تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب تغريبة منصور الأعرج
📱 كتاب إلكتروني

تغريبة منصور الأعرج

4.0(١ تقييم)٢ قارئ
عدد الصفحات
٢٠٨
سنة النشر
2014
ISBN
9789953894959
المطالعات
٧٠٩

عن الكتاب

"أغمض منصور الأعرج عينيه طويلاً ولم ينم. نادى بصوت خفيض على سبيل التجربة «صُهيب»، فقال الآخر: نعم. قال منصور الأعرج لرفيقه إنّه لم ينم دقيقة واحدة حتى الآن. يقصد منذ الليلة الماضية أو مطلع تلك الليلة. كان المكان غارقًا في الظلام، فسمع منصور صوت حركة من الناحية الأخرى، حيثُ صُهَيْب السوائي. رفع صُهَيْب ذبالة الفانوس الموضوع بالقرب من رأسه، فامتلأت الغرفة رويدًا رويدًا بالضوء. كان الضوء يملأها كأنّه نهر من الماء. وكانت تمتلئ ببطء كأنّها مغارة، ولم يكن الرجلان يعرفان سرّ هذه الظاهرة. لا الرجلان ولا أحد. كان صُهَيْب يقول إنّ السرّ في الفانوس، ويعتقد منصور أنّ السرّ في القرية. ذلك البهو، حيث ينامان، يُسمّى الدكّة، مقسوم إلى ضفّتين يمنى ويسرى وبينهما ممرٌّ يؤدِّي إلى الباب الخارجي من جهة وإلى درَج السلّم الصاعد إلى الأعلى من الجهة الأخرى. وكانت الدكّة مرتفعة بعض الشيء عن الممرّ، وهذا ما جعلها مميّزة. وربّما كانت هذه الميزة هي التي منحت القرية اسمها. توجد في الطابق الأرضي من دار قديم يتكوّن من ثلاثة أدوار ويرسو على أكمة مرتفعة تطلّ على طريق السيل. القادم من بعيد، من جهة زبيد وتهامة، يرى قرية الدكّة على شكل سفينة. أمّا القادم من الناحية الأخرى، من الشرق ومن جهة الجبال، فيعتقد لوهلة أنّها سوق للجنّ. «سُمِّيت قرية الدكّة بهذا الاسم منذ مئات السنين، فقد كانت أوّل دكّة في الجزيرة العربيّة»، قال صُهَيْب لمنصور قبل عامين عندما قدم إليها ذلك الأخير من مكان بعيد. لا يصدِّق منصور أنّ الإنسان عاش قبل مئات السنين. لا يريد أن يصدِّق شيئًا، في الواقع. أخرج صُهَيْب ساعة جويال نسائيّة من مكان ما بين ثيابه، وقرَّبها من زجاجة الفانوس. فتح غطاءها النحاسي، فبرزت بقعة بيضاء مخطَّطة. كانت ساعة نسائيّة يعلِّقها صُهَيْب على عنقه بخيط رفيع من القماش. لم يحدث أن سأله أحد كيف حصل عليها. «الثالثة فجرًا. الثالثة إلّا عشر دقائق» لم يبدِ منصور الأعرج جوابًا. «قلتُ لك الساعة الثالثة فجرًا»، قال صُهَيْب وهو يحاول أن يستعيد نومه. كان منصور يستمع لأزيز قادم من بعيد، أزيز الجراد الأحمر القادم من شرق أفريقيا. وكان الزمن ليلة من ليالي أغسطس من العام 1980. يعرف منصور أسرار الجراد الأحمر المتشرِّد، ويستطيع أن يميِّز من نوع الموسيقى التي تصدر عن أسراب الجراد ما إذا كان قادمًا من البحر أو الصحراء. «هل تسمع شيئًا»؟

عن المؤلف

مروان الغفوري
مروان الغفوري

مروان الغفوري: طبيب أمراض قلب، يمني الجنسيّة، يقيم ويعمل في ألمانيا. صدرت له ثلاث روايات ودواوين شعريّة. حائز جائزة الشارقة للإبداع عن "ليال"، وهي مجموعة شعريّة.

اقتباسات من الكتاب

"أغمض منصور الأعرج عينيه طويلاً ولم ينم. نادى بصوت خفيض على سبيل التجربة «صُهيب»، فقال الآخر: نعم. قال منصور الأعرج لرفيقه إنّه لم ينم دقيقة واحدة حتى الآن. يقصد منذ الليلة الماضية أو مطلع تلك الليلة. كان المكان غارقًا في الظلام، فسمع منصور صوت حركة من الناحية الأخرى، حيثُ صُهَيْب السوائي. رفع صُهَيْب ذبالة الفانوس الموضوع بالقرب من رأسه، فامتلأت الغرفة رويدًا رويدًا بالضوء. كان الضوء يملأها كأنّه نهر من الماء. وكانت تمتلئ ببطء كأنّها مغارة، ولم يكن الرجلان يعرفان سرّ هذه الظاهرة. لا الرجلان ولا أحد. كان صُهَيْب يقول إنّ السرّ في الفانوس، ويعتقد منصور أنّ السرّ في القرية. ذلك البهو، حيث ينامان، يُسمّى الدكّة، مقسوم إلى ضفّتين يمنى ويسرى وبينهما ممرٌّ يؤدِّي إلى الباب الخارجي من جهة وإلى درَج السلّم الصاعد إلى الأعلى من الجهة الأخرى. وكانت الدكّة مرتفعة بعض الشيء عن الممرّ، وهذا ما جعلها مميّزة. وربّما كانت هذه الميزة هي التي منحت القرية اسمها. توجد في الطابق الأرضي من دار قديم يتكوّن من ثلاثة أدوار ويرسو على أكمة مرتفعة تطلّ على طريق السيل. القادم من بعيد، من جهة زبيد وتهامة، يرى قرية الدكّة على شكل سفينة. أمّا القادم من الناحية الأخرى، من الشرق ومن جهة الجبال، فيعتقد لوهلة أنّها سوق للجنّ. «سُمِّيت قرية الدكّة بهذا الاسم منذ مئات السنين، فقد كانت أوّل دكّة في الجزيرة العربيّة»، قال صُهَيْب لمنصور قبل عامين عندما قدم إليها ذلك الأخير من مكان بعيد. لا يصدِّق منصور أنّ الإنسان عاش قبل مئات السنين. لا يريد أن يصدِّق شيئًا، في الواقع. أخرج صُهَيْب ساعة جويال نسائيّة من مكان ما بين ثيابه، وقرَّبها من زجاجة الفانوس. فتح غطاءها النحاسي، فبرزت بقعة بيضاء مخطَّطة. كانت ساعة نسائيّة يعلِّقها صُهَيْب على عنقه بخيط رفيع من القماش. لم يحدث أن سأله أحد كيف حصل عليها. «الثالثة فجرًا. الثالثة إلّا عشر دقائق» لم يبدِ منصور الأعرج جوابًا. «قلتُ لك الساعة الثالثة فجرًا»، قال صُهَيْب وهو يحاول أن يستعيد نومه. كان منصور يستمع لأزيز قادم من بعيد، أزيز الجراد الأحمر القادم من شرق أفريقيا. وكان الزمن ليلة من ليالي أغسطس من العام 1980. يعرف منصور أسرار الجراد الأحمر المتشرِّد، ويستطيع أن يميِّز من نوع الموسيقى التي تصدر عن أسراب الجراد ما إذا كان قادمًا من البحر أو الصحراء. «هل تسمع شيئًا»؟ مضى وقت على سؤال منصور قبل أن يردّ صُهَيْب على رفيقه بأنّه يسمع أشياء كثيرة مثل كلّ ليلة، وأنّه لا جديد في الخارج. بقي منصور صامتًا ومنصتًا، فبرزت أسنانه في ظلام الدكّة قليلاً. كان يبتسم. فتح صُهَيْب غطاء ساعته مرّة أخرى، فملأت الغرفة بتكّاتها. «أسمع صفيرًا خفيفًا، أظنّها وزغة. بالأمس قتلتُ زوجها»، قال صُهَيْب. كان صُهَيْب شابًّا في منتصف الثلاثينيّات من العمر. وكان يشرد طيلة الليل ويلهو بإصبع قدمه اليمنى الزائدة طيلة النهار. منذ حوالى أشهر هدأت المعارك في الجبل، لكن طرفي الحرب بقيا في أماكنهما، وقبل أيّام عادت من جديد. غير أنّها هذه المرّة صارت بعيدة عن قرية الدكّة، فقد خسر الماركسيُّون مناطق سيطرتهم، أخيرًا، وتقدّم الإسلاميُّون وكتائب الجيش خطوة إلى الأمام في اتّجاهي الشرق والجنوب. أحسّ منصور برائحة موسيقى تتدفَّق في عروقه، قال لنفسه إنّه يعرفها جيّدًا. لقد خبرها بالقرب من البحر قبل ذلك. أزاح الملاءة الخشنة من على جسده النحيل، وتحسَّس طريقه إلى الممرّ بين الضفّتين. وفي العادة ينام، رجال الشيخ في غرف منفصلة عن داره. وفي الأشهر الأخيرة طلب من منصور وصُهَيْب، بشكل خاصّ، أن يناما في الدكّة، في الدار نفسها. «فلا أحد يضمن حياته في الحرب، ولا يمكن أن يتنبّأ بمفاجآتها حتى المُرسلين»، همس الشيخ طه أبو علي في أذن صُهَيْب، وكان قد استدعاه إلى غرفته الخاصّة في الدور الثالث. وذكر في ذلك المساء لصُهَيْب ثلاث قصص لثلاثة أنبياء اتّخذوا حراسة، فقد كانوا خائفين. وعندما هبط صُهيب درجات الدار، لم يساوره شكّ في شجاعة شيخه، فحتى المُرسلون يختبئون وراء الحِراسة. يجوز للرجلين، منصور وصُهَيْب، أن يعبرا ممرّ الدكّة فقط تجاه الخارج، لكنَّ منصور اتّخذ تلك الليلة الاتّجاه الآخر، وصعد درجات السلّم إلى الأعلى. ارتبك صُهَيْب وغمرته قشعريرة أوّلاً، ثم انتصبت كلّ شعرة في جسده وفقد القدرة على الحديث. تطوّرت قشعريرة الرجل إلى هلع، ثم فقد القدرة على الحركة. يعرف صُهَيْب إحساسه الخاصّ هذا عندما تنتصب شعرات عنقه من الخلف. قبل أشهر، وكانت المعارك على أشدّها بالقرب من مخلاف بني مُسلِم في وصاب العالي، ضربه منصور على عنقه بخفّة، ونهره: «أشعر بالخوف فقط عندما يقف شعر عنقك. أنت مثل الديك». قال صُهَيْب «بل مثل جدّي». بعد يوم، عاد الرجلان إلى قرية الدكّة بشكل منفصل. وعندما التقيا؛ تذكَّر صُهَيْب ما حدث في اشتباكات الليلة الماضية، فبحث عن منصور. وجده يتبوّل واقفًا جوار المسجد من الناحية المطلّة على طريق السيل. وعندما رآه، سأله بتوتُّر «وكيف عرفت أنّ شعر عنقي وقف البارحة»؟ قال منصور إنّه أدرك ذلك من خلال الرائحة. كان يتحدّث وهو يمسح فتحة عضوه بحجرة صغيرة صلتها شمس أغسطس الجبليّة. أمّا صُهَيْب، فكان قد أعطى الرجل ظهره، وذهب يغمغم «أنت رجل لا تستحي». يعمل الرجلان لدى شيخ متديّن، انضمّ في السنوات الأخيرة إلى الحرب، ووقف في صفّ الجبهة الإسلاميّة المساندة للنظام الحاكم، ثم صار قائدًا لما بات يُعرف بالجبهة الإسلاميّة في تلك المناطق. اقتسمت الجبهتان، الإسلاميّة والقوميّة، الجبال في مناطق اليمن الأوسط. كانت الجبهة القوميّة أكثر حظًّا، فقد حصلت على أكثر الجبال ارتفاعًا، وكان جبل شخَبْ عمّار الموجود في أعالي محافظة إب عاصمة الجبال كلّها، يطلّ على عشرات القرى والمدن، يغمره السحاب في أغلب شهور الخريف والشتاء. كان مقاتلو الجبهة الإسلاميّة يقولون إنّ الآخرين شيوعيُّون، وإنّه لا يوجد سبب غير ذلك يدعو لمقاتلتهم. وكانت أعدادهم تتزايد. كانوا ماركسيين في نظر أنفسهم وشيوعيين في نظر الآخرين. ولم يكن من أحد، في ذلك الزمن، يدرك الفرق بين الشيوعيّة والماركسيّة. أمّا منصور القادم من البحر، فكان يقول من آن لآخر، عندما يجد في نفسه الرغبة لقول شيء ما، إنّ ذلك قد لا يكون صحيحًا ولكنّه سيقاتلهم على كلّ حال، فقد فعلوا ما يستحقّ القتال من وجهة نظره. «يسكنون في أعالي الجبال مع النسور، ولا بدّ أنّهم يرون الله أفضل منّا». في وقت قصير، استطاعت الجبهة القوميّة السيطرة على مساحة واسعة من مديريّات وجبال شمال اليمن، ووجد النظام الحاكم نفسه محاطًا بأكثر المخاطر جدِّيَّة. وفي جبال اليمن، على مرّ العصور، من يعلن الحرب أوّلاً يكسب المعركة. وكانت الجبهة قد بدأت الحرب. لم يكن صُهَيْب، ذو الإصبع الزائدة في قدمه اليمنى، قد غادر قطّ قرية الدكّة إلى أماكن بعيدة باستثناء مرّة واحدة. ومع ذلك، فقد كان يؤمن بوجود العالم الخارجي، وأنّ أوّل دكّة في الجزيرة هي التي ينام عليها. وعندما سأل منصور عمّا يجري خارج الوصابين، وصاب العليا ووصاب السفلى، لم يدر منصور كيف يشرح له العالم. ثم اهتدى منصور إلى إجابة غمرت صُهَيْبًا بالرهبة والنشوة معًا «إذا أعطيت ظهرك لوصاب ومضيتَ غربًا ستجد البحر بعد ليلة أو ليلتين». ولم يسأله صُهَيْب عن أيّ اتّجاه يتحدّث، وربّما اعتقد أنّ هذا السؤال لا قيمة له، فالبحر عظيم جدًّا لدرجة أنّ المرء سيجده أيًّا كان الدرب الذي سيسلكه، وأنّه على بعد ليلة أو ليلتين. لكنّه، على كلّ حال، كان يعرف أنّ خلف سهول تهامة يوجد بحر. قدِم من جبل في إبْ، وصار حارسًا لشيخ. وعندما تناهى لسمعه، إبّان الحرب، أنّ الجبهة القوميّة سيطرت على مسقط رأسه أحسّ بذلٍّ عميق. وصادف أن سأله منصور، ولم يكن قد مضى على مقدمه سوى أسابيع، عن الأرض التي جاء منها، فقال بخشوع غريب وسكينة لا تخطئها العين «ولدت في مديريّة خسرت الحرب، وشيخ قريتي أسير». في تلك الليلة، وبينما كانت كلّ شعرة في عنق صُهَيْب تقف هلعًا، كان منصور يخطو في الاتّجاه الخطأ ويجتاز دار الشيخ طه أبو علي، شيخ المجاهدين في قرية الدكّة والقرى القريبة. صعد منصور حتى السطح ووقف إلى الجهة التي تطلّ على طريق السيل، الجهة الغربيّة. أفرد ذراعيه وتنفّس بعمق، فسمع دبيب الجراد الأحمر في الوديان وفي رئتيه. في ليل قرية الدكّة الهادئ والبارد، تنفّس منصور رائحة الليل كلّها. كان نحيلاً وبه عرجة في قدمه اليسرى. عند مقدمه كان يرتدي ملابس أهل البحر، ومنذ عام ونصف العام تقريبًا كان قد أصبح يرتدي ملابس الجبل، وصار شبيهًا بكلّ الناس في قرية الدكّة: ثوب طويل، وكوت بنّي اللون وجنبيّة على الخصر. بقيت عرجته مشعّة، تكشف مكانه بين مئات الناس، فلا يمكن لعرجة مثل عرجته أن يخفيها زيّ بحّار أو راع في جبل. وكان يبلغ من العمر زهاء الأربعين عامًا. كانت جنبيّته بلا نصل حديدي. ولم يكن من أحد، من الذين رآهم، يلبس جنبيّة بلا نصل سواه، وهكذا كان يحسّ بالطمأنينة. تسمّر في مكانه فجأة، وتجمّدت الأنفاس في حنجرته وهبط الدم إلى أعماقه وكان له دويّ رهيب. فمن خلال الباب المؤدِّي إلى السطح، سمع أصواتًا خفيفة مختلطة كأنّها لرجل، كأنّها لامرأة، كأنّها للإثنين معًا، أو لرجل وامرأتين. لم يفكِّر منصور في تلك الساعة سوى بالمأزق الذي هو فيه. فقد سمح لنفسه أن يصعد إلى الأماكن التي تعتبر بالنسبة للغريب شديدة الحُرْمة. فكّر بتسلُّق الجدار إلى الأرض. كان ذلك، عمليًّا، ممكنًا لو أنّ الوقت لم يكن ليلاً، ولو لم تكن موسيقى الجراد قد أسكرت الرجل قليلاً وطوّحته لبعض الوقت. اتّخذ الحلّ الأمثل، ممتلئًا بالرهبة والجزع. ترك الجهة الغربيّة المطلّة على طريق السيل والبحر والجراد، واتّجه إلى الباب. بينما كان يجتاز الدور الثالث ويهبط يمينًا بعض الدرجات، سمع صوت ذكرى. ولم تكن ذكرى سوى العروس الصغيرة للشيخ طه أبو علي. كانت جميلة وخفيفة السمار وبها بقعة بيضاء على فخذها الأيمن من الخلف، وقد رأى منصور تلك البقعة في مصادفة خاصَّة يحاول نسيانها. قيل لها إنّها علامة برص، ممَّا أثار فضولها أكثر من خوفها، غير أنّها لم تر قطّ تلك البقعة. «ارقدي على بطنك وضعي يديك حول رأسك مثل الأسيرة، وسأصبّ على خصرك قطرات من العسل. وأنتِ ارقدي على ظهرك إلى جوارها. ضعي يديك على بطنك مثل الجريحة. سأضع قطرات من عطر العود على سرّتك». لا يمكن للمرء أن يصف بالضبط ما الذي حدث لمنصور الأعرج عندما داهمته تلك الكلمات. ليس لأنّه كان يعشو في الظلام وحسب، بل لأسباب كثيرة أقلّها لأنّه قادم من البحر. كأنّه انهار فجأة، أو كأنّ برقًا ليليًّا حادًّا ضربه خلسةً فأحرق ثوبه الأزرق ونعليه الأسودين وترك جفْر جنبيّته شاهدًا عليه. هبط منصور بسرعة، بسرعة. لم يعد يأبه بما إذا كانوا سيعلمون بخطيئته. ثمّة في الأعلى خطيئة أكثر وحشيّة، كان يجادل ذاته وهو ينهب الدرجات ويتعثّر. في الدكّة، وجد الفانوس مضاء، وصُهَيْب منتظرًا.ـعع «أنت مجنون ووقح»، قال صُهَيْب مشيرًا بأصبعه اليسرى إلى صدر رفيقه، وبيده اليمنى كان ممسكًا بندقيّته التشيكيّة طويلة الماسورة من منتصفها، وكان قد هجرها مؤخّرًا بعد حصوله على كلاشينكوف.

يقرأ أيضاً

📖

كتاب هيلين

مروان الغفوري

غلاف ليال

ليال

مروان الغفوري

غلاف في انتظار نبوءة يثرب

في انتظار نبوءة يثرب

مروان الغفوري

غلاف الخزرجي

الخزرجي

مروان الغفوري

غلاف جدائل صعدة

جدائل صعدة

مروان الغفوري

غلاف كود بلو

كود بلو

مروان الغفوري

غلاف طريق الحوت

طريق الحوت

مروان الغفوري

المراجعات (١)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٣‏/١٠‏/٢٠١٥
كعادته يأتي مروان الغفوري في روايته الأخيرة "تغريبة منصور الأعرج" مدهشا وصادما في آن، ما يعني أنه سيكون على موعد مع المتاعب مجددا، لكن ذلك قد يكون فالا حسنا، ففي أحيان كثيرة يجب أن تكون مصدر ازعاج لكي تكون مفيدا، للروائي البرازيلي الشهير باولو كويلهو مقولة في هذا الصدد مفادها:" قول الحقيقة وازعاج الناس أفضل من الكذب على الناس".   يمتلك مروان ثقافة موسوعية، وأسلوب كتابة خاص به، وقدرة فائقة على الإمساك بالتفاصيل وشجاعة في التفكير، وقبل ذلك موهبة متمكنة من أدواتها الفنية، الأمر الذي يجعل من كتاباته محل ترقب واحتفاء وغضب أيضا.. يمكن القول أن حياة مروان ليس فيها سوى رجلين فقط، واحد يحبه ويؤمن بموهبته، وآخر يكرهه ويعتقد أنه كاتب محظوظ وحسب. يدخل مروان بيوت الدبابير من خلال منصور الأعرج الذي يتأكد كل يوم أنه ليس سوى تائه ويتمتع بمشاعر ساخنة. تقول السيرة الذاتية لمنصور بن قاسم بن عبدالغني الحكيم -وهذا اسمه الكامل- أنه ولد في السهل وهذا الأمر له دلالة مهمة في الرواية، فسوف يظل منصور متشككا من الجبل الذي يبدو مهمينا على كل شيء. لم يكن قد بلغ عامه الأول، عندما اكتشف الجميع إنه أعرج، كان هذا يعني أنه ربما كان مسخوطا، على الأقل كان هناك من يبدو واثقا من ذلك، والدته وحدها كانت تعتقد أنه غنج الأطفال، فيما بعد سوف يكتشف منصور أن عرجته بمثابة هوية جديده يصعب اخفاءها، فلم يعد يناديه أحد باسم أبيه، صار اسمه الجديد كما هويته منصور الأعرج. سيذهب منصور الأعرج ضمن وفد برئاسة شيخ قريته حذران إلى تعز فهناك سوف يشهدون إعدام شخص تجرأ وأهان بنات رسول الله، في الطريق إلى تعز سيدرك أن أمه كانت محقة عندما أخبرته ذات يوم: "ستحملك ساقاك في الجبال مثل الصالحين".    كانت الشمس قد منحته الثقة بقدميه، ومنذ تلك اللحظة نشأت علاقة من نوع خاص بينه وبين الشمس لدرجة أنه ذات يوم قال لها إنه واحد من رعاياها، وأنها أيضاً أمّه، قال أيضا أن النهر البعيد والقريب في آن هو أبوه، وسيكون عليه أن يجده ذات يوم.   لم يكن منصورا يعرف أكثر من الكلمات التي تفوه بها شيخ قريته حذران، لكنه مع قطع رأس الثلايا بكى كثيرا.. وفقا للرواية فقد كان السبب في بكاءه الممتد تذكره كيف سقط رأس الثلايا وبقي جسده منتصباً لبعض الوقت ثم هوى. سحرته اللقطة، ولكنه لم يفهم ما الذي يدفع المرء إلى القيام بأعمال يمكن أن تؤدي إلى سقوط رأسه.   فيما بعد سيتذكر منصور وآخرون هذا اليوم كلما حدث أمر ذا بال أو غير ذي بال. ظلت صورة الثلايا تلاحق منصور الأعرج في أيامه المقبلة، بدا الأمر وكأنه نوع من الانتقام أو العتاب، الضحية تعمل كل ما في وسعها لجعل حياة الجلاد غير طبيعة، منصور كان هناك للفرجة، صحيح أنه لم يستوعب زاومل قبائل حاشد وبكيل وغيرهما من الجموع المؤيدة لإعدام الثلايا، لكنه في نهاية المطاف كان هناك.   بعد نحو عشرين عاما، سيكون الرئيس ابراهيم الحمدي محور السهرات التي تجمعه بأصدقائه الجدد، نجيب الأدرد وابراهين(ابراهيم)الفتة، وآخرين يرون فيه حلم تم اجهاضه مبكرا، يتذكر الفتة كل التفاصيل، يتذكر كيف صاح: "قتلوا إبراهين في صنعاء"، يتذكر كيف دخلت الغمة فجأة إلى الوادي، وصار الكرب يفيض على من حوله: "قلتُ لكم إنه لن يعيش طويلاً وأنهم سيقتلونه"، جعفر ابن الشيخ معين يكسر صمت الوجوم الذي كان استبد بالمكان: "قتلوه عيال إيري".   لم يكن منصور الأعرج يعرف شيئا عن ابراهيم الحمدي، لم يكن يعرف شيئا ذا قيمة، لا يجب لوم شخص اعتاد أن يقضي معظم وقته في الصمت والسير فوق الأشواك لبلوغ البحر والقرية التي تستلقي فوق جبل غير مأمون الجانب، لم يكن هناك ما يشغل منصور سوى كيف يعبر بعرجته طبيعة متقلبة وشاحبة ليتأكد أنه شخص سوي مثل الآخرين. لا شك أن منصور الأعرج سأل نفسه كيف حدث ذلك، لكن المؤكد أنه لم يكن ليعاقب نفسه، فذاكرته تشبه ذاكرة كثيرين التقاهم هنا وهناك، لا أحد يعرف ماذا يعني الحمدي؟.   بعد قليل سوف تتوثق العلاقة بينه وبين نجيب الأدرد، سيحكي هذا الأخير كيف عاش سعيدا في زنجبار، قبل أن يأتي الشيوعيون ليقتلوا العرب الذين كانوا هناك.. حسنا، لقد صار صديقاً لمنصور الأعرج، وسيعرفان الطريق إلى الحرب معاً. سيحارب منصور الأعرج مع الإسلاميين، وسيقاتل نجيب الأدرد إلى جوار الشيوعيين.. تتطرق الرواية لحروب المناطق الوسطى، وكيف اصطف المشائخ والاغنياء ورجال الدين وبعض الذين يودون الموت في سبيل الله في مواجهة أشخاص في أغلب الأوقات كانوا متحمسين وصادقين رفضوا أن يظلوا فقراء وجوعى للأبد.  ساقت الظروف منصور الأعرج لأن يكون مقاتلا في جيش الله أو جيش الشيخ طه أبو علي، لم يفكر في استشارة ابن علوان الذي أحبه وظل إلى جواره عندما كان في مقتبل عمره الطافح بالأحلام الفقيرة، لقد أصبح الشيخ طه أبو علي هو الرجل الوحيد الذي يمكن أن يتحدث باسم الله، فقد كان متدينا، وقد سمع الجميع كيف دعا إلى مواجهة نجيب الأدرد ومجموعته التي لن تكتفي بقتل الرؤساء والشيوخ، بل سوف تعمد إلى أخذ النساء.. أصبح منصور الأعرج جنديا في جيش الله، ولاحقا ستصبح اليمن ضمن هذا الجيش في الحرب التي سوف تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد السوفييت الكفار.   كانت اليمن تتهيأ لهذا الدور، فقد وُزعت الأرض بين الجبهة الإسلامية والجبهة القومية، في اشارة ذكية للنزاع غير العقلاني بين الإسلام والوطن، فهناك أشخاص يعتقدون أنه يجب أن يحدث صدام بينهما، كل ذلك يحدث رغم أن الإسلام شيء والوطن شيء آخر، لكن ما أكثر المجانين الذين يرون فيهما عدوين مخلصين للموت.   أصبح منصور قائد مجموعة تخصصت في الألغام، وكان صديقه نجيب الأدرد قد أصبح قائدا أيضا، كانا يفكران ببعضهما، فقد كانا فقيرين رغم أنهما ينتميان لمعسكرين مختلفين تماما، تدوم الصداقة ما لم يتخللها اقتراض من المال، يقول مارك توين. لم يمض وقت طويل حتى يقع منصور الأعرج في الأسر، وهنا يتدخل نجيب الأدرد لدى قائده أحمد الوجرة للإفراج عنه، مؤكداً أن منصور لا يعرف حقيقة هذه الحرب، وأنه سينضم لصفوفهم حتما، يوافق الوجرة، فقد كان رجلا شجاعا ويعرف كيف يتعاطف مع البسطاء حتى لو كانوا يقاتلون في صفوف أعداءه.   بالنسبة لمنصور الأعرج، لم تعد الحرب ذات معنى، فقد جاء المحاربون من كل مكان للقضاء على الجبهة الوطنية، لقد تعب من الحرب، وجاء الوقت ليغتسل من آثامها ببحر عدن، لكنه لا يعرف أين هذه عدن؟. في ذمار سيقولون له: إنها في الجنوب، وإنها بعيدة، بعيدة جدا، ودخولها لن يكون يسيرا. كان منصور لا يزال حاملا معه بندقته من حروب الجبل، لكن أحدهم أخبره أن أشخاص يقال لهم حرس الحدود سوف يقتلونه، لا أحد يمكنه دخول عدن ببندقيته حتى لو حاربت باسم الله. تخلى منصور عن بندقيته، وسوف ينصحه أحدهم بخلع كوته، فعدن أرض حارة. لعل الرواية كانت تشير في مشهدها الأخير إلى أن عدن والبحر والناس هناك لديهم مزاج آخر غير الذي في الجبل والمرتفعات حيث الخرافة والأوصياء غير المهذبين. بعد مرور عدد غير كبير من السنوات، سيأتون بكل الأسلحة والحج لدخول عدن كغزاة، وثم يعيدون.   الكَرّة بعدها بـ 21 عاما.   على الصعيد الشخصي، عشت لحظات ممتعة ومفيدة مع رواية "تغريبة منصور الأعرج"، ويسعدني أن أدعوكم لقراءتها، فهي حقا رواية مثيرة وملهمة تجعلكم تفقدون نصف خجلكم المصطنع، وتساعدكم دون تكلف في التعرف على خارطة الطبيعة والحب والأبطال الشعبيين في هذه البقعة المليئة بالأحلام المسافرة بلا توقف. من المؤكد أنكم سوف تكتشفون زوايا أخرى، وتفاصيل مختلفة جديرة بالاهتمام، أما أنا فقد قررت أن أنظر لمنصور الأعرج والوطن باعتبارهما شريكان في هوية قلقة، وصديقان في تاريخ مضطرب ولا يبدو أنه حقيقي.   شكرا مروان، لا يبدو أني سوف أنسى منصور الأعرج بسهولة، وسوف أحدّث أصدقائي كيف يمكن أن يطفئ الحب الذي يسكن قلب نجيب الأدرد كل عداواته تجاه خصومه السابقين ليصبح واحدا منهم لا أكثر. شكرا مروان، فقد رسمت المشهد الأخير كأنه وصية الأمس واليوم: "لا يمكن للمرء أن يدخل عدن ببندقية". شكرا مروان لأنك كنت يمنيا خالصا في مواجهة الخرافة القادمة من الصحراء لكي تستعمر الجبل وما تحته.