
نكات للمسلَّحين
عن الكتاب
بإخلاص لافت للقصة القصيرة كجنس فن ، يكتب مازن معروف حكاياته، لا يكتبها بوعي رجل بالغ، فاطلاق مخيلة كالتي يملك، بحاجة ليد طفل غير صبور، تلوث وجه العالم ألواناً وحياء، فيحكي «الراوي، الطفل» بروح حيادية “detached” أحزاناً وتناقضات يشعرنا أنها تقع على أطراف حياته ولا تهمه، كأن الواقع طقس مسرح تطهيري، حضره كفرجة تحرره من الرعب، فالذي جرى أمامه، وقع لآخرين، لا يعنيه بهم شيء، فالدماء نزفت من «هم»، والأجساد التي رآها، تمزقت خارج مساحة وعيه، والملكيات التي هدرت «بيت، شارع، بار، سينما» تشظت بانفجارات سمعها، كأنما سمع عنها. «نكات للمسلحين» (عن دار الريس) كتاب يفترض أن فيه نكاتاً، لا نعلم من أين يأتي الضحك، لكنك تضحك لأن بإمكان إحدى الشخصيات أن تموت ثلاث مرات، وتصبح أخرى زحليطة لرجال عجائز لا يجدر بهم التزحلط أساساً، تضحك عندما تسكن بقرة غرفة البروجكتور في السينما المتداعية وتنفجر هناك، ويصبح بطن الدبدوب مخزنا لمثلثات الجبنة، ويبيع طفل أخاه الأخرس للمسلحين كي يشتري عينا زجاجية لأبيه، ويستطيع أب أن يطلب من ابنه بفجور واقعي، أن يتبرع له بذراع، بعد أن فقد يديه في انفجار سوريالي، يتكرر الراوي كأنما هو ذات الطفل الشاهد، المعاقب بجسد مشوه، المعاقب بالمعرفة، كأنه أوديب آخر، لكنه أوديب معتوه، معاق مخبول، طفل دون ذكاء ملحوظ، في الغالب مضحك بسبب عته مقيم، وأسئلة بلهاء عن تفاصيل دقيقة في واقع فقير، لا أسئلة تأملية عن الوجود. إذ يسحب مازن معروف القدرة المنطقية على تحليل الفاجعة، أو التساؤل حولها من روح الطفل الراوي، كل هذا ليتركه ينجو ربما، ولا نعلم كيف باستطاعة أحد النجاة بعد هكذا حكايات. في «نكات للمسلحين» لا جغرافيا معرّفة، مناطقية أو طائفية، الحرب هي الهوية الوحيدة هناك، وهي حرب أهلية، فلا جبهات للقتال، والمسلحون يسكنون قربك، تقابلهم في طرقات شارعك، وفي محلات البقالة،على الرصيف المقابل. فيتم تجاهل المكان بقصدية مؤثرة، هناك فقط عمران متهالك، ومدينة، تُذكر بيروت على عجل، في حكايات تصلح لكل الأمكنة، وقد يرويها كل الأطفال، أطفال الحروب، في رواندا، صربيا، ليبيا، أو سوريا، وهذا ما وقع في ذلك البلد «الغائم» الذي يسكنه الراوي ويتنفسه، يعي ما يحصل فيه، لكنه وعي تصريفي، لنهارات فظة، لشخصيات تتدبر جوعها، بردها، ذعرها، ضمن مساحة مخنوقة دون أمل، ومع كل هذا يحاول الراوي النجاة، فيستطيع بمبالغات كاريكاتورية أن يبعد الواقع عنه، لكن ذاك الواقع دبغ عالمه بحكايات نقشت تفاصيلها على جلد روحه باقتدار. بتور جسدية كل حرف في «نكات للمسلحين» عُجن بمهارة بقصص الحرب، بنتف الجثث، بأزيائهم، لغتهم، ألبسها الكاتب لأجساد جديدة مقصوصة بمناشير مخيلته، وتركها تنز على الصفحات، تلطخ كل التفاصيل، بسرد واخز، ومحدد الهدف، بلغة متنحية، تسرد من مسافة أمان، من مساحة «عبط أولاد» وهي حيلة مازن معروف للنجاة بحكاياته من تهمة «الميلودراما» أو الكلبية والتوحش التي تسم الشخصيات، فالحكايات على عنفها، تقص بإسلوب مائي، منسكب، حيث تتواطأ برضاك وتقبل للكاتب أن يتلاعب بك، ويبيعك تلك المخيلة، ملساء، ناعمة تروي من وراء غلالة رقيقة كغبار طحين الحلويات، حكايات صحيح انها ليست حلوة، لكنها تصبح كذلك عندما يغلفها الكاتب بمخيلة طفل لعوب، مخرب، أزعر، يستطيع دوما التنحي، والجلوس على حواف الحدث، يضحك الطفل ويضحكك حتى لو أمسك بجمر الحكايات، بصديدها، بتشوهات شخصياتها، وأجسادهم الناقصة دوما عضوا ما، كأن ذلك هو أحد تجليات الحرب، أن نخسر عيناً من هنا، يداً، نخسر سمعنا، ابتسامتنا، هويتنا بالكامل، وننضم إلى قطيع بشري مبتور ليس نفسيا فحسب، بل بتور جسدية ذات رائحة، ومنظر منفر، يتكلم عنها الراوي كالمسرنم، كأنه شاهدها من ضباب ذاكرة رجل بالغ بعد خضوعه للتحليل النفسي. اللغة في المجموعة، سردية مباشرة، مقتصدة، مشذبة، دون اتكاءات شعرية، أو روائية، دون إحالات إلى آباء مؤسسين للقصة القصيرة، لا نلتقط مازن معروف على أبواب جوجول، موباسان، تشيخوف، همنجواي، فعوالمه ليست بهذا الهدوء، والروية، ومخيلته ذات حداثة قريبة من عوالم أفلام التحريك، ألعاب الفيديو، والبوب أرت. حيث لا يتم فكفكة نصه كذلك، إلا في ظل خصوصية لبنانية، وواقع بيروتي مصاب بالجنون، حسي، بذيء، شوارعي، وكله على المشاع. نكات للمسلحين تجربة قصصية ممتعة، قاسية، فيها عنف مبطن، وسخرية مُرة، لعبت المخيلة دوراً هائلا للنجاة بها من منزلق الفجاجة والعنف المجاني، لتترك أثرأ نعومته لا تنسى، وتنثر ضحكاً موجعاً، لا يمكن محوه من عقل وروح من قرأ.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)




