
طبع في بيروت
تأليف جبور الدويهي
عن الكتاب
عندما وجد على مكتبه مخطوطته الضائعة وقد تحوّلت كتاباً فاخر الطباعة بنسخة واحدة، لم يكن يعلم أنّها الدليل الوحيد للأنتربول في قضيّة تزوير. فريد، الشاب الثلاثينيّ، ابن القرية الجبلية، ينتقل للعيش مع والدته في بيروت، يجول على عشرين داراً للنشر، ترفض جميعها طباعة مخطوطته، إلى أن يعرض عليه صاحب «مطبعة كرم» العمل لديه مصحّحاً للغة العربيّة. «الكتاب» طريقه إلى قلب بيرسيفون، وكذلك إلى السجن، وسبيله للخروج من ثوب عائلته واسمها.
عن المؤلف
كاتب وروائي لبناني. ولد في زغرتا في شمال لبنان عام 1949. هو أستاذ الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية. وقد صدر له عن دار النهار من قبل روايات اعتدال الخريف 1995 والتي حصلت على جائزة أفضل عمل مترجم من ج
اقتباسات من الكتاب
(*) في عزّ صيف لاهب استبدّ بمدينة بيروت في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، نزل شاب مرفوع الحاجبَين المقوَّسين كأنّه يومئ دائماً بقول لا، من باص للنقل المشترك لُصق على جانبيه إعلان "لا تنسوا المخطوفين والمغيّبين قسراً ومعوّقي الحرب"، وهو يحمل إلى جهة القلب من صدره دفتراً سميكاً غلافه أحمر، كمن يعلّق بعنقه يداً مصابة بكسر أو بطلق ناري. يندفع ضارباً الرصيف بكعب حذائه الجديد فبدت أشجار الأرصفة الذابلة والمارّة البطيئو المسير كأنهم عوائق تقف في وجه مقاصده الملحّة. يدخل عمارة تزيّن واجهتها منحوتة من البازلت الداكن أصابتها يوماً قذيفة مدفعية ضاعفت من طابعها التجريدي، يرتّب ربطة عنقه الحمراء الفاقعة أمام مرآة المصعد قبل أن يدخل على رجل يصعب التكهّن بعمره زيّن جدار مكتبه بملصق باللغة الألمانية لمسرحية "أوبّرا القروش الأربعة". كان صاحب النظارة السميكة الجالس خلف مكتبه يتحايل على ضجره منذ الصباح ويمتحن ذاكرته الخرافية المشهود لها بين أصدقائه بطباعة معلقة زهير بن أبي سلمى عن ظهر قلب وبإصبع واحدة. يحرّكها كاملة، يختار لكلّ بيت حرفاً مطبعيّاً مختلفاً حتى يستنفد قائمة "ويندوز" المتوفرة. كان وسط البيت الشهير يصفّه بالحرف "الأندلسيّ المعدّل": وَمَـا الـحَـرْبُ إِلاَّ مَــا عَلِمْـتُـمْ وَذُقْـتُـمُ وَمَــا هُــوَ عَنْـهَـا بِالحَـدِيـثِ المُـرَجَّـمِ عندما انتصب أمامه الشاب الطويل القامة فبقيت سبّابته اليمنى مرفوعة في الهواء وهو ينظر إليه يعرّف بنفسه: نهارك سعيد، أنا فريد أبو شَعر! هل هذا اسم مستعار؟ لم يستسغ الشاب مزاح الناشر الذي تناول منه الدفتر متأمّلاً ملامحه. فتح الصفحة الأولى فصفّر عجباً ورفع حاجبيه أكثر قبل أن يقرأ منادياً: الكتاب الآتي. ويزيد بلهجة محبطة: العنوان لموريس بلانشو! يعيد إليه دفتره. ما عادوا يستقبلون مخطوطات مكتوبة باليد منذ عشر سنوات على الأقل وتوقفوا عن نشر دواوين الشعر، فالمستودع مليء بها وهم يعطونها بالمجّان لمن يرغب. اعترض الشاب بأنّ كتابه ليس شعراً فعاجله الجالس خلف المكتب بالقرار الحاسم: توقفنا عن نشر النثر أيضاً! شدّ فريد أبو شَعر قبضته اليمنى وانصرف. الجواب الجارح الذي لم يصفع به البدين الجلف الذي أكمل طباعة معلقة زهير على حاسوبه، تمتمه في المقعد الخلفي لسيّارة الأجرة التي أقلّته إلى البيت في ضاحية فرن الشبّاك القريبة. فور وصوله، اشتكت أمّه من أوجاعها، من الفاريس، الدوالي التي بدأت تخطط رجلَيها منذ ولادته هو، صغير صبيانها الثلاثة. وُلدتَ كبيراً، خمسة كيلوغرامات. أطعمته الفوارغ، تنظفها بحامض الليمون وتُكثر في حشوتها البصل والصنوبر كما يشتهي. تمدّد بعدها في قيلولة هانئة على الكنبة أمام التلفاز. في اليوم التالي، كان موعده بالقرب من منارة مرفأ بيروت التي رُمّمت ولم يُستأنف العمل بها، طلاؤها الأسود والأبيض الجديد يلمع في نور شمس الصباح. استقبلته سيدة تدخّن سيكاراً طويلاً ورفيعاً، طلبت له القهوة من دون أن تسأله. فرَدَت بإبهامها صفحات دفتره عن آخرها ورازَتْه. أمامها على المكتب صورة لوالدها، شعره الكثيف مرفوع إلى الخلف، يسند كتفه إلى حجر باب جامعة السوربون برفقة مكسيم رودنسون. ترك دار النشر لابنته التي تأخذ سحبة خفيفة من سيجارها وتجمع أرقاماً على مفكّرةٍ أوراقُها صفراء، ترفع عنها رأسها لتجد المنتظر صامتاً يراقبها. واثقة من نفسها، سمراء، مثيرة. لم تسايره: أربعة آلاف دولار أميركي وتأخذ مئتَي نسخة مجّاناً. حرّك قسماته استنكاراً فأضافت: طباعة وصفّ وتصحيح... حاول الاعتراض لكنّها وقفت، أسكتته وأمسكته من يده، مشت به إلى الباب الخارجي مواسية: لا أحد يقرأ. إمّا نُقفل دكاكيننا وإمّا نتصرّف كبنات الهوى... تابع سعيه، مجروحاً، مطمئناً نفسه بأنّ من سيتمعّن في كتابه سيكون له كلام آخر. صعد على الدرج إلى الطابق الخامس وعرق راحة يده يطبع بقعة داكنة على غلاف دفتره الأحمر. قال له أفيديس، صاحب "دار الروائع"، معتذراً بلكنته الأرمنية العربية، إنّه متخصّص فقط في نشر الكتب "القديمة"، الروض العاطر في نزهة الخاطر، تحفة العروس وما يدّعي أنها ألف ليلة وليلة بطبعتها الإيروتيكية الأصلية، كتب تشتريها النساء خصوصاً، كما قال. غادر فريد أبو شَعر من دون أن يبتسم لغمزة أفيديس الأخيرة. التقى في المقهى ناشراً مكتبُه سيّارته، دخل مستعجلاً، نظارته سوداء، فتح حاسوبه المحمول أمامه على الطاولة، قال إنه يُعنى بالمنشورات الإلكترونية فاعتذر منه فريد لأنّه يريد كتاباً من ورق، فخرج الناشر من دون أن يترك وراءه أثراً. مجرّد رائحة عطر رجّاليّ دبق في طور التحلل مع عرق الأجساد وبنكهة الصنوبر البريّ. صبحي الجعبري أخذ منه الدفتر في مكتبه المكيّف، وضعه أمامه، شبك أصابع يديه فوقه وسرد عليه ملخّصاً يتمرّن على صياغته كمقدّمة لسيرته الذاتية التي نضجت لديه فكرة كتابتها. حُكم بالإعدام في حلب بعد أن تظاهر ضد الانفصال عن مصر وهرب من المخابرات إلى بيروت في زيّ امرأة. لحقوا بي إلى هنا، أطلقوا عليّ النار في شارع الحمراء بنيّة القتل ومع ذلك عشتُ على مزاجي، عشقتُ النساء، دخنت السيجار الكوبي وشربت الويسكي وأصدرت مجلة قلت فيها كل ما أردت قوله. وما لم يقله أنه يترجم روايات ماركيز ويقرصن كتب نجيب محفوظ من دون أن يدفع الحقوق لأصحابها. رافقه إلى باب المصعد، ودّعه من دون أن يفتح دفتره. الوحيد الذي تعاطف معه كان سليم خيّاط. ذكّره بزوجته، كل كتابة تذكّره بها، كانت تنظمُ الشعرَ في المصحّ الجبلي وهي تسابق المرض الذي يفتك بها. دار النشر هذه أسّسها لها، لإصدار دواوينها ومؤلفات أصدقائها ويداوم هنا فقط كي يشتمّ رائحتها. أهدى إليه كتابها الأخير، أوراق جارورها المبعثرة، محفوظات القلب. فتح أبو شَعر صفحة كيفما اتفق وقرأ وهو ينزل السلالم: بيروت المدينة الوردية، فيها تُفرغ الأفكار والقوافل، معقل الشرق الأخير لابن الإنسان فيها رداء من نور... موجة باهرة أطبقت على صدره، خشي أن تهزمه الشاعرة الرقيقة المتوفاة فأغلق كتابها وراح يبحث عن سلّة مهملات كي يتخلص من ديوانها. انتهت جولته في مطبعة "كرم إخوان، تأسّست عام 1908"، والشمس تغيب بين مآذن المسجد الأزرق الكبير. مشى صعوداً في طريق ضيّق فدخل واحة من أشجار الليلك كأنّه خرج من المدينة، رأى هرّتين تلعبان في الفناء واشتمّ رائحة الحبر. استقبله رجل في خدّه ندبة، جرح عميق مقطّب، عبد الله أو دودول، وريث المطبعة الأخير، أصغى إليه وهو يتفحّص هندامه. عندما قال فريد إنه يودّ نشر كتابه هذا، جاءه الردّ من الخلف، من زاوية الغرفة، بلهجة عربية ركيكة: ماذا في الكتاب؟ لم ينتبه إلى وجودها لحظة دخوله، كانت جالسة في المقعد الجلدي تقرأ رواية لا تطلق النار على الطائر الساخر، بالفرنسية. دوّنت فيه عصارة كياني! نقل عبد الله ما قاله أبو شَعر إلى الفرنسية كي تفهم زوجته التي مدّت يدها اليمنى بحركة لاإرادية باتّجاه المخطوطة كأنّ هذه "العصارة" ستكون بادية فيها ما إن تقلّب صفحاتها. نحن بحاجة إلى مصحّح للغة العربية... أربكه اقتراح صاحب المطبعة، أحسّ بنظرات المرأة في ظهره، طلب مهلة للتفكير، تمنّى عليه عبد الله أن لا تكون طويلة. عاد في مطلع الأسبوع التالي حاملاً دفتره. الهرّتان ما تزالان هناك، الرجل في المكتب وحيد، لا أثر للمرأة الشابة. رأى أيقونة صغيرة للعذراء سيّدة البحار ملصقة على المطبعة الرقمية الجديدة الضخمة. دلّوه إلى مكتب المصحّح وسط الردهة الشاسعة المكتظة بالآلات والمكاتب والعاملين، قال في نفسه إنه لن يعتاد رائحة الحبر واعتادها. .. (*) الفصل الأول من رواية "طُبع في بيروت" والتي تصدر قريباً عن "دار الساقي"
يقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








