تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب خارج المكان
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

خارج المكان

3.8(٤ تقييم)١٠ قارئ
عدد الصفحات
٣٦٠
سنة النشر
2000
ISBN
0
المطالعات
٢٬٠٤٠

عن الكتاب

يُحيي هذا الكتاب عالماً يصعب تخيله من الشخصيات الفنية الجذابة. إنه نص غنائي وجميل الصنعة، يبلغ أحياناً درجات عالية من الصراحة بقدر ما هو، في الآن ذاته، حميم ومرح. ويكشف إدوارد سعيد فيه دقائق ماضيه الشخصي، ويستعرض لنا الأفراد الذين كوّنوا شخصيته ومكّنوه من أن ينتصر ليصبح واحداً من أبرز مثقفي عصرنا. وبعبارات أخرى... فإن الكتاب هو قصة استثنائية عن المنفى وسرد لارتحالات عديدة واحتفال بماضٍ لن يستعاد. عام 1991، تلقى إدوارد سعيد تشخيصاً طبياً مبرماً أقنعه بضرورة أن يُخَلّف سجلاً عن المكان الذي ولد وأمضى طفولته فيه. في هذه المذكرات، يعيد إدوارد سعيد اكتشاف المشهد العربي لسنواته الأولى: "أماكن عديدة زالت، وأشخاص عديدون لم يعودوا على قيد الحياة... باختصار، إنه عالم قد اندثر" فقد طرأت على ذلك المشهد تحولات عديدة إذ تحوّلت فلسطين إلى إسرائيل وانقلب لبنان رأساً على عقب بعد عشرين سنة من الحروب الأهلية، وزالت مصر الملك فاروق الكولونيالية إلى غير عودة عام 1952. وأخيراً وليس آخراً إن الجديد في "إدوارد سعيد" المركّب الذي يظهر من خلال هذه الصفحات، هو عربي أدّت ثقافته الغربية إلى توكيد أصوله العربية، وأن تلك الثقافة (كما يقول إدوارد في مقدمة الكتاب)، إذ تلقي الشك على الفكرة القائلة بالهوية الأحادية، تفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافات

عن المؤلف

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

إدوارد وديع سعيد (1 نوفمبر 1935 القدس - 25 سبتمبر 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٥)

ن
ناصر العقيلي
٢٦‏/١٢‏/٢٠٢٢
"خارج المكان" هي السيرة الذاتية لإدوارد سعيد، الناقد الأدبي والمفكر الفلسطيني-الأمريكي البارز. نُشرت هذه السيرة في عام 1999 وتقدم نظرة شخصية عميقة على حياة سعيد وتجربته كشخص يعيش بين ثقافات وعوالم مختلفة. تغطي السيرة طفولة سعيد وشبابه، حيث وُلد في القدس ونشأ في القاهرة وبيروت، قبل أن ينتقل للدراسة والعمل في الولايات المتحدة. تسرد السيرة تجاربه في المدارس الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط، وكيف شكلت هذه التجارب هويته ووعيه الثقافي والسياسي. يستكشف سعيد في "خارج المكان" موضوعات مثل الانتماء، الهوية، والنفي. يصف بصدق وعمق تجربته كفلسطيني يعيش في الغربة، وكمفكر يحاول جسر الفجوات بين الشرق والغرب. تُعتبر السيرة تأملاً في الحياة الشخصية والمهنية لسعيد، وتقدم رؤى حول مساهماته الفكرية، بما في ذلك نظريته حول الاستشراق. تُظهر السيرة كيف أثرت خلفيته الثقافية وتجاربه الشخصية على أعماله وأفكاره. "خارج المكان" هي سيرة ذاتية مؤثرة تعكس الصراعات والتحديات التي يواجهها الأفراد الذين يعيشون بين ثقافتين مختلفتين، وتُعد مساهمة هامة في الأدب السير الذاتية والفكر المعاصر.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٧‏/٨‏/٢٠١٥
ظل المنفى حاضرا، بقوة، في كتابات المفكر والناقد إدوارد سعيد، سواء كمسألة وجودية متعلقة بتحديد هوية الذات وتمزقاتها، عبر الأزمنة والأمكنة، أو كمسألة فكرية ارتبطت بنقده الثقافيa  ودراسته الما بعد كولونيالية، حيث كان يمزج بين المقاربات الفلسفية التأويلية والدراسات الأدبية المقارنة، لذا انشغل إدوارد سعيد بالأدب وبالفكر الكونيين وشيد إنجازاته الفكرية والنقدية على أساس النزعة الإنسانية، مازجا ومحددا تحت هذا الاسم بالذات «النزعة الإنسانية» بين انخراطه السياسي كمفكر نقدي داخل مجتمع ديمقراطي وبين مجموعة من الممارسات الثقافية. يرى إدوارد سعيد أن النزعة الإنسانية شأن يتعلق بالقراءة وبوجهة النظر وأنها تهتم، أيضا، بالطريقة التي تمارس بها الهويات المغايرة لتلك التي يحددها ارتباط قومي معين ويعتبر أن اشتغال القراءة هو تنفيذ عملي لهوية جديدة، مما يسمح لحقل البحث بالتوسع والتلاقح والتعددية، بعيدا عن مشاريع وإستراتيجيات الهيمنة الأحادية، لغويا وثقافيا. لم تحدد تيمة المنفى الوضع الاعتباري لإدوارد سعيد كمثقف يحمل الهوية الأمريكية والفلسطينية في آن وينتقل بين أمكنة وثقافات متنوعة، بل حددت، أيضا، منهجه المقارن في الدراسات الفكرية والأدبية، الذي جعله ذا نزعة كونية كوسموبوليتية صريحة. إن تجربة المنفى عنصر أوتوبيوغرافي حاسم بالنسبة إلى سعيد، الإنسان والمفكرن لذا ظل، دوما، «خارج المكان»، كما عنون سيرته الذاتية أو مذكراته التي أسرع في كتابتها، بعد أن داهمه مرض سرطان الدم، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يقوده إلى الموت سنة 3002، في منفاه، بعيدا عن القدس، التي شهدت ولادته سنة 5391. يجسد إدوارد سعيد، بالفعل، هوية خارج المكان. لقد كتب سيرته الذاتية تحت إلحاح المرض واستعجاله. تقوم السيرة الذاتية على الاشتغال الفعال للذاكرة، رغم لحظات الضعف والهوان والقلق، لأن الذاكرة، كما يقول سعيد في المقدمة، تعمل بشكل أحسن وأكثر حرية كلما كانت غير خاضعة لنظام أو نشاط مبرمج له سلفا. بعد الانتهاء من كتابة مخطوطه، قام إدوارد سعيد برحلة إلى القدس سنة 8991. هناك، طلبت منه السلطات الإسرائيلية، بشكل منهجي، بعد ما قرأت في جوازه الأمريكي أنه مولود في القدس، أن يخبرها بالتاريخ الدقيق الذي غادر فيه إسرائيل. أجاب بأنه ترك فلسطين سنة 7491، وهو يلح على الكلمة «فلسطين»، وحين سأله الموظف: «هل لديك عائلة هنا؟» أجاب بالنفى، ليندلع الحزن في أعماقه ويجتاحه إحساس عارم بالفقدان، لأن كل أفراد عائلته اضطروا، في ربيع 8491، لمغادرة المنطقة وأجبروا على العيش في المنفى. اشتغل المرض بالنسبة إلى إدوارد سعيد كذريعة وجودية لسرد حكايته وحكاية أسرته والانتقال عبر الأمكنة والهويات واللغات. إن الأهم بالنسبة إليه، ككاتب، هو الإحساس الدائم بمحاولة ترجمة تجاربه المعيشة ليس فقط داخل بيئة بعيدة، بل أيضا داخل لغة مختلفة. كل فرد يعيش حياته داخل لغة معطاة، حيث إن كل تجربته الوجودية تسكن ذاكرة هذه اللغة، لكن الجرح الأساس في حياة إدوارد سعيد هو ذاك الذي يفصل بين العربية، لغته الأم، والإنجليزية، لغة المدرسة، ثم من بعد ذلك، لغة التعبير، باعتباره أستاذا جامعيا وباحثا. إن محاولة الكتابة بلغة معينة، لسرد حكاية عيشت داخل لغة أخرى، تظل مهمة معقدة تنضاف إلى إشكالية اللغة، تلك المتعلقة بالجغرافيا، والتي اتخذت الشكل المتعدد، للذهاب ومغادرة مكان ما، والعودة ووداع الأقارب والأصدقاء والمنفى والإحساس بالحنين إلى الوطن والانتماء والسفر، الذي كان الشكل المحدد للخلفية التي انبنت عليها ذكريات الشباب عند إدوارد سعيد. يحتوي كل مكان من الأمكنة التي عاش فيها (القدس، القاهرة، لبنان والوليات المتحدة) شبكة كثيفة مركبة من القيم التي أثرت في تطوره الوجودي والثقافي وفي هويته وساهمت في تشكيل وعيه الشخصي ونظرته إلى الآخرين، لكن الهم الكامن خلف كتابة هذه السيرة الذاتية الملحة كان، دوما، ربط الجسور، في الزمان والمكان، بين حياته في الماضي وتلك التي يحياها في الحاضر وأن يكون نزيها، إلى حد أقصى، في التعامل مع ذكرياته وتجاربه وأحاسيسه الشخصية، مهما كانت فرادتها. «وحدي أنا المسؤول عما أتذكره وأراه، وليس الأشخاص والأفراد المرتبطون بالماضي، والذين لا يعرفون طبيعة تأثيرهم في»، يقول إدوارد سعيد. إنه نوع ما الميثاق الأوتوبيوغرافي، الذي التزم به تجاه نفسه أولا. أحيانا كثيرة، كان سعيد يشعر بأنه ليس في مكانه. وقد أمضى 05 سنة ليتعود على استعمال اسمه «إدوارد»، ذي الطبيعة الإنجليزية، بجوار اسمه العربي «سعيد». لكن السؤال الجارح الذي كان يحاصره، باستمرار، هو حين يتساءل مخاطبوه الغربيون، ملحين على التناقض الغريب بين الاسمين. عاش إدوارد سعيد التمزق الهوياتي على أصعدة متعددة: صعيد جرح الاسم الشخصي وصعيد التناقضات والصراعات اللغوية داخله وصعيد صراع الهويات. لم يعرف ما اللغة الأم الحقيقية بالنسبة إليه، هل هي العربية أم الإنجليزية؟ وظل يوظفها بشكل متداخل و»متداغل». كل لغة على حدة يمكن أن تعتبر لغته الأم، لكنْ لا واحدة من بينها تحتل هذا الوضع الاعتباري بالفعل. يقول إدوارد سعيد إنه ورث هذا التأرجح وانعدام التوازن اللغوي عن أمه، التي كانت تتكلم معه باللغتين معاً وتكتب له الرسائل، حين هاجر للدراسة في الولايات المتحدة، بالإنجليزية وحدها. يتصور الكاتب الهيبة الأمومية المطلقة التي سكنت كيانه منذ نعومة أظافره وكيف أنه، في لحظات افتقاده لها، يستعيد عذوبة أصداء ندائه لها: «يا مامَّا»، تماما كحلم مؤجل باستمرار. يذكّرني ذلك بحديث كافكا في مذكراته عن العنت الذي كان يلاقيه، وجدانيا، في النداء على أمه بكلمة Mutter (أم) بالألمانية، لأنه مغاير، كلية، للإحساس الذي يتخلق لديه حين يناديها باسمها اليهودي. ظل إدوارد سعيد، طيلة حياته، متشككا في هوياته المتعددة تلك، والتي كانت، دوما، في حالة صراع، فلا هو بالعربي فعلا ولا الأمريكي فعلا. لقد انضاف تناقض الأسماء إلى اختلاف الهويات ليفرز شخصية متميزة وكونية أبدعت إنجازات فكرية وثقافية متميزة خارج التحديات القومية أو الثقافية أو اللغوية أو الدينية، وحتى حين كان يحاول، جاهدا، خلق تواشجات بين هذه اللغات والهويات، فإن النتيجة غالبا ما تكون غير مكتملة. هنا، بالذات، يطرح الكاتب في إحدى صفحات سيرته الذاتية السؤال الفاجع: «هل بإمكان إدوارد أن يشعر يوما ما بأنه في مكانه؟»... لقد كان اكتشافُه سرطانَ الدم الذي اجتاح خلاياه بمثابة «سيف ديموقليس» المعلق فوق رقبته، ولم تعد الحياة بالنسبة إلى إدوارد سعيد أكثر من تمرين يومي للبقاء قيد الحياة، تماما كما عاشها جاك ديريدا في سنواته الأخيرة. صار الموت ذلك الموعد الحتمي، يقاس بالكلمات والأسطر والصفحات التي يعمل إدوارد سعيد، بأب، يوميا على ملئها، قبل أن تداهمه النهاية، ليترك نوعا من الشهادة الوجودية والثقافية الراقية على حياة كانت ابنة عصرها، بكوارثه ومآسيه وأفراحه، بنجاحاته وإخفاقاته، بتمزقاته الوجودية وامتلاءاته الفكرية. تبدو السيرة الذاتية «خارج المكان»، مسكونة بنفَس بروستي (من بروست) دالٍّ عبره يعاد التشييد الأركيولوجي لعقد اخمسينيات القرن الماضي، داخل الشرق الأوسط الما بعد كولونيالي، التي أعادت الهندسة الاستعمارية تشكيله، معلنة، بشكل ضمني، كل التمزقات الجيو سياسية التي طالت وما زالت تطال المنطقة الآن. إنها، أيضا، سيرة ذاتية سياسية، من حيث إن السياسة تتحقق، كذلك، كنمط وجود خاص بأفراد وجماعات بشرية وأقليات وطوائف دينية داخل المنقطة. لقد بنى إدوارد سعيد هويته الفلسطينية المنسية والضائعة، وجوديا وثقافيا وسياسيا، من مادة الهويات والثقافات واللغات التي اكتسحته وسكنته. لقد ألح إدوارد سعيد، في الكثير من كتاباته الفكرية، على أن التمثلات الثقافية غير قابلة للفصل عن ديناميات السلطة وعلى أنها مرتبطة، ارتباطا وثيقا، بمشاكل الهوية والدولة الوطنية. إنها الوظيفة السياسية للسرد الأدبي. بدأ إدوارد سعيد كتابة سيرته الذاتية «خارج المكان» سنة 4991، السنة نفسها التي بدأ فيها يتلقى العلاج الكيميائي. أراد الرحيل إلى بوسطن للسكن هناك، لكنه عاد إلى نيويورك وفهم بسرعة، كما يقول، أنه يبحث عن مكان ليموت فيه. لقد استوعب، شأن بطل مأساوي، أن الأمر يتعلق بالمرحلة الأخيرة من حياته. كانت كتابة السيرة الذاتية نوعا من الوضوح الفكري والنزاهة الثقافية إزاء نفسه أولا، لذا ارتبط الكتاب ارتباطا حميميا بإيقاعات ومراحل وتنويعات مرضه، وكلما أحس بالضعف، كلما كان الكتاب بالنسبة إليه وسيلة لبناء شيء نثري، بينما يصارع داخل جسده وكيانه القلق والألم والانهيار. لقد تنبه، أيضا، إلى المهتمين الأساسيتين اللتين تختزلان كل هذه التفاصيل، فالكتابة هي التحرك من كلمة إلى أخرى، ومجابهة المرض هي عبور مراحل صغرى تقود المرء إلى مراحل أخرى. «مع هذه المذكرات (هكذا يسمى إدوارد سعيد سيرته الذاتية)، تركت نفسي أنجرف مع سيرة العلاج والأيام التي أقضيها في المستشفى والألم الجسدي والقلق الأخلاقي اللذين يعلمانني كيف ومتى وكم من الوقت بقي وأين يمكنني أن أكتب». لقد اعتبر الروائي الإنجليزي، من أصل هندي، سلمان رشدي أن «خارج المكان» فعل فادح للاحتجاج والفهم وبورتري تربية عابرة للثقافات ومؤلمة، أحيانا، وسيرة مكتوبة بحيوية مدهشة ونزاهة لا تضاهى. لقد عاش إدوارد سعيد، دوما، خارج المكان وانسكن، حدَّ التماهي المطلق، بالثقافة الغربية وظل مسكونا، أيضا، بأطياف هويته الأصلية، ساردا في مناطق الهزات والقطائع والانفصالات. لقد منحه كتاب «خارج المكان»، كما يقول في أحد فصوله، جوابين رئيسيين على مرضه، واضعا إياه أمام تحدٍّ جديد، إذ لم يتعلق الأمر فقط بإيجاد وسيلة للبقاء في حالة اليقظة، بل أيضا بإنجاز عمل بعيد، ما أمكن ذلك، عن حياته السياسية والمهنية. إن سيرة إدوارد سعيد الذاتية تؤكد، مرة أخرى، الدرس الذي أكده الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، وهو أن المرض يظل، في نهاية المطاف، مجرد وجهة نظر حول الصحة والعكس صحيح..
رانيا منير
رانيا منير
٦‏/٦‏/٢٠١٤
خمس سنوات، هي فترة إنجاز هذا الكتاب الذي ترافق مع فترة مرضه وعلاجه من سرطان الدم: مراحل العلاج الكيماوي، الألم، نوبات الغيبوبة.. كلها مر بها إدوارد سعيد وهو يكتب سيرة حياته على سرير أبيض بين الصحو والموت.. فكانت الكتابة طوق النجاة الأخير الذي يحاول التمسك به: "كان جوابي الثابت على مشقّات مرضي المتزايد هو الإكثار من الاستذكارات ومحاولات إحياء نُتفٍ من حياةٍ عشتها أو استحضار بشرٍ غابوا. في عام 1992، ذهبت مع زوجتي وولدَيّ إلى فلسطين في أول زيارة لي منذ 45 سنة وكانت زيارتهم الأولى. وفي تموز 1993، زرت القاهرة بمفردي متقصداً، خلال تنفيذي إحدى المهمات الصحفية، أن أزور مطارحي القديمة. طوال تلك الفترة، كنتُ قيد مراقبة الدكتور راي، دون علاج، وهو يذكّرني بين حين وآخر بأني قد أحتاج إلى علاج كيمائي في وقت ما. وحين باشرتُ ذلك العلاج في آذار 1994، أدركت أني دخلت إن لم يكن المرحلة الختامية من حياتي، فعلى الأقل المرحلة التي لا عودة عنها إلى حياتي السابقة، مثلي مثل آدم وحواء عندما غادرا الجنة. وفي أيار 1994 بدأت العمل على هذا الكتاب.. هذه التفاصيل مهمة لأنها الوسيلة التي أفسر بها لنفسي وللقارئ مدى ارتباط زمن هذا الكتاب بزمن مرضي، بحقباته وطلعاته ونزلاته وتقلباته كافة. فمع تزايد ضعفي، وتكاثر الالتهابات وطفرات الآثار الجانبية للمرض، ازداد اتكالي على هذا الكتاب وسيلةً أبْتني بها لنفسي شيئاً ما بواسطة النثر، فيما أنا أعارك في حياتي الجسمانية والعاطفية هواجس التدهور وآلامه".. هي محاولة في آخر أيامه لتحديد هويته ولاستعادة كل تلك الأماكن التي عاش فيها وظل يشعر رغم انتماءه لأكثر من مكان أنه لا ينتمي لأي مكان وأنه خارج جميع تلك الأمكنة.. هل ينتمي للقدس الغربية التي غادرها نهائياً مع عائلته عندما كان عمره اثني عشر عاماً.. أم ينتمي للقاهرة التي عاش فيها مراهقته وشبابه ولازمه فيها الشعور بأنه كما يصف نفسه: "اللاعربي، والأميركي اللاميركي، وقارئ الإنكليزية ومتكلمها الذي يناضل ضد الإنكليز، أو بصفتي الابن الذي يُضرب ويدلّل في آن معاً".. أم ينتمي إلى أميركا التي يحمل جنسيتها ويكمل دراسته وحياته فيها ورغم ذلك نجده يقول: "وخلال القسم الأخير من دراستي في برنستون، اكتشفت أني كائن غير ناضج ومتردد ومتخبّط ومتعدد الشخصيات (أنا العربي وعازف الموسيقى والمثقف الشاب والهامشيّ المتوحد والطالب المجتهد والمشاغب سياسياً). هناك في أميركا عاش سنوات دراسته وحيداً بعيداً عن أمه محاولاً أن يجد لنفسه مكاناً يشعر بالانتماء إليه: "كنت أفتقد أمي، وإذا كل رسالة من رسائلها تعمِّق جرح الهجران والفراق الذي ينزّ في داخلي. أحياناً، أسحب حقيبة ضخمة من تحت السرير وأروح أقلب في ألبومات الصور أو الرسائل ثم أروح أبكي بصمت، لكني أذكّر نفسي فوراً بأقوال أبي: "افرحْ ، يا ولد، لا تكن مخنثاً. استقِمْ! شُدّ ظهرك إلى خلف، ظهرك، ظهرك". بين فلسطين ولبنان والقاهرة وأميركا، كان دائم التنقل ودائم البحث عن نفسه يصاحبه بشكل مستمر إحساس باللانتماء وبأنه "خارج المكان" والخوف من عدم العودة: "منذ ثلاثة عشر عاماًن كتبت في كتاب "وراء السماء الأخيرة"، أني عندما أسافر أصطحب معي دائماً كمية لا حاجة لي بها من الأمتعة. وحتى لو كانت رحلتي لا تتعدى وسط المدينة، فإنها تتطلب توضيب حقيبة يدوية محشوة بأغراض أكبر حجماً وأكثر عدداً مما يتطلبه زمن الرحلة الفعلي. وفي تحليلي لذلك، استنتجت أني مدفوع بخوف سري لا فكاك منه، هو خوفي من عدم العودة". كان والداه يمنعان أحاديث السياسة في المنزل وقلما يتحدثان عن فلسطين.. لكن وعيه السياسي بفلسطين تشكل عبر عمته التي كانت تكافح في القاهرة للتخفيف من معاناة اللاجئين الفلسطينيين الذين "فقدوا صحتهم بفقدهم وطنهم" فراحت تعمل على تأمين الطعام والدواء والسكن والعمل لهم قدر استطاعتها وبجهود فردية.. كان يشعر بالضعف والانهزام الدائم أمام شخصية والده القوية والمسيطرة، رجل الأعمال الذي حقق نجاحات كبيرة في القاهرة بكونه أول رجل أعمال يستورد أحدث قرطاسية وطابعات وأدوات مكتبية تدخل العالم العربي.. رسم إدوارد سعيد شخصية والده بأسلوب درامي شيق محبب رغم قسوته واستبداده.. أما والدته فقد كانت صديقة طفولته وأقرب إنسان لنفسه.. كانا يقرءان سوية، يستمعان للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن المفضلة لديهما.. يتبادلان الرسائل بشكل متواصل أثناء سفره.. رغم أنها لم تكن متساهلة أبداً في طموحها ومتطلباتها فيما يخص تربية ابنها إلا أن أجمل ذكرياته كانت مرتبطة بها وعن إحدى تلك اللحظات السعيدة التي لا تتكرر يحدثنا: "جلسنا أنا وأمي في مقدمة غرفة الاستقبال نقرأ في "هاملت" معاً، هي في كرسي كبير ذي ذراعين وأنا على متكأ إلى جانبها، وإلى يسارها نار خفيفة يتعالى دخانها في الموقدة. هي مثّلت دور جيرترود وأوفيليا، وأنا مثّلت أدوار هاملت وهوراشيو وكلاوديوس.. عقدنا أربع جلسات على الأقل، أو ربما خمساً أو ستاً، نتشارك في كتاب واحد، نقرأ محاولين اكتناه معاني المسرحية، متوحدين كلياً خلال أربعة أصائل بعد المدرسة، مستبعدين القاهرة وشقيقاتي وأبي استبعاداً تاماً.. كانت قراءة مسرحية "هاملت" بما هي تأكيد على مكانتي عندها – لا بما أنا كائن فاقد القيمة، كما كنت أرى إلى نفسي – واحداً من أروع أوقات طفولتي. كنا صوتين، واحدنا للآخر، روحين متحالفتين بسعادة من خلال اللغة.." "ظل يربط بيني وبينها عهدٌ مضمر يشجعني على الموسيقى والأدب والفن والاختبار، على الرغم من المهمات السخيفة والكليشيهات الاختزالية. وأذكر أني حدثتها عن الأبله عندما كنتُ في الخامسة عشرة بعد أن سمعتُ بالرواية من منير وأصدقائه. وكانت قد قرأت الرواية وأسرتها طيبة ميشكين المربكة، وحثّتني على قراءة الجريمة والعقاب وقد فعلتُ ذلك من بعد.."
رانيا منير
رانيا منير
٢٩‏/١‏/٢٠١٤
من الأشياء الطريفة التي مرت معي في الكتاب:كنت أجدف في مؤخرة القارب فيما أحد أعضاء المخيم يجدف في المقدمة، وبيننا تمدد مرتاحاً المستشار آندي، ذو اسم العائلة التشيكي الطويل، في ثوب سباحة أحمر لمّاع يحتذي "الموكاسان" ويدخّن الغليون وقد ظل قابعاً في مكانه لساعات يطالع كتاباً لم أستطع فك رموز عنوانه ولا التعرف إلى محتوياته. والغريب في أمره أنه بعد أن ينهي قراءة صفحة بتمرير إبهامه اليسرى عليها بسرعة من فوق إلى تحت، ينتزع الصفحة بانتظام من الكتاب ويكوّرها في يده ثم يرمي بها بلا مبالاة في البحيرة. تأملت، لبرهة، ذلك الموكب من الكتل الورقية المتماوجة على سطح الماء من ضحايا عادات آندي الغريبة في المطالعة، متسائلاً باندهاش عما تعنيه. ولما لم أحر جواباً، معقولاً أو محتملاً على الأقل (عدا عن أن الشاب لا يريد لأحد أن يقرأ الكتاب من بعده)، عزوت فعلته إلى وجه من وجوه الحياة الأميركية يستعصي فهمه.
رانيا منير
رانيا منير
١٧‏/١‏/٢٠١٤
ما زلت في منتصف الكتاب.. ولم أكوّن بعد موقفاً واضحاً منه.. ما قرأته حتى الآن لا يوحي بأني أقرأ مذكرات انسان عربي، وإنما هو مواطن أميركي لا ينتمي للعالم الثالث.. يحدثنا عن حياته كصبي مدلل بين أربع أخوات ولدوا في أسرة ثرية، يحدثنا عن جدول واجباته ومهامه التي تبدأ في السادسة صباحاً وتنتهي في التاسعة مساء بين مدرسته الأميركية ودروس الموسيقا وممارسة أحدث الألعاب الأوربية.. طفل في الثانية عشر من عمره يتحدث عن الموسيقا العالمية ويحضر الأوبرا والمسرح العالمي ويقرأ مع والدته مسرحية هاملت بلغة شكسبير نفسها، في الوقت الذي كان فيه الطفل العربي ربما لا يعرف من المتع أكثر من لعبة كرة القدم أو "الكلّة".. ترى لو أتيح مثل هذه التربية الموسوعية والحياة المنضبطة التي تؤكد على أهمية الوقت وقيمته، لكثير من الأطفال في عالمنا العربي فهل سيكون لدينا الكثير من إدوارد سعيد؟ بعيداً عن ذلك الشعور باللانتماء لأي وطن..