
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
حائط غاندي
تأليف عزة رشاد
0.0(٠ تقييم)
📄 قراءة PDFمجاني
عدد الصفحات
١٥٦
ISBN
9789778200096
المطالعات
٣٣٤
عن الكتاب
ضغطتْ الزر مرة ثم أخرى، في الأولى رأيتُ الملامح الأسطورية لبطل، وفي الأخرى ظهرتْ ملامح مجرم، وكلتاهما كانت مختلفة عن صورته العادية بالقميص الأبيض وربطة العنق الرمادية؛ لشدّ ما بدتْ المسافة.. شاسعة بين الشاشتين كعالمين متباعدين، أما المسافة بين الحياة والموت.. فلم تكن تلك الملليمترات القليلة بين الزناد وإصبع القناص.
عن المؤلف

عزة رشاد
المؤهل العلمي: بكالريوس الطب والجراحة ، دبلوم التخصص في طب الأطفالالوظيفة: أخصائية أطفال بمستشفيات وزارة الصحةالإبداعات الأدبية:* " ذاكرة التيه " رواية دار ميريت 2003* " أحب نورا.. أكره نورهان " مجموع
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
٤/١٢/٢٠١٧
يتوغل الإحباط الإنساني بصور وأقنعة مختلفة، ويومض كبطل متخف، مهمش ومسكوت عنه في قصص مجموعة «حائط غاندي» للكاتبة عزة رشاد، الصادرة حديثا عن دار «كيان بالقاهرة». فنحن أمام شخوص محبطة في واقعها وأحلامها وهواجسها ونظرتها لذواتها وللحياة، ضجرة إلى حد السأم والملل والرتابة والشعور بالعبث والغثيان واللاجدوى. ومع ذلك، لديها القدرة على التفنن في اللعب مع هذه الإحباط، فتتعايش معه، وتلبسه أقنعة من التهكم والسخرية والفانتازيا والخرافة التي تشارف الأسطورة في الكثير من الأحيان. ليس فقط بحثا عن حل، أو طريقة للهرب، وإنما لكي يصبح هذه الإحباط موقفا إيجابيا ضد واقع شائك وملتبس وقاس، أصبح الوجود فيه بمثابة فكرة محبِّطة ومحبَّطة معا.
تتكشف مرايا هذا الوجود في القصة الاستهلالية للمجموعة «رسائل بظهر الغيب» وتتهشم هذه المرايا بشكل مباغت على إثر فنبلة بدائية الصنع وضعها إرهابي في حقيبة تحت مقعد بمتنزه عام، وإمعانا في التهكم المر تطلق عليها الكاتبة «حقيبة نيرون» الذي أحرق روما بعد أن أغرقها في الفوضى والفتن السياسية.
ينعكس ظل نيرون برمزيته السياسية، على شاب يجلس بالمتنزه، يرتدي نظارة طبية سميكة، ويخرج من حقيبته صور حبيبته الغادرة ورسائلها ويمزقها ويدوس عليها... بينما على مقعد مقابل له يصرخ شيخ كان يرافق حفيده: حرام تكسر الورد.
في المشهد نفسه داخل المتنزه تتمنى الشابة التي تحولت إلى بائعة هوى ألا يأتي الزبون، وتُرزق بزوج ابن حلال تحقيقا لدعوات أمها، وهي تشاهدها كل يوم تملأ حقيبتها بالأوراق والماكياج والأمشاط «عقبال ما تمليها حفاضات وكوافيل». هناك أيضا بائعة المناديل الورقية التي تعبر الحقول مبكرا ببقجتها الدمور وطفلتها المرحة ذات الضفيرتين الطويلتين.
في ذاكرة المشهد وفي شكل مونتاج زمني متقطع، تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة تعلق صورة بوسطجي يحيي حقي وحيرته، في غلق مظاريف الخطابات بعد أن فتحها، واختلطت متعة تسرية الوقت لديه، بحكايات ومصائر صادمة، كما تعلق صورة المهاتما غاندي وحماماته البيضاء برسائلها الشريدة، وصحته المعتلة نتيجة إضرابه الطويل عن الطعام، وفشل العصيان المدني بصفته سلاحا سلميا لمقاومة الاحتلال والإحباط.
في داخل كل هذا الشخوص رسائل لم تصل، عجز البوسطجي عن أن يفضها، ولم يستوعب «جوته» ولا «نيرون» معنى الحياة في شظاياها الذابلة... هي غربية عنهم؛ لأنها ابنة إحباط لا يملك ترف الضرورة، بل يقف دائما على حافة تشبه الأمل أحيانا، والحياة أحيانا أخرى... هكذا يبلغ المشهد ذروته مخلفا نتفا من ظلال هذه الرسائل وكما تقول القصة «وجدوا بجوار الأشلاء، بقجة دمور، وعدساتٍ طبية سميكة، وشريطا من حبوب منع الحمل، وورودا دهستها الأقدام».
هذا البناء المركب بسلاسة لغوية مغوية يشكل خصصية فنية في فضاء قصص المجموعة، وفي الوقت نفسه، يجعلها مفتوحة بحيوية على البدايات والنهايات، فالقصة تنتهي لتبدأ، ربما بالعزف على أوتار زوايا أخرى، قد تكون منسية ومهمشة، ومسكوتا عنها، ومطمورة في طوايا المشهد نفسه، وربما تستعيد ظلالها، في حقائق أخرى تشبهها، أو تشير إليها، أو تذكِّر بها خاصة في واقع تباعدت فيه الظلال والصور، على شتى المستويات سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وغيرها.
فنيا، يلفت هذا البناء إلى مقدرة الكاتبة، على خلق حيوات وأدوار فاعلة وفي مساحات صغيرة، قد لا تتجاوز بضعة أسطر، لشخوص ثانوية، أو على الهامش، لكن، تبدو أهميتها أنها تضيء الصورة في لحظة ما، أو تضيف لها ملمحا مهما ولو بالمصادفة العابرة. ما يعني أن القصة رقعة وجود حية، رغم ما يعتري هذا الوجود من نقص وتعسف وتشويه تحت مطرقة الواقع والزمن أحيانا. إنها إذن ليست مجرد مساحة متخيلة على الورق، ولا محض صورة تحاول أن تتطابق مع الواقع أو تستدعيه بقوة الذاكرة والخيال. إنها الواقع نفسه، في حقيقته التي يحاول أن يهرب منها أو يتناساها عمدا تحت وطأة الظروف والإحباط.
في قصة بعنوان «عراء» لا تتجاوز نصف الصفحة، تقف البنت التي لا يتجاوز طولها ارتفاع الكرسي، كطوق نجاة حائر، بين زوجين، يبدو أنهما أدمنا الشجار... ويتعقد حبل الحوار في جملتين اثنتين: - انزلي قوللي للبواب هات المأذون... - لأ ما تنزليش».. في غبار المشهد لا يلاحظ الزوجان التي شاءت الظروف أن يكونا أبا وأما لهذه الصبية التعيسة الحافية القدمين أنها في حاجة إلى عناق.
الخيط نفسه المسكون ببذرة ميلودراما مقموعة، لم تتفجر لاعتبارات كثيرة، معظمها يتعلق بميراث الأعراف والتقاليد، يتناثر في أجواء الكثير من قصص المجموعة، متقلبا ما بين أمرين، أحلاهما مر، بين العيش في ظل إحباط محتمل، وبين توقع مصادفة مجهول طارئ، قد يعصف بكل شيء... ففي قصة «قبعة وبدائل أخرى»، ترضخ البطلة المتمردة لفكرة قص شعرها المجعد، لتتخلص من عناء غسيله وتسريحه وفرده والاعتناء الخاص به، بل ترى في ذلك سلوكا ثوريا، فلن يجد المخبر شيئا يشدها منه في المظاهرات يجعلها تصرخ، مثلما حدث لها من قبل. ورغم جو الفانتازيا الذي يتناثر في أجواء القصة، إلى حد الموضة، وشراء أنواع من القبعات تناسب ألوان الثياب، سيرتبك المخبر ولن يجرؤ على نزعها من فوق رأسها؛ لأن ذلك يعد من الكبائر.
رغم ذلك تخلف القص إحساسا ما بأن ثمة مرضا عضالا، وراء كل ذلك... إنها إذن بذرة الميلودراما تفرض وجودها المتخفي، ولا يبقى سوى التحايل على هذا الوجود، ولو بالسخرية منه.
تطل هذه البذرة على نحول لافت أيضا في قصة «رسالة علياء» الفتاة الصغيرة المشغوفة بصورتها في المرآة وقصص التاريخ، وأول حذاء انتعله الإنسان، حتى يصون قدميه ويكف عن المشي حافيا، لكنها تسقط صريعة رصاصات غادرة من إرهابي ملثم على دراجة بخارية، أخطأت شخصا من جيرانها بلباسه الميري، فجلس على الرصيف يتنفس بصعوبة، يتأمل جسدها الملفوف بملاءة، وهو يدلف إلى سيارة الإسعاف لم يصدق أنه كان مستهدفا وأنه نجا.
لكن هذا الإحباط، التي ترصد مناخاته الكثير من القصص يصل إلى ذروته الدرامية الفاجعة، حيت يتحول إلى قوة سالبة للوعي، ومبررا للقتل وارتكاب الجرائم؛ فعبقرية الشاب المزعومة في قصة «رسم بقلم الرصاص» لم تجد الرواية الساردة دليلا ماديا عليها يشي بامتلاكه هواية حاذقة أو مهارة خاصة، سوى رسم لم يكتمل بعد، بالقلم الرصاص لطائر يحلق في الأعالي. لكن في الخلفية يتناثر الكلام بين الساردة وجارتها عن أن الشاب نفسه حفظ ستة أجزاء من القرآن قبل دخوله المدرسة، وأنه سبق أقرانه في تعلم حروف الهجاء... وفي زاوية قصية من المشهد الدامي، تتساءل الساردة وكأنها تحادث نفسها: «هل تخيلتْ يوما أن تتناقل صورة ولدها الشاشات... ضغطتٌ الزر مرة ثم أخرى، في الأولى رأيت الملامح الأسطورية لبطل، وفي الأخرى ظهرت ملامح مجرم».
رغم هذا، يبقى الوعي بعالم الأنثى - المرأة، الحميم والخاص في كل مراحل نموها ونضجها، من أجلى صور الوعي بأبعاد ومكابدات الإحباط الإنساني في المجموعة، وهو وعي لا ينكفئ على ذاته، بل دائما مشرّب بروح مصرية، وبحس لغوي شفيف وسلس، تعلق به لطشات ودودة من الحكي الشفاهي، تعكس خبرة التراث والحياة، عبر الأمثال والنوادر والعِبر ذات الإيقاع الشعبي الراسخ... فلا بأس أن نجد في بعض القصص تعابير من مثل «سقطت زرع بصل»: «أخذ النملية بلوشي»: «حلالك بلالك ورزقك نادالك»... وغيرها.
تقرب هذه اللطشات القارئ من أجواء القصص، وتخلق نوعا من الحميمية والمعايشة بينهما، فيحس أنه جزء من نسيج القص، أو موجود ضمنيا في الحكاية.
يعزز ذلك أن الكاتبة تجري مناوراتها فنيا باستخدام كل ضمائر السرد (الغائب أو المتكلّم أو المخاطب)، بل إنها أحيانا تجمع بينها في نسيج القصة الواحدة، بصيغ مختلقة، تتفاوت ما بين التمويه والوضوح. ورغم الوظيفة الجمالية التي يؤديها كل من هذه الضمائر، إلا أن ضمير المتكلم يظل هو المهيمن على مجريات القص؛ لأنه الأقرب إلى التماهي مع صوت الكاتبة الساردة، والأكثر قدرة على التعبير عن وجهة نظرها في العالم والواقع من حولها، كما أن ارتباطها به يبدو عضويا، بلا مسافة أو حواجز، مما تفرضها تجليات الضمائر الأخرى، والتي تبدو في كثير من الأحيان صدى أو ذبذبة لصوت ضمير المتكلم المهيمن. هذا الوعي بلعبة الضمائر يساهم في إنضاج المفارقة فنيا فتبدو ابنة النص وليست شيئا مقحما عليه من الخارج.
يتجسد هذا على نحو خاص لافت في قصة «حائط غاندي» التي وسمت عنوان المجموعة، فنحن أمام بطلة محبطة إلى حد ما، تحاول أن تتصالح مع وجودها، وإذابة تعارضاته جسدا وروحا، من منظور صورة مثالية تشبه الحلم تثبتها على جدار الحجرة تجمع بين جسد: «كلوديا كاردينالي، وعقل أينشتين، وقلب المهاتما غاندي». بعد فترة تتحول هذه الصور إلى قيد على حياتها، فحين تخلف وليدها تنزل صورة كلوديا كاردينالي وتضع صورته بدلا منها، وبعد نجاحها في المرة السابعة لاجتياز امتحان الدكتوراه، تنزل صورة أينشتاين، فلم يعد الحلم بعقله ذا جدوى.
وفي اللحظة التي تحاول أن تنقذ صبيا صدمته سيارة، بعد أن خطف حقيبة يدها، وتحمله إلى عربتها وهو مضرج بالدماء محتضنا الحقيبة، تختفي الحقيبة فجأة، فتضرب بكل شيء عرض الحائط لتنقذه، في هذه اللحظية الدامية وأمام مشهد الموت، تحس بالتصالح الحقيقي مع نفسها، وهي تتجه إلى المستشفى مسرعة بالصبي وتبتسم لغاندي.

المراجع الصحفي
٤/١٢/٢٠١٧
بعد عملها الروائي المميز «شجرة اللبخ»، تستمر الكاتبة «عزة رشاد» في انحيازها للأنثى، في مجموعتها القصصية الجديدة «حائط غاندي»، ولكن المرأة في نصوصها ليست معنية فقط بمشاكلها وقضاياها الخاصة، بل هي تتصدر البطولة في مشاهد شديدة الإنسانية، وتبوح وتتحمل قسوة ومرارة الواقع، سواء بالتحايل عليه أو بالهروب منه أو بتجميله في أحيانٍ أخرى.
اعتمدت رشاد في مجموعتها الصادرة مؤخرا عن دار «كيان» للنشر والتوزيع، على عدة تيمات، منها استدعاء الماضي، سواء أكان هذا الماضي تاريخا أوشخصيات، أو حتى أعمالا فنية أو روائية قديمة، فنجد «شجرة الدر» تتجول بين نصوصها، ونصوص أخرى تداعب مخلاة «المهاتما غاندي» وقلبه، وبوسطجي «يحيى حقي» ما يزال يمارس رغبته في تسرية الوقت بفض أسرار رسائله، وكرامات خوذة «روميل»، بينما تلهم لوحة «العشاء الأخير» لليوناردو دافنشي أحدهم لارتكاب جريمة انتقام، كما جاء في عدة نصوص، منها: «رسائل بظهر الغيب»، و«غبار»، و«حكاية لوحة»، و«خوذة روميل»، والقصة التي تحمل المجموعة اسمها «حائط غاندي».
لا تكتفي رشاد بالاستدعاء «السلبي» للماضي، بل أعادت رسم ملامحه، كما لو أن شخوصه خضعت لحتميات الواقع الحالي وتشوهاته. فغاندي يفتح مخلاته ويطيّر حمامة، ظلت شريدة سنوات قبل أن تجد من يستقبل رسالتها، صار هو خلال هذه الفترة مريضا بالفشل الكُلوي والهزال، لإضرابه عن الطعام بعدما فشل العصيان المدني أن يؤتي ثماره. في قصة «رسائل بظهر الغيب».
وأتاحت لشخصيات الماضي الفرصة لعرض وجهات نظرهم، والتي حملت في طياتها انتقاداً لاذعاً للواقع، فشجرة الدر التي تظهر فجأة في نصها «غبار» لتخبرنا؛ «لا تصدق. فمن قتلني هو كل رجل استكثر عليّ حكمتي وبراعتي في الحكم، وإدارة شئون الرعية»، بل إنها تؤكد أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن من المعتبر؟
هذه شوارعكم، زمنكم، وهو نفس ما حدث في زمني. أصحاب المصالح، والمولعون بالسلطة أتوا بالعبيد والغلمان والمساجين وزعموا أنها تظاهرات شعبية
وكأن صوت الحاكم واحد في كل الأزمنة.
أجادت صاحبة «بنات أفكاري» استنطاق الجماد، وجعلته بطلاً كاشفاً لعورة الواقع وفضح أسراره، فأصبحت الحقيبة باباً مفتوحاً على طبائع وخفايا أصحابها، سواء أكانت مجرد «بقجة دمور» لمتسولة، تشبه مخلاة غاندي، أو حقيبة بيضاء بها العديد من الجيوب والثنيات، بالإضافة لجيب سري يكفي لشريط الحبوب، أو حينما أصبح الحذاء متحدثاً لبقاً ولكنه زائف عن حالة التحضر والتمدن في قصة «رسالة علياء»، وفي نصها «قبعة وبدائل أخرى» حينما عددت السيدة المريضة بالسرطان لنفسها فوائد القبعة التي تختارها بديلاً عن شعرها الذي سيتساقط جراء جلسات الكيماوي، مستدعية ذكريات الماضي القريب والبعيد:
سيعود الشعر، أكدوا لكِ، ولكن حتى لو.. لو لم يعد «حدثتِ نفسكِ» فيكفي الارتباك الذي سيصيب المخبر لدى رؤيته للقبعة، ويده التي ستتجمد قبلها، لأن نزع غطاء رأس امرأة يعتبر من الكبائر في بلادنا، ما سيعطيكِ الفرصة للمبادرة لتسديد لكمة قوية له ثم تولين هاربة، أما في حال حدوث ما يمنعك من المشاركة بالتظاهرة فستقوم قبعتك بتنبيهك لكي تفتحي عينيكِ، وتتابعا «أنتِ وهي» سير التظاهرة من شاشة العرض الكبيرة بالمستشفى.. الشاشة التي تشبه الحياة تماماً.
رسمت رشاد من خلال نصوص المجموعة القصصية لوحات إنسانية غاية في الجمال، رغم آلام شخوصها ورغبتهم اللحوحة في التمرد على الواقع المعيب بقسوته، وفشلهم في الأغلب، واختارت لذلك زاوية للرؤية غير اعتيادية، أضافت لأفكارها ونصوصها طزاجة وشاعرية، مثل التواطؤ الذي حدث بين «ليوناردو دافنشي» وبطلة قصة «حكاية لوحة» في انتقامها ممن أحبوها وكانوا في الوقت ذاته سببا لتعاستها رغم نواياهم الحسنة.
ومثل التلصص على مواقع التواصل الاجتماعي خلف اسم مستعار في قصة «تلصص على أنقاض»، وأيضا حزن المرأة في قصة «هذا البرام الفخاري القديم بالذات» على ضياعه والذي يكشف تباعا حزنها لحب وزمن وذكريات مفقودة مضت.
أستدعي الصبر وأحاول أفهمها مجدداً أن ما تقول عليه «مايسواش» هو عندي أغلى من الذهب والفضة، فيه رائحة الحبايب وأغلى الأيام، وكنت أرسله لأمهم بأحلى أكلة كل جمعة وهي مريضة، لأني أعرف إهمالهم عيالها، وحتى بعد وفاتها صرت أرسله لأبيهم بالأصناف التي يشتهيها، ولمّا مرض وعجز عن أن يؤكّل نفسه صرت أؤكله بيدي.. كل يوم.
من قصة «هذا البرام الفخاري القديم بالذات».
بدا كثير من القصص وكأنها تحمل ريح البكاء على الماضي، من خلال استخدام مفردات وذكريات وتفاصيل خاصة به، كقصص «هذا البرام الفخاري القديم بالذات»، الذي يحمل ريح غزة، و«السن الذهبية»، التي ينتصر فيها الواقع ببهرجته على الماضي، فتغيب «شادية» عن توديع خالتها التي عاشت في كنف خدمتها لمرضها عشر سنوات، بالفرجة على الفتارين بالمول الفخيم بالجانب الآخر من المدينة! بينما يحمل الماضي أحيانا ندبة في القلب والجسد، كالانتهاك الذي حصل لبطلة قصة «قطار» فاستدعته حينما تكرر المشهد أمامها، وكأن القطار كان يسير للخلف.
ولا يقتصر التنافس بين الماضي والحاضر فقط في قصص المجموعة، بل يمتد أيضا إلى تنافس الرغبات والأمنيات، وأحلام البشر التي تطلع للحصول على جسد «كلوديا كاردينالي»، وعقل «أينشتين»، وقلب «المهاتما غاندي» في قصة «حائط غاندي»، ثم يأتي الواقع مرة أخرى وتخيب الظنون فيتم التنازل تباعا عن الجسد والعقل، في حين ينتصر القلب. ومثل الرغبة التي تملكت بطلة قصة «عنوة» في الحصول على ساعة أو يوما إضافيا لعمرها، لإعادة ترتيب أعضائها، ولتعيد فيه ترتيب أولوياتها.
يوم آخر يلزمني لكي أنتف بقايا تفل اليقين من رموش أعين فاجأها المشيب قبل الأوان وسطا على سوادها، ولكي أرتدي جسدا آخر أعتق فيه المتع التي حرموني من ارتشافها حتى رعشتها القصوى. سأقتنص نفسا آخر، ميلادا آخر، قصيدة تزدري كل ما قيل من شعر.
استطاعت رشاد من خلال نصوصها تشريح الواقع، وتوصيفه، بمرارته وعنفه، ودهسه للبراءة والنفوس، كما عنيت رشاد أيضا برسم آلام البسطاء، في نصوصها، بشكل واضح، ومباشر، أحيانا ومغلفا بالسخرية في نصوص مثل «عفاريت النزلة»، التي اختارت لها رشاد تيمة فيها من الفانتازيا، ما تشير فيه إلى أضرار كثرة أبراج الهواتف المحمولة وسط المنطقة الشعبية في تضاد واضح بين الحالتين، حتى اكتشف الجميع الميزة الجديدة للواد روقة، والذي أصبح مثل قطبي الكهرباء ولديه قدرة على تشغيل الأجهزة الكهربية بمجرد لمسه، وكذلك في نصوص «جلد سلخته الشمس»، و«رسائل بظهر الغيب»، حتى تنمرهم على الأضعف فيما بينهم حاضر أيضا.
من الأفكار الرئيسية لنصوص المجموعة؛ العنف، والتطرف، والرغبة في الثورة، وممارسات إجهاضها، الثلاثي الذي تعاني منه مجتمعاتنا، في العديد من القصص مثل «رسائل علياء»، و«رسائل بظهر الغيب»، و«الشارع»، و«سويتر جلد بني»، و«رسم بقلم رصاص»، فنجد في قصة «سويتر جلد بني» أحد أحراز قضية «قسم شرطة شرق»، السويتر المثقوب بأكثر من 20 ثقباً لطلقات نارية، وهو المشهد الذي يصيب إحدى الأمهات بالشك في ابنها الشاب فتسارع للاتصال به وتسأله عنه، بينما هو الشك الذي يتكرر أيضا لدى آخرين، فلم نعد نعرف هل السويتر المثقوب هو ملك للضحية أم القاتل، ولمَ أصبح الكل في دائرة الشك؟
يحدثها ويلاحظ دهشة عيني صديقيه لدى ذكر السويتر الجلد البني. ينظر إلى اليمين فيلمح عابرا مرتديا نفس السويتر، ينظر يسارا فلا يتسنى له سوى طرف السويتر. ينظر إلى أسفل، إلى أعلى
بجدارة نجحت رشاد في رسم خريطة إنسانية من خلال مجموعتها القصصية، كل قصة عالم متسع، حتى أنها اعتمدت أسلوبا أضاف غموضا إلى بعض نصوصها، وتطلب قراءة متأنية وثانية لنصوصها، وهو أسلوب أقرب للكتابة السردية الروائية، حيث اتساع رقعة المشاهد المتقطعة، والمتقاطعة زمنيا، بالعودة حينا للماضي، القريب أو البعيد ثم الحاضر، بالإضافة لتعدد وجوه شخصيات القصة الواحدة، فتصبح الأحداث كبطاقات البازل، التي على القارئ أن يعيد ترتيبها أحيانا، زمنيا أو على مستوى الشخصيات.

المراجع الصحفي
٤/١٢/٢٠١٧
في عالمٍ تفوح منه رائحة الموت، وتثمر الكراهية حقولاً باتساع المدى، ويتغنى الصبية بأناشيد العنصرية، لا مكان لشخصية مثل غاندي. هل كان ظهور غاندي يوماً داعياً إلى مقاومة سلمية ضد أعداء الحياة وأنصار الموت، خطأً تاريخياً لا مجال لإعادة إنتاجه سوى في القصص والروايات.
تسعى عزة رشاد، قاصة وروائية مصرية، من خلال مجموعتها «حائط غاندي» (دار كيان) إلى إعادة إنتاج خطأ التاريخ في القصة القصيرة. لا تكتفي بعدد من القصص التي يحضر فيها غاندى من التاريخ ليسكن السرد، إذ لا تفوت فرصة من دون أن تبث روحه في كل سطر تكتبه. إنها مجموعة قصصية مكتنزة بمشاعر وأحلام وآلام إنسانية يزيدها الوعي بألاعيب التاريخ وحيل البشر قدرة على التأثير في القارئ ليجد نفسه متورطاً في تفكيك التاريخ وتوزيع لحظات مفصلية فيه وفق منطق السرد الذاتي لا منطق التاريخ الغيري.
وبمجرد التورط في توزيع تلك اللحظات يتشكل نسيج بشري من شخصيات أتت من أزمنة مختلفة لتحاور راوية لا يمكنها العيش في هذا العالم إلا بقلب غاندي. إنه القلب الذي يمثل حائط الصد الأخير ضد حقول الموت مترامية الأطراف وسريعة الانتشار، قادرة على حصد الحياة بسهولةٍ لم يعرف لها التاريخ الإنساني مثلاً من قبل.
تضم مجموعة «حائط غاندي» اثنتين وعشرين قصة قصيرة تجمع بينها سمات مشتركة منها طريقة الرؤية إلى العالم. تتميّز القصص بنزعة إنسانية ينطلق منها المؤلف الضمني والكاتبة عزة رشاد نفسها. وتصحب تلك النزعة مساءلة للذات في مواجهتها للعالم الدامي، ما ينعكس في حضور ملحوظ لضمير (الأنتِ) ضميراً للراوية. ويشاركه الحضور أحياناً ضمير المتكلم حين تكون المساءلة بين لحظة تتبدى فيها الأنا في مواجهة الأنتِ مثلما في قصة «قطار»، حيث تُحاط الراوية الشابة بسياق لا أمان فيه لجسدها من التحرش الذي يدفعها لأن تستعيد حادث اغتصابها وهي طفلة على يد زوج أمها، فتلتقي لحظة استدعاء الحادث من الذاكرة مع لحظة إعادة إنتاج الحادث ذاته مجدداً أمام عينيها، حين تترك أمٌ طفلتها على المقعد وتذهب إلى الحمام، فيجلس رجل بجوارها ليعبث بها ثم يهرب فتنفجر الراوية في وجه الأم قائلة ما لم تقله لأمها التي ستذهب بعد قليل لمقابلتها ومواساتها في دفن زوجها الذي صار منقوشاً في ذاكرتها بالدم. وقد تكون المساءلة للعالم في شكل مواجهة بين ضمير المخاطبة (الأنتِ) وضمير الغائبة (هي) اللتين تجمعهما لحظة انكشاف للحقيقة، مثلما في قصة «قبعة وبدائل أخرى» والتي تعيد طرح سؤال مفهوم الأنوثة في مجتمع يسوده الفكر الرجعي الذي يصل إلى ذروته مع وصول السلطة السياسية المستبدة لاكتشاف خطير، وهو أن شَعر الأنثى أداة تعذيب للنساء الثائرات في الميادين. وهنا يكون قد حدث انفصال بين ماضي الراوية وحاضرها، فالميدان الذي كانت فيه امرأة ثائرة ذات شَعر صار ماضياً مثلما صارت هي مجرد ضمير غائب، أما في الحاضر فصارت امرأة ذات قبعة/ بديل الشعر، وصارت الحياة شاشة تشاهدها في المستشفى، «في حال حدوث ما يمنعك من المشاركة في التظاهرة فستقوم قبعتك بتنبيهك لكي تفتحي عينيك وتتابعا (أنتِ وهي) سيرة التظاهرة من شاشة العرض الكبيرة في المستشفى... الشاشة التي تشبه الحياة تماماً» (ص21).
ولا تتوقف المساءلة عند حدود الخبرة الشخصية للراوية في الحياة الواقعية، وإنما تمتد إلى الموروث الثقافي والتاريخي الذي تربت عليه وتربى عليه غيرها من الرجال والنساء، ويتجلى ذلك في قصة «حكاية لوحة» عبر مساءلة الفن التشكيلي، ونموذجه هنا لوحة «العشاء الأخير» لدافنشي التي تنتبه الراوية إلى خلوها من امرأة. كما تتم مساءلة الموروث الثقافي في قصة «مراوغات بسيطة»، عبر كشف التناقض بين حكايات الجدة للراوية الطفلة عن السفاح الذي يقتل النساء، لتخويفها من النزول إلى الشارع.
بينما تتواطأ الجدة مع «أبلة فايزة» التي تراها الراوية الطفلة من الشباك وهي مذعورة بين يدي «الواد زعيزع» وهو ينزع عنها ثيابها، فتظنه الطفلة سفاحاً، فتجري لتخبر جدتها، لكن الجدة تهدئها وتستر على فايزة لتستغلها في قضاء مشاويرها ليصبح الجنس عند الطفلة علاقة بين سفاحين وسفاحات. إنه التناقض بين التربية بالحكايات والأقوال المأثورة الوعظية والتربية بالتواطؤ ضد ما هو إنساني.
أما التاريخ فتتم مساءلته بوصفه موروثاً ثقافياً عبر استحضار شخصية شجرة الدر إلى سياق الفضاء الافتراضي الموظف في إطار القصة للبحث عن كيفية تحقيقها للتمرد والخروج عن قضبان التاريخ المرسومة للمرأة حتى لا تحيد عنها. كما تكشف الراوية من خلال الحوار مع شجرة الدر عن دور النساء في قمع النساء وإرغام بعضهن بعضاً على السير على القضبان المرسومة لهن من قبل سلطة ذكورية مجتمعية ضاربة بجذورها في التاريخ، ولا يمكن الخروج عنها وإلا كان المصير مشافي المجانين. ترفض الراوية أن تكون امتداداً لشهرزاد التي تؤجل عمرها يوماً بالحكي الخادع المسلي، وتحلم بأن تعيش حياتها كامتداد لشجرة الدر المتمردة. لكنها تدرك صعوبة حلمها وكأنه ليس بمقدور الأنثى «ابنة الموت» أو «سيدة الهباء» أن تكون «سيدة القصر» فتختفي شجرة الدر لتسمو فتختلط خيوط التاريخ وشخوصه في سماء ميدان الثورة لتتجلى مريم العذراء «سيدة العالمين»، «افسحوا لي يا أبنائي. أنا سيدة العالمين. أنا مريم العذراء» (ص30).
إن مساءلة المرأة/ الراوية للعالم الدامي لا تغير من طبيعته الدموية ولا تجعله أكثر احتمالاً، لأنه عالم أصم لا يسمع سوى صوت مطلقي الرصاص على الأطفال. لكن دموية العالم لا تحيل الأنثى التي يسكن جسدها روح غاندي إلى إصبع يضغط على الزناد أو يعزف الموت بأي صورة من الصور، وإنما بقيت الأنثى/ الراوية على رغم ترهل جسدها بفعل الزواج وتوقف عقلها عن التفكير بفعل الروتين والنمطية، هي الأنثى التي أورثها غاندي قلبه لتتعاطف مع الطفل الذي خطف حقيبتها وجرى لتصدمه سيارة. إنها الأنثى التي تشعر بالخوف على المجرمين في حقها، فترى معها في قصة «سويتر جلد بني» أن مجرد ظهوره على الشاشة ضمن أحراز قضية قُتل المتهم فيها، قاسم إنساني مشترك بين الذين يرتدون مثل هذا الجاكيت الجلدي البني ومنهم ابنها!








