
نارنجة
تأليف جوخة الحارثي
4.0(٢ تقييم)•٤ قارئ
عن الكتاب
تستعيد "زهور" في غربتها في بلاد الثلج أحلامَ جدّتها التي لم تتحقّق قطّ. وهناك، يجمعها القدرُ بـ "سرور" وأختها "كحل" و"عمران" زوج كحل الهارب من حقله في باكستان. يتشكّل بين زهور وكحل وعمران مثلَّثٌ غامض يغذِّيه ذكرى الجدّة التي عاشت عمرَها الطويلَ عذراءَ وبلا حقل. إنَّه مثلَّث يحوم حول السؤال الأزليّ: هل من علاجٍ للحزن؟
عن المؤلف

جوخة الحارثي
جوخة الحارثي كاتبة من سلطنة عمان. أستاذة للأدب العربي بجامعة السلطان قابوس، مسقط. دكتوراه في الأدب العربي القديم من جامعة ادنبرة بالمملكة المتحدة 2010م. &
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٤)
Esraa Rifat
٢١/٥/٢٠٢٠
وعاء اللغة أوسع كثيرا
من الحكاية
المراجع الصحفي
٣٠/٦/٢٠١٧
«نارنجة» رواية حديثة صدرت عن دار الآداب للعمانية جوخة الحارثي، وهي روايةٌ قائمةٌ على بعْثِ شخصيّة طالبة عُمانيّة يستقرّ بها المقام في بريطانيا للدراسة، ومنه تنظر في جدّتها استذكارا، وفي ما رشّحته من صحبها الباكستانيين حضورا، وفي ذاتها تبئيرا، فيتولّد القصص الروائيّ من ثلاث بؤر رئيسة، تُولّد الحكايا وتقدّ عالم الرواية، بؤرة الجدّة، المُستَرجعة المُتَكرّرة، وهي بؤرة محفوفة بعالم من الأحداث والشخصيّات، تُضيءُ حالاّ من البلاد والعباد أواسطَ القرن العشرين، وبؤرة الصديقة الباكستانية، وحالها مع نفسها وعائلتها وأختها المرافقة لها، المتّخذة لها زوجا يختلف عن منزلتها الاجتماعية، وبؤرة الذات الراوية، أساس الحكاية، وعينها الراقبة ولسانها الحاكي.
تنشدّ الرواية إلى أصلٍ واحد، ذاتٍ راوية واحدة، تستعيد من الزمن ماضيه، وتَرْقب منه حَالَّهُ، وتُقيم من الخيال شخصيّات وعلاقات دالّة. فتُقيمُ الراوية شبكة شائكة من الشخصيّات، ودوائر من الأحداث معزولة هي واصلتها، وتختلف الأهواءُ غير أنّ الذات الراوية تُجمّع هذا المختلف وتُحسنُ إدارته. فأيّ عينٍ هاته القادرة على تبئير ثلاث بُؤر دلاليّة لكلّ منها مجاله الخاصّ وعالمه، وعاداته وفعاله وتاريخه ومعتقداته، باستعمال خيطٍ ناظم متى تفكّك تفكّك عُقد الرواية وتناثر نظمه، تلك روايةٌ واحدٌ راويها وعدد بُؤرُها ومنابتها، تنشدُّ إلى راويةٍ واحدةٍ، مِزاجُها مفارقٌ لأمزجةِ شخصيّاتها.
أنثى راوية، تُطابقُ في الجنس اسما موجودا في عتبة الكتاب، محيلا إلى الكائن العينيّ، وتُطابقُ في العقل صفةً، من حيثُ صفاء اللّغة ورقيّها، أنثى عالمة، عارفة، مدركة لقوانين اللّغة وطُرق إجرائها، تخلق فضاءً من الحكاية متنوّعا، وشخصيّات لا تتشقَّقُ عنها بالضرورة، وإنّما هي مختلفة عنها، فكيف لهواها أن يُوَافق أهواءً وأمزجة وهي سليلة الحكاية، تَمتح من جذورها لا من فروعها، وتهزّ من الشجرة، من «النارنجة» غُصنا فيسّاقط عليها حكْيا زكيّا؟
حكايات متعدّدة تتولّد عن ذات فرد، هي ربّة الرواية، وعُقدتها وعمادها، «زهور» ليست شخصيّةً نامية، بل هي رابط متفرّق الحكايا عبر الأزمان والأوطان، وهي باعثتها، تحكي ما مضى ممّا شهدته وممّا لم تشهده، وما زامنها من أحداث، عبر الشهادة وعبر الرواية، فزهور الراوية على امتلاكها خيوط الرواية تترك للشخصيّات مجالا للحديث، للرواية، فتُنطقُ جدّتها، وتُنطق سرور، فالرواية تُحْكى من مصدرين أولهما سرور وثانيهما الشخصيّات التي بعثتها وأنطقتها.
«نارنجة» شجرة الجدّة، منبع الحكاية ومصدرها، تَرْقُبُها عينٌ أمينة عليها في السرد، مُنفَلتةٌ عنها في الواقع، «لم تملك جدّتي حقلها الصغير الخاصّ، ولم تفلحه، عاشت ثمانين سنة أو أكثر، وماتت قبل أن يكون لها أيّ شيء تملكه على وجه البسيطة. كانت يدها خضراء، فزرعت كلّ الليمون والنارنج في حوش بيتنا، وكانت نارنجة بعينها هي الأحبّ إليها، لم تذبل أيّ شجرة زرعتها واعتنت بها، لكنّه كان بيتنا وحوشنا وشجرنا، كانت تعيش معنا فقط، لا تملك البيت ولا الشجر ولا حتّى نحن، فلم نكن أحفادها في الحقيقة».
كيف لعوالم أن تتداخل وتتضافر وتُضرَب في آلة واحدة وتخرج علينا صفيَّةً نقيّةً لا تشوبها شائبة، تأخذ من الباكستان شخصيّات تُديرها، وتُؤسّس لها عالما يترابطُ ويتماشج ليقدّ سبيلا في الحكاية معزولا عن أرض عمان وخلائقها وأجناسها وثقافتها، وتأخذ من المحلّي، صورة الجدّة، وما يُحيط بها من فضاءات في السرد تتولّد تناسلا، لتصوير حال البلاد والعباد، في أواسط القرن العشرين.
الجدّة عينٌ ذكيّة، أحسنت الذات الراوية تسخيرها، وتنقّلت بها إلى التاريخ الحديث في عُمان، لترى الحياة، وعلائق البشر، ولتُضيء من الماضي القريب رأيا ورؤيةً، ولتُداخل من نفوس البشر الذين أعرض عنهم التاريخ أبعادا ورؤى
شخصيّاتٌ تفعلُ ويُفعَلُ بها، تتحقّق وجودا وكونا ولغةً، فإذا هي من رماد الكون تتكوّرُ وتكبُر، إلاّ أنّها حمّالة أرزاء وأفكار ورؤى. فلولا السرد لضاعت تواريخ وأصوات مطحونة لا يَرصُد أساها إلاّ فَطنٌ من الروائيين، ولتاهت أخيلةٌ وأوهامٌ وأمزجة، يلتقطها من ملك عين الروائيّ ولسانه.
أحيانا نعتقد أنّنا نحن الكائنات التي قدّت من الورق وأنّ شخصيّات الرواية هي الحقّ الذي لا يأتيه الزيفُ، أنّا نحنُ «الكائنات بلا أحشاء» وهي الكائنات المملوءة أحشاء وأفئدة. شخصيّة «سرور» الباكستانيّة مرتكَزٌ مهم في الرواية فقد استدعت أختها «كحل» وزوجها العرفي «عمران» وعائلتَها وفتّحت من الحكاية سُبُلا وفرّخت من الشخصيّات عددا، وأثرت الحكاية. فهي فرعُ الشجرة وماسك أغصانها، هي الذات الراوية، الرائيّة، على الرغم من تعدّد الأصوات وتنوّعها.
تُبْطِنُ الذاتُ الراوية عِشْقها لعمران، هو عشقٌ لا يظهر على سطح الرواية، وإنّما هو مبثوثٌ في النظرة، في الموقف، في الهوى، يستشفّه القارئ، ولكنّ الراوية لا تُعلنه وإن أبدَتْه. «مددت يدي لعمران، فرأيت إبهامي مُشوّها وأسود، خطوتُ نحوه فوجدت قفزتي قد اتّسعت هربا من نداءات جدّتي في عزلتها، وجدت رأسي يدور في الثلوج، ويرتطم في صدر عمران، لكنّ صدره قُدّ من صخر، فتحطّم رأسي، تفتّت في الشارع، فصنع منه الأولاد رجل الثلج، رأيت عينيّ في عينيه الثلجيّتين، وأنفي المهشّم في جزرة وجهه»، «صرعت الحمّى عمران فلفّني الجزع وكحل»، فتتماهى العلاقات، وتُخفي الشخصيّة الراويةُ عشقا لعمران، لا تُفصّل مظاهره، وإنّما هو ظاهرٌ من وفرة الحديث عنه، ومن عمق رصد علاقته الزوجيّة والعشقيّة بأخت صديقتها الباكستانيّة.
لم تخرج جوخة الحارثي في روايتها عن جلباب الماضي/ التاريخ العماني، وإن فتحت كوّة على الحضارة الباكستانيّة، وعلى شخصيّات تأتي من عالم قريب وغريب. ومن مفارقة الرواية أنّ اللّقاء يأتي في أرض ثالثة هي بريطانيا، لتتحقّق هذه البؤر الروائيّة الثلاث.
وتنبني الشخصيّات في تعدّدها وتفارقها وتجامعها على جروح وكلوم بعضها مكتوم وبعضها منطلق وظاهرٌ، هي جُروح الماضي تمثّلها الجدّة، وهي جروح الحاضر في حاضر حفيدتها الممزّقة بين الماضي والآنيّ، هي جروح سرور الباكستانية، وأختها في صلتها بعمران الذي تحدّدت به حياتها.
من كلّ الجهات يهطل السرد، مخابئ الحكاية وفيرة وزادها لا ينضب، في لغةٍ عالمةٍ عارفةٍ لا يأتيها الباطل من أيّ جنب من جنباتها. عينٌ في السرد ذكيّة تُنَقِّل هواها السرديّ من قديمٍ إلى حادثٍ، ومن ماضٍ إلى حاضرٍ، ومن ذاتيّ يُرافقُ الصبى والطفولة وما قبل الولادة، إلى رفقة الأجانب ومداخلة حياتهم واستحضار ماضيهم. حيوات ثريّة تُحسن الراوية إدارتها وجمعها، وحسبُك من الرواية قدرتها على جمع ما لا يجتمع، وحسن تنقّلها في الأزمان دون حواجز ولا عوائق.
المراجع الصحفي
٣٠/٦/٢٠١٧
«أكون في سريري الضيق في غرفتي الجامعية في الطابق الأخير، أستيقظ وأرى الثلج يتساقط عبر النافذة، أقف حافية القدمين على الأرض الخشبية بمنامتي الطويلة، أحدق في الثلج والظلام، وفجأة، أرى الظفر الأسود المعقوف. أراه بوضوح وأندم. أعود لسريري الضيق، تتلاشى أصوات زملائي الصينيين في المطبخ، ويخفت صوت الموسيقى الصاخبة في غرفة زميلتي النيجيرية، وأتلوى من شدة الندم».
هكذا تبدأ الروائية جوخة الحارثي روايتها الجديدة «نارنجة» الفائزة مؤخرا بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، والصدارة عن دار الآداب اللبنانية.
تمزج جوخة الحارثي زمنين متضادين في عملها: الزمن الأول زمن تدور أحداثه الآنية في بريطانيا حيث تدرس الساردة «زهور» هناك في إحدى الجامعات وتبني علاقات حياتية مع زملاء دراسة، ثم تجد نفسها ضمن مثلث تشكل هي أحد أضلاعه فيما يشكل الضلعين الآخرين صديقتها الباكستانية «كحل» وزوجها الذي تزوجها زواج متعة في السر «عمران». تجد زهور نفسها متعاطفة جدا مع خيار «كحل» الذي وجدت حياتها بعيدا عن الطبقية الاجتماعية التي كانت تبحث عنها «سرور» أخت «كحل».
في المقابل كان هناك زمن ثان استرجاعي يتبلور في قصة أخرى وهي قصة «بنت عامر» جدة «زهور» الافتراضية والوالدة الافتراضية لوالدها وهذا هو الزمن الثاني.
«بنت عامر» شخصية تحمل ملامح مرحلة تاريخية من تاريخ عُمان ومنطقة الخليج العربي لا تخفى. المرأة التي يمسك غيرها بتفاصيل مستقبلها، وعليها أن تعمل ليل نهار من أجل أن تعيش، أو أن تجد لها مساحة للبقاء، لكن في المقابل حتى اسمها يبقى غير قابل للذكر ومخفي.. ولم يرد اسم الشخصية المحورية في الرواية إلا بـ»بنت عامر» في حين كانت تقوم بأعمال كبيرة.
«حدث كل شيء أثناء الحرب العالمية الأولى.. تعطلت حركة النقل بالبواخر في الخليج، فشحت السلع، ووصل سعر شوال الأرز إلى مائة قرش، من قروش ماريا تريزا الفضية، وسعر جراب التمر إلى ثلاثين قرشا، وسعر الطرحة القطنية للمرأة إلى قرشين كاملين. ضربت سنو المحل بمخالبها، جفت الأفلاج، يبست النخيل، وخلت قرى بأكملها من سكانها الذين هاجروا إما إلى مناطق أخرى هادنها المحل والغلاء، وإما إلى شرق أفريقيا». في هذه المساحة الزمنية كانت تعيش «بنت عامر» التي طردها والدها مع أخيها بعد وفاة والدتهم وزواج الأب بامرأة أخرى. كان والد «بنت عامر» فارسا يروض الخيل الجامحة، ولكن زوجته الجديدة روضته وأقنعته أن من الخير لهما ولأولادهما أن يطردا الشقيقين يتيمي الأم، وهو ما كان.
تبدو المفارقة في شخصيتي الزمنين «كحل» في الزمن الآني للسرد، و«بنت عامر» في الزمن الاسترجاعي، فالثانية كانت «تتمنى أن تملك أرضا ولو صغيرة، بها نخلات ولو خمس، وبها شجيرات ليمون وفيفاي وموز ونارنج تزرعها بنفسها وتسقيها وتعتني بها وتأكل منها، وتستريح في ظلها» والأولى محتقرة من قبل أختها وعائلتها لأنها أحبت وتزوجت «فلاحا» ليس من طبقتها، فلاحا يده خشنة وبقايا سياط والده باقية على صفيحة روحه.
لكن «كحل» استطاعت أن تقطف حبها وتعيش لحظاته الجميلة حتى لو كان ذلك في ظروف صعبة تستعير فيه غرفة أختها لتختلي بحبيبها بعيدا عن الأعين، لكن «بنت عامر» لم تظفر بشيء، لم تستطع أن تحقق أي حلم من أحلامها، لا بحبيب ولا بحقل ولا حتى بعلاج عينها التي قال لها الدكتور «طومس» أن لا علاج لها أبدا، لتفقد آخر حلم حلمت به في حياتها أن تستعيد بصرها. لكن كل هذا لم يجعل «بنت عامر» العذراء تعيش على الهامش الخارجي تاما، فقد انتقلت إلى بيت أحد أقربائها وربت ابنه ثم ربت أحفاده وعاشت على الحلم وإن كانت رأته يضوي من أمامها.. رأت في ابنها ولو كان افتراضيا ابنا وانجازا ورأت في أحفاده أحفادا تفخر بهم.
صحيح أن «عمران» عاد إلى بلده تاركا كحل في لهيب نارها، سافر إلى قريته التي بلا اسم في ريف باكستان، وفقدت كحل توازنها، لكن «كحل» على أقل تقدير عاشت التجربة، عرفت الحب، وعاشته مع من اختارته.. وبين القصتين خطوط متوازية تتلاقى كثيرا.
أما «زهور» فكانت تعيش لهيب الشخصيتين.. تعيش لهيب شخصية جدتها العذراء التي لم تنل من الحياة شيئا، وبين تجربة «كحل» التي عاشت زهور تفاصيلها، بل جعلت نفسها تتماهى في ذات «حكل» وهي تتحدث عن عمران «تحكي لي كحل عن الشوق الذي يحرق فأتخيلك، أتخيلك بيعينها يا عمران، أتخيل شعرك في التقائه بعنقك، وأتخيل أني أمسده، وأحلم أنك تحس، في هذه اللحظة ، باصبعي تلف خصلة قصيرة، وأنك تفرش شعري على فراش أبيض لتنظر إليه، أتخيل أن شعري يصبح كالأراجيح الدوارة في الملاهي، وأنا أجن بك وفيك».. هذه اللغة المشحونة بالحب والغرام التي تكاد تفتت قلب «زهور» لم نجدها حتى في وصف «كحل» حبها لعمران. ولذلك تبدو «زهور» متشظية، وحائرة بين شخصيتين تتبادل معهما لعبة المرايا، شخصية «بنت عامر» التي تستمدها من الزمن الماضي، وبين شخصية «كحل» التي تعيش معها تجربة الزمن الحالي. هذا الحالي يقود «زهور» الحائرة إلى الطبيب النفسي في محاولة منها للخروج من نفق الحزن.. وأن تعرف نفسها.. تعرف من هي.
وبين حكاية «بنت عامر» وحكاية «كحل» وبين «زهور» المتماهية في الشخصيتين كانت هناك أحداث كثيرة في الرواية، بعضها يدور في فلك الشخصيتين والأحداث الجارية سواء في الزمن الحالي أو الاسترجاعي أو ذلك الذي يأتي ضمن السياق التاريخي والحدث السياسي المجاور للأحداث. وساهم كل ذلك في حبك الرواية وفي نجاحها.
ونجحت جوخة الحارثي في روايتها أن تكتب بلغة مشحونة بالشعر واللغة الموحية بذات الدلالات لكن دون أن تفقد خيط السرد، ودون أن تغرق في الشاعرية الحالمة.. فكانت لغتها سلسلة جدا رغم الاستعارات.
ولا تختلف أجواء رواية جوخة الحارثي نارنجة كثيرا عن أجواء رواية «سيدات القمر» للكاتبة نفسها، فتبدو الحارثية مسكونة بنفس الأجواء، مسكونة بالجدات والنساء اللاتي وضعتهن الظروف إلى جوار الظل تتلمس شحنات الحنين المسكونات به، وتستمع إلى الكثير من أنينهن وإن كان مكتوما في الداخل.
المراجع الصحفي
٣٠/٦/٢٠١٧
ينهمر السرد في هذه الرواية كثلجٍ أبيض، وتسيل الكلمات مشكّلةً ينبوعاً من حنينٍ وحزنٍ وحبّ، يتدفق وينسلّ داخلاً مسامك، غامراً روحك برائحة نارنج فوّاحة.
تكتب "جوخة الحارثي" في روايتها الثالثة "نارنجة" حكاية "زهور"، الفتاة التي تغادر بلادها لتكمل دراستها في لندن، وهناك تتعرف إلى عالمٍ جديد وحياةٍ مختلفة، لكن ثمة شيئاً واحداً غامضاً يتسرب إلى أيامها ومعه الحزن: ذكرى جدتها وطيفها الذي يزورها بكثافة، فلا تملك منه فكاكاً ولا مهرباً. هكذا في بلاد الثلج البعيدة تبدأ باستعادة حكاية الجدة وأحلامها التي لم تتحقق قط، ونداءاتها المتوسلة: "لا تذهبي"، قبل أن تصمت إلى الأبد، تاركةً في فؤاد "زهور" مشاعر الألم التي لا تستطيع تسكينها أو تهدئتها. "وأنا كنت هناك، قبل لحظة واحدة فقط، كنت في حضنها، أشمّ الزباد والعود والتراب القديم، وكنا نتبادل الأدوار، كنت أردد الكلمة التي طالما رددتها هي: "لا تذهبي". (...) لقد ذهبتُ. لقد ذهبَتْ. لا يمكن تغيير شيء فما خطّته يد القضاء قد خطّته، وكل دموعك وتوسلاتك لا تمحو خطاً واحداً. لقد ذهبتُ، لم أبتسم، ذهبتُ بسطوة الجهل والتجاهل، الغفلة والتغافل، الندم، الندم العاتي، هو ما يجعلني أضعف من الأوراق الصفراء الخريفية تكسرها مكنسة العامل تحت نافذتي”.
تسير الرواية بخطين زمنين مختلفين، الأول هو الزمن المعاصر في لندن، حيث "زهور" ترتبط بعلاقة صداقة مع "كحل" الفتاة الباكستانية التي تنتمي إلى طبقة اجتماعية ثرية، والمغرمة بشاب باكستاني فقير "عمران"، باع والده أرضه كي يتمكن الابن من متابعة دراسة الطب، وسرعان ما تتحول العلاقة بين "زهور" والثنائي إلى مثلث غامض، يفجّر الكثير من الذكريات الدفينة والمشاعر لديها، فيعود الزمن إلى الوراء، وتحضر ذكرى الجدة نديةً طرية، محوّلةً أيام "زهور" إلى حزنٍ شفيف لا علاج له.
اللافت في رواية "نارنجة" هو اللغة المكتوبة بها، فهي لغة سلسة جداً رغم أنها تمتلئ بالاستعارات والمجازات، وهنا موضع جمالها وسحرها، في أنها اقتربت من لغة الشعر ولكنها ظلت محافظة على انسيابيتها. والأمر الآخر الذي كان لافتاً هو السرد المتشظي، والذي جاء موافقاً للحالة النفسية للراوية/ البطلة "زهور"، فكانت تنتقل بين الأزمنة بشكل حرّ، سواء في الانتقالات بين الحاضر والماضي، أو في داخل الماضي نفسه، إذ تقصّ في كل مرة أجزاء من سيرة حياةٍ طويلة للجدة، وفي قصّها ذاك تروي عدة حكايات فرعية عن أفراد العائلة جميعهم، وعن أقاربهم وجيرانهم.
تلعب الكاتبة لعبة المرايا بين بطلتيها، وكأن ماضي الجدة هو حاضر الحفيدة. التفاصيل هي التي تتغيّر لكن الجوهر واحد. "بنت عامر" بعد أن فقدت عينها، رفض أبوها الشاب الوحيد الذي تقدّم لها: "لن أزوجها قط فيُعيّرها أهل الزوج بالعوراء"، وبعد تيّتمها انتقلت للعيش في دار أحد أقربائها، فربّت ابنه كما لو كان ابنها، وأحفاده كما لو كانوا أحفادها، وظلّت طوال عمرها عذراء، تحلم بحقل تزرعه، وبطريقة تعيد البصر لعينها، لكنها رحلت دون أن تحقق أياً من أحلامها، وكل ما حصلت عليه هو حياة بديلة عاشتها، دون زوج، ودون حبيب. وكذلك "زهور" التي عاشت لهيب علاقة "كحل" و"عمران"، وتماهت معهما، وشعرت بالفقد حين عاد إلى بلاده تاركاً "كحل"، فقد أدركت أنها لن تراه مجدداً، وأن أحلامها هي الأخرى لن تتحقق، وكأن حياتها مرآة لحياة جدتها، كأن الحزن الذي عاشته الجدة في حياتها انتقل إلى الحفيدة بعد موتها، "نحن فقط، أحفادها الذين لسنا أحفادها. نحن الأغراب بالدم، غسّلناها، أنا رأيتهم يمزقون المصرّ عن شعرها المكنون، فتطايرت أمواجه البيضاء في كل مكان، شعرها الذي لم نغسله ولم ندهنه إلا لماماً بعدما عجزت عن غسله وتطييبه. ها قد طيّبوه يا جدتي. طيّبوا موجك الأبيض الذي لم يستظل بظله زوج، الولد وولده استظلوا به. لم تكن جثتها تشبهها. كانت تشبهني أنا. حين مدّوا جثمانها وسط صالة بيتنا، رأيتني. زحفت مبتعدة، عنها، عني، عن جثتي الممددة لينوح عليها المحبّون".
تشير الرواية في أكثر من موضع إلى أحداث تاريخية وسياسية حصلت في العالم، وكان لها تأثيرها على منطقة الخليج، وعلى المجتمع العُماني، منها مثلاً الحرب العالمية الأولى، وما تبعها من تعطيل في حركة النقل بالبواخر في الخليج، وشحّ السلع التجارية والغذائية، ومنها غزو صدام للكويت. كما تؤرخ الرواية في أحد فصولها لمحاولة الانفصال وإعلان الاستقلال التي قامت بها مجموعة من الرجال في عهد حكم السلطان "سعيد بن تيمور" لمسقط.
هذه رواية تقرؤها فتلفّك رائحة النارنج، وتغطيك زهوره، وتتناهى إلى سمعك أصوات الأهازيج العُمانية التي ترد في النص، وترقص حولك الدمى الخشبية بعباءاتها الملونة، تلك الدمى التي كانت تصنعها الجدة في طفولتها، وتغني لك أغاني الحزن اللانهائية.
جوخة الحارثي كاتبة وأكاديمية من سلطنة عُمان. حاصلة على دكتوراه في الأدب العربي القديم من جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة. تعمل حالياً أستاذة للأدب العربي في جامعة السلطان قابوس، مسقط. صدرت لها عدة كتب للأطفال، وبضع مجموعات قصصية، وثلاث روايات: "منامات"، "سيدات القمر"، "نارنجة".








