تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب عازف الغيوم
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

عازف الغيوم

تأليف

3.8(٣ تقييم)٨ قارئ
عدد الصفحات
١١٠
سنة النشر
2016
ISBN
9788899687045
المطالعات
١٬٢٩٥

عن الكتاب

نبيل عازف التشيللو، في بغداد، موسيقي حالم، رومانسي، يؤمن بالموسيقى الكلاسيكية والبورنوغرافي وقدرتهما على تغيير العالم، لكن في يومٍ من الأيام، وأثناء عودته إلى منزله، وآلته الموضوعة في صندوق كبير على ظهره، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام مجموعة متشددة، فيحطموا له آلته الموسيقية ويقوموا بضربه وإهانته، فيقرر نبيل الهجرة إلى أوروبا، والبدء بحياة جديدة مع الموسيقى، والحب، غيرأنه هناك وهو يعيش مع أفكاره الفلسفية ولا سيما عن الهارموني، والمدينة الفاضلة عند الفارابي، والفن العاري، والكلاسيكية في الفن، وقصة حبه مع فاني، الفتاة الجميلة التي يعيش معها بعلاقة جسدية شفافة، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام اليمين المتطرف، المجاميع المتشددة في الغرب والفاشية الجديدة، وما يقابلها من تشدد إسلامي. رواية ساخرة عن الأفكار، الفن، البورنوغرافيا وتناقضات السياسة والدين والواقع.

عن المؤلف

علي بدر
علي بدر

علي بدر كاتب وروائي عراقي، حصل على شهرة واسعة النطاق بسبب رواياته وأعماله الأدبية. ولد في بغداد،وعاش فيها حتى انتقاله إلى أوروبا بعد ترجمة أعماله إلى لغات عديدة، دشن تيار ما بعد الحداثة في الرواية الع

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

A-Ile Self-hallucination
A-Ile Self-hallucination
٥‏/٢‏/٢٠١٨
عندما أنهيت قراءة العمل توقفت قليلاً في محاولة فهم ما يُريده الكاتب العراقي علي بدر. بداية لا يمكنني سوى الإشادة بالبساطة السردية التي يتمتع بها الكاتب وفي هذه الرواية بالذات. من الصحيح إن أحد أهم الوسائل التي يصل بها العمل إلى القارئ هي سلاسة السرد، لكن هناك فرق بين أن يكون السرد سلساً وبين أن يكون ساذجاً. أثناء القراءة استطاع علي بدر في النصف الأول إزعاجي، وهذا ليس بالأمر الهيّن. القدرة على خلق فكاهة في واقع مؤلم، لكن بعد فترة لم أعد اشعر بالاندهاش، لسبب بسيط أن عمق الكوميديا فعلياً تتجلى في أعظم المواقف التراجيدية .. فحفاري القبور عندما يخاطبون هاملت تستطيع ان تشعر بالسخرية الضمنية التي تنتقل إليك عفوياً، ومفهوم الكوميديا الأشمل عندما يثور بروميثيوس ضد المظالم الإلهية ليعلّم البشر الحرية، والذين سيتخلون عن بروميثيوس ليعودوا عبيداً عند الآلهة. استطاع الكاتب في البداية خداعي لكن لا أعلم إن كان هذا مبني على قدرة الكاتب أم بالمصادفة. عندما أنهيت العمل اكتشفت مقدار السذاجة التي تجلّت بمناقشة فكرة، يعتقد الكاتب أنها مهمة في إيصالها للناس، لكن الأمر ببساطة محاولة كتابة أي شيء. يرسم علي بدر ملامح الرواية الأساسية على شخصية نبيل عازف التشيللو العراقي وفاني الفتاة البلجيكية. تقوم القصة على شعور نبيل بالضيق من عالمه الذي يسيطر عليه الإسلاميون الذين يتعرضون إليه بالضرب لأنه يحمل التشيللو على كتفه ويطالبونه بالمال لبناء جامع. يقرر أخيراً الهجرة إلى اوروبا للخلاص من ذلك العالم القميء، والي يسميهم الطبقة الرثة. لدى نبيل العلماني ذكريات قديمة مع عمه حول الفتاة الأوروبية التي كان عمه يضاجعها في فندق الرشيد. إنها الصورة الطفولية الاولى المُختزنة في عقل نبيل عن أوروبا. كان يعمل في الفرقة السيمفونية ولديه نظريات عن الهارموني الموسيقي في العالم وتآلفه وعن المدينة الفاضلة التي كان يقرأها طوال حياته. إذاً يقدم لنا علي بدر شخصية حالمة، او هذا ما أراد إيصاله. لكن تلك الشخصية الحالمة تغرق فجأة في إدراكات حياتية للواقع وتصبح جزءً منه، لتقرر الهرب، لتعود فيما بعد داخل أوروبا لشخصية حالمة من جديد. يصل نبيل إلى بلجيكا وإلى حي يشبه أحياء العراق، بوجود مهاجرين شرقيين أتراك وعرب ومغاربة وأفارقة. اخيراً هذه هي المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها. لكن فجأة في تلك المنطقة يشاهد رجلاً يطلب منه مالاً لبناء جامع، وتتكاثر الأسئلة في رأس نبيل .. هذه الطبقة الرثة حتى هنا ينتشرون. يحاول الخروج من ذلك المكان. يتعرف فيما بعد على الفتاة فاني. فتاة بلجيكية تكوّن علاقة مع نبيل وتأتي إلى منزله. تحاول مساعدته قدر المستطاع. تقوم بينهما علاقة جسدية. يشرح نبيل الحرية التي يتمتع بها البلجيكيون وفي الجنس بالذات، فهم قادرون عن التعبير عن حرياتهم بالصراخ أنثاء المضاجعة ويسيرون عرايا دون أي خجل. إنهم يدركون بان تلك الأشياء طبيعية في الكائن وليست نوعاً مُخجلاً. في البناء يوجد جار تركي لنبيل يوقفه في أحد الأيام ويخبره أن أصوات صديقته في الليل تصل لمنزلهم وأن ذلك التركي لديه فتيات عذراوات ولا يحبذ أن تسمع بناته تلك الأشياء. لكن فاني تقوم بالصراخ المفتعل في تلك الليلة لأنها تعيش في بلدها ومن يخشى على فتياته فليعد لبلاده الإسلامية. إنه حقها الطبيعي في بلدها. تلك الحادثة تجعل التركي يقوم بضرب نبيل وتكسير التشيللو الذي اشتراه جديداً. إن السيناريو يتكرر في بلجيكا مثلما جرى في العراق. تستمر العلاقة مع فاني في منزلها ويدرك نبيل أنه لا يستطيع الحياة مع تلك الطبقة الرثة، ويبدأ بمحاولة فهم الهارموني الذي يشرحه لفاني .. بالنسبة للبلجيكيين فبلجيكا بلد سيء، لكن بالنسبة للمهاجرين فبلجيكا حلم. نظرية نبيل تتمحور عن تبادل الثقافة. في الشرق يريدون راية الله فمن كان في الغرب مع راية الله فليذهب للشرق ومن يشعر بالاغتراب الشرقي فليأت إلى الغرب .. إنها الهارموني الموسيقية التي يتحدث عنها نبيل. إنها جزء من رؤية المدينة الفاضلة التي لا يعكر صفوها شيء. لكن الامور لن تتوقف هنا. يقرا نبيل في الجريدة عن مظاهرة لليمين المتطرف في بلجيكا ضد اللاجئين فيتخذ قراراً بضرورة أن يفعل شيئاً ضد الطبقة الرثّة. يذهب وعندما يشاهده اليمنيون يهجمون عليه ظناً منهم انه جاء لمعاداتهم. كان يحاول أن يشرح وجهة نظره عن الهارموني وعن المدينة الفاضلة، لكن غضب اليمينيين أكبر، في تلك اللحظة يُشاهد من بعيد وهو تحت الضرب أن من كان يُعاديهم ويسميهم الطبقة الرثة من الإسلاميين، يحتشدون ويتوجهون ليُخلّصوا نبيل من أيدي اليمينين ظناً منهم أنه أحد المسلمين الذين يدافعون عن الإسلام. يتم إخراجه ونقله إلى منزل ويستعيد نبيل عافيته بعد بعض الوقت وتستمر الحكاية مع فاني ومع نبيل في بلجيكا. إن سذاجة الفكرة تكمن بتقديم نبيل كشخص حالم لكنه في العمق ليس كذلك. إنه مؤدلج بجهة ما. نبيل العلماني الحالم بالمدينة الفاضلة مثل الإسلاميين ومثل اليمينيين ومثل البلجيكيين الذين يمتعضون من سوء بلادهم. الجانب الآخر من سذاجة الفكرة هي معرفة كل شخص يقرأ العمل بكل ما جاء فيه، لأننا ببساطة نعيش هذه التجربة بالشعور حتى وإن لم نخضها، الحرب خلقت الاغتراب إلى درجة ان التخيل يكفي لصناعة أعمق من كل ما جاء في الرواية. يحاول علي بدر أن يسخر من الواقع الفكري الشرقي في مكان ما، وعلى خلاف ما هو اتجاه علي بدر، بنقده الساخر أو بإيمانه بثقافة المجتمع الشرقي، فإنّ المسألة التي لم يعيها علي بدر في معالجته التي حاول أن تكون نفسية لكنها ابعد من أن تتمثل بذلك الجانب، هي أنّ من يعيش تجربة كالتي نعيشها في بلداننا مثل نبيل أو غيره، لن تخلق شخصاً مثلما قدمه في روايته بل ع العكس ستخلق منه شخصاً عدمياً. ومن يبقى في لحظة الإيمان – بأي جانب من الجوانب مع المجتمع الشرقي او الغربي – فهو بالأساس ممنهج على طريقة الإقصاء. نبيل ليس حقيقاً بالمعنى التجريبي لإنسان يخرج من حرب، إنه صورة موجودة عند البعض لكن الحرب ستخلق اشخاصاً غير مهتمين بأي شيء. إنهم ابتعدوا لأنهم يريدون إنهاء تاريخ الحروب من ذواتهم. أعتقد أن علي بدر في روايته هذه قد رسّخ في داخلي النظرة القديمة أن الأدب العربي المعاصر يعاني محنة حقيقية، هو استسهال أي فكرة والكتابة عن أي شيء نحن نعلمه. مهمة الادب ليس أن تقول لي ما أعلمه، بل ما لا أعلمه.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٣‏/١٢‏/٢٠١٧
بات أمراً طبيعياً أن تتصدر اليوم قصص وحكايا المهاجرين إلى أوروبا المشهد الأدبي بالعالم العربي، وتحديداً قصص الهاربين من أوطانهم، جرّاء الحروب. ليجد القارئ العربي نفسه أمام هذه النوعية من الحكايات، في مواجهة ثنائية سردية: إما أن تحكي قصة شخص نجا من موتٍ جماعي يقص علينا ما رأى من هول الكارثة، وحجم الفظاعات، وعمليات القتل والقمع والمجازر التي ارتكبت بحق أبناء شعبه؛ أو سرد مخاض "الحاضر" الذي يعيشيه في البلد الأوروبي الذي لجأ إليه، وقد لا تخلو في كثير من الأحيان من حالة "استغراب". أخيراً، صدرت رواية "عازف الغيوم" للروائي العراقي علي بدر المقيم في بلجيكا، عن "منشورات المتوسط"- إيطاليا. تدور أحداث الرواية حول الشاب العراقي عازف التشيللو نبيل، الذي يقرر الفرار من العراق، في فترة سقوط نظام صدام حسين، وسيطرة الجماعات الإسلامية المتشددة على مدينة بغداد، وبعد تعرضه للضرب والإهانة، وكسر آلة التشيللو التي كان يحملها على ظهره وهو عائد إلى البيت، من قبل تلك الجماعات، التي اعترضت طريقه، وارغمته على دفع كفارة، بحجة أنها تجمع التبرعات لبناء مسجد في المدينة. ليقرر بعد هذه الحادثة أن يهاجر بطريقة غير شرعية إلى أوروبا، وتحديداً بلجيكا، بالاتفاق مع أحد المهربين. ومن خلال رحلة الفرار، نبدأ بالتعرف إلى شخصية نبيل، هذه الشخصية التي تحلم بالمدينة الفاضلة عند الفارابي، والولع بالفن والموسيقى. فالرواية عدا أنها توثيق لحياة نبيل في بغداد، ورحلته إلى أوروبا، وحياته بعد ذلك في بلجيكا، إلا أن جزءاً كبير من السرد قائم على سبر أغوار الصراع النفسي، والفكري، داخل شخصية نبيل. في الجزء المتعلق بحياة نبيل بمدينة بغداد، يتم تصوير التغيّرات التي طرأت على المدينة، وما آلت إليه الحياة اليومية للمجتمع العراقي في ظل الفوضى بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وسيطرة الجماعات الإسلامية المتشددة. فنبيل الذي يحسم أمره، ويقرر الرحيل، ويستعد لجمع أغراضه، سيأخذ معه كتابين كراساته الخاصة بالموسيقى، وكتابين مهمّين حسب ما جاء على لسان الراوي. أحدهما عن الهارموني، وكتاب آخر شعبي عن علاقة فريق البيتلز بفلسفة ما بعد الحداثة. سنفهم من الإشارة إلى هذين الكتابين، كيف يرى ويفهم نبيل العالم، وستكون فكرة الهارموني، نقطة يتقاطع فيها مضمون العمل الروائي ككل، ونقطة تناص، يسقطها نبيل انطلاقاً من مفهومه للعمل الموسيقي، على طبيعة المجتمع، وتناقضاته. لكن هذه الفكرة تقوده إلى صراع آخر على أرض الواقع، حين يبدأ حياته الجديدة في بلجيكا، سيعود للاصطدام مع جاره التركي المتشدد دينياً، بسبب الأصوات العالية التي تطلقها صديقته فاني البلجيكية، أثناء ممارستهما الجنس، في بيته الذي يقع في حي فقير للمهاجرين: "قال التركي لنبيل بوضوح: سيدي، أنا لا أحاسبك على ما تفعله في شقتك. ولكن الأصوات التي تطلقها صديقتك، وبهذه الصورة، أثّرت كثيراً على عائلتي. - لم أفهم ! قال نبي. - وأنت تمارس الجنس مع صديقتك، فهي تطلق أصواتاً عالية، تسمعها كل العمارة، سامحني، أنا لديّ بنات مراهقات ومحجّبات، ولا يمكن أن نقبل بهذا الوضع". هذا الموقف يجعل فاني تصر على إصدار أصوات أعلى أثناء ممارستها الجنس مع نبيل. فيعترضه جاره التركي مع اثنين من أصحابه مفتولي العضلات، وهو عائد ذات ليلة إلى بيته، ومعه آلة تشيللو جديدة، أخذ ثمنها من فاني كهدية له، ويضربه التركي وصديقيه، ويكسروا آلته الموسيقية الجديدة، بعدما تم تكسير آلته القديمة على يد المتشدديين في بغداد قبل أن يغادرها. هذه المواقف تدفع نبيل إلى إعادة النظر بالمدينة الفاضلة، التي اكتشف أنها غير موجودة في أوروربا أيضاً. ليكتشف أن السبب هو وجود المهاجرين فيها: "وصل الأمر به إلى أن أصبح جاهزاً للاعتقاد بأن حياته هنا تتحول بسببهم إلى جحيم، وبسببهم لا يستطيع الوصول إلى المدينة الفاضلة". ويتقاطع التوق إلى "المدينة الفاضلة" مع فكرة "الهارموني"، وليعود السبب أيضاً بحسب نبيل لوجود المهاجرين، فهو حسب اعتقاده "أساس فقدان المجتمع- في بلجيكا– إلى الهارموني "ببساطة؛ لأنهم من ثقافة مختلفة. هم يشكّلون نوعاً من الهارموني في مجتمعاتهم، حين كان بينهم، أي حينما كان في بلده، كان يشكّل صوتاً نشازاً، كان يهدم التناغم في مجتمعاتهم". اختلاط المفاهيم هذا، يوقع نبيل في مأزق، وهو غياب فكرة "إمكانية تقبل وجود مجتمع أوروبي يتقبل نوعاً ما إختلاف الثقافات. وهذا ما تقوله له فاني حين يكون على وشك الغرق بالنوم، وهو مصاب بالحمّى: "ستتحسن يا صديقي، ستتأقلم مع وضعك الجديد، ستتعلم كيف تعيش في مجتمع مختلف ومتنوّع، لا يمكننا أن نكون كلنا من لون واحد".
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٢‏/٦‏/٢٠١٦
منذ أن نشر علي بدر روايته الأولى «بابا سارتر» وألحقها بـ «صخب ونساء» و «كاتب مغمور»، وهو يصرّ بتواطؤ مريب على تعقب الخفّة، كأن نصّه تحالف معها بعرى فولاذية وتواشج خلاب، واتفقا على أن تؤدي الأفكار في رواياته كل ما لا تؤديه اللغة، بحيث تُحملْ جميع الأسئلة الوجودية الثقيلة، على أجنحة روايات خفيفية، منعشة، منشغلة بالحداثة ومصطرعة معها، فالروائي العراقي تجاهل، بكل ما أوتي من وعي، نخيل بغداد النائح وهدهدات موج دجلة، والتراب الأحمر للأرض المشربة قتلى ودماء، تجاهل الإرث السردي العراقي «البكّاء النوستالجي» ليتيح لبغداد أن تزهو ببهائها في الستينيات، بحيث ترك الشخصية العراقية لتتخلى عن جهامة مفتعلة كرّستها الظلامية الصدامية، وسنين من عقوبات اقتصادية واحتلال أميركي وتخبط في مستنقع الطائفية والانقسامات. أتاح علي بدر لبغداد أن تتنفس بحرية وغنج، أتاح لها ولأفاقيها، وضاحكيها، والدجالين من مثقفيها أن يعيشوا ملء أنفسهم، أن يكونوا هم الحكايات الضاحكة المعيشة على حواف القمع والكراهية والتطرف والخوف، ليقهر النص بالضحك، والضحك وحده، رهاب السلطات المحمولة على سواطير وحرائق.ترحاله الروائيفي روايات على بدر تنقّل جغرافي، هو حيناً في اسطنبول، وحينا في القدس ونيويورك والقاهرة يتمشى مع إدوارد سعيد، قد يغادر إلى افريقيا متتبعاً الشيوعيين العراقيين هناك وأيدولوجيتهم الهزلية، قد يصل إلى الشام، الأديرة والقرى وبيوت العائلات، ليحط أخيراً في بلجيكا، البلد الذي يقيم فيه فعلياً منذ اشتعال منطقتنا بالغضب والفوضى والأحلام.في «عازف الغيوم» روايته التي صدرت مؤخراً، ومنذ النبضة الحكائية الأولى، وبعين مقتضبة متمرسة سينمائيا على دقة اللون والحجم والمسافة، يلتقط بدر الشخصية العراقية بكل هوامشها ومسننات تطرفاتها الجارحة، الشخصية الملتاعة/المعذبة بأوروبا، المرهقة بثقافة فرنسا وألمانيا وروسيا وأدبها وفلسفتها، الشخصية التي تحتفي بشوبنهاور ونيتشه وهيدغر وانجلز وماركس وكتّاب العدم والعبث، الشخصية التي لا تتلقى أدب نجيب محفوظ الذي تعرّش على طاولات المقاهي في الأحياء الشعبية القاهرية، بحفاوة كبرى أو انبهار كلي، كما تتلقى نتاج الكتاب والفلاسفة الأوربيين!في «عازف الغيوم»، يخلط علي بدر معارفه وقناعاته، ليصنع مزيجاً، يلتقط عبره كل المتناقضات والضحك في ثنايا تلك الشخصية التي يشكل ذاته واحداً منها، ليحكي عن المثقف العراقي المتعب من ثقافته الموسوعية، الكوزموبوليتانية، التي لا يعرف أين يصّرفها ضمن المأزق العراقي، المحكوم جغرافيا وزمانياً بالقهر السياسي والديني والفكري، المعزول عن التفاعل مع آداب هذا العالم، في بلد نافٍ للفن، وللفلسفة وللبيرة الباردة والويسكي الفاخر الممزوج بقطع الثلج، وبعربدة الفكر عالي الوجودية للسكيرين، ولعازفي الموسيقا الكلاسيكية.في «عازف الغيوم»، البطل هنا نبيل، يبدو كأنها مثلث في بلاد المربعات، أو دائري في بلاد الزوايا الضيقة، بيده يحمل آلته الموسيقية التشيلوـ عابراً الأزقة الزنخة بالغبار والفقر والتطرف الديني للمدينة المتحللة، التي لم يهترئ فيها سوى الأخلاق بالمعنى الجمالي للمدينة الفاضلة، يسير نبيل بتلك الآلة الفضائحية الحجم، لتضيف «التشيلو» لنبيل غربة على غربة في محيط بغدادي فظ، بذيء، شعبي، محيط يطالب البطل بالصلاة واللحاق بصوت الله، بالتبرع لجامع، محيط يطرد صاحب صوت الموسيقى «الكلاسيكية» الناشز، عن ضجيج باعة الخضار، وزعيق أبواق السيارات، وسائقي التاكسي وشتائمهم.التناقض يحكم الرواية في كل مفاهيمها، والضحك الصافي المعافى مثل عذوبة الماء وسلاستها تلاحقك في كل حدث، يعقد معك علي بدر صفقة عادلة، بروايته «الكونديرية» التامة، دائرية الحبكة، والمتواترة حتى الدوخة، فسوء الفهم والعقدة الملتوية والتكرار المدوخ لذات الحدث الذي يمنح في كل مرة معنى مغاير لقراءة التناقضات، يجعلك تشترك معه برسم شكل الحركة الثانية لقطعة الدومينو التي تتحرك فوق حياة نبيل، منهارة في انهداد لا عودة عنه.تهويمات الانسجامهو نبيل الهارب من بغداد إلى بلجيكا، الباحث عن معنى لحياته كموسيقي، وهو يلاحق الهارموني، ويشعر بالنفور عن محيطه، خاصة بعد أن ضربه متشددو الحي وكسروا له آلة التشيلو، يصل بلجيكا ليجد بغداد مصغرة بكوارثها في الحي البلجيكي للمهاجرين، حيث سيضُرب مجددا من المهاجر التركي الذي سيكسر له آلة التشيلو الموازية، التي اشتراها بمال صديقته البلجيكية الثرية البيضاء.لكي يخلص نبيل من وصمة الهجرة، فإنه يخترع نظرية تريحه وتنفيه خارج هويته كمهاجر ليختار هوية فكرية تكون هي جنسيته وبطاقته المعرّفة، فيخرج في مظاهرة لليمين المتطرف البلجيكي الذي يعادي القادمين الجدد وقيمهم الاسلاموية، ليجد ذاته وسمرته، وملامحه «المهاجرة» تلعنه من جديد، عندما يهجم عليه اليمينيون المتطرفون، ويخلصه المتشددون الاسلاميون الذين هرب منهم، وطالب بطردهم خارج بلجيكا، ليكتشف أن الاختلاف هو الذي أتى به إلى بلجيكا، والاختلاف، وقيم الاختلاف هي التي ستحميه في غربته من جميع التطرفات.في عازف الغيوم موعد مؤكد مع المتعة، والضحك الأصلي، في رواية مشذبة الحجم، ولا تنسى.