تخطي إلى المحتوى

عبد العزيز المشعل... الرجل الذي عاش بين مئة ألف كتاب!

سمي بن معين
سمي بن معين
٢٠ نوفمبر ٢٠٢٣
👁 72 مشاهدة 💬 0 تعليق
عبد العزيز المشعل... الرجل الذي عاش بين مئة ألف كتاب!
في عالمٍ تُقاس فيه الثروات بالأرقام، كان الدكتور عبد العزيز بن حمد المشعل يقيس ثروته بطريقة مختلفة؛ برائحة الورق العتيق، وبالأوراق التي عبرت خمسة قرون لتستقر بين يديه، وبالمخطوطات التي نجت من الحروب والأسفار حتى وجدت مأواها في مكتبته. كان يؤمن أن الكتاب ليس سلعة تُباع وتُشترى، بل كائن حي يحمل ذاكرة الحضارات، ولهذا لم يكن يجمع الكتب ليكدّسها، بل ليحفظ بها شيئاً من تاريخ الإنسان. حين رحل في نوفمبر 2023، لم يغب اسم أستاذ جامعي أو باحث في الحديث النبوي فحسب، بل غاب واحد من أبرز خبراء المخطوطات والكتب النادرة في العالم العربي، ورجلٌ ظل بعيداً عن الأضواء رغم أن مكتبته كانت تستحق أن تكون مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها. من طالب علم إلى صياد للكتب وُلد عبد العزيز المشعل في الرياض عام 1959، ونشأ في بيت علم واستقامة، فوالده الشيخ حمد بن إبراهيم المشعل كان إماماً لمسجد الملك سعود في الناصرية. درس في معهد الرياض العلمي، ثم تخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قبل أن يحصل على الماجستير والدكتوراه في السنة النبوية، محققاً رسالة علمية في "سنن الإمام النسائي". عمل أستاذاً جامعياً ومستشاراً في وزارة التعليم العالي، وألقى المحاضرات في بلدان عربية وأوروبية وأفريقية، وشارك سنوات طويلة في التوعية الإسلامية بالحج، لكن كل تلك المناصب لم تكن سوى جانب من شخصيته. أما الجانب الآخر، فقد كان يبدأ من باب مكتبة. عشق بدأ في العاشرة في أحد اللقاءات التلفزيونية، سُئل المشعل متى بدأت علاقته بالكتب، فأجاب ببساطة تشبه شخصيته: "منذ نعومة أظفاري... من السنة العاشرة وأنا أقرأ، وهاوٍ وجامع للكتب القديمة والحديثة." قد تبدو الجملة عابرة، لكنها تختصر أكثر من أربعة عقود من السفر والترحال والبحث. فمن هواية صغيرة في طفولته، ولدت واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في المملكة العربية السعودية، تضم أكثر من 100 ألف كتاب، بينها آلاف النوادر والمطبوعات الأولى والمخطوطات النادرة. كان يسافر إلى مصر، وتركيا، واليمن، والمغرب، وبلدان الخليج، لا سائحاً، بل متتبعاً أثر كتاب مفقود، أو مكتبة عالم تُعرض للبيع، أو مخطوط ينتظر من يعيد إليه الحياة. حين تصبح الهواية رسالة كان يقول إن هوايته "تحولت إلى تجارة"، لكن من عرفوه يدركون أن التجارة لم تكن غايته. فقد اعتمدت عليه مكتبة الملك عبد العزيز، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في فحص المخطوطات واقتنائها، كما زوّد هذه المؤسسات بعشرات الكنوز الورقية التي يصعب العثور عليها. ولم يكن يحتفظ بخبرته لنفسه، بل كان مرجعاً للباحثين والجامعات والمكتبات، يجيب عن أسئلتهم، ويقودهم إلى النسخ النادرة، ويشاركهم معرفته بسخاء. ولهذا لم يكن اسمه معروفاً بين هواة الكتب فحسب، بل بين خبراء المخطوطات في السعودية ومصر والشام وتركيا، حتى غدا أحد أبرز الكتبيين في العالم العربي. ما معنى "النادر"؟ حين سأله أحد الإعلاميين عن معنى الكتاب النادر، لم يتحدث عن الأسعار أو المزادات، بل عن التاريخ. وضرب مثالاً بأحد أندر المطبوعات العربية: كتاب القانون في الطب لابن سينا، الذي طُبع في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر، موضحاً أن الكتب المطبوعة في تلك المرحلة تمثل بداية تاريخ الطباعة العربية، وأن الحصول على نسخة منها اليوم يكاد يكون حلماً. كان يرى أن ندرة الكتاب ليست مجرد قلة نسخه، بل مكانته في تاريخ المعرفة، وأن لكل بلد مفهومه الخاص للنوادر؛ فما يعد نادراً في مصر قد لا يكون كذلك في المغرب أو الجزيرة العربية، والعكس صحيح. مكتبة بحجم حلم مئة ألف كتاب... رقم يصعب تخيله. وعندما سُئل إن كانت مكتبته مفتوحة للباحثين، كشف عن حلم كان يرافقه منذ سنوات؛ أن تتحول هذه المكتبة إلى مركز ثقافي متاح للجميع. قال بهدوء: "أنوي أن يكون لها مركز ثقافي، وتكون هذه الكتب متاحة للجميع." لم يكن يحلم بمكتبة مغلقة تحمل اسمه، بل بمكان يعيش فيه الكتاب بعد صاحبه. "شد حيلك يا محمد" من أجمل لحظات ذلك اللقاء التلفزيوني، حين انضم ابنه الصغير محمد إلى الحوار. سأله المذيع عن أكثر عبارة يسمعها من والده، فأجاب مبتسماً: "شد حيلك يا محمد." كانت العبارة البسيطة تلخص شخصية الأب؛ رجل يؤمن بأن النجاح ثمرة اجتهاد دائم، سواء في الدراسة أو في جمع الكتب أو في الحياة نفسها. وحين قال الابن إن حلمه الدراسة في جامعة هارفارد، بدا المشعل سعيداً أكثر من كونه متحدثاً عن نفسه. رجل لا يحب الشهرة الغريب أن رجلاً امتلك هذه الخبرة الواسعة، لم يسع يوماً إلى صناعة اسمه إعلامياً. كل من كتب عنه كرر الوصف نفسه: متواضع، بشوش، كريم، منكر لذاته، يبتعد عن الضجيج، ويمنح علمه لكل من يقصده. حتى أصدقاؤه كانوا يتحسرون لأنه لم يكتب مذكراته، ولم يوثق رحلاته الطويلة في عالم الكتب، وهي رحلات كانت كفيلة بأن تكون سجلاً لذاكرة الثقافة العربية خلال نصف قرن. إرث لا يقاس بعدد الكتب ليس من الصعب أن تجمع آلاف الكتب إذا امتلكت المال. لكن من الصعب أن تمتلك عين الخبير التي تميز النسخة الفريدة من النسخة العادية، وأن تعرف تاريخ كل مخطوط، وأن تحفظ أماكن وجوده، وأن تساعد المؤسسات والباحثين على الوصول إليه. هذه هي الثروة الحقيقية التي تركها عبد العزيز المشعل. لقد جمع الكتب، لكنه في الحقيقة كان يجمع الذاكرة. وربما يلخص بيتا الشعر اللذان كانا يحبهما حكايته كلها: أُقلب كتباً طالما قد جمعتها وأفنيت فيها العين والعين واليدا وأعلم حقاً أنني لست باقياً فيا ليت شعري من يُقلبها غداً رحل الرجل، لكن السؤال الذي تركه ما زال مفتوحاً: من سيقلب تلك الكتب غداً؟
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة