تخطي إلى المحتوى

مكبث في عصر الذكاء الاصطناعي

رانيا منير
رانيا منير
١٨ مايو ٢٠٢٣
👁 501 مشاهدة 💬 0 تعليق
قد يتساءل أحد القراء لماذا عليّ أن أقرأ مكبث؟ ألم تنتهي صلاحية المسرحية التي كتبها شكسبير في القرن السابع عشر؟ كيف يمكن لمسرحية مليئة بالكثير من مشاهد القتل والدماء والشعوذة والسحر الأسود والملوك والمصابين بجنون العظمة والهلوسة والمبارزة بالسيف، أن تلاءم قراء هذا العصر التقني الفائق التطور والذي أصبحت مشكلاته وهمومه أكثر تعقيداً وتحدياً من هلوسات ملك اسكتلندي؟ ما الذي يجعل مسرحية كتبت قبل 400 عام، تستحق كل ذلك الاهتمام ليُعاد اقتباسها بشكل مستمر في أعمال سينمائية وتلفزيونية وفنية؟ هل مازالت مسرحية "مكبث" صالحة للقراءة اليوم؟ من هو مكبث؟ إنه قائد اسكتلندي شجاع ونبيل وطيب القلب ومحبوب ومقرب من ملك اسكتلندا، يعود مع صديقه من أحد المعارك منتصرين، فتظهر أمامهما ثلاث ساحرات تتنبأ لهما بالمستقبل وبأن مكبث سينال عدة ألقاب ومناصب رفيعة، ثم سيكون ملكاً بينما سيكون أبناء صديقه ملوكاً من بعده، وما أن تختفي الساحرات حتى تتحقق النبوءة الأولى ويكرمه الملك بأول الألقاب. يعود مكبث إلى زوجته، فرحاً، متعجباً، خائفاً، متردداً، منتشياً بآماله، يخبرها بما أدهشه من كلام الساحرات وبما تحقق منها فعلاً، وكأنه يطلب منها الدعم والتشجيع للإقدام على تحقيق النبوءة التي ستجعل منه ملكاً. "الليدي مكبث: أمير غلامس أنت، وكودر، ولسوف تكون ما وُعَدت به. ولكنني أخشى طبعك، إنه أملأ مما ينبغي بحليب الإنسانية، فلا يتشبث بأدنى الطرق، أنت تريد العظمة، ولست خالياً من الطموح، ولكنك خال من الشر الذي لا بد أن يصحبه، ما تريده شامخاً، تريده قُدسياً، لا تريد أن تغش في اللعب، ولكن تريد يا غلامس العظيم ذاك الذي يصرخ بك أن "افعل كذا"، إن أردته، ذاك الذي أنت تخشى أن تفعله لا الذي تتمنى لو أنه لا يفعُل. أسرع إليّ فأصب حيويتي في أذنك، وأطرد بجرأة لساني. كل ما يعوقك عن المستدير الذهبي. الذي يبدو أن القدر والعون الخارق كليهما قد توجاك به". وهكذا يقدم مكبث على قتل الملك، ويتبع ذلك بسلسلة من التصفيات والخيانات والاغتيالات بحق أصدقاءه وعائلاتهم والمقربين منهم. فلكي يشرّع حكمه المغتصب ويضمن استقراره، كان لا بد من فرض نظام استبدادي ديكتاتوري والتخلص من معارضيه. ولكنه عندما قتل جميع من يشك في ولاءهم، لم يخطر بباله أبداً أن الخطر الأكبر يكمن داخله، إنه ضميره، وقلبه الذي كان يوماً طيباً ونقياً، إذ تنتابه المخاوف والشكوك والشعور بالذنب وجنون العظمة، لدرجة أن يحسد الموتى ويشعر بأن الملك الميت أكثر حظاً وراحة بال منه، ما يدفعه لمزيد من القتل وغسل الدماء بمزيد من الدماء، ويعود مجدداً لاستشارة الساحرات ويطلب من طبيبه المستحيل: "مكبث: أما بوسعك أن تداوي ذهناً عليلاً، أن تقتلع من الذاكرة حزناً مجذراً، أن تمحو الهموم المدونة في الدماغ، وبترياق نسياني عذب تنظف الصدر المكتظ من ذلك الحشو الخطر الذي ينوء بوقرة القلب؟" حتى الليدي مكبث التي كانت قوية العزم ومصرة على تحقيق النبوءة، وكان إيمانها بحق زوجها بالملك أقوى من إيمان إبليس بأفضليته، بعدما حققت ما تريد ولطخت يديها بالدماء لم تعد قادرة على إسكات الأصوات التي تحرمها النوم لتذكرها بأنها شريكة في الجريمة وتدفعها للتجوال كالأشباح بحثاً عن مياه تغسل يديها: "ليدي مكبث: هنا ما زالت رائحة الدم: عطور بلاد العرب كلها لن تُطيّب هذه اليد الصغيرة. آه! آه! آه! طبيب: يا لها من تنهيدة! القلب مشحون ومثقل. سيدة: لا أريد قلباً كهذا في صدري، ولو أعطيت رفعة الجسم كله." لا شك أن جواب السؤال بات واضحاً، تختفي معظم الأعمال الأدبية والسينمائية والمسرحية المعاصرة والقديمة حتى خلال أعوام قليلة من ظهورها، ذلك لأن هدفها الرئيسي هو المتعة والتسلية، فيما بقيت مسرحية مكبث صالحة للقراءة في كافة الأشكال الفنية لأنها تخاطب ضمير الإنسان، فرغم كل التطور والتقدم يبقى الإنسان إنساناً. والأعمال التي تبقى خالدة هي تلك التي تصور الطبيعة البشرية. كان شكسبير يؤمن أن وظيفة المسرح هو أن يكون مرآة ننظر فيها لأنفسنا. وقراءة الأدب الخالد بشكل عام ضرورية للنجاح في الحياة اليومية العادية، لأن النجاح لا يعتمد فقط على معدل الذكاء بل أيضاً على مستوى الذكاء العاطفي، فعندما نعرف كيف تدفع الطبيعة الإنسان للتصرف بشكل مختلف في ظروف مختلفة، وعندما نفهم دوافع الآخرين وأسباب سلوكهم، عندها سنتصرف بالشكل الصحيح. ألم تمر بأشخاص أعماهم الحب ودفعهم لاتخاذ قرارات متهورة وطائشة؟ إذاً أهلا ًبك في "روميو وجولييت". ألم تشعر يوماً بالتردد والحيرة وصعوبة مواجهة مخاوفك رغم ضرورة اتخاذ موقف حاسم؟ إذاً أهلاً بك في "هاملت". ألم تعرف أناساً تستهويهم الكلمات المعسولة ويحبذون الرياء والنفاق على مواجهتهم بالحقيقة المرة؟ إذاً أهلاً بك في "الملك لير". ألم تشعر يوماً بتأنيب الضمير لدرجة تمنعك من النوم؟ ألم تر زوجات يدفعن أزواجهن للتهلكة بغية تحقيق أمنياتهن ورغباتهن؟ إذاً أهلاً بك في "مكبث". هل تشك بقدرة إنسان طيب على ارتكاب الشرور؟ إذاً اقرأ مكبث لتعرف أن الخط الذي يفصل بين الحق والباطل يمر من قلب الإنسان. اقرأ مكبث اليوم قبل أن تغادر لعملك، لأننا نعيش في عالم يحكمه الطموح والتنافس والرغبة بالوصول السريع حتى وإن كان على أكتاف الآخرين ورقابهم، لأن الطموح قد يتحول من صفة حميدة تدفعنا للعمل والاجتهاد إلى قوة طاغية إن لم يتم التحكم بها وضبطها فإنها تهلك صاحبها. أباحت الرغبة العمياء بالمال والجاه والسلطة لمكبث لا أن يذبح ضيفه فحسب، بل أن يمارس أيضاً الكذب والسرقة ويخون الأصدقاء والأقرباء والوطن وطبيعته الإنسانية النقية قبل أي شيء. لماذا نقرأ مكبث؟ لأن الإنسان إنسان وسيبقى كذلك حتى في عصر الإنسان الآلي. لأنه ما زال هناك طغاة. لأنه ما زال هناك زوجات وراء الطغاة. لأنه ما زال هناك فساد واستبداد. لأنه ما زال هناك طموح يقتل صاحبه. لأنه ما زال هناك من يخدع نفسه بالقول إنه القدر. لأننا ما زلنا نطلب مشورة فاسدة لنقنع ضمائرنا بمشروعية ما نريده. اقرأ مكبث لتحافظ على نظافة قلبك ويديك. *ملاحظة: إن لم تشعر بمتعة قراءة المسرحية باللغة العربية، فجرب أن تشاهد الفيلم أو المسرحية.
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة