مجتمع صحراوي بدوي ، ما زالت تسيطر عليه التقاليد البالية ، وتنتفي فيه الحرية الفردية، وتهيمن النزعة الذكورية بكل ما تتميز به من روح السيطرة والاستعباد والازدراء للجنس الآخر. وكل ذلك في ظروف استشرى فيها الثراء الفاحش بفضل الطفرة التي عرفها المجتمع الخليجي بعد ظهور ثروة النفط الطارئة.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)

المراجع الصحفي
١٢/٢/٢٠١٨
عن جريدة " القدس العربي " :
اهبطوا مصر
رواية للكاتب المصري محمد عبدالسلام العمري
د. عبدالجبار العلمي
من الأعمال الروائية للكاتب المصري محمد عبدالسلام العمري : " قصر الأفراح "( ) ـ " صمت البحر " ـ " الجميلات " ـ " اهبطوا مصر " ) (. والملاحظ أن التيمة التي تعالجها رواية " اهبطوا مصر " التي نحن بصدد دراستها ، هي ذاتها التي عالجها الكاتب سابقاً في " قصر الأفراح " : القهر والقمع في مجتمع صحراوي بدوي ، ما زالت تسيطر عليه التقاليد البالية ، وتنتفي فيه الحرية الفردية، وتهيمن النزعة الذكورية بكل ما تتميز به من روح السيطرة والاستعباد والازدراء للجنس الآخر. وكل ذلك في ظروف استشرى فيها الثراء الفاحش بفضل الطفرة التي عرفها المجتمع الخليجي بعد ظهور ثروة النفط الطارئة.
إن الراوي ـ المشارك يطلق على البلد الذي تدور فيه أحداث الرواية اسماً غريباً هو " جارثيا " ، وذلك ليقول لنا : إننا بإزاء عالم متخيل ، وليس بإزاء أماكن محددة جغرافياً ، أو بإزاء بشر من لحم ودم ، أو بإزاء وقائع معروف حدوثها في بعض البلاد العربية ، وإن كانت بعض ملامح هذا العالم المتخيل تومئ إلى عالم الواقع إن على مستوى الفضاء ، أو الوقائع، أو البشر الذين يحيون فيه ، ويمشون في أسواقه. بيد أنه يجعلنا طيلة قراءتنا للرواية متأرجحين بين الواقع والخيال.
وسنحاول فيما يلي تحليل هذه الرواية انطلاقاً من مكونات الخطاب الروائي الآتية :
1 ـ الشخصيات :
يمكن أن نقسم الشخصيات في رواية " اهبطوا مصر " كما يلي :
أ ـ شخصيات مثقفة : وأهم من يمثلها هو الراوي ـ المشارك عمرو الشرنوبي المهندس المعماري المصري . فــــ"بالإضافة إلى أنه معماري ناجح كما يعتقد البعض ، إلا أن القراءة والفنون التشكيلية بكل ألوانها وأنواعها تستهويه "
( ص : 129 ). إنه نموذج المثقف المصري الحامل للشهادات الجامعية العليا الذي تضطره ظروف المعيشة في بلده إلى الهجرة بحثاً عن تحسين أحواله المادية والاجتماعية في بلاد أخرى. قالت ليلى زوجة السارد المشارك تشجعه على السفر: " هل تستطيع أن تحصل على شقة من نقابة المهندسين ؟ هل وقف أحد بجوارك ؟ إن أبسط احتياجاتنا لن نستطيع الحصول عليها".( الرواية ، ص : 9 )
بيد أنه بعد السفر يجد نفسه في بلد تخنق فيه الأنفاس. كأنه سجن كبير يفقد فيه المرء حريته وكرامته وإنسانيته.
إن الداخل إلى ذلك البلد يكاد يكون مفقوداً ، والخارج منه يكون حقاً مولوداً. وهذا كان حال البطل. لقد ألفى نفسه في عالم جحيمي رهيب. لم يتمكن من الخروج منه إلآ بعد معاناة وطول عذاب . فهو رغم علو مرتبته باعتباره مهندساً معمارياً ، يظل تحت رحمة " الكفيل " ، وينتزع منه جواز سفره كغيره من العمال الأجانب المهاجرين : هنود وباكستانيين وفلبينيين وغيرهم " ( الرواية ، ص: 19) ويعامل من لدن مشغله " أبا الخير " معاملة الأسياد للعبيد. (انظرالرواية ، ص: 15) ، بيد أنه باعتباره شخصاً مثقفاً يواجه هذا الواقع بعين ناقدة سابرة لما يعتوره من مثالب وعيوب. وهكذا يصب جام غضبه من خلال نقده اللاذع على كثير من الأوضاع التي عاينها في مدينة " جارثيا " :
- نقد المعمار في مدينة " جارثيا " :
يوجه الراوي – المشارك عمرو الشرنوبي نقداً مريراً إلى المعمار الذي وجد نفسه محاطاً به في هذا العالم السوريالي بل الكفكاوي. لقد صدمه هذا الخليط غير المنسجم من المعمار. إنه معمار ينتمي إلى بلدان مختلفة من العالم. وليس ثمة تناغم أوحفاظ على الهوية في بنائه. إن المعمار العربي في هذه المدينة يبدو " نشازا وسط هذا الخليط المؤذي للعين، والمؤرق للعقل والقلب " ( ص :198)
- نقد السوق الحرة في مدينة " جارثيا :
ينتقد البطل السوق الحرة في مدينة " جارثيا " انتقاداً يتسربل بالسخرية المريرة ، وذلك لدى وقوفه على مفارقات تدعو إلى الاستغراب وتبعث على السخرية. وهكذا يركز نقده على سلوك الناس المنافي للشرع الإسلامي الصميم، حيث تذهب الأرصدة المالية إلى البنوك الأجنبية في الخارج ، ويتخلى أصحابها بكل بساطة عن أرباح أموالهم لليهود بحجة أنها أموال ربا. إنها لمفارقة عجيبة غريبة تؤكد إلى أي مدى اختلطت الأمور في أذهان الناس في هذه المدينة ، فتركوا للأعداء فرص نهب أموالهم ومواردهم وهويتهم.
- نقد القمع العام السائد في المدينة :
يواجه الراوي – المشارك ، في كثير من صفحات الرواية ومقاطعها السردية من
بدايتها إلى آخر صفحة فيها، عالماً تقمع فيه الحريات ، وتسحق كل القيم الأصيلة التي طالما نافح عنها وما زال ، رغم تورطه في الحياة في هذا الفضاء الخانق المدعو " جارثيا " . إنه ما زال يؤمن بأن المال ما هو إلا وسيلة لتحقيق غايات أسمى في عالم لا يعطي أي اعتبار إلا للمال والجاه والسلطة والنفوذ . " المال ليس هدفه ، لكنه مطلوب ، يساعدنا على الوصول إلى أحلامنا ، وتحقيق ذواتنا في العلم والمعرفة والحياة الكريمة " ( ص : 99 ) .
إن الراوي - المشارك ، وهو المعماري الأصيل ( المعجب بفن العمارة لدى المهندس المعماري المصري الذائع الصيت حسن فتحي ) المتفاني في خدمة فنه من أجل تقدم وطنه وأمته ، يجد نفسه في بلد يحظر فيه مجرد التفوه بكلمات تحمل معاني تلك القيم الإنسانية النبيلة التي آمن بها ودافع عنها. ( انظر ص : 41 )
من مظاهر القمع التي ينتقدها أيضاً :
- منع دراسة الفلسفة والفنون ، وتحريم مؤلفات ماركس وفرويد والفنون الشعبية وأغاني عبدالحليم الوطنية ( انظر ص : 41 )
- تعذيب السجناء بأساليب بالغة القسوة : فقأ العيون باستخدام ملاعق الطعام ، وكشط اللحم البشري وكيه بالمكواة ( انظر ص : 112 )
- إقامة الحدود كل أسبوع ( ص : 162 )
- عزل الأرامل والمطلقات في حي خاص( ) ( ص : 209 وما بعدها)
- تحريم العمل على المرأة " مجتمع يحرم عمل المرأة إلا في التمريض والتدريس " ( ص : 34 )
- انتفاء العدالة الاجتماعية في مجتمع يدعي تطبيق الشرع.
إلى غير ذلك من مظاهر التخلف التي يرصدها المؤلف في هذه الرواية وفي رواياته الأخرى التي تمت الإشارة إليها آنفاً ، يدفعه إلى نقدها النقد اللاذع رغبته الأكيدة في تقدم بلاده وأمته. يقول روسو : " ليس عدوا للبشر من يفضح عيوبهم ، ويهاجم رذائلهم ، ًفما يفعل ذلك إلا لعنايته بأمرهم ".( )ويرى ذ.أحمد اليبوري أن " من خصائص الخطاب الروائي وضمنه العربي ، انفتاحه على الواقع ، وتناوله لما يعتبر من المباذل والمساوئ المسكوت عنها في الفكر السلفي ". ( )
ب ـ شخصيات ذات مال ونفوذ :
ويمكن أن نقسمها إلى نمطين اثنين :
1 ـ نمط لا يهمه إلا المال والسعي لتنمية ثرواته الخاصة ، غيرآبه بما يمور في المجتمع من مظاهر الفساد والتخلف . ويمثل هذا النمط من الشخصيات الشيخ " أبا الخير" " ملياردير المليارديرات في "جارثيا وفي البلاد كلها " ( ص : 28 ) . "شارك في العمارة الشهيرة على النيل منذ الخمسينات التي تحولت إلى شيراتون القاهرة ". ( ص : 28 )
2 ـ نمط غني بالوراثة والانتماء إلى عائلة في مستوى العائلات الحاكمة ، وتنازعها السيطرة على الحكم. وأهم من يمثل هذه الفئة : الشريف الثري ، متزوج من أربع نساء من جنسيات مختلفة ، وله منهن 23 ولداً وبنتاً . "يضحك الشريف .
يقول لعماد ناد على إخوتك ، عرفني بهم ". ( ص: 100 ) غير أن الشريف يختلف عن "أبا الخير " ، فهو مهموم بشؤون بلده ، غير راض عن الآوضاع السائدة فيها. ولذلك أعلن تمرده على أولي الأمر فهرب إلى مصر بطائرته . وتعرض بسبب مواقفه الثورية للاعتقال والتعذيب في سجون "جار ثيا" الرهيبة. ولما كان ينتمي إلى عائلة ذات مكانة ونفوذ في البلد ، أطلق سر احه ومتع ببعض حقوقه ، وقدمت له المساعدات من أجل استمالته ، وجعله خاضعاً لهم . ( ص : 100 )
ج ـ شخصيات مهمشة :
ويمثل هذه الفئة ، العمال الذين يشتغلون في مشروع " أبا الخير " . وهم في الغالب هنود ومصريون وسودانيون وباكستانيون وبنغلاديش. وهذه الشخصيات تتعرض لأقصى درجات التهميش والدونية ، وتتعرض لأبشع ضروب الذل و الاستغلال ، ولا تشذ العلاقة بين الطرفين عن العلاقة التي بين الأسياد والعبيد . وهذة الشخصيات من ثمة لا حول لها ولا قوة ، وهمها الأساس في حياتها في الغربة هو تحقيق أحلامها في حياة أفضل حالما يفك أسرها ، وتتم العودة إلى الأوطان والأهل ظافرة غانمة .
الفضاء الروائي :
يلاحظ أن الفضاء المهيمن في الرواية هو فضاء السجن ، ويتجلى ذلك في عدة مستويات :
أ ـ المستوى الرمزي : يتمثل في مدينة " جارثيا التي تضم فئات المجتمع المختلفة ، كما يتمظهر في حي الأرامل والمطلقات الذي يسوده التهميش والقهر والظلم وغياب الحرية. " حي مغلق لا يدخله إلا النساء . محاصر بأسوار عالية الارتفاع، وبوابات حديدية ضخمة تفتح إلى الخارج ، يحرسها خصيان ينامان خارج الأسوار" ( الرواية ، ص : 206 )
ب ـ المستوى الواقعي : يتمثل في السجن الحقيقي الذي دخله الشريف ، وتعرض فيه لألوان شتى من التعذيب . " المنطق السلطوي يعتبر السجن قبراً للأحياء في عالم تنعدم فيه الحرية ".( )
ج ـ المستوى النفسي : يتبدى في إحساس السارد ـ المشارك عمرو الشرنوبي بأنه يعيش في قلب سجن رهيب ، فهو يتصور نفسه في مقاطع سردية عديدة من الرواية ، تحت وطأة كابوس لا يرى فيه إلا السجن سواء في نومه أو يقظته. إنه محاصربمشاهد السجن وبهواجس الوقوع في غياهبه . " لا يرعبه إلا السجن ، يرى الموت أهون بكثير ، بالموت ينتهي كل شيء ، تموت قدرته على التذكر، ويموت الرعب فيه والخوف … قراءاته المتعددة تضع أمامه ألواناً شتى من السجون ، وأنواعاً رهيبة من التعذيب. " ( الرواية، ص : 297 )
إن الفضاء الروائي في هذه الرواية ، إذا كان يتميز ببعض الخصوصيات ، إلا أنه عموماً لا يختلف عن فضاءات المدن العربية الأخرى التي تتصف بكونها حيزاً موحشاً ، شديد الضيق ، يسوده القهر والظلم والفساد بمختلف مظاهره ، ولا يكاد يذوق فيه المرء سوى الإحباط والهوان.( )
الوصف الروائي :
يلاحظ أن مهنة المؤلف والشخصية الرئيسية عمرو الشرنوبي باعتبارهما مهندسين معماريينً ، تنعكس بشكل واضح على الهندسة الروائية . فالمؤلف فضلا عن حرصه الشديد على متانة البناء الروائي ، ورصانة لغة السرد ، شديد الولع بالوصف ، سواء تعلق الأمر بوصف الأمكنة أو الشخوص أو الأشياء.
أـ وصف الأمكنة :
يوقف السارد ـ المشارك عملية السرد في كثير من المقاطع السردية ، وذلك لوصف بعض الأمكنة التي لها خصوصيتها في الفضاء الروائي. من هذه الأمكنة :
ـ مبنى القصر " قصر الشريف الذي اشتراه حديثاً " ( ص : 95 ) ، مبهر بحديقته الشاسعة ، ذو أسوار مرتفعة جدا ، صلدة وصماء ، تخيف من يقترب منها ، لبواباته عند فتحها صرير وهصر عظام ( ص : 95 )
ـ حديقته الغناء المليئة بالزهور والأشجار المتسلقة ، والظلال الوارفة ، والأوراق اللامعة الخضراء ( ص : 99 )
ـ فضاء الشارع الذي تجري فيه أعمال حفر كثيرة ، وتتراص فيه المواسير الخرسانية ذات الأقطار المتعددة . ( ص : 37 )
ـ العمارات الجديدة المتراصة والمترامية المغطاة بالخيش والسقالات والواقيات المعدنية ... مدينة تقام من جديد ( ص : 38 )
ـ السجن الذي ألقي في غياهبه الشريف. "أوقفوه في سجن انفرادي"( ص : 111 ) ومورس عليه أنواع من التعذيب الشديدة القساوة .
والجدير بالذكر هنا أن السارد ـ المشارك يعنى كثيراً بذكر التفاصيل الدقيقة لدى وصفه لهذه الأماكن ، علاوة على استخدامه في بعض أوصافه للغة خاصة بمهنة البناء والهندسة المعمارية.
وغير خفي أن وصف الأمكنة في الرواية ، لم يكن بهدف تأثيث الفضاء وتأطيره باعتباره مسرحاً للأحداث ، بل إن له وظيفة دلالية متصلة بالسياق النصي.
فالقصر ببواباته وحديقته وأشجاره وأسواره العالية المخيفة توميء إلى دلالتين : الثراء من جهة ، والانغلاق من جهة ثانية ّّ؛ وفضاء الشارع بما يجري فيه من أشغال، والعمارات الجديدة التي تتشيد حديثا ، تشير إلى بعض مظاهر الحداثة الزائفة التي طفقت تجتاح ملامح البداوة في بلدة " جارثيا " ؛ والسجن باعتباره فضاء للقهر والقمع والعذاب الجسدي والنفسي وافتقاد الإنسان حريته ، يوحي بما يعانيه المجتمع الذي تتحدث عنه الرواية بكل فئاته وطبقاته الدنيا والمتوسطة ، وغيرها من الجاليات المغتربة من عيش خانق في حيز شديد الضيق والانغلاق.
ب ـ وصف الشخوص :
إن الشخصية حسب " تودوروف " ذات طبيعة لسانية ، إذ لا وجود لها خارج الكلمات. إنها لا تعدو أن تكون " كائناً من ورق " ( ) ، وهي " تعتبر كذلك لأنها ، في الأصل ، مورفيم فارغ ليس له معنى وليس له مرجعية إلا من خلال السياق الذي سيوجد فيه ". ( ) بيد أن الكاتب المبدع يبث فيها الروح والحياة ، فتغدو لها ملامح فيزيولوجية ونفسية واجتماعية محددة.) ( " ويؤكد فلوبير أن الوصف لا يأتي بلا مبرر ، بل إن كل مقطع من مقاطعه يخدم بناء الشخصية وله أثر مباشر أو غيرمباشر في تطور الحدث " ( )
وإذا كانت رواية : " اهبطوا مصر " تعج بالشخصيات من كل جنس ولون ، فإن السارد ـ المشارك غالباً ما يركز على وصف المرأة. والأمر لا يخلو من دلالة كما سيأتي .
وصف شخصية آمال :
" جاءت آمال ، قطعة من الجنة والأنوثة ، جمال غجري فاجر ، خليط من بداوة فطرية ، وأصول مغولية أو بربرية أو غجرية ، تسبقها ثقتها وعطرها واعتزازها ، بدت للوهلة الأولى متحدية للآلهة الجمال الفراعنة والإغريق " ( الرواية ، ص : 97 )
إن وصف السارد آمال هنا يتوقف عند الملامح الفيزيولوجية والعرقية والنفسية . وفي وصف آخر لنفس الشخصية ، نجده يعنى بوصف الملامح الاجتماعية والجسدية للأنثى : " فستان فيروزي ناعم وشفاف وشعر .. أسود مندى. رقبة وصدر ونحر وعيون تضج رغبة ، وتنضح جنساً حركت فيه بدائيته . تململ تحت تأثير سريان دبيب نمل وارتعاش سرى في كل جسده " ( الرواية ، ص : 98 )
إن وصف السارد ـ المشارك لشخصية آمال لا يتم الاقتصار فيه على تحديد ملامحها الفيزيولوجية والعرقية والنفسية والاجتماعية فحسب ، بل يتجاوز ذلك وبشكل أساس إلى مزج تلك الأوصاف بأوصاف أخرى تتعلق بمشاعره الملتهبة نحو هذا الجمال الأنثوي المثير .
والملاحظ أن السارد لا يصف ملامح المرأة بهدف الإثارة الجنسية ، بل إن للأمر وظيفة دلالية مرتبطة بسياق النص ، وبمعاناة شخصياته في عالم يسوده القهر والقمع والحرمان والجوع الجنسي .
وغني عن البيان أن كلف السارد بوصف مفاتن المرأة، والتركيز على جزئيات جسدها ، يدخل في هذا الإطار، ويعبر بما لا يدع مجالا للشك، عن مدى الحرمان الجنسي الذي يقاسي منه الإنسان في المجتمع القاهر القامع الذي تصوره الرواية.
ج ـ وصف الأشياء :
إن رواية "اهبطوا مصر" تنحو نحو "الرواية الجديدة" ( ) في وصف الأشياء ، حيث العناية البالغة بوصفها، والوقوف عند تفاصيلها الدقيقة بكثير من التروي والأناة.
نقرأ في الرواية المقاطع الوصفية التالية :
المقطع الوصفي 1 :
" تتراص في الأركان وفي الجوانب بجوار الأعمدة ، علب اسطوانية كبيرة ، يملأها العمال بالمياه المثلجة بصفة دائمة . تأتي المياه من البئر في أنابيب. يملأون الكلمون ، يغطونه ، ينظفونه ، يحملونه ، يفرغونه في العلب الاسطوانية البرتقالية ، لا يتركون أثراً للمياه ، ثم تأتي عربة ألمنيوم أو معدن لامع صغيرة ، تحمل ثلجاً يوزعونه على العلب . بدا كل شيء معداً من اللون الأبيض " ( الرواية ، ص : 21 ) .
المقطع الوصفي 2 :
" كانت المجاري تصرف في قنوات غير مغطاة، مليئة بالذباب والناموس والحشرات والديدان ، وأشياء أخرى كثيرة ، يسبح الأطفال فيها ببهجة حقيقية "
( الرواية ص : 134 ).
المقطع الوصفي 3 :
عربات خشبية يدوية من ذوات العجلتين الكبيرتين راكنة على ذراعيها، مصنعة من قطع خشبية غير منتظمة ، مثبتة بمسامير وعوارض خلفية داخل صندوقها لونها حائل وقاتم وأسود وجديد، عربات أخرى عليها أوان فخارية ، أواني طهي،قلل مياه ، بقايا براميل وسيارات قديمة ، كومة وآثاررمال وسخة. " (الرواية ، ص : 187 ) .
يرصد السارد المشارك من خلال هذه المقاطع الوصفية التناقض الصارخ الذي يمس واقع مدينة " جارثيا " ، ويتجلى هذا التناقض في المظاهر التالية :
ـ منتهى القذارة والدنس يقابله منتهى النظافة والطهر.
ـ تمتع البعض بنعم الحياة يقابله معاناة البعض الآخر من قسوتها.
ـ الثراء الفاحش يقابله الفقر المدقع.
ـ الزيف والنفاق يقابلهما الواقع الساطع الذي لا يغطى بغربال.
ـ مظاهر الحداثة الزائفة المتمثلة في التوفر على معدات حديثة يقابلها مظاهر البداوة التي مازالت تعم المدينة على مختلف المستويات.
لقد استخدم الكاتب ما يدعوه ذ. أحمد اليبوري تقنية تعرية التناقض التي يدرك القارئ عبرها التباين الشاسع بين الوجه والقناع،( ) وذلك بهدف إشاعة أجواء من السخرية المريرة من هذا الواقع المليء بالمفارقات العجيبة.
والجدير بالملاحظة هنا، أن الأحداث والشخصيات والفضاءات والوصف الروائي التي تمت دراستها آنفاً ، تشكل في المتن الروائي بنية متماسكة استطاع المؤلف من خلالها أن يصور واقع التخلف الرهيب الذي تعرفه مدينة "جارثيا" وغيرها من بلدان الوطن العربي من النهر إلى البحر، ذلك الواقع الذي لا يبدو أنه ستلوح له أية بشائر خير ، بل إنه لا يشي إلا بمزيد من التقهقر والإحباط وغياب مبادئ الحرية والديمقراطية.
كلمة عن العنوان :
من اللافت للنظر أننا لا نجد عبارة عنوان الرواية : " اهبطوا مصر" إلا مرتين : مرة على ظهر الغلاف ، ومرة ثانية في آخر سطر في الرواية. قرأها السارد المهندس عمرو الشرنوبي على سلم الطائرة المصرية لدى نزولها على أرض الكنانة. وهذه العبارة تومئ إلى أن خلاصه الشخصي إنما يكمن في أرضه مصر ، وليس على أي حال في عالم "غارثيا " الجحيمي. وبهذه الدعوة إلى زيارة أرض مصر ، يريد الكاتب أن يوجه اهتمامنا إلى : مصر الحضارة الفرعونية والإسلامية. مصر الفن المعماري الذي خلفه المصريون القدماء ، والذي خلفه المسلمون في كل مساحة من هذه الأرض المعطاء. مصر الفكر التنويري والأدب الرفيع ابتداء من : محمد عبده والشيخ علي عبدالرازق وطه حسين ، مروراً بنجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبدالوهاب المسيري ومحمود أمين العالم ، وانتهاء بالنقاد والكتاب المبدعين : عز الدين إسماعيل و بهاء طاهر وإبراهيم عبد المجيد وادوارد الخراط وصنع الله إبراهيم وسيد البحراوي ... مصر الفنون المسرحية والدرامية : ابتداء من توفيق الحكيم وانتهاء بألفرد فرج ، وميخائيل رومان ومحمود دياب.. مصرالفن الشعري الجميل الراقي : شوقي وحافظ وناجي ومطران ورامي وحجازي ودنقل وصلاح عبد الصبور..مصر بحر النيل . مصر الناس البسطاء الأصلاء . مصر التسامح والتعايش بين الأديان.الخ..
إن العنوان " اهبطوا مصر" هي دعوة ملحة من الكاتب لنفسه ليحط بها عصا الترحال بعد رحلة المعاناة والعذاب في جحيم "جارسيا". كما هي دعوة لنا كمتلقين لننزل ساحتها الحضارية ، لا ساحتها التي تشوبها شوائب السياسة.
د. عبدالجبار العلمي / باحث من المغرب






