الحديث عن المكان يتقصّد منه الحديث عن روايةٍ يحقّ لها أن تكون نصّاً يقف في المواجهة مع الشخصية الروائية مرة، ويجعل منها مركز ثقله مرة أخرى.. فالدخول إلى رواية «العشاق» لرشاد أبو شاور, والصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة 2010, يعني أن هناك نصاً روائياً تنجذب إليه وأن هناك فناً روائياً ضمن تفاصيل النصّ هيأ في المكان كل الخصائص المناسبة لاحتفال رواية به, بهذا المكان..الرواية واقعة في مجال يسمح لها بأن تأتي واضحة حتى وإن أتت عارية من أي دلالة لا تؤدي في نتيجتها إلى ذات المكان المؤسّسة عليه أجواء هذه الرواية.. كل الدلالات حقيقة واعية تريد أن تصل إلى القارئ أولاً وأخيراً في المكان الذي يقرأ عنه..يأتي النصّ الروائي عند رشاد أبو شاور, تحصيل حاصل لمكان هو فلسطين ولفضاء هو أرض فلسطين.. وليأتي المكان الروائي فلسطين محصّلة لالتزام الكاتب ورغبته في نقل القارئ إلى فلسطين عبر رواية أو نصّ وما شابه, وكل ما حصل في رواية حدث ويحدث في فلسطين..في رواية « العشاق» يبقى العشاق واقعيين في عشقهم لأرضهم ولبعضهم وتبقى الدلالة تنأى عن الخيال والتجريد لتكون ملامح الواقعية هي أساس الرواية.. فهل اكتفى رشاد أبو شاور بالمكان!! أم سقطنا نحن القراء في فخّ الاندماج بين المكان والشخصيات الروائية إلى الدرجة التي لم نستطع أن نميّز التفاصيل عن الجوّ العام الذي يسود الرواية!!.. واختفى العشّاق مثلاً!!.
كان على الذات الروائية ومن أجل أن تكتب رواية «العشاق» أن تُلحِق شغف الكتابة بشغف الانتهاء من كتابة رواية, طالما أن على القارئ دوماً أن ينتظر النهاية ليعرف معنى أن تكون رواية قادرة على معاينة المشهد الواقعي الكلي والجزئي بكل تفاصيله.. كثير من تفاصيل الرواية توحي بكتابة تأملية استطاعت أن تتمتّع بمنظور رؤية بعيد المدى يطوّق مدى رؤية القارئ طول زمن قراءة هذه الرواية.يعتمد بناء الرواية على التاريخ والجغرافيا والثقافة والحضارة والحدث.. وهناك في قلب الحدث الإنسان يفعل ما يمكن له أن يفعل ضمن ذلك البناء الذي يحيله بالدرجة الأولى إلى إنسانيته من دون أن يفقده خصوصية نشأ عليها ضمن ظروف المكان والذي هو ذات المكان الذي نشأت فيه كل أحداث الرواية.. تلك الخصوصية التي حافظت عليها رواية «العشاق» للمكان جعلت منها رواية صحية، إضافة إلى كل ما حملته من مفارقات وتجانسات وبعد وقرب وهروب وعودة.. إنها إذاً قوة حضور المكان وبقائه في رواية, تأتي لتكون أساسا متيناً صنع السرد الفني الجميل في الرواية.. فلسطين بواقعيتها في رواية « العشاق» وكما الكثير من الكتابات والروايات تأتي لتكون مثلاً ومرجعية ودلالة.. وفلسطين في حالة التخييل في رواية» العشاق» أيضاً هي انتقال فلسطين الأرض, فلسطين التاريخ إلى صفّ كل ما هو ممكن في رواية لأن يكون خاضعاً للاستعارة ومبادئ اللغة.. وعندما تكون الغاية إنتاج رواية تحمل معنى لا ينتهي, سيكون مسموحاً أن يكون ذلك الخضوع إلى الاستعارة واللغة والدلالة, بمثابة أدوات تخصّ رواية «العشاق» لرشاد أبو شاور.. أدوات خاصة توازن بين النصّ والحكاية عندما لا تخرج عن كونها نصّا,ً استطاع من خلالها الروائي أن يأتي بنصّ متين وصلبٍ أيضاً.. إنها القضية الفلسطينية بكل أبعادها عالم الرواية, رواية أبو شاور.. عالم روائي مفعم لم يخرج لصنع خطوطه الأساسية عن الخطوط الحقيقية للواقع.. وروائي تمكّن من أن يصنع للعشّاق في روايته خطوط الطول والعرض والجغرافيا المناسبة لتحقيق التوازن في علاقتهم مع الفكرة والموضوع ومع المكان, طالما أن الموضوع والمكان يجتمعان في «فلسطين».تبدأ رواية « العشاق» بالمكان.. تبدأ بـ«مدينة القمر» لتصف فيه مدينة أريحا الفلسطينية قبل تعرضها للاحتلال: «أريحا, مدينة القمر, تنبت أشجاراً متوسطية, واستوائية, وجبلية وساحلية. مدينة جهنمية, غريبة خصبة. أريحا ليست مدينة, إنها تاريخ, في تربتها تمتزج الأساطير بالواقع الحقيقي, الحي. إنها مدهشة. البحيرة الوحيدة الميتة في العالم, هي بحيرتها, وهي تحمل عدة أسماء, بحيرة لوط, بحيرة سدوم, البحيرة الميتة, بحيرة الملح. وهذه البحيرة تضرب بأمواجها المالحة جذور جبال مؤاب منذ ألوف السنين.».إنها رواية ترسم صورة التشرد الفلسطيني منذ العام 1948 حتى مطلع السبعينات، خاصة تلك الصورة التي أعقبت نكسة أو نكبة 1967 وما حل بفلسطينيي المخيمات من مصائب وكوارث. ولم يكتف أبو شاور بتلك الفترة التاريخية، بل أراد في الرواية أن يؤكد أيضا على التاريخ العريق للفلسطينيين في أرض آبائهم وأجدادهم..يذكر أن الطبعة الأولى للرواية كانت في العام 1977.جميع شخوص الرواية عشاق كل بخصوصيته وحالته, تتناول الرواية سيرهم وحياتهم بين «مخيم النويعمة» و«مخيم عين السلطان» حول أريحا، والسجن أيضاً.. هؤلاء أبناء مخيمات وأصحاب قضية وبالدرجة الأولى هم أناس لهم إنسانيتهم يحبون ويعشقون ويفرحون ويحزنون أيضاً.. مثلا في الرواية شخصية محمود المدرس الذي يحب ندى المدرسة في تعليمية المخيم، يقابله أخوه العاشق للعود والغناء لفلسطين، وحسن المقاتل، ومناط الذي أحبّ جارته زينب... وغيرها من الشخصيات في الرواية الذين في النهاية هم عشاق، عشاق الأرض فلسطين... هناك صراع في الرواية قائم على خلق التناقضات والأزواج وما أسهم في كسر النمطية والخروج عن وحدة الإيقاع: مثلا (أريحا, نابلس - مخيم النويعمة, مخيم بلاطة- محمود, زينب - أم حسن, الحاجة راضية- حسن, ناصر). وهي كلها تجسد شخصيات المقاومة وفي المقابل هناك شخصيات رمزية أقرب إلى الذاتية تجسد الضعف والكسل والمراوحة في المكان.
من الرواية
« تطلّع إلى النجوم في الليل الرمادي الشاحب, كانت كثيرة, فضية, باردة الضوء. سمع دوي طائرة, دويا ثقيلاً, نهض وسار حتى بلغ البوابة, تطلّع صوب جبل التجربة, فرأى ضوءاً أصفر, يشتعل وراء الجبل.»