تخطي إلى المحتوى

دموع الرمل: رحلة الألم والكرامة في صحراء الحياة

رانيا منير
رانيا منير
٥ يناير ٢٠٢٥
👁 540 مشاهدة 💬 0 تعليق
منذ أن وضعت نويّر، الشخصية المحورية في رواية "دموع الرمل" لشتيوي الغيثي، شرطها بأن يطلًقها أبو سالم بعد أن تحمل وتضع طفلاً يكون سندها في سنوات مقبلة، وأنا أتساءل: لماذا؟ لماذا لا تبقى زوجة له وهو الرجل الكريم الوفي صاحب المروءة؟ في البداية، اعتقدت أنها لا بد ستغير رأيها. كنت أتوقع أن يحدث كما في الروايات العاطفية التقليدية: يتزوج اثنان زواجاً تقليدياً، ثم يقعان في حب عظيم ويقرران البقاء معاً. لكن نويّر لا تفعل ذلك. هي ليست بهذا الابتذال. فرغم ما لديها من تقدير واحترام لأبي سالم لم تتزوجه إلا لتنجب منه السند الذي فقدته.في كل فصل نكتشف تفاصيل جديدة تجعلنا نفهم نويّر بشكل أعمق، تماماً كما نفهم تفرد الصحراء، وشخصية البدوي. إنها نوير التي كان والدها ينتخي بها: "أنا أبو نوير!".. ويوصي بها إخوتها خيراً: "نويّر يا عيالي، نويّر أختكم التي لا أحد لها غيركم. نويّر التي إن رفعتم قدرها رفعتكم، وإن خذلتموها خذلكم الدهر بها، لا كرامة لكم إلا بكرامتها، ولا مذلة لكم إلا بمذلتها."فهي أخت رجال وابنة رجل لم تلد مثله النساء، ولن تقبل العيش عالة على رجل أوصاه أباها بها، "فالموت جائعة أهون عليها من صدقات الرجال أو هداياهم."هي البدوية التي لا تفهم الحياة سوى في كونها صراعاً دائماً للبقاء والتأقلم مع قسوة الطبيعة والمجتمع. شكلتها العزلة وقسوة الصحراء وألم الفقد لتكون امرأة أقوى وأكثر نضجاً واستقلالية. فالحب عندها يجب أن يكون مشروطاً بالندية والاحترام الكامل، لا علاقة أحد طرفيها مغلوب على أمره منكسر والآخر يشعر بعبء واجب يؤديه تجاه صديقه المتوفى.ماتت أمها بعد ولادتها، وفقدت أخاها الأول غرقاً في نهر دجلة. كانت تلك أول مرة في حياته يستحم في نهر، فمات بعد أن ارتوى من الماء أكثر مما ينبغي لبدوي. أما أخوها الثاني فمات وهو يقاتل ذئباً، نهشه الذئب كما تنهش الحياة بائساً يصارع من أجل لقمة عيشه. ومات أبوها في معركة البكيرية."الثلاثة الوحيدون الذين كانت تعتز بهم ماتوا. لا تعتز المرأة إلا بأخ أو أب، هم الذين ما إن يكونوا ظهوراً لها حتى تصبح من الأكرمين. فإن ذهبوا ذهبت الحماية معهم. الرجال الآخرون يأتون في مراتب أخرى متأخرة. ربما كانوا سنداً، لكنه سند هش. جدران هشة، ما إن تأتي صروف الليالي حتى تنهار كأنها لم تكن موجودة من قبل. انهار كل سند صلب لها، فاستندت على ما بعده من هشاشة. ربما تحمل الهشاشة شيئاً، ربما الشيء القليل أفضل من لا شيء بتاتاً. وهل الإنسان إلا ذلك الحامل لهشاشته!" رفضت نويّر جميع المتقدمين لخطبتها، بمن فيهم أبناء عمومتها. فأثار جحودها هذا غضبهم واستيائهم واعتبروه رفضاً لرجولتهم، فهي فضلاً عن افتقارها لمعايير الجمال، كانت أيضاً بلا مال ولا أهل أو سند يحميها وسط صحراء لا ترحم. فرغم حاجتها إلى رجل في هذا العالم القاسي، إلا أن كرامتها أهم وأعز لديها. هي تدرك أنها لا تملك ما يرغب فيه الرجال من جمال أو طبع ودود، ولا تملك مالاً أو جاهاً. "لم تكن جميلة حتى يتهافت عليها أبناء العم. امرأة عادية مثلها مثل نساء بقية العشيرة، سمراء نحيلة ولا أكثر من ذلك." لذلك، كانت ترى في كل من سيفكر بخطبتها شخصاً يتصرف بدافع النخوة والشفقة، وليس بدافع الحب او الرغبة. والرجل بالنسبة لنويّر ليس مجرد "زوج"، إن لم يكن الرجل عوناً على الحياة، وجداراً يحميها من تقلبات الدهر، فلا حاجة لها به. كل شخصية في رواية "دموع الرمل" تستحق أن نقف أمامها طويلاً، فكل منها يحمل طبائع تضيف بُعداً إلى أحداث الرواية وتكشف عن معاني عميقة في الحياة. أبو سالم هو أحد تلك الشخصيات التي تجسد الوفاء والإيثار، هو الصديق الوفي لوالد نويّر، صاحب المروءة والنفس الطيبة. هو الرجل الذي حفظ وصية صديقه رغم مرور الزمن وصعوبة المواقف. "نويّر يا أبا سالم، نويّر أمانتك هي إن غبت حياً، وزوجتك هي إن عدت ميتاً." هو أبو سالم الذي احترم مشيئة نوير ومنحها من الوقت ما تريد، الوحيد الذي لم يخلف وعده، عاد لصديقه بعد أن هجرته القبيلة كلها، وعاد لنويّر بعد أن أمعنت الحياة في قهرها وكسرها المرة تلو الأخرى. أبا سالم الذي قال له أبو نويّر: "عرفتك انك راجع، ماغيرك يرجع. ما غيرك!" فكان أبو سالم بحق هو الصديق الذي لا يخلف العهد، في عالم يفرض على الجميع أن ينجو بحياتهم فقط.من الشخصيات المثيرة أيضاً للإعجاب شخصية عبد أبي سالم، الذي ظل اسمه مجهولًا طوال الرواية، ولم يُذكر إلا في الصفحة الأخيرة منها، ليأتي الاعتراف بوجوده متأخراً جداً، عندما برّت نويّر بوعدها وأطلقت سراحه: "أنت حر يا مرزوق، أنت حر." فيبتسم ابتسامة مريرة تجمع بين الحزن والسخرية، قائلاً: "بعد أيش يا هذا الزمن بعد أيش!" فكيف له أن يفرح وقد سرقت أحلامه، واقتلع من أحضان أمه، وأبعد عن أرضه، وبيع كعبد في سوق النخاسة. كان مرزوق مثالًا على الكرامة المهدورة التي لا تعود إلا عندما يوشك الزمن على أن يبتلع كل شيء. لكن مرزوق، ورغم تلك المعاناة، كان خير رفيق ومؤنس وخير معلم لضاري ابن نويّر. اتحد مصيره مع مصير ضاري، الذي كان يعاني من العزلة والإقصاء بعد أن سخر منه أقرانه وعيروه بأنه ابن أمه وأصبح محط تندر من فتيات وشبان القبيلة. يمثل ضاري ابن نويّر، صورة البدوي الذي لا يستطيع الفكاك من قدره، هو الشخصية التي تسعى دائماً للترحال، بحثاً عن حياة جديدة. كما يقول الراوي: "الرحيل حياة البدوي، ومن غيره فإن الموت هو المصير المنتظر. أن ترحل يعني أن تجد فرصاً للحياة، لذلك تعوّد البدوي أن يبحث عن فرص حياته." ضاري، مثل أي بدوي أصيل، يبحث عن نفسه في تلك الرحلة المستمرة، لا عن مكان مستقر، بل عن قيمة وكرامة. فقد نشأ في بيئة تعلي من قيمة الشجاعة كمقياس حقيقي للرجولة، والرجل الشجاع يثير حتى إعجاب خصومه. لهذا كان الخوف من وصمة العار محفزاً له لكيلا يتراجع عندما وجد نفسه مشاركاً في حرب لا يؤمن بها، تماماً كما حدث لجده الذي مات عبثاً في معركة ليست معركته.هذا الشعور الدائم بالخوف والخطر يدفع البدوي لمسارات مجهولة في الحياة قد تفضي به إلى حتفه. فخوف نوير على ابنها ضاري من أن يكرر مأساة جده وأخواله، دفعها لعزله والمبالغة في حمايته. الخوف هو الذي منعها من تلقينه "علوم الرجال" لئلا تفقده كما فقدت أباها بطعنة رمح. رغم محاولة أبا سالم اقناعها بأن "الحياة تسير يا نويّر، نتحامل على الحياة بالنسيان، بالنسيان لا غير."الخوف هو الذي جعلها تفضل أن يبقى ابنها بجانبها موصوما بالجبن والتردد والخوف على ان يكون مقداماً شجاعاً يورط نفسه في حروب لا تعنيها ولا يهمها من المنتصر فيها طالما أنها تعلم أن دموع الأمهات هي من سيدفع ثمن هذه الانتصارات.لم يعد في وسعها ان تدفع مزيدا من الضرائب للحياة فقد دفعت مايكفي عمرين، خوفها عليه من أسئلته ومن فضوله ومن شغفه لمعرفة أخبار الحرب والرجال جعلتها تقسم عليه بألا يعود لتلك الأسئلة وألا يفكر بالرحيل، ولكن هيهات أن تستطيع تغيير قلب بدوي لا يعرف إلا الترحال: "هذا الرحيل الذي معه يجد البدوي حياته، ما إن يستقر في مكان إلا وتلوح له في الأفق بحياة هناك بعيدة خلف الحزوم أو خلف الوديان، خلف الحبال، خلف كثبان الرمال الشاهقة، فتغوص أقدامه فيها حتى يعود شبح رجل تذروه الرياح فوق سيوفها المتعرجة، هكذا يفهم البدوي الحياة، رحيل دائم بحثاً عن حياة أخرى، عن عشب، عن ماء، عن معنى يقوله ويصرخ فيه في هذا الوجود الحاضر أمام عينيه، الوجود الصحراوي بكل تعبه وقسوته وعشقه وإحباطه وأمله، ومن فوقها سماء عالية بشمسها وغيومها وقمرها ونجومها اللامعة، تخبره أن الحياة أكبر من أن يعيها أو يفهمها." لم يتوقف ضاري عن الحلم بالرحيل كما وعد أمه، ولم يكف عن السؤال حتى عاد جثة تتدلى على طرفي البعير. وحين بكت أمه، كان دمعها يحفر أخاديد عميقة في وجهها، وكأنها صحراء لا تبصر إلا بدمعها.قد نغفر للكاتب إقدامه على قتل ضاري الجد، في معركة كان يبحث فيها عن عز وأمن ومال لابنته نويّر، أما أن يقتل ضاري الابن الذي لم يتجاوز العشرين! وقد يجبر الوقت قلب امرأة فقدت والدها وإخوتها، لكن أن تفقد ابنها، أن تدفنه أمام خيمتها فلا تسمح للذاكرة أن تنسى.أمعن الكاتب في تعذيب القارئ عبر هذه الصور المكثفة التي تنبض بالألم الإنساني، ربما لتجسيد قسوة حياة البدوي بكل تفاصيلها. ومع ذلك، فإن تصوير الموت بمشاهد مؤلمة بهذا القدر من الكثافة والبطيء، مع تنويع أساليب الفقد والمأساة، تجاوز ما يحتمله القارئ وما توقعه. فالأب بعد أن يقاسي عذاب الشوكة التي تخترق قدمه وتتسبب بسقوطه عن النخلة وكسر ساقه، يموت ميتة أقسى من أن يستحقها رجل مثله، بقي مصلوباً ثلاثة أيام على رمح بين اليقظة واللا الوعي بانتظار شربة ماء، بينما ابنه شرق بالماء ومات بعد أن امتلأ جوفه به، والآخر الذي نهش الذئب بطنه ولا ندري كم طال به الأمر وهو يرى أحشائه تتدلى ويتقطر منها الدم. كلها مشاهد موت لا تقل قسوة عن صمت الصحراء في يومي صيفي، حين يسود سكون الموت إلا من صوت قطرات الماء، تتجمع أسفل القربة وتسقط على الطاسة تحتها فتصدر صوتاً يشبه انتظام تكات الساعة وسط صمت قاتل وفراغ عبثي لا يثقله شيء كما يثقله الاحساس البطيء بمرور الوقت. فبعد أن رحلت القبيلة هرباً من قيظ الصيف تاركين أبا نويّر "مكسور الرجل والخاطر"، مع ابنته الوحيدة تعتني وحدها بالابل والماعز وشؤون البيت وسط "سكون صحراوي رتيب"، يتصيد الذئب ما تبقى من عنزاتها الهزيلات ويسطو "الحنشل" على ابل والدها أمام عينيه دون أن يتمكن من ردعهم. هل من مهانة وعجز أكبر للرجل ألا يستطيع الدفاع عن نفسه وأهله وتمنيه الموت على حياة كهذه: "يا لعذاب الحياة إن كان في الموت راحة" تعكس رواية "دموع الرمل" معاناة الإنسان في مواجهة الحياة نفسها، حيث تتصارع الكرامة مع الخوف، والحب مع الفقد، والأمل مع القنوط. إنها رحلة عميقة إلى داخل النفس البشرية، وتجسيدٌ لمعاناة البدوي الذي لا يستطيع أن يفلت من قدره ولا أن يروض الصحراء التي تسكنه ولا أن يخرج منها بسهولة. من خلال شخصية نويّر، يقدم شتيوي الغيثي نموذجاً للمرأة التي صقلتها المحن وجعلت من صمودها درعاً يتجاوز كل أشكال الخذلان. هي ليست مجرد ضحية لظروفها القاسية، بل بطلة تصر على كسر قيود التقليد، وترسم مسارها الخاص في عالم لا يعترف إلا بالقوة والإرادة. في فعل بطولي أخير، طلبت من أبي سالم أن يتزوجها مجدداً لتنجب طفلاً جديداً، متحدية شبح المأساة المتكررة. بهذا الموقف، أكدت أن الموت ليس النهاية، بل جزء من تفاصيل الحياة اليومية التي يجب أن يواجهها البدوي بشجاعة. فهو مدعو دائماً إلى دفن موتاه، ثم المضي قدماً في رحلته الأبدية نحو الأفق.
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة