تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب النجدي
مجاني

النجدي

0.0(٠ تقييم)
عدد الصفحات
١٧٣
ISBN
9789996680595
المطالعات
٤٩٦

عن الكتاب

ترصد رواية "النجدي" الساعات الأخيرة لحياة علي النجدي أحد أشهر قائدي السفن الشراعية "النواخذة" في التاريخ الكويتي. وبمقدار ما يخوض هذا الزمن في مغامرة النجدي الأخيرة في البحر، فأنه بالقدر نفسه يقدم تاريخ الكويت منذ ميلاد النجدي عام 1907، ولحين وفاته مساء يوم الاثنين 19/2/1979. تأخذ "النجدي" القارئ ليكون شاهدا على علاقة حب بين شاب كويتي وبين البحر. شاب نذر عمره للبحر بعد أن استعصى عليه تقبل حياة مدينته، وأصرّ على أن يبقى على وصله واتصاله بالبحر الذي لا ينفك ينادي عليه: "تعال".

عن المؤلف

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي

روائي كويتي من مواليد عام 1958 حصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة الكويت عام 1982 بدأ الكتابة الأدبية في أثناء الدراسة الجامعية في منتصف السبعينات. أصدر ست مجموعات قصصية منها: “أبوعجاج طال عمر

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
أخيراً تنصّصت سيرة علي النجدي، أحد أشهر نواخذة الخليج، ابن البحر الذي قتله البحر، في رواية لطالب الرفاعي بعنوان «النجدي» الصادرة حديثاً عن ذات السلاسل في الكويت، وفيها يحاول دس الوثيقة التاريخية داخل بنية روائية، أي إعادة تشييد لحظة موته غرقاً عن سبعين عاماً، من خلال واقعة حقيقية يوم الاثنين التاسع عشر من فبراير/شباط 1979. عندما كان في رحلة صيد ترفيهية، حيث تعرض هو وأصحابه عبدالوهاب وسليمان لعاصفة، تتمفصل في الرواية على شكل ثمانية فصول، محقّبة بالساعات، تبدأ من الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً، وتنتهي عند الحادية عشرة والنصف ليلاً، وهنا المفارقة، إذ كيف لمن طاف بسفينته الشهيرة (بيان) إلى عدن، وموانئ أفريقيا وصولاً إلى زنجبار، ودلتا نهر الروفيجي في تنزانيا عابراً الأهوال أن يسلم روحه قبالة ساحل الكويت؟ وفي (الأرياق) تحديداً؛ المكان المحفورة تضاريسه في رأسه، وكأن الرواية تنحى لاستجلابه من تعالياته الأسطورية وتمديده في فضائه البشري. الرواية تسجيلية في جوهرها، تتغيا استعادة حياة البحر ونظامه الحياتي بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال مادة معلوماتية خام مختزنة في المرويات المكتوبة والشفاهية، يحاول طالب الرفاعي تسريدها. كما تعتمد في جانب كبير منها على ما سطّره القبطان الاسترالي ألن فاليرز في كتابه اللافت «أبناء السندباد» الذي رافق النجدي في رحلة إلى زنجبار لستة أشهر، انطلاقاً من عدن أواخر عام 1938 وصولاً إلى الكويت منتصف عام 1939. ليتعرف على الطريقة التي يهتدي بها البحارة العرب إلى مقاصدهم بمراكبهم الشراعية، لدرجة أن تلك المادة الخام، إلى جانب الاستشهادات بمقولات فاليزر ضغطت على الأفق التخييلي للنص، وحدّت من مراودات الاختلاق الذي يمثل منطقة الإبداع بالنسبة للروائي. ولأنها رواية لا تكتفي بتوثيق سيرة علي النجدي كأسطورة بحرية ساطية في وجدان الإنسان الخليجي، بل ترتبط بأحداث تاريخية وحركة اجتماعية، وجد الرفاعي نفسه محاصراً بكم هائل من المعلومات والمقولات والمدونات التي فرضت نفسها على سياق الرواية. كما صار لزاماً عليه اختبار خطاب الحقيقة الواقعي على حواف الخطاب الأدبي القائم على الإيهام الفني. وهذا هو بالتحديد ما دفعه إلى تصعيد لحظة التوتر الدرامي، أي لحظة هبوب العاصفة وموت علي النجدي، وهي المساحة التي رسمت الجدار الفاصل بين المادة الخام، ككتاب تعريفي بجوّاب البحار علي النجدي وما صارته سيرته كرواية، حيث اعتمد الرفاعي هنا مفهوم (التسبيب) عند جيرالد برنس، الذي يرفع الخبر أو القصة إلى مستوى الرواية، فعندما يقال: مات على النجدي. فهذا يعني وجود قصة خبرية انبساطية وعلى درجة من العادية. أما عندما يقال: مات علي النجدي غرقاً، فهذا يحتم وجود حبكة وتركيب مشاهد، وتأثيث فضاءات زمانية ومكانية، بحثاً عن السبب والمفارقة والتداعيات. على هذا الأساس بأّر طالب الرفاعي الحدث في لحظة موت علي النجدي، بمقتضى تقنيات سردية معنية بتوظيف الوثيقة التاريخية توظيفاً جمالياً، وإزاحة خبر الموت من صيغته الإعلامية إلى أفق الحدث، أي بمسرحته كتراجيديا. وكذلك بمفصلة اللحظة، بمعنى تجزئة رحلته الأخيرة وتحويلها إلى مشاهد ووحدات كلامية متناً وحواراً، عبر سيناريوهات استيهامية متخيّلة، حيث شكّلت تلك المشهدية المدّبرة درامياً منطلقاً لارتدادات في الزمان والمكان لعرض حياة علي النجدي والنظام البحري الذي احتضنه، دون تغييب للنزعة التوثيقية، فسفينته (بيان) بناها الأستاذ القلاّف محمد حسين عام 1937. وهي من نوع (البوم) وقد تتلمذ كبحار مبتدئ بمصاحبة النوخذة يوسف بن عيسى القطامي قبل أن (يتنوخذ) باكتساب الخبرات، إلى أن تحول إلى نوخذة سفر بموافقة أبيه على سفره إلى الهند لجلب البضائع والأخشاب لصناعة السفن، بمساعدة المعلم علي بن حسين، وكان يومها شابًّا عشرينياً. في الرواية أيضاً حضور لوالده النوخذة (ناصر) ولأمه (فاطمة) وأخته (مريم) وأخوه (ابراهيم) وزوجته الثانية (نورة) التي اقترن بها بعد وفاة زوجته الأولى (شمّة). وهناك استدعاءات لكتاب سيف مرزوق الشملان «تاريخ الغوص على اللؤلؤ». كما تستحضر الرواية علاقته بألن فاليرز التي بدأت بشيء من التوجس والارتباك وانتهت بصداقة يُضرب بها المثل، حيث لم يكن فاليرز مقتنعاً بكفاءة البحارة العرب. وقد وصفهم بالجبناء المحاذين للسواحل والمتهورين المغرمين بالرقص والغناء وعدم الجدية «أنتم تلازمون الشواطئ، لا تكاد تغيب عن عيونكم. القبطان العربي يتجنب الإبحار في عرض البحر». إلى أن تعرّف عليهم وكتب كتابه التمجيدي لهم «كنت أزداد حبًّا للعرب، خاصة هؤلاء السندبادات، الذين يحتلون مقدمة المركب. لأن السندباد نفسه إن كان هناك سندباد، لا يستطيع أن يقوم بمثل المغامرات التي يقومون بها». كما كتب مباهياً بمرافقة علي النجدي في مركبه «بوم بيان يقف شامخاً متعالياً على جميع المراكب الأخرى من نوع السنبوك والزوارق الموجودة في الخليج». وعدّد مآثر تلك الصحبة بقوله «المراكب العربية آخر ما تبقى من سحر الشرق القديم «. لا تكتمل أسطورة علي النجدي إلا بعرض حواضنه المكانية ومزاجه الشخصي، بما يمثله كل ذلك من ضرورات سردية لتأوين الحدث، أي اعتماد التأريخ على اعتبار أنه تمثيل وتفكير في الوقائع. وهذا هو ما يفسر لجوء طالب الرفاعي إلى عرض كل متعلقاته المعاشية وما تداعى عنها من طبيعات ميتة قابلة للتحريك، من منظور جيل دولوز، لاستنهاض جينات المكان، أي إعادة الحياة لخزان المفردات التي تختزن بدورها منظومة العادات والتقاليد والمهن والمأكولات والطقوس، فهو مغرم بخبز (الرقاق) المخبوز على (التاوة). وهو عاشق للطرب ولذلك يحرص على اصطحاب أفضل النهّامين معه في رحلاته، حيث يردّد «إذا طابت النفوس غنّت… وإذا غنّت النفوس طابت» من منطلق إيمانه بأن «الغناء عون للبحار». وبشوق المحب لذلك الزمان يتذكر زفته وسط أضواء فوانيس (اللوكس). ويصر على التزود بطبق (المربيّن) الذي طبخته له زوجته في آخر رحلاته إلى جانب (الدقوس). كما يتأمل صيدهم قبل هبوب العاصفة من أسماك الجنعد، والشعوم، والسبيطي، والفسكر، والبلول وهكذا. وفي المقابل يشرح المراحل التي عبرها علي النجدي في سيرته البحرية من الموقع التوثيقي ذاته القائم على توطين القاموس البحري. فقد شارك البحارة في دهن السفينة بـ (الصل). المستخرج من أسماك القرش والسردين. كما لطخ يديه بالـ(شونة) المصنوعة من شحم الغنم ومسحوق الجير، لطلاء السطح الخارجي السفلي للسفينة. وغاص لأول مرة في مغاص (أم الهيمان). وهنا تستطرد الرواية في شرح رحلة استخراج اللؤلؤ، حيث يبدأ الغواصة عملهم مع طلوع الشمس. كل واحد منهم ممسك بحبل (الإيدة) المربوط بحجر (ثقل). وقبل أن يرمي نفسه في البحر يسد أنفه بـ(الفطام ليتفاهم مع (السيب) وهو الشخص المسؤول عن سحبه خارج الماء بالإشارة. بعد أن يملأ سلّة (الديّين) بالمحار. وهنا تجنح الرواية إلى الرثائية فموت عوالم علي النجدي إثر ظهور النفط وتصدير أول شحنة نفطية من الكويت عام 1946 هو موت للنظام البحري بكامله، وهذا ما أراد طالب الرفاعي تجسيده من خلال حياته وموته. ويبدو أن حدث موت النجدي غرقاً هو الذي الذي حدّد أدبيته، إذ ضغطت هذه الرثائية أيضاً على سياق الرواية فتحولت في مفاصل منها إلى شريط لغوي إخباري، شعري النبرة، حيث طغت البنية الشكلية على ضرورات البنية الدلالية. كما بدا من الواضح أن صراعاً قوياً يتناهب الرواية ما بين التوثيق والتهويم الشعري يؤدي بالضرورة إلى اختلاق عالم روائي يوازي الواقعة أو الحدث، وربما لهذا السبب لجأ طالب الرفاعي إلى رفد السرد بزخات من العبارات الشعرية أشبه ما تكون بالمونولوج الغنائي، لصد سطوة التوثيق والمعلوماتية، من خلال مونولوج غنائي استذكاري «كنت أتمشى على الشاطئ أطالع السفن مائلة بضلوعها وحزنها ووحشتها على رمال الشاطئ. يصعد الوجع بي، أهمس بيأسي: سيأكل اليباس خشبها، وستعوي الريح العابرة بين جنباتها». لا ينسى طالب الرفاعي في كل مفاصل الرواية شروط التلامس الفني ما بين المحكي التاريخي والمحكي التخييلي، إذ يبدو من الواضح أن موضوعه لا يمكنه أن يقدم لروايته بُعداً شعرياً دون أن يعيد ترتيب نظام العلاقات داخل الموضوع، أي أن يرسم التباعدات داخل الزمن المستدعى. فهو بصدد إعادة بناء الوثيقة التاريخية لا الارتهان لها، ولذلك أنطق علي النجدي بعبارات تجعل منه بطلاً يلتقي بالتاريخ «كيف لابن البحر أن ينكر أباه». وكأنه – أي طالب – يشكّل قدر بطله بمقتضى سياق الرواية الداخلي المتقاطع مع برّانية الحدث «البحر بيتي الثاني» أو «نهايتي راح تكون في البحر». وهذا هو ما يفسر وجوده الأنطوقي الذي يؤسس بدوره لمصيره المحتوم «أنت وجهتي ولا أعرف درباً لي سواك». وهو قدر تم فرش أرضيته في مقدمات بقلق الأم وهي تحذره منه إبان طفولته «مستعجل على البحر يا وليدي» أو من خلال وصايا الأب «البحر لا يعرف صديقاً». لا يمكن لرواية «النجدي» بنزعتها التسجيلية التوثيقية إلا أن تتقاطع مع التاريخ الاجتماعي فتنقل عنه من طرف، وتصفه من طرف آخر، حيث يبدو واضحاً محاولات طالب الرفاعي الواضحة لانتزاع الوثيقة حياديتها واستنهاض المكان من هجعته، من خلال عرض سردي يراعي العلاقة ما بين مدة القصة وطول المحكي، وهي علاقة يتداخل فيها التكثيف والحذف والإيقاع والتذويت أيضاً، حيث يمكن التقاط تلك اللوعة الذاتية في انفلاتات كلامية مثل «غدر بك البحر صديقك يالنجدي»، حتى الصوت الضمني للروائي كان حاضراً وراسماً للقدر «كنا نصطاد سمكاً بينما البحر يصطادنا». أما النجدي بصفته بطل الرواية فقد كانت كلماته تشي بمآله منذ أول عباراته «الحسرة تنهش قلبي. لا البحر هو البحر، ولا اليخت هو البوم» وصولاً إلى مفارقة موته غرقاً «أبحرت بسفينتي بيان إلى شواطئ الهند وأفريقيا… رحلة اليخت هذه نزهة عابرة» وكأن الرواية أرادت إكساب النوخذة الأسطورة سمته البشرية.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
اشتريت رواية «النجدي» - الإصدار الأخير للكاتب الروائي طالب الرفاعي عن دار ذات السلاسل - من مطار الكويت الدولي، وقلت أخاطب نفسي: «سأقرأها حال عودتي». لكن لا أعرف كيف امتدت يدي للرواية، وحالما قرأت الكلمة الأولى فيها «تعال»... 13، ومثلما كان البحر ينادي على النوخذة علي ناصر النجدي، فينقاد مسحوراً للنداء، شعرت أن النص الروائي ينادي عليَّ، فذهبت مسحورة لأكمل القراءة. طوال فترة القراءة، كنت أقرأ الرواية وانا أعيش عالما ثلاثي الأبعاد فعيناي كانتا تقرآن الاحرف وأذناني تسمعان صوت الأستاذ طالب الرفاعي يهمس في سرد الأحداث بالرغم من إنه لم يكن ضمن أبطال الرواية، مثلما اعتدنا قراءة أعماله الروائية بوجوده الملموس باسمه وشخصه الحقيقيين فيها. هي الطبيعة البشرية؛ ‏كُل منّا يسعى وراء ما يحب ويعشق. ومنذ بدأت الكتابة وقلمي يعشق كتابة الإحساس فيُجسد ما يشعر به من مشاعر وأحاسيس. وهذا ما حدث معي عند قراءة رواية «النجدي»، فقلمي وجد الإحساس الذي يعشق ينبض بين الاحرف والكلمات لذا أخذني خلفه لأعيش في ذاك الزمن. وجدت نفسي شخصاً رابعاً يرافق النوخذة النجدي على يخته إلى جانب الشقيقين؛ عبدالوهاب وسليمان. ومثلما فعل النجدي في طفولته استلقيت على الرمل الندي، وغصت معه في ذكرياته، بل إنني واجهت معه العاصفة وكذلك قدّرت رجولته ومسؤوليته بإصراره حماية صديقيه من الموت.‫ «تعال» هذا النداء السري الذي كان يطارد النوخذة النجدي منذ نعومة أظفاره حين كان بيت عائلته يقابل البحر في منطقة شرق، ولغاية يوم الحادثة في 19 فبراير 1979، ظل هذا النداء يجننه، ويأخذه إلى أعماق البحار والمحيطات، وظل هو وفياً لعشقه وشجاعاً في مواجهة الأخطار. وربما هذا ما يجعله يقول وهو يصارع الرمق الأخير له: «أنا ولدك يا بحر، نسبي إليك، نوخذه. السفينة ستأتي إليَّ. بوم بينان الحبيب. سأبقى في البحر لحين مجيئها. لن أفارق البحر». ص 172 إن نهاية الرواية المفتوحة يمكن قراءتها بأكثر من معنى؛ فمن الواضح أن طالب الرفاعي، أراد لبطل روايته أن يبقى في البحر رمزاً لرجل من رعيل النواخذة الكويتيين الذين عشقوا البحر وأخلصوا إليه، وربطوا سمعة حياتهم به. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، بقاء الرواية بنهاية مفتوحة، ولمن لا يعرف النهاية الحقيقية لحادثة العاصفة التي واجهت علي النجدي وصديقيه، جعلني أنا، وأبنائي، نذهب بعد الانتهاء من الرواية إلى شبكة الانترنت كي نروي ظمأً ولّدته الرواية. ومؤكد أن الروائي طالب الرفاعي، باتخاذه من النجدي بطلاً/‏‏ رمزاً لروايته، إنما يشرّع باباً واسعاً أمام الكتّاب الكويتيين، الشباب والمخضرمين، لقراءة سير حياة الشخصيات المؤثرة في الكويت، قديماً وحديثاً، ومن ثم تحويل هذه السير إلى روايات مشوقة، باعتبار الرواية هي الجنس الأدبي المتربع اليوم في قلوب جمهور القراءة في العالم العربي والعالم. لقد عرض الرفاعي في روايته «النجدي» لحادثة تاريخية ترتهن إلى أحداث واقعية، بأماكنها وشخوصها الحقيقية، لكنه استطاع تطويع التاريخ ليلبس زي الرواية الزاهي والمشوّق. حتي ليصعب فك التلاحم بين المادة التاريخية وبين المادة التخيلية في الرواية. وكم وقفت أمام أكثر من مشهد لأتساءل: «هل هذا المشهد حقيقي، أم أنه من عنديات خيال الرفاعي»؟ يمتد زمن الرواية على 12 ساعة، من الحادية والنصف ظهراً وحتى الحادية والنصف مساء، في يوم الاثنين 19 فبراير 1979، لكن ذكاء الروائي الرفاعي، وخبرته في الكتابة جعلته يطوّع هذا الزمن ليستوعب كل منعطفات حياة النوخذة النجدي الممتدة على مساحة سبعين سنة. لذا يمكن اعتبار الرواية رحلة في تاريخ الكويت البحري، ومعاناة أهل الكويت بين الغوص والسفر، ولحين اكتشاف البترول، وإصرار النوخذة النجدي على أن يبقى صديقاً للبحر، وألا يفارقه حتى أخر لحظات حياته. يحسب للرواية أيضاً كشفها لحال الأسرة الكويتية، بعاداتها وتقاليدها، وممارساتها الحياتية، كما يحسب للرفاعي، تقديم بطل روايته النجدي كرجل بفكر مختلف، فهو يصرّ على رؤية زوجته قبل الارتباط بها، وحين تقول له أمه: «يا ابني حرام عليك، عندك أخوات». يرد عليها بصوت يحمل قناعته: «شرع الله ليس حراماً. الإسلام سمح بذلك». ص 68 وفي أكثر من مكان تتجلى صلة النوخذة النجدي ببحارته حتى بعد اكتشاف وتصدير البترول. «النجدي» رواية بحر الكويت ونواخذة الكويت وأهل الكويت، وهي تشكّل إضافة بارزة للمنجز الروائي الكويتي.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
الروائي ليس من كتب رواية أو اثنتين عابرتين في مجرى حياة أدبية جدية، درجت أو على الهوى. ولا العبرة كذلك بالكمّ ضرورة، إنما، وهذا ما يشهد به تاريخ الأدب، من انتظم في سلك الجنس الروائي إنشاءً ومواظبة، عملاً يلي عملاً، وفي كل نص ننتبه- نحن القرّاء- إلى تبلورٍ لرؤية دلالية وخطة جمالية متكافلتين هي جزء من مشروع يتقدم متجدداً. أحسب هذا ينطبق بيُسر على الإبداعية السردية للكاتب الكويتي طالب الرفاعي، ما فتئت منذ باكورته القصصية «أبو عجاج طال عمرك» (1992) وروايته الأولى «ظلّ الشمس» (1998) تتوالى بكيفية بنائية متصاعدة، الحكاية فيها مجتلى للخبر والتشويق، بسرد يحبكه صانعُه ويجيد غايته، فيما يرسم حياة خصوصية بذوات وأوضاع، أن يطوِّع مادةً ويطرُق موضوعاً ينطويان على معنى بالدلالة العميقة للكلمة، يختزن فلسفة حياة وقيمة وجود بقيم ومبادئ. في روايتيه السابقتين «الثوب» (2012) و«الهنا» (2014) نستقرئ منظومة أخلاقية كاملة هي عماد الكتابة، ينهض عليها السرد وعوالمه، وتنضح أو تنتأ كما ترصِّع خطابه الإجمالي. لا ينبغي التسرّع لتقويم نهج مماثل بأنه ينضوي في إطار الأدب الهادف بنزعته التعليمية البيداغوجية، بما قد يوحي بضآلة قدره الفني وبالتالي الإشاحة عنه نحو الأصفى، الأوجه. إن الأدب العالي حقاً هو ما ارتبط دائماً باستجلاء واستشفاف المشاعر الدفينة والقيم الكبرى للإنسان والحياة في جدل الصراع الاجتماعي والتحولات التاريخية والحضارية. ويؤمن طالب الرفاعي بهذا النهج انطلاقاً من أن الكاتب الحقيقي من يمتلك ويستثمر في أعماله رؤية عن العالم، سمِّها أيديولوجية، أو عقيدة، خلفية فكرية، أو لا تعدو كتابته لغةً، لغواً وتطريزاً، وعنده هو يعتبر مبدأ التحول، العنصرَ الحتميَّ، الحاسمَ في صنع حياة المجتمعات وتوجيه مصائر الأفراد، يُعد شرطاً لتكوين الرواية ويوفر لها في الوقت ديناميتها المأسوية. مبدأ ناظمٌ لأعماله نراه يزيد انغراساً في روايته الجديدة «النجدي» (منشورات ذات السلاسل- الكويت، 2017) ليصبح مؤسساً لا غنى عن استيعابه للوصول إلى المرامي البعيدة للعمل، وإلا سيجرفك بحر الحكاية، المثيرة والشيقة، تتقلب في أمواجها، مائسةً وهوجاء، فإما تغرق، أو لن تظفر إلا بالزَّبَد، وزبدُ الرواية يذهب جُفاء، شأن كثير مما ينشر من طوفانها اليوم، انبت نسبه بالرواية. يفتح لك ساردُ «النجدي» الطريق بنداء ملتاع «تعال» مرسلُه يوجهه إلى مرسليْن اثنين، المتلفظ ذاته وبطلها، ضمنهما أنت القارئ الذي سيشدّك نداءٌ ما يفتأ يزيد التياعاً، ليأخذكم جميعاً إلى بحر النّوخذة، فيه وحوله مرابع صباه، مراقي يفاعته وعنفوان الشباب، وبه امتد مسار حياته حتى قدر مقدور، على ضفافه حياة شعب بتاريخ وتقاليد ومهارات عريقة تجابه الزمن الذي يلعب معها لعبته، نقَلها إلى حال مختلف، معه تحقق تحول طوي زمناً ومصائر وحبَل بالجديد. قصة النجدي لو أمكن اختصارها هي حياة النُّوخْذة (تعني قبطان السفينة، يتصرف فيها ومن عليها) تبدأ من ساحل مدينة الكويت القديمة قبل اكتشاف النفط، حيث عملُ السفن والمراكب للصيد والغوص لاستخراج اللؤلؤ مهنةٌ رائجةٌ ومصدرُ رزق، للكبير والصغير. كلما كبر النجدي، لقب عائلة الطفل، وهو يتعلق بالبحر وشوقُه لمرافقة والده النوخذة في سفراته الطويلة يلتهب، أعماه وأصمّه عن الدراسة فعاف التعليم على رغم إرادة والديه، وأعلن أنه لن يكون إلا بحاراً، وما يجدر به إلا مستقبل شخصية النوخذة مثل أبيه، وليلبي نداء البحر. يسجل الروائي هذه الرغبة العارمة في المجرى الحياتي الطقوسي لشعب بحّار تعرّف إلى مفردات من تقاليده ونمط عيشه وأعماله: «يوم الدشّة يوم مغادرة السفن إلى البحر للغوص يضجّ شاطئ البحر بأهل الكويت المودعين، تجمعهم دموعهم ودعواتهم (...) البحارة منذورون للمجهول وأخطار الغوص على اللؤلؤ طوال أشهر الصيف ربما الموت» (45). تفتح الرواية أمامنا كتاب البحر على وسعه نطلع على معلومات دقيقة لا تُجزى جزافاً، وإنما تُغذي معرفتنا، بالشخصيات، وببطلها. هكذا تمتزج الأدوات السردية بالوظيفة الخبرية، بمهمة تعليمية مستحبة، ثمرة خبرة، تؤثث الأعمال التي تندرج في أدب البحر، و «النجدي» إحداها بامتياز. تعلمنا أساساً من هو النوخذة: «يحفظ مواقع البحر في رأسه وقلبه، وكل نسمة وكل شاطئ» (46). نتعرف إلى طقوس الصيد لدى الغواصة: «في رحلة الغوص البحارة يستيقظون مع صلاة الفجر. يتناولون القدوة: حبة تمر واحدة ورشفة قهوة(...) الغوّاص يجب أن يأكل ليبقى جسمه خفيفاً فيستطيع المكوث تحت الماء أطول مدة ليلتقط المحار» (48). يعطينا وصفاً دقيقاً لعملية الصيد وأخطار استخراج اللؤلؤ. هكذا نتعرّف إلى الشخصية وعالمها الصغير الذي يتسع من ثمّ بالانتقال إلى الأفعال والأحداث، وقد كبُرت، إلى الإبحار بين سواحل البلدان لتكوِّن تجربتها وتستحق ما ستصبح عليه من بطولة: «أن تكون نوخذة فأنت منذور للبحر والمخاطرة» (54)؛ «يا علي النجدي ستكون ابناً باراً للبحر، وسيكون صديقك، وعلى هذا عاهدتَه.» (57). أجل، عاهده النوخذة أبو حسين، سيظل يسمع منه النداء ملحاحاً، حتى بعدما جاب البحار، وبلغ عقده السبعين، بارت تجارة المراكب والغوص بعد الطفرة النفطية، والنجدي لا بد أن يتبع مصيره، أن يبرّ بقسمه، أن يلبي النداء. هنا يتوقف خيط الاستذكار الذي بنيت عليه الرواية، فجاءت مثل تدوين مذكرات، متراوحةً بين ماض غني، وحاضر يتجسد بسرده لما سيحدث فيه، حين سيقوم النوخذة رفقة صاحبين له برحلة بحرية بعد أن طال شوقه لركوب بحر يعيش قبالته، كم نازعته نفسه لجولة في العمق، منخطفاً إلى النداء السري: «تعال». وهنا الحدثية الكبرى للقصة، إذ يغادر النوخذة علي ناصر النجدي على متن مركب بمحرك، فنحن في عهد جديد للكويت لا في الثلاثينات، يوم الاثنين 19 شباط (فبراير)، يقول الروائي استناداً إلى وقائع حقيقية إنّف قصد الشاطئ مع صاحبيه للاستمتاع برحلة صيد في عمق الخليج طيلة يوم كامل، تنتهي بأن يلقوا جميعاً حتفهم غرقاً. اختار طالب الرفاعي أن يسرد قصته لتمتد في زمنية مدتها اثني عشر ساعة، من 11.30 صباحاً إلى 11.30 ليلاً، لنقل إنه يوم طويل على غرار ما فعل تقريباً جيمس جويس (1882-1951) في شهيرته: «عوليس». (تسرد من 8 صباحاً إلى الثالثة بعد منتصف الليل) وفيما كان ليوبولد بلوم وستيفن ديدالوس يخوضان يوماً عادياً بين دروب دبلن وهما يتنقلان بين أشياء كثيرة وعديد مواضيع عبر استرجاعات على إيقاع تيار الوعي الذي حقق به الروائي الإرلندي إنجازه الخطير، جعل الرفاعي بطله النوخذة علي النجدي ينطلق من صباه إلى مماته، في خط حكي مبني على استرجاع الذكريات، في مساري ذهاب وإياب بين زمنين، كلما تقدم استدرك: «تلتم الذكريات علي فتجرني وراءها»(95)، بإشارات متبادلة، واستدعاءات مناسبة مكانُها الكويت عامة ببعد تاريخي، وفضاؤها عائلة النجدي ممثلة لنمط حياة ساد في زمن قبل النفط، حيث النوخذوية متوارثة وما يرتبط مكونات عيش وإطار. في اثني عشر ساعة فقط وتسعة فصول بدا طالب الرفاعي كأنما يسرد قصة تكوُّن شعب وطراز حياته ومحتوى وأشكال ثقافته، يؤسس بذا الشخصية الوطنية روائياً، منزعٌ تجده حاضراً بقوة في الرواية الكويتية، ومن هنا اعتماد التوثيق الذي يخدم هذه الغاية الأمثلة عليه وافرة:» كويت العشرينات والثلاثينات والأربعينات كانت بحر وغوص وسفر» (37)؛ «عام1937 أتم القلاف محمد حسين بناء سفينة العائلة من نوع البوم أطلق عليها اسم بيان» (77). تقوى النزعة التوثيقية بالحضور الفعلي للقبطان الأسترالي ألن فاليزر والتناص مع كتابه: «أبناء السندباد» الذي مجّد فيه البحارة الكويتيين» (22) فيما يزاوج هذا العمل بين الواقع والخيال لينتقل إلى تركيب التخييل، معادلة سجّلها المؤلف صراحة في العتبة: «تُلوّنُ هذه الرواية واقعَها الفني [روائيتها] بما يمكن قد حدث للنوخذة مستندة إلى وقائع حقيقية» (9). في الوقت تبدو هذه الرواية وهي قد قامت على قاعدة إعادة تشييد الماضي كأنها مرثية لزمن له، حكت ومثّلت بناءَ الكيان والإنسان في: «حياة بسيطة بأناس طيبين وصادقين» (37) ثم حدث التحول، هذا الناظم الثابت في هذا النص وعقيدة الكاتب، حتمٌ يدفع الحياة إلى الأمام ومع أول شحنة نفط تصدرها البلاد عام 1946: «وحش المدينة ابتلع كل شيء» (39) وبعبارة تقريرية حكم قيمة: «برزت حياة جديدة وأناس بأخلاق وسلوك جديدين» (106). بعدما كان فاليزر قد كتب أن: «المراكب العربية هي آخر ما بقي من سحر الشرق القديم» (81)، ماذا بقي لأحفاد السندباد يفترسهم «وحش ضرير» كما وصفهم البياتي في قصيد «سوق القرية»؟ إنه الحنين. بعدما تآلفت غربة النجدي والبحر، وحدث التحول الجذري جاء حتم المصير المأسوي. وإذ يمتلك هذا العمل مقومات روائية لا غبار عليها يبقى أقرب إلى النشيدة روحاً وإيقاعاً ولغة أيضاً. فمن المفردة الأولى أطلق المؤلف معزوفة الحنين: «تعال»، إلى الكلمات الأخيرة كان النجدي يتنفس بها تحت الماء وهو يغرق، شعراً وإنشاداً، ما يُبقى القارئ بين مفترق طرق اختيارين بين إيقاعين، سجلين تعبيرين، أكاد أقول جنسين؛ اختيار ثالث ربما.