تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب في نقد ما بعد الحداثة (2). فوكو والجنون الغربي
مجاني

في نقد ما بعد الحداثة (2). فوكو والجنون الغربي

3.9(٤ تقييم)٩ قارئ
عدد الصفحات
١٦٨
سنة النشر
2010
ISBN
9789938802030
المطالعات
١٬٥٢٣

عن الكتاب

هذا الكتاب ثورة على التفكّر في الطريقة المتساهلة التي تقبل بها بعض المفكرين العرب أطروحات فوكو، و تزكيتهم لها دون أن يختلجهم الشكّ يوما ما في أنّها تفتح الباب أمام كلّ أصناف العدمية و اللاعقل. الملفت للنظر هو أن "ميشال فوكو" لم يتحدّث طوال حياته إلّا عن الغرب (من موقف فرنسي): عقل غربي، جنون غربي، أركيولوجيا غربية، تنوير غربي ،أنثربولوجيا غربية. لقد استحوذ على مقولاته ضمير النّحن، في جميع معانيه و صيغه الإقصائية. تاريخ الأفكار الذي اهتمّ به فوكو هو تاريخ متموقع في زمان مخصوص و في ركن محدّد من خارطة العالم: أعني أفكار الغرب و بالتحديد أوروبّا. ليس هناك في كتابات فوكو و لو إشارة واحدة صريحة تدلّ على أن تحاليله تمتدّ خارج رقعتها الجغرافية. و لا وجود لكتاب واحد يتطرّق فيه لإشكاليات تهمّ الإنسانية جمعاء، أو تتجاوز نطاق حدودها الزمنية و الجغرافية. ليس هناك كتاب واحد، لأنه لو أقدم على عمل كهذا لنقض نفسه بنفسه و لتخلّى نهائيا عن مقولة المثقف الخصوصي التي هي أتعس ما خلّفه لأتباعه. المرّة الوحيدة الّتي خرج فيها فوكو من جلدته الغربية و حاول التطرق إلى مشاكل عالمية راهنة، قام بها كصحفي، لا كفيلسوف. و أقصد بالتحديد تغطيته لأحداث الثورة الإيرانية. و النتيجة هي أنه أخطأ التقييم. و مع ذلك فإن فوكو بالنسبة إلى كثير من المثقفين العرب هو مفكر من طينة أخرى، فهو الوحيد الذي استمع إلى صوت المكبوتين و المهمّشين. لقد استوعب ميشال فوكو حسب رأيهم الدرس النيتشوي و فجّر مكبوتات الخطاب الفلسفي فأصبح يستمع إى لوغوس المكبوتين و الجنون و المتهتّكين و المجانين و لوغوس الجنس.

عن المؤلف

محمد المزوغي
محمد المزوغي

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا. أستاذ الفلسفة بالمعهد العالي للدراسات العربية و الإسلامية.روما. من مؤلفاته: 1/ "نيتشه، هايدغر،فوكو،تفكيك و نقد". دار المعرفة للنشر، تونس 2004. 2/ "الإيمان و العقل في الإسل

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (١)

Mohamed Mzoughi
Mohamed Mzoughi
١٨‏/١١‏/٢٠١٤
[rtl]في نقد ما بعد الحداثة (2). فوكو والجنون الغربي[/rtl] [rtl] [/rtl] [rtl] [/rtl] [rtl]يبدو أن هذا العنوان ناشز بعض الشيء، لأن فيه إسنادا لظاهرة إنسانية عامة إلى جهة جغرافية مخصوصة. ولكن المطّلع على تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوكو، سيتفطّن بمفرده أن صاحبها تطرّق إليها كما لو أنها ظاهرة أوروبية غربية بحت.[/rtl] [rtl]هذه واحدة من الاعتراضات التي قدمها محمد المزوغي ضد فوكو في كتابه "نقد ما بعد الحداثة (2). فوكو والجنون الغربي" والذي يتمحور في جزء كبير منه على مناقشة هذا الكتاب. المزوغي ينبّه القارئ العربي أنه لا ينبغي عليه أن يستاء أو ينزعج من نقد فوكو، لأن فوكو مثله كمثل المفكرين الآخرين، لا يعلو على النقد والتمحيص. وأعظم تبجيل لمفكّر ما، في رأي المزوغي، هو نقد أفكاره، لأنه لو لم يترك أثرا في عصرنا الحالي لما لفت انتباهنا ولما اعتنينا به. إن النقد يصبح ضروريا وذا مشروعية ملحّة حينما ندرك، بعد الغوص في أعماله، الجوانب السلبية التي، إن تساهل معها الناقد، بإمكانها أن تُرسّخ عادة سيّئة خصوصا عند بعض المفكرين في العالم العربي الذين انساقوا وراء خطابته الأدبية. لقد ابتدأ المزوغي بعرض آراء المزكين لفوكو مثل إدوارد سعيد وجيل دولوز، حيث أن هذا الأخير أعلن بأن فوكو هو فيلسوف عظيم وهو أيضا مدهش في مجال الأسلوب. فقد فصّل المعرفة والسلطة على نحو مختلف ووجد بينهما علاقات خاصة. واكتسبت الفلسفة معه معنى جديدا. لكن هناك آراء في الطرف النقيض منها، وقد عرضها محمد المزوغي، ربما لكي تكتمل الصورة ولا يؤخذ أو يُروَّج فقط لرأي واحد ونهائي. أحد المفكرين الإيطاليين أبدى رأيا سلبيا حيث قال إن تحليلات فوكو تبدو وكأنها مسكونة بتوتر عدمي، باللذة في التضليل الفكري، بالنزعة لقلب كل القيم. آلان ميجيل، هايدن وايت وكريستوفير نوريس هم أيضا اتخذوا مواقف ناقدة جدّا لفوكو. الأول أعتبر كتابات فوكو مثيرة للإزعاج، أعماله التأريخية تتخللها نظرة متأزمة للواقع. فهو يعمل بنشاط لزرع فكرة الأزمة ويبدو أن له رغبة واضحة في ترك العالم الموجود خرابا. إنه يرى نفسه كناقد وأنطولوجي، لكن أنطولوجيته، حسب ميجيل، هي أنطولوجية لغته الخاصة به. فوكو، لا يرى في النقد مشروعا يهدف إلى قيادتنا نحو ملاذ الفهم، وإنما حصرنا في داخل الأزمة. في هذا الموقف « ثمة غبطة مرضية (morbid glee)». إنه يُوري، كما وصفه أحد المؤوّلين، عن تلك النظرة  الخبيثة (böse Blick) للأشياء. هدفه هو تحويل الحاضر إلى ماض، كما قال ناقد آخر. وهذا الموقف يُفهَم في كامل قوّته فقط إذا أدركنا  نقطته الحادة، أي حسب رأي ميجيل، كل راهن، في جميع جوانبه، مدعوّ للحكم عليه وإدانته: الراهن بما هو كذلك موضوع الهجوم. كل شيء هو قابل للتحطيم  أو يجب تحطيمه:« مع مفكّر من هذا القبيل، فإنه ليس من المستغرب   أن من بين الأشياء التي حطّمها قواعدَه ذاتها، التي بانتظام (أو بلا انتظام) يُعيد صياغتها ثم تحطيمها من جديد». تعامله مع النصوص، محبط، فهو على الدوام، كما يرى ميجيل، يُسيئ استعمالها وتأويلها، بما في ذلك نصوص الكُتّاب الذين يشاطرونه، في جانب كبير، منظوره الخاص.[/rtl] [rtl]إن سلطة خطاب فوكو متأتية، حسب ميجيل، من واقع أن خطابه غير مفهوم ـ مع كل ظاهر همومه بتغيير الحاضر، فإن مضمون هذا التغيير يبقى غامضا. وعلى أساس هذا الغموض فإن نصوصه متعددة بتعدد القرّاء، جذّابة لكل من يستشعر عيوبا في النظام القائم.[/rtl] [rtl]أما نقد فوكو للذاتية أو الأنا الكانطي واعتباره مجرّد تلفيق لغوي أو فاصل مؤقت في نظام الخطاب اختفى من المشهد بقدوم نسق جنيولوجي أو مابعد إنسانوي، فهو، حسب نوريس لا يملك تلك الثورية التي عزاها إليه إدوارد سعيد وأتباعه. فعملية هدم الذات الكانطية، بدت للفيلسوف الإنجليزي، ليست أكثر « من مجرّد جزء من البلاغة السائدة في أواخر الستينات التي كانت تتعامل مع خليط مركّب من اللاعقلانية النيتشوية الهايدغارية، علاوة على تأثير الانعطافة اللغوية المتبجحة (ما بعد البنيوية) التي طالت مشارب متعددة من الفكر.[/rtl] [rtl]هايدن وايت أصرّ في غير موضع على رأيه من أن نثر فوكو هو نثر غير ملائم للتفكير العلمي، لا بل إن وراءه خلفية إيديولوجية تتلخص في سد الباب أمام أي نقد يُوجه لأعماله. « الطبيعة الشائكة لأسلوب فوكو لها دوافع أيديولوجية أيضا. فجُمَله لا تنتهي، وجُمَله الاعتراضية، وتكراراته، وما يَنحته من كلمات، ومفارقات، وجمعه للمختلفات، ومناوبته بين المقاطع التحليلية وتلك التي تتخللها الروح الغنائية، ومزجه للمصطلحات العلمية والأسطورية ـ كل هذه الأمور يبدو أنه قَصَدَ منها حجب خطابه عن أي تناول نقدي يقوم على مبادئ إيديولوجية تختلف عن مبادئه.[/rtl] [rtl]بعد استعراض هذه الآراء النقيضة، يرى محمد المزوغي أن هناك اختلاطا بين تجارب فوكو الشخصية وبين اهتماماته النظرية. حيث يقول إن ميشال فوكو يدفعنا، بل يُحرّضنا على قراءة قسطٍ كبير من أعماله على أنها نابعة من صُلب تجاربه الشخصية. ولقد اعترف في آخر حياته بأنه ينتمي إلى ذاك الصنف من المفكرين الذين تختلط أفكارهم بتصرفاتهم، أو بالأحرى فإن كتاباته وبحوثه النظريّة هي انعكاس لما عاشه وجرّبه في حياته الشخصية. ويعتبر المزوغي أن هذا الاعتراف مُحيّر للغاية ومُربك إلى حدّ بعيد لأنه ليس فَلتة من فلتاته المعتادة، بل قناعة راسخة عنده. ويستشهد المزوغي لتدعيم رأيه هذا بما صرح به فوكو في بعض حواراته. الأطروحة الثابتة، التي يستخلصها الكاتب، هي أن فوكو يفتقد للمنهج، بل إنه ضد فكرة المنهج ذاتها، وهذا بصريح اعترافاته: « أنا لا أبني منهجا عاما، صالحا نهائيا لي وللآخرين. ما أكتبه لا يفرض شيئا، لا علَيّ ولا على الآخرين. في أقصى الحالات، هو ذو طبيعة أداتيّة وحالمة. ومن هنا تأتي، حسب المزوغي نشاز موقف فوكو والمصاعب التي جابهها نُقاد ومفسّرون وشرّاح لمحاولة تنسيق أفكاره أو إضفائه مكانة محدّدة في مجال الفكر الفلسفي المعاصر. لكن ربّما هذا الاعتراض لا يمس فوكو عن قرب لأنه يصرّح عديد المرات بأنه ليس بفيلسوف ويقول «ما أفعله ليس هو بِضربٍ من ضروب التفلسف، ولا هو بالاقتراح على الآخرين أن لا يمارسوها». إضافة إلى ذلك فإن فوكو، حسب رأي المزوغي، يُفضّل أن يوصف بأنه صانع متفجرات على أن يكون فيلسوفا، لقد رفض الرّجل هذه التسمية عديد المرات وقال بأنه مجرّد صُحفي (Je suis un journaliste) أو أشياء من هذا القبيل.[/rtl] [rtl]ويعرّج المزوغي، في نفس هذا الإطار، على انقلابات فوكو النظرية وتحولاته المستمرة واستخدامه في بعض الأحيان تقنية التورية والقناع. إلاّ أن المزوغي ينقد هذه المنهجية، إن صح التعبير، ويرى أن التحولات المشروعة من الجانب السيكولوجي والأقنعة المغطّية للشخصية، التي في غالب الأحيان لا يمكن تفاديها أو التملّص منها، تفقد من مشروعيتها حينما تمسّ مجال الفكر النظري. فعدم الالتزام بالمبادئ وتَغييرها بحسب الأهواء، ثم الانقلابات المفاجئة لا تُسمّى قناعا  بل تناقضا، وهو أمر مكروه وسلبي في ميدان العلم والفلسفة. القناع الشخصي إذا اجتاح ميدان التنظير البحت وأصبح قاعدة ثابتة ومنهجا مستقرّا، فسَيَفقِد مِن براءته الأوّليّة لأنه يؤدّي إلى عدم المصداقية الفكرية بالإضافة إلى أنه يكشف، في بعض مناحيه، عن تساهل لا تسمح به جدّية العلم، أو حتى عن ازدراء بالقارئ مُخلّ بأخلاقيات التواصل العلمي. ويضيف المزوغي معلّقا على نص فوكو من كتاب "حفريات المعرفة" بأنه لا يُمكن أن يتباهى أحدنا بانقلاباته النظرية وبتناقضاته المستمرّة وبتعنّته على الخضوع لمبدأ موجّه في بحوثه، لأنها مواقف فكرية مناهضة لفضيلة رجل العلم، بما هو كذلك، ولا يمكن، على أي حال، أن تكون مثالا يُحتذى به في الفلسفة. أجل، قد يَتَطوّر الرّأي وقد تُصقل النظرية أو تُطَعّم بمفاهيم جديدة، ولكن لا تُلغَى أو تُفسَخ هكذا ببساطة دون علّة كافية ودون شروح وبراهين مقنعة. إن الفيلسوف لا يفكّر ولا يكتب لنفسه، فغايته تواصليّة، علمية تنويرية. وإذا كان التناقض الذاتي مسموحا به في قرارة النفس فإنه يَغدو تَعَسّفا وسخرية إذا أُلقِي لِجُمهور الناس: الانسجام المنطقي والترابط المفهومي والمنهجية المحدّدة المعالم، هي أمانة الفيلسوف لقرّائه ولروح الفلسفة ذاتها.[/rtl] [rtl]ثم يتعمّق المزوغي في تفاصيل كتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" آتيا تقريبا على جميع فصوله بالعرض ثم النقد. اعتراضه المبدئي يكمن في مشروعية التحقيب، حيث يرى المزوغي أن حصر المجال النظري في حقبة ضيّقة، هو من وجهة نظر فلسفية، أمر مُحرج للغاية، لأن الفلسفة وأي مبحث فلسفي جدّي يطمح نحو الشمولية، ويجعل من غايته البحث عن البُنى العامة وعن المبادئ العقلية والقيم المشتركة بين كلّ الناس. كي يكون الخطاب الفلسفي خطابا معقولا ومقبولا من مختلف الثقافات والحضارات، فمن الواجب أن يُقلع عن قوميته ويَنزع عنه غلافه الشخصي، ويخاطب جميع الناس بمختلف ثقافاتهم وتوجهاتهم الفكرية. الخطاب الفلسفي لا يكتفي بالتنظير لحقبة تاريخية محدّدة  دون سواها، أو لمجموعة بشرية دون أخرى بل يجب أن يُسحَب على كلّ الأزمان، ويشمل كلّ البشرية. [/rtl] [rtl]لقد صبّ المزوغي نقده على أسلوب فوكو حيث يرى أن نصّه مشحون بالتداعيات الأدبية، ولا ندري هل أن ما يكتبه هو مجرّد سرد قصصي أم نقد أدبي أم صحافة. ولتدعيم انطباعه هذا فهو يستشهد بالناقد هايدن وايت الذي شعر هو نفسه بشيء من الامتعاض أمام أسلوب فوكو، واعتبر خطابه « قلبا لكلّ ما قد يوصف بأنه عادي أو لائق». هو في ظاهره تاريخ أو فلسفة أو نقد، ولكنه «يشكل في الواقع نقيضا ساخرا لهذه الأنواع من الخطاب. بل إنه يتخذ لنفسه مرتبة أعلى من مرتبة أبطال فوكو نفسه لأن خطاب فوكو عن أنواع الخطاب يستهدف الوصول إلى تحطيم الخطاب نفسه». [/rtl] [rtl]ولإعطاء تفسير لهذه الظاهرة المحيرة فإن المزوغي أورد أقوال المفكّر خوزي مركيور (J. Merquior) الذي اصطدم هو أيضا بهذه الأساليب الأدبية الخطابية في كتابات فوكو، لكنه أسندها إلى ميزة سائدة في الإنتاج الفلسفي الفرنسي لها جذور تاريخية محددة. الفلسفة الأدبية، بعد استنفاد التيار الوجودي طاقته الحيوية، أخذت تمرّ بمرحلة أزمة داخلية ووجدت نفسها في مفترق طرق على أصحابها الاختيار: إما التحوّل إلى التحليلية على الشكل الأنجلوسكسوني، أو ابتداع استراتيجية جديدة للبقاء. الفلاسفة الشبان اللامعون اختاروا النهج الثاني: فعوضا عن جعل الفلسفة أكثر صرامة وأكاديمية، فضّلوا تطعيمها بمواد العلوم الإنسانية (اللسانيات، الأنثربولوجيا البنيوية، الدراسات التاريخية لمدرسة الحوليات، التحليل النفسي، علاوة على الأدب والفن الطلائعي). بعملية ضمّ محتويات جديدة مستعارة من حقول معرفية أخرى، نجحت الفلسفة ـ الأدبية في كسب حيوية داخلية. فوكو إذن ينتمي إلى هذا التراث الفلسفي ـ الأدبي المتألق، أكثر منه إلى تراث الصرامة التنظيرية.[/rtl] [rtl]أما من ناحية المحتوى فإن المزوغي، بعد عرضه للتغيرات التي لحقت بالتصوّر الغربي للجنون كما سردها فوكو، فهو يوجّه سهام نقده إلى التصوّر التراجعي للتاريخ. يقول بأن التاريخ كما يرويه فوكو من خلال ظاهرة الجنون ليس فيه تقدّم البتة، بل يَسير تراجعيّا من حسن "نسبيا" إلى سيّئ على الإطلاق. ويرى أن تحليلات فوكو لا تخلو من التقييمات والادانات، ذلك على الرغم من تطميناته بأنه يستعرض الأحداث بموضوعية. لكن المزوغي يكشف على أن الكتاب يَعجّ أحكاما قيمية، بل يزخر استنكارا وإدانة، وذلك لأن فوكو، حسب رأيه، لديه إطار مرجعي "قيمي" أوَّلَ من خلاله التاريخ والأحداث، بحيث غدت العصور الحديثة، التي يتباهى بها التنويريون، مجرّد حلقة في سلسلة من التهميشات والاقصاءات. الحداثة الغربية، بكل ترساناتها العلمية، لم تُحرّر المجنون بل زادت في نَكَده وتهميشه. وعقل التنوير والمادية والإلحاد الذي يُمثل أعظم كسب لأوروبا في ميدان التحرّر الديني الاجتماعي هو أيضا قَهر للجنون.[/rtl] [rtl]دفاعا عن التنوير هو فصل خصّصه المزوغي لنقض المسار التقهقري الذي صوره فوكو للعلاج الطبي، ومعارضة طريقته في التعريج على التاريخ كما لو أنه حركة تراجعيّة خالية من أي نوع من التقدّم، بل وَمضات متقطّعة اللاحقة منها أبشع من السابقة. لقد قام المزوغي بجرد للمكتسبات التنويرية في القرن الثامن وبداية القرن التاسع عشر، خارج النطاق الضيّق الذي حصر فيه فكر التنوير والمادية. ومن خلال هذا التموقع الشامل فإن المزوغي يكتشف أفقا رحبا من التقدّم الأخلاقي الذي يهمّ الإنسانية عامة، وخصوصا منها الإنسانية المقهورة، أعني العبيد وسود إفريقيا. الوثائق التاريخية والأدبيات الفلسفية المساوقة لها تثبتُ بما فيه الكفاية، حسب المزوغي، أن القرن الثامن عشر شهد في فرنسا ثورة فكرية إنسانوية ذات صدى بعيد. ويبدو، في رأيه، أنّ نزعة الرفق بالإنسان (philanthropie)، مهما كان هذا الإنسان، ومن أي جهة أتى، التي تسربّت إلى أذهان المفكرين الشبان في نهاية القرن الثامن عشر، كانت نابعة من تأثيرات فولتير نفسه؛ أي مِن فولتير المدافع عن المضطَهَدين، والحَامي للأبرياء المَتهُومين ظلما. لقد سرّب في الجيل الذي جاء بعده بقليل هذه الروح المدنية الأخلاقية، التي في الأخير تُرجمت إلى التزامات سياسية عينيّة. [/rtl] [rtl]لكن حسب المزوغي هذه الأمور غائبة عن ذهنية فوكو، وذلك، حسب رأيه، لأنه منشغل بإدانة التنوير والعقلانية، وبانتقاء الجُمل والفقرات من بعض أعلام التنوير، لتدعيم إداناته. ويذهب المزوغي، إلى أنهم لم يكونوا مجحفين، أولئك الذين رأوا في عمل فوكو، منافحة عن الجنون في ذاته، وأن تعريجه على الرجال والأحداث ليس إلاّ محاولة انتقاء مدروسة، لكي يُسيّر كل شيء حسب مخطّطه المسبق. هذا الموقع الذي وضع فيه نفسه، جعل فوكو، حسب المزوغي، يتغاضى عن كل الإسهامات الجديدة التي قدمها رجال التنوير في سبيل تحرير الإنسان من العبودية، وهي إشكالية تمس الإنسانية جمعاء في ذاك العصر، كما بيّن المزوغي من خلال التزامات كوندورسيه التي ترجع في مثالها إلى فولتير، نموذج المثقف الكوني.[/rtl] [rtl]لقد كشف المزوغي، في ثنايا كتابه، عن الاختراق الهايدغاري لأعمال فوكو، حتي التاريخية منها وذلك من خلال العديد من الأفكار والمصطلحات الثابتة في قاموس الفيلسوف الألماني، مثل اللاوجود؛ الظلمة/النور؛ اللاحقيقة؛ القدر...إلخ، ولكنها، حسب المزوغي، مُوَظّفة في مواضع غير مواضعها أو تبدو، في العديد من الأحيان، مُسقطة من السماء. وفي تقييم لهذا الاختراق وآثاره يقول المزوغي « أنا أعتبر الأسلوب والمنهج والأهداف خارجة عن نطاق البحث الفلسفي الجدي، فهذه التقنية قد تكون، على الأكثر، دليلا على خيال خصب ومهارة في التركيب، لكنها تُضَحِّي بروح الفكر الفلسفي، هذا إن لم تُجهز عليه بالكامل. لكن علينا أن نسجّل لفوكو، يضيف المزوغي، مقدرته الرائعة في تطويع أحداث تاريخية ووثائق طبيّة لأغراض غير مُعلن عنها، أغراض نيتشوية هايدغارية، معادية للعقلانية والتنوير. وهذه الأغراض لا يمكن التفطّن إليها بسهولة أو حدسها من أوّل وهلة، فهي تطفو على السطح باحتشام، حيث يُسرّبها صاحبها على شكل قَطَرات، ثم تختفي لكي تعود مرة أخرى، وذلك في العديد من صفحات كتبه. هذه الملاحظة، يواصل المزوغي، لا بدّ من البوح بها لأن تقنية فوكو في التورية تضغط نفسيا على القارئ وتؤرّقه، أما أسلوبه في تسريب ما هو غير معلن عنه فإنه قد يستثير حساسية القارئ ويُدخل في ذهنه نوعا من البلبلة: القاعدة النظرية غير المعلن عنها والتي سيّرت تقريبا جميع تحليلاته هي الهايدغارية. وهذه قناعة راسخة عند المزوغي وحشد لها كما من النصوص للبرهنة عليها، ولذلك فهو لا يتوانى من القول بأن الهايدغارية «عبثت بعقل فوكو ودمّرت حسّه الفلسفي، وذلك بانتشارها المكثف في دقائق عديدة من أعماله واكتساحها مجمل تحليلاته التي تبدو غريبة جدا عن مجال تفكير الفيلسوف الألماني هايدغر. فعلا، ما دخل المسائل الطبية بهايدغر؟ كيف يمكن الوصل بين تاريخ الطب ومقولات "الوجود والزمان"؟ مرّة أخرى نشهد لفوكو ببراعته في وصل ما لا يمكن وصله، في لمّ الشتات وجمع المتناقضات والمصالحة بينها. [/rtl] [rtl]ولتدعيم رأيه هذا يضيف المزوغي مثالا معبّرا من خلال أحدى الأعمال التي تبدو في ظاهرها بعيدة عن هموم الهايدغارية وأسلوبها. في "مولد العيادة" ومنذ الكلمات الأولى يُعلن فوكو عن مشروعٍ تاريخي لَبِنَاتُه الأساسية مُصاغة من مفاهيم هايدغارية بحت: "المكان، اللغة والموت". عبارات هايدغارية من قبيل "إقامة الحقيقة في النواة المظلمة للأشياء"؛ "غياب فلسفة أولى"؛ عالم "القدر"؛ "لغة أصيلة"؛ "قرار الكلمة". كل هذا جاء في مشروع معلن عنه بنوع من الزهو والأبّهة على أنه مبحث تاريخي وفي الآن نفسه نقدي، لتحديد شروط إمكان التجربة الطبية كما عرفها العصر الحديث. لكن في حقيقة الأمر، حسب ما يقوله المزوغي، ما يُهيمِن على هذا العمل هو شيء آخر: إنه استعراض لأغراض فلسفية وإسقاطها على مجال الطب وتاريخه. فعلا، إذا سلخنا من كتابه المعطيات الطبية التاريخية، فإننا سنحصل على مُركَّز من الهايدغارية، بل في العديد من الفقرات تختلط الأفكار الهايدغارية بالمعطيات التاريخية ولا ندري مَن يتكلم، أهو التاريخ أم هايدغر: « المرض يُنظر إليه أساسا في فضاءِ انعكاسٍ بلا قرار، وفي تلاقٍ دون تحوّل. لا يوجد إلاّ مستوى واحد ولحظة واحدة. الشكل الذي تتبدى فيه أصليا الحقيقة، هو السطح حيث يتمظهر النتوء ويضمحل في نفس الوقت». أما الخاتمة، في رأي المزوغي، هي الموضِع الذي تتمظهر فيه بجلاء مقولات هايدغر الشهيرة: مِن "الموت" إلى "النهائية"، مرورا بالتقنية، وصولا إلى شعر هولدرلن وريلكه، وختامها "غياب الآلهة". ما دخل غياب الآلهة بموضوع نشأة العيادة الطبية؟ ما الآلهة؟ وما مَحلّها من الإعراب؟». هكذا يتساءل المزوغي.[/rtl] [rtl]ثم من جهة أخرى يستعرض المزوغي تباعا كمّا هائلا من الانتقادات من طرف الاختصاصين، على تاريخ فوكو، وخصوصا تلك الحقبة التي سماها بالعصر الكلاسيكي. ولا ينكر المزوغي التزكية التي وردت على فوكو من بعض مؤخي مدرسة الحوليات من قبيل ماندرو، بروديل، أو بول فاين (Veyne) الذي عنون أحدى مقالاته "فوكو يُثوّر التاريخ". حيث رأى أن فوكو هو "مؤرخ مكتمل" إضافة إلى أنه أوّل مؤرخ وضعي (positiviste) بحق، نظرا إلى تخلّصه من الفكرة الميتافيزيقية بوجود موضوعات تاريخية مستقلة عن المعاني الاجتماعية. لكن هذا لم يمنع صنفا آخرا من أصحاب الاختصاص، كما يقول المزوغي، من تسديد انتقادات حادة لأطروحات فوكو وتحليلاته التاريخية جملة وتفصيلا. فالمؤرخ إيريك ميدلفورت رأى أن عمل فوكو يحطّم مجهودات الباحثين الجدّيين، ويُخرج منهج البحث التاريخي عن أغراضه الصحيحة، ولذلك فهو لا يتوانى في عديد المناسبات من العودة إلى تاريخ الجنون والتركيز على الجوانب الخاطئة، المضللة فيه. يقول: « ما اكتشفناه بإلقائنا نظرة على "تاريخ الجنون" هو أن كثيرا من استدلالاته تسبح في وجه البداهة التاريخية وأن العديد من تعميماته الواسعة هي تبسيطات مفرطة. فعلا، ببحثه عن ماهية عصر ما، عن ابستيميته، فوكو يبدو بكل بساطة مدفوعا بنزوة لتقريرات اعتباطية وذكية غالبا  ما يتساءل المرء لماذا هذا القدر الكبير من الاهتمام والثناء لا يزال يلاقي طريقه.[/rtl] [rtl]نقطة أخرى شدّت انتباه المزوغي ألا وهي فكرة موت الإنسان وانعكاساتها على أشكال التحرّر المرغوبة وخصوصا تلك التي تقدمها المنظومة الماركسية. يرى المزوغي أن فوكو لديه تحفظات جمة على فكرة التحرر الفعلي للإنسان بما هو إنسان، حيث أنه يسمي كل خطاب حول الإنسان بأنه "سبات أنتروبولوجي"، وقد دام هذا السبات لمدة طويلة حتى جاء نيتشه واقتلعه. حينما يتحدث عن نهاية الأزمان في "الكلمات والأشياء" فهو يبغي ضرب "طوباوية الأفكار السيئة" التي كان قد نسبها إلى ماركس، أي فكرة أن الماهية الثابتة، ولكنها مضطهدة للإنسان، ستنال تحررها في مستقبل غير بعيد. فوكو، حسب المزوغي، لا يؤمن بهذا التحرر المستقبلي عن طريق نقض علاقات الإنتاج، بل هو على الشكل النيتشوي ينزع إلى إنسان أعلى من خلال دورة أبدية، أي من خلال أسطورة. فالتغنّي بأوهام التهديم النيتشوي والتلذذ بالتبشير بنهاية حقبة الإنسان الحالي وقدوم إنسان أعلى هي، في رأي المزوغي، أمور محيرة وتفرض تحليلات جدية وغوص في مجمل أبعادها الإبستيمولوجية والأخلاقية. ولكنه أمر خارق للعادة، أن نرى أمام أعيننا كيف تُعلن استيهامات نيتشه على شكل تبشير ديني دون أي لفتة نقدية. [/rtl] [rtl]في الفصل الأخير يقوم المزوغي بتعرية الاستتباعات الخطيرة لفكرة المثقف الخصوصي (نقيض المفكر الكوني)، ولمفهوم جهوية الحقيقة، وهي من وجهة نظره أشياء كارثية بل أسوأ إرث تركه لأتباعه. فالصورة التي أعطاها فوكو للمثقف الكوني، بدت للمزوغي أنها مفتعلة، خيالية مشوهة، وذلك اعتقادا منه بأنه تاريخيا لا أحد من المثقفين وصلت به العجرفة إلى حدّ ادعاء التكلم باسم الحقيقة أو أنه هو الحقيقة. فوكو، حسب رأيه، يرمي إلى ضرب فكرة التنوير ذاتها، بتعلّة ضرب المثقفين الكونيين الذين هم في نهاية المطاف كاريكاتور المثقف.[/rtl] [rtl]وبمقارنة فوكو بشومسكي فإن المزوغي، موافقا في ذلك، نوريس يرى أن لعبة الحقيقة، وارتباطها العضوي فقط بعلاقات القوة، هي من الخطورة بحيث إنه متعذر على أي مواطن يعيش في بلد ديمقراطي أن يطمح إلى معلومات صحيحة، وأن يطالب بحقه في امتلاك هامش حقيقي للخيار السياسي حتى وإن تعارض مع الخطاب السلطوي السائد. هذا الأمر غير ممكن عند فوكو لأن التمييز بين الحقيقة والخطأ هو فكرة قديمة وساذجة؛ ساذج أيضا الإعتقاد بامتلاك هامش للخيار السياسي الأخلاقي وامكانية مقاومة ضغوطات السلطة؛ مستحيل اتخاذ موقع خارج ألاعيب هيمنة السلطة للحكم عليها استنادا إلى مثال إنساني تنويري. النتائج العملية والسياسية لهذا الموقف، لا تنسف فقط من الجذور أي مشروعية للالتزام التحرري المباشر، بل إنها تقضي على مشروعية التزامات من نظر إليها، أعني التزامات فوكو السياسية والعملية.[/rtl] [rtl] [/rtl] [rtl] [/rtl] [rtl] [/rtl] [rtl]   [/rtl]