تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب فرح
مجاني

فرح

0.0(٠ تقييم)
عدد الصفحات
٤٠٠
ISBN
9789953895123
المطالعات
٣٧٦

عن الكتاب

ما الذي كان سيتغير لو لم تعرّج فرح على الدار البيضاء في ذلك النهار، كأن تتزوّج وتلد أطفالا جميلين وأذكياء وتقضي الصيف في الجنوب؟ لم يحدث شيء من هذا. هل خانها الحظ... هذا القليل من الحظ الذي يجعلك تقفز الى الجهة الأخرى من دون أن تسقط في الهاوية؟ ما الذي كان ينقصها، أو ينقص خديجة لتتجنب مستشفى الأمراض العقلية؟ وهل كان سليمان سيعود من السعودية ناقصا، على غير الحالة التي ذهب عليها؟ وهل كان مصطفى سيتجنب الرصاصة التي اخترقت وركه؟ فرح جاءت من مدينة آزمور لتغنّي. لكنها لم تغنّ، بل رأت المسجد. كلّهم رأوه... ورأوا الإعلان في جريدة الصباح: " أيها المواطنون، ساهموا في بناء المسجد". كم دفعوا من مالهم ودمهم ليروْه منتصبا، شامخا، في المساء، عندما تلامس الشمس سطح الماء؟

عن المؤلف

يوسف فاضل
يوسف فاضل

روائي ومسرحي وسيناريست مغربي مواليد عام 1949 في مدينة الدار البيضاء بالمغرب. يتوزَّع إنتاجه الأدبي بين الكتابة المسرحية والروائية والسيناريو، سُجنَ بين عامي (1974-1975) في معتقل مولاي الشريف في فترة "

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف ميترو محال

ميترو محال

يوسف فاضل

غلاف حشيش

حشيش

يوسف فاضل

غلاف فرح

فرح

يوسف فاضل

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣٠‏/٦‏/٢٠١٧
ماذا لو لم يكن حافظ الأسد موجودا؟ بهذا السؤال الصادم يستهل مصطفى خليفة روايته الأخيرة «رقصة القبور» الصادرة عن دار الآداب، فاتحا الأبواب أمام تخيل واسعٍ لمجريات التاريخ السوري، في ربط لمعالمه المتخيلة بفروض تاريخية حملت في طياتها حكايات من الأساطير المنسوجة شعبيا، عن قصص العرب القديمة بعد الإسلام وصراعاتهم التي أسست معالم الاقتتال الحالي بين الطوائف التي تنتسب لهذا الدين، والتي تستند في الكثير من حروبها على حكايات الماضي الذي تواترت أخباره بين أبناء كل طائفة. ولئن كان صاحب رواية « القوقعة «، قد شغل عقل الإنسان السوري بفظاعات سجن تدمر التي عاشها لنحو ثلاثة عشر عاماً، فإنه يعود بعمله الجديد ليشغل المتابع للحدث السوري، بربطٍ تاريخي أساسه الخيال يقوم على قصة تدور أحداثها الكبرى في ظلال حكاية تاريخية مبتكرة، امتدت إلى عصرنا الحديث، عن الصراع الذي دار بين أعظم أسر قريش التي تنازعت الحكم وتناحرت فيما بينها بعيد نشوء الإسلام ووفاة النبي محمد ليكون الصراع الدائر أساسا للمزيد من الصراعات المستقبلية التي نعيشها حتى هذه الأيام. الملحمة التي كتبها خليفة، ابتدعت تاريخاً جديدا لسوريا، أساسه عائلة الشيخ التي سكنت قرية الخالدية، ونُسبت بتاريخها لعائلة خالد بن الوليد التي أُبيدت على عدة مراحل، فلم يخرج منها سوى أحد أحفاد خالد الذي أسس قرية للعائلة قرب مدينة حلب، حملت اسمها وتربعت العائلة على عرش قيادتها ممتدة بوصية تاريخية على أصقاع الأرض في محاولة للإفلات من عمليات الإبادة المتكررة. القصة المتخيلة تحكى بلسان الراوي الذي التقى بولي عهد العائلة «عبد السلام» داخل سجن المزة العسكري نتيجة نشاطهما السياسي في أحد الأحزاب المعارضة، لينطلق بعد توطيد علاقته بعبد السلام إلى التعرف على إرث العائلة العظيم الممتد بين عدة أقطار ومئات الأحفاد الذين ينتمون إلى الخالدية ويعيشون خارجها خشية لأي إبادة محتملة، مؤسسين عدة مراكز خاصة بعائلة الشيخ التي تمتلك سراديب من الذهب والكنوز المخبأة تحت قصر الشيخ، التي تعود لزمن العائلة الغابر، حيث تحتفظ بإرثها الذي يستخدم فيما يدعم كل من ينتمي إليها. لتذهب القصة بعد ذلك إلى مزيد من التشابك القائم على التخيل بدءا من زمن النبي محمد وصولا إلى مذابح الأرمن والتاريخ السوري الذي مرت عائلة الشيخ بطقوسه مع توالي الحكومات العائلية، بدءا من الأمويين وانتقالا إلى العباسيين والدول التي قامت في عهدهم، كالدولة الحمدانية التي كانت سببا في إبادة عائلة الشيخ الأولى، على يد أحد أمرائها الذي تعاطف مع العلويين، لتظهر سيرة العائلة الملحمية التي تغلب الأسطورية على أكثر حكايتها التي امتزجت بنهج واقعي، يحاكي علاقة تلك الأسرة المقدسة بالسلطة التاريخية التي حاولت على مر العصور إبادتها، نظرا لما كانت عليه من القوة والغنـــى منذ جدهم الوليد الذي كان أغنى أغنياء قريش، في الحكاية التي يرويها الشيخ عبد الهادي لأبناء عشيرة الخوالد الذين يتجمعون سنويا. هذه الحكاية وما شابها من تشكيك يذكره الراوي على لسان أصلان ابن الشيخ عبد الهادي بالتبني، ستصبح أساسا لصراعات مقبلة بين أبناء الحاضر أحفاد الماضي، الذين آمنوا بالدم سبيلا للثأر لكرامتهم المهدورة من طرف، ولإبادتهم المزعومة من طرف آخر، فلا تتوقف لعبة مصطفى عند تخيل التاريخ الماضي، بل ينطلق في حبك الحاضر الذي يمنحه جزءا واسعا من خياله الموسوم بالغرابة والواقعية العجائبية، متمثلة في طريقة وصول المارشال إلى السلطة وتعاونه مع الضابط الألماني الهارب من العقوبات التي لاحقت كيان النازية، ليمارس هوايته المفضلة في اللعب بالنفوس وشرائها وتوظيفها خدمة لما يريده، ليلتقي بالضابط الصغير، الذي يلمس فيه خبثا ورثه وحقدا عاش فيه، فيسخره لخدمة مشروعه لقلب نظام الحكم وصولا إلى تعيين هذا الضابط رئيسا للبلاد بعد أن قتل وسجن الكثير من رفاق دربه في الانقلابات السابقة. الطائفية إحدى ركائز الحكاية وأساسا للحقد الكامن بين شخوص الرواية، فالسلطة الجديدة بمارشالها ابن الطائفة العلوية، يكره الرفيق عبد السلام، ليس بسبب ما كان يصله من أحاديث الأخير الرافضة والساخرة منه، بل لكره تاريخي قديم، يتعلق بما كان من أحد أفراد أسرة الشيخ القدماء الذين حاربوا العلويين وأذلوهم جاعلين من رجالهم عبيدا، ومن نسائهم سبايا وعاهرات كما تذكر الرواية. يرتكز المارشال ـ الذي يشبه حافظ الأسد ـ في انتقامه على عامل الوقت الذي يدفعه إليه الضابط الألماني، ليصل أخيرا إلى مبتغاه في اعتقال زعيم الحزب الاشتراكي الشيوعي «عبد السلام» مع زوجته، مستغلا صراعات الحزب وتفككه، ليقضي الأخير سنوات من التعذيب الجسدي والنفسي الذي تمثل باغتصاب زوجته على يد الضابط السني الذي لبس ثوب السلطة التي استفاد منها، ليكون الخروج أخيرا من السجن والبدء بالتجهيز للكفاح المسلح. كل هذا كان هي أساسه خيالا، لكنه في الوقت ذاته واقعي سحري، يستند إلى سؤال الرواية الأول «ماذا لو؟»، فالعمل برمته خيالٌ أطلقه الكاتب الذي يحاول أن يبني أطروحته على افتراض تلك الأشياء التي لم تحصل ومنحها مجالا تاريخيا مجبولا بالواقعية لافتراض حصولها، ما يمنح القارئ فكرة أسس لها الكاتب عن الذي يحاول أن يقول لنا إن كل ما نقرأه من تاريخنا ليس إلا افتراضات تحتمل الصواب والخطأ في آن، لتصبح الحقائق التاريخية التي يتعامل معها القارئ في حياته العادية محض فرضيات لم يعد من الممكن الوثوق فيها. ولأن هذا العمل لا يمكن أن يكون إلا مأساويا، فإن «رقصة القبور» ترسم مأساتها من شخوصها ومفاجآتهم التي بدأت بوشاية أصلان اللقيط، بأخيه عبد السلام لدى المخابرات، وانتحاره لأن ذلك كان رغما عنه، ووفاة ولاد مارال زوجة عبد السلام، وجنون أمها، وتحول مارال إلى عاهرة متنقلة بين تجمعات المقاتلين الشيوعيين، ثم إلى مثليتها الجنسية التي اكتشفتها في سجن النساء بعد الحكم عليها بعشرين عاما، وأخيرا في الحزب الاشتراكي الذي كان مصيره الخراب والتفكك. ولأن الملحمة كانت تتطلب الغرابة، فإن خليفة حاول أن يضيف منها الشيء الكثير، فعبد السلام ابن الشيخ عبد الهادي يسكر، ويمارس الجنس مع ابنة عمه القادم من سراييفو، ذلك الجنس الذي رسمه خليفة بأدق صوره في العديد من القصص الجنسية التي دارت أيضا بين لميس والراوي، والطبيب الألماني وبائعة الهوى العربية، ليكون «الجنس الشيء الحقيقي في هذه الحياة» كما قالت مارال الأرمنية. رواية «رقصة القبور»، حكاية الواقع والخيال الذي يعد أساس الصراعات التي نعيشها، حكاية كل من مضوا بخسائرهم وانتصاراتهم التي أفضت اليوم إلى البحث الدؤوب عن انتصارات جــــديدة، وربما عن هزائم جديدة، ترسم معها تاريخا لم يعد بالإمكان الوثوق فيه.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣٠‏/٦‏/٢٠١٧
تأتي رواية «فرح» للمغربي يوسف فاضل (دار الآداب، 2016)، لتتوّج التجربة التي بدأها الكاتب منذ «حشيش» ووصولاً إلى «طائر أزرق نادر يحلق معي»، من حيث الاهتمام بتفريع السرد وضبطه على إيقاع التفاصيل المتباعدة عن مُنطلَقها، وتداخُل الأزمنة وتشابُك مُكونات الشكل الروائي. تحتوي الرواية على سبعة أبواب كل واحد منها يشتمل على مقدمة بضمير الغائب، تتلوها فصول على لسان عثمان ثم فصل تحكيه إحدى شخصيات الرواية الأساسية (فرح، نعيمة، كنزة، الوالد، الوالدة، سليمان). واللافت أن فرح تحكي عن مسارها وهي على قيد الحياة، ثم تعود لتختم الرواية وهي مستقرة داخل تابوت يطفو في مياه البحر. يمكن القول، بداية إن الرواية تستوعب محكيات عائلة مغربية فقيرة كانت تعيش في الحي الشعبي المجاور للفضاء الذي يشيد فوقه مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، والذي ارتبطت قصته بتعبئة كل الفئات، لا فرق بين غني وفقير، من أجل تمويل تكاليف ذلك المسجد الباذخ الذي أراد صاحبه أن تسير بذكره الركبان. من ثم يصلنا سرد حياة العائلة موازياً لمراحل بناء المسجد حيث يعمل الوالد وابنه عثمان في تسقيف المسجد وتزويقه. لكن هناك قصة حب غير عادية بين عثمان و «فرح»، التي جاءت من بلدة آزمور إلى الدار البيضاء كي تحترف الغناء مثل صديقتها نعيمة التي جذبتها المدينة الغول وهدهدت أحلاماً ستتكشف عن سراب. ولم تكن فرح لتنجو من مقالب المتربصين، بحيث احتال عليها أحد المحامين واختلس فلوسها، فاضطرت إلى التسكع والضياع، والتقت صدفة بعثمان وأخذت تتردد على ورشة المسجد حيث يعمل، تعاشره قليلاً ثم تختفي، وهو في انتظار دائم لعودتها يحدوه الشوق وعشق متأجج. عندما تبدأ الرواية، تنطلق من نهايتها: ماتت فرح وهي في حضن عثمان، وهو وضعها في تابوت وأسلمها إلى البحر. وبعد مرور أكثر من عشرين سنة، تزوج من امرأة أخرى هي في زحمة الولادة وستلد بنتاً يسميها «فرح». إلا أن طيفها يظل ملازماً مخيلته وهو يستعيد تلك اللحظات التي تحاصره في كل آن : «كان يجلس لساعات يتأمل قدميها الصغيرتين. الأصابع متناسقة، أنيقة، كسمكات تزخر حياة وهي تسبح خارج الماء(...) قبل ثلاث وعشرين سنة حدث هذا وأكثر. يلتقيان ويفترقان في لعبة لها مغزى لا يفهمانه. تظهر عندما لا يتوقع أن تظهر؛ لتختفي بعد يوم، بعد أيام أو أسابيع. كالفوضى التي كانت تملأ رأسها آنذاك...» (ص7). ومن خلال تجميع اللحظات التي شكّلت علاقته بفرح، بالتوازي مع وصف شبكة العلائق والأمزجة بين أفراد العائلة، يأخذ السرد توجهاً غير خاضع للتدرج والخطية، فتتداخل الأحداث، ويهيمن صوت عثمان على بقية الأصوات، ومن ضمنها صوت أخيه سليمان العائد في تابوت من السعودية، حيث قطع مشغّلُه رأسه لأنه شك في علاقة مريبة بينه وبين زوجته. هذه السمات وغيرها، تضفي على السرد ملامح فانتستيكية تكسر الأبعاد الواقعية للوصف والفضاء. فضلاً عن ذلك يلجأ الكاتب، من حين إلى آخر، إلى التشكيك في أحداث رواها، وكأنه يريد تذويبها ليضفي على المحكيات طابع الافتراض. بين حياة الأسرة ومراحل بناء المسجد، وإطلالات فرح المضيئة، ينسج الكاتب نص الرواية عبر سرد متدفق، يزاوج الوصف بالاستبطان، وفرادة الشخصيات بتلاوين الفضاء: « البيت الذي يستقر فيه الوالد لا أتذكره دون رائحة الخشب التي تفوح من أرجائه. فندقاً كان في الأصل. بغرف كثيرة متداخلة بعضها ببعض. ويعود بناؤه إلى قرن من الزمن، في طرف المدينة القديمة...أعبر باب مراكش وأتوغل في أزقة المدينة القديمة: دجاج منتوف، مجروح، بلا ريش، مكسور الجناح مشلول الساقين، ببقع زرقاء فوق جلدته المصفرّة، العارية، بائساً يُطل بين أضلاع أقفاص مرقعة...» (ص 110). في هذه الفقرة، نلاحظ ذلك المزج بين عناصر متباينة ومتجاورة في الفضاء. فهل الحظ يصنع المصير؟ أكثر من دلالة تطل علينا من ثنايا رواية «فرح». ويمكن القول إجمالاً إن ثمة تجلياً ثنائياً للدلالة: واحدة ظاهرة، بارزة، يشير إليها عثمان وهو يقارن بين عيشة أسرته الفقيرة وعيشة الموسرين، وحين ينتقد فرض المساهمة في تمويل المسجد على الجميع دون مراعاة للأوضاع المادية المتفاوتة...؛ ثم هناك دلالة ثانية مندسة بين السطور، وهي التي تتصل بالتساؤل عن سبب وجود الفروق التي تجعل المهمشين يدفعون ثمن البؤس، فيما الأقلية تعيش في بحبوحة ورخاء. ويميل عثمان الصوت الواعي في الرواية إلى اعتبار الحظ عنصراً حاسماً في تحديد مصائر العباد: «كيف يأتي الحظ؟ الحظ هو الحياة. الحظ هو العلاقات، هو المال. هو المرأة التي تلتقي في ركن الزنقة(...). هذا القليل من الحظ الذي يحتاجه ابن آدم ليقفز إلى الجهة الأخرى دون أن يسقط في هاوية اليأس» (ص 359). ولكن، وسط هذه العتمة التي تجعل التهميش والفوارق مصيراً قاسياً، خانقاً، تبدو الجميلة فرح وكأنها تحولت إلى رمز مضيء يبدد ذلك الظلام. إنها تراهن على القلب وعلى حب الحياة. تقول: « ترافقني ذكريات مشرقة. الشيء الذي يبقى مستمراً ينبض، هو القلب لأنه خزان كل ما هو جميل(...) نعم البشر سيتحولون إلى جداجد عندما يموتون. حياتهم منذورة للغناء. اللذة الوحيدة التي ستبقى. يغنون في كل وقت. بأرجلهم وأجنحتهم وأحشائهم، يستدركون ما فاتهم من غناء. الغناء هو الحياة» (ص 399). على هذا النحو، تكتسب رواية «فرح» بعداً دلالياً مزدوجاً: الأول يلامس الوضع المادي لطبقة المستضعفين الواسعة، والبعد الثاني يغوص باحثاً عما هو أعمق، عن الأسباب الكامنة وراء انقسام مصائر البشر. لكن الرواية لا تستطيع أن تقدم حلولاً لمثل هذه المعضلة الشائكة؛ وإنما تنقلنا الى تفاصيل العلائق والمنعرجات، متغلغلة في صلب الوعي الحيّ، المتحول، ومعانقة اللحظات التي توحد نبض القلوب المصرة على الاستمرار على رغم تفاوت الحظوظ. صحيح أن بناء الشكل في «فرح» يكتسي أهمية بالغة تخصص الدلالة والرؤية؛ إلا أن عناصر الشكل متشابكة تقتضي من القارئ الانتباه إلى محافل السرد المتعددة وإلى الاستباق والارتداد في الأزمنة... لكن تدفّق السرد والاستطرادات المتوالية التي تلملم ما قد يبدو متباعداً، تجعل الاستسلام لمتعة القراءة أقوى من التوقف لاستجلاء لبنات السرد المتراصة التي تلتقط التفاصيل المتصلة ببناء المسجد والمدينة القديمة والحي الجديد ذي المنازل الضيقة التي تشبه علب الكارتون... وأيضاً، ترسم ملامح ذلك الفضاء الجواني الذي هو دائم الاشتعال في دخيلة عثمان المتيّم بفرح التي لم تحقق رغبتها في عالم الغناء. في غمرة هذا السرد الذي يجرفنا، نحس بذلك التمايز الصارخ بين شخوص تبدو من دم ولحم، وبين عثمان وفرح اللذين يتدثران بغلالة الحلم والهشاشة وخفة الكينونة : هي مشدودة إلى حلم لم يتحقق داخل المدينة المهولة، وتتردد على عثمان وتمنحه جسدها من دون أن تعرف اسمه...، وهو عاشق اتخذ من حبها عصى يتكئ عليها ليتحمل بشاعة الدنيا وجبروت الوالد، وسطوة البؤس وقلة الحظ. من هذه الزاوية، يبدو مبرراً أن يرتدي عثمان وفرح لبوس الرمز عند نهاية رحلة بناء المسجد المأثرة الذي اجتث سكان الحي القديم ورمى بهم إلى جحور نائية. لقد استطاع الحب أن يمنح عثمان القدرة على التحدي ليستمر بعد موت فرح، ويتزوج ويختار لطفلته اسم حبيبته الأولى. واستطاعت فرح أن تبلغ إلينا صوتها من داخل تابوتها قائلة :» قلبي لا يزال ينبض تك تاك تك تاك....». إنها نقطة ضوء تتولد وسط ظلمة العيش الخانقة للذين لم يسعفهم الحظ وأصبح مصيرهم في مهب الرياح. ولا شك في أن «فرح» هي رواية طموحة في شكلها، جاذبة بسردها ولغتها، حاملة لأسئلة تعلو على سياقها.