تخطي إلى المحتوى

حان وقت الوداع.. ديفيد بروكس

رانيا منير
رانيا منير
١٠ مارس ٢٠٢٦
👁 125 مشاهدة 💬 0 تعليق
كان لجدّي برنارد ليفي أثرٌ بالغٌ في طفولتي.. حين لم نكن نستكشف مدينة نيويورك معًا، كان يكتب رسائل إلى محرر صحيفة «نيويورك تايمز» من مكتب شركته القانونية في مبنى وولوورث في مانهاتن السفلى، وأظنه -إن لم تخني الذاكرة- قد نجح في نشر بعضها. كان قد توفي قبل تعييني هنا كاتبَ عمود، ولولا ذلك لكان شخص أتصل به. إن تلك الرحلة من البيت المتواضع الذي نشأ فيه في الجانب الشرقي الأدنى إلى منصبي في هذه الصحيفة هي جزء من تجربة عائلتنا لما يُسمّى بالحلم الأمريكي.لقد كان شرفًا عظيمًا لي أن أعمل هنا، وسط هذا العدد الكبير من الصحافيين المذهلين. ولكن بعد اثني عشر عامًا رائعة، قررت أن أتخذ الخطوة المثيرة والمرعبة في آنٍ واحد: أن أغادر كي أحاول بناء شيء جديد.حين جئت إلى «التايمز»، سعيت إلى تعزيز فلسفة سياسية محافظة معتدلة تستلهم مفكرين مثل إدموند بيرك وألكسندر هاملتون. وقد نجحت نجاحًا باهرًا في جذب الناس إلى وجهة نظري لدرجة أن الجمهوريين المعتدلين أصبحوا الآن القوة المهيمنة في السياسة الأمريكية، يمسكون بزمام السلطة في كل مكان، من البيت الأبيض إلى قصر غرايسي. لذا أحسب أن عملي هنا قد انتهى.أمزح بالطبع.في الواقع، لطالما اعتقدتُ أن ثمة خللًا غريبًا في الثقافة الأمريكية، "إخفاق السوق" كما يُصطلح. حيث تجد الكثير من برامج السياسة والأعمال والتكنولوجيا، في حين لا تجد ما يكفي من البرامج التي تطرح، من خلال تعليمٍ العلوم الإنسانية العظيمة، أسئلة جوهرية عن الحياة من قبيل: كيف يصبح المرء إنسانًا أفضل؟ وكيف يجد معنى في التقاعد؟ وهل لا تزال أمريكا تمتلك سردية وطنية جامعة؟ وكيف تتعافى الأمم العظيمة من الطغيان؟حين أفكر كم تغيّر العالم منذ انضمامي إلى «التايمز»، أجد أن الاتجاه الأبرز كان فقدان الأمريكيين الجماعي للإيمان — ليس الإيمان الديني فحسب، بل أشكالًا كثيرة أخرى. في عام 2003، كنا لا نزال حديثي العهد نسبيًا بانتصارنا في الحرب الباردة، وكان هناك إيمان أكبر بأن الديمقراطية تجتاح العالم، وإيمان أكبر بخيرية أمريكا، وإيمان أكبر بالتكنولوجيا وببعضنا البعض. ولغاية عام 2008، كان بإمكان باراك أوباما خوض حملة رئاسية تحلق بمثالية مفعمة بالأمل.لقد كان عالم ما بعد الحرب الباردة مخيبًا للآمال. حطّمت حرب العراق ثقة أمريكا في قوتها. وحطّمت الأزمة المالية ثقة الأمريكيين بأن الرأسمالية إذا تُركت وشأنها ستنتج رخاءً واسعًا ومستقرًا. ولم يُدخلنا الإنترنت في عصرٍ من التواصل العميق، بل أدخلنا في عصر من الاكتئاب المتزايد والعداء والوحدة. وأظهر التراجع الحاد في مستويات الثقة المجتمعية فقدانًا كاملًا للإيمان بأقرب الناس إلينا. كما أن صعود الصين وكل ما يتعلق بدونالد ترامب قد حطّم مسلماتنا المطمئِنة حول دور أمريكا في العالم.لقد أصبحنا بلدًا أكثر حزنًا، وأشد قسوة، وأكثر تشاؤمًا. حيث وجدت دراسة تاريخية حديثة للصحف الأمريكية أن الخطاب العام اليوم أكثر سلبية مما كان عليه في أي وقت منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. وتقول أغلبية كبيرة أن بلدنا في انحدار، وأن الخبراء لا يستحقون الثقة، وأن النخب لا تكترث بالعامة. ولا يعتقد سوى 13 في المئة من الشباب أن أمريكا تسير في الاتجاه الصحيح. فيما يعلن 69 في المئة من الأمريكيين بأنهم لا يؤمنون بالحلم الأمريكي.إن فقدان الإيمان يولّد الإيمان باللاشيء. وترامب هو تجسيد للعدمية، بافتراضه أن الأخلاق للحمقى، وأن الحياة قائمة على السلطة والقوة والتنمّر والقسوة. ويسعى الشعبويون العالميون إلى خلق عالم لا ينجح فيه سوى عديمو الرحمة. وتتحول أمريكا إلى ذئب مسعور بين الأمم.العدمية هي الذهنية التي تقول إن ما هو أدنى هو الأكثر واقعية. فالأنانية والتمركز حول الذات وشهوة السلطة هي التي تحرّك الشؤون البشرية. أما الإيثار والكرم والشرف والنزاهة وحسن الضيافة ليست سوى أوهام. والمُثل العليا ليست سوى قناع يستخدمه الأنانيون لإخفاء جشعهم. وإذ يصاب الإنسان المتشائم بخيبة الأمل، يمنح نفسه الإذن بتبني الوحشية، مبرراً ذلك بقوله: لن أسمح بأن أخدع مجدداً. إنها شريعة الغاب. وإذا أردنا البقاء، فعلينا انتخاب المتنمّرين. في عام 2024، نظر 77 مليون ناخب أمريكي إلى ترامب ولم يروا فيه شيئًا يستوجب الإقصاء أخلاقيًا.من المرضي القول إن ترامب أفسد أمريكا. لكن تمزيق القيم من الأعلى سبقه انهيار للقيم من الداخل استمر لعقود. فقد وسّعت أربعة عقود من الفردانية المفرطة مساحة الاختيار الفردي، لكنها أضعفت الروابط بين الناس. ودفعت عدة أجيال من الطلاب وآبائهم لهجر العلوم الإنسانية والفنون الحرة، مدفوعين بالاعتقاد أن الغاية الأساسية من التعليم هي تعلم كيفية جني المال.إننا نتخلى عن جوهرنا الإنساني. فعناصر حضارتنا التي ترفع الهمم، وتغذي التعاطف، وتوجّه النفس: كالتدين، واللاهوت، والأدب، والفن، والتاريخ، والفلسفة؛ تشهد تهميشاً خطيراً في المشهد الوطني. إذ قرر كثير من التربويين أنه بما أن القوى الغربية أنجبت الاستعمار — وهذا صحيح — فإن على الطلاب في الغرب ألا يتعلموا شيئًا عن سلالة حضارتهم، وأن يُتركوا بذلك أيتامًا ثقافيًا. كما قرر الناشطون أن الإقناع خرافة، وأن الحياة ليست إلا منافسة شرسة على السلطة بين جماعات مضطهِدة وأخرى مضطهَدة. ونتيجة للتقدم التكنولوجي والانحدار الإنساني، أصبحت الحياة أفضل موضوعيًا لكنها أسوأ ذاتيًا. لقد وسّعنا الحرية الشخصية، لكننا فشلنا فشلًا ذريعًا في مساعدة الناس على الإجابة عن سؤال: ما الغاية من تلك الحرية؟أشد الجراح الثقافية إيلامًا كان فقدان نظام أخلاقي مشترك. قلنا لأجيال عديدة أن يبتكروا قيمهم الفردية الخاصة. هذه الخصخصة للأخلاق أثقلت كاهل الناس بمهمة مستحيلة وتركتهم عاجزين عن التعبير الأخلاقي وغير مكتملين أخلاقياً. كما خلقت ساحة عامة عارية لا يوجد فيها اتفاق واسع حول ما هو حق وجميل وخير. ومن دون معايير مشتركة للصواب والخطأ، يستحيل تسوية النزاعات؛ ويستحيل الحفاظ على التماسك الاجتماعي والثقة. فكل مجتمع سليم يقوم على تصور مشترك للمقدّس — أبطال مقدسون، نصوص مقدسة، مُثل مقدسة — وحين يزول ذلك، يصبح القلق، والتفكك الاجتماعي، والانحدار البطيء نحو الهمجية، نتائج طبيعية.لا ينبغي أن يفاجئنا أنه وفقًا لاستطلاع أجرته جامعة هارفارد، قال 58 في المئة من طلاب الجامعات إنهم لم يختبروا أي إحساس بـ«الهدف أو المعنى» في حياتهم خلال الشهر السابق للاستطلاع. ولا ينبغي أن يفاجئنا كون الناس شديدو الارتياب ومنهكون معنويًا. تتردد في خاطري كلمات ألبير كامو عن قارته قبل 75 عامًا: إن رجال أوروبا «لم يعودوا يؤمنون بالأشياء الموجودة في العالم ولا بالإنسان الحي؛ سر أوروبا أنها لم تعد تحب الحياة».لا شك أننا بحاجة إلى قيادة سياسية أفضل، غير أن السؤال الحاسم الذي يواجه أمريكا هو: كيف يمكننا إيقاف هذا التراجع الشامل في الثقة: ثقتنا في بعضنا البعض، وفي مستقبلنا، وفي مُثُلنا العليا المشتركة؟ لا أظن أن معظم البشر قادرين على تحقيق نجاح حقيقي في عالمٍ عدمي وبلا معنى. وعلى الرغم مما يقوله المتهكمون، ما زلت أؤمن بأن الدوافع الأنانية ليست وحدها ما يحركنا، بل الدوافع الأخلاقية أيضًا — الرغبة في السعي إلى الخير، والرغبة في التعاون، والعناية ببعضنا البعض، والشعور بالانتماء. فالحياة حركة، والنجاح هو هذا التكرار الأبدي ذاته: رجل أو امرأة يسعى كل منهما ويكافح في خدمة مُثلٍ ما.أين يجد الناس والأمم أشياء جديدة يؤمنون بها، وقيمًا جديدة يوجّهون حياتهم حولها؟ أين يذهبون لإحياء جوهرهم الإنساني؟ إنهم يجدون ذلك في مجال الثقافة. وفي قراءتي للتاريخ، التغيير الثقافي يسبق التغيير السياسي والاجتماعي. تحتاج إلى تحول في التفكير قبل أن تستطيع أن تُحدث تحولًا في الاتجاه. تحتاج إلى مناخ روحي مختلف.وبـ «الثقافة» لا أعني مجرد الذهاب إلى الأوبرا ومتاحف الفن. أعني «الثقافة» بأوسع معانيها — أسلوب حياة مشترك، مجموعة من العادات والطقوس، أغانٍ وقصص شعبية، أحاديث في شتى الأفكار جليلها وتافهها. حين أستخدم كلمة «ثقافة»، أعني كل ما يشكّل الجوانب الذاتية في الإنسان: التصورات، والقيم، والعواطف، والآراء، والحب، والسحر، والأهداف، والرغبات. أعني كل ما يصوغ روح العصر، واللحظة الأخلاقية والفكرية، وهو ما يشكّل الماء المشترك الذي نسبح فيه. ووفق هذا التعريف، لكل فرد في المجتمع دور في تشكيل الثقافة. نحن جميعًا نخلق حول أنفسنا بيئة أخلاقية، إما أن ترفع من شأن من نلامسهم أو تحطّ منهم.لقد أكَّد إدموند بيرك أن الثقافة، التي أسماها "الأخلاق والآداب"، أهم من السياسة. فقد كتب قائلاً: "إن الآداب أهم من القوانين. فهي التي تعتمد عليها القوانين إلى حد كبير. فالقانون لا يمسنا إلا هنا وهناك، ومن حين لآخر. أما الآداب فهي التي تستفزنا أو تهدئنا، تفسدنا أو تطهرنا، ترفعنا أو تحط من قدرنا، تجعلنا همجيين أو متحضرين، من خلال عملية مستمرة، ثابتة، منتظمة، وغير محسوسة، كالهواء الذي نتنفسه. إنها تصبغ حياتنا بكاملها بلونها وهيئتها. وبحسب جودتها، إما أن تعزز الأخلاق، أو تكون مصدرا لها، أو تدمرها كلياً".الجانب المشرق في الأمر أن الثقافة لا تتوقف عن التطور، فالناس يتأقلمون ويتغيرون ليواجهوا ما يستجد من أزمات عصرهم. ففي تسعينيات القرن التاسع عشر، أزاحت حركة «الإنجيل الاجتماعي»، بتركيزها الجماعي، الثقافة الداروينية الاجتماعية، بتركيزها على الفردانية وقانون «البقاء للأصلح». وأدى ذلك التحول الثقافي في النهاية إلى تغيير سياسي: العصر التقدمي. كما تحولت الثقافة الأمريكية تحولًا جذريًا بين 1955 و1975، فنتجت ثقافة أقل انصياعاً للأغلبية، وأبعد عن التمييز الجنسي والعنصري، وأكثر إبداعًا من سابقتها، وإن كانت أيضًا أكثر تفككاً وفردانية. وقد أنتجت حرب الثقافة التي بدأت في تلك الحقبة كلًّا من اليسار الحديث واليمين الحديث. والثقافة الأمريكية اليوم مختلفة بالفعل اختلافًا هائلًا عما كانت عليه خلال «الصحوة الكبرى» لعام 2020.لقد مررنا نحن الأمريكيين بأوقات عصيبة من قبل، وكنا دائمًا نتعافى عبر عملية من القطيعة الثقافية ثم الإصلاح. لا بد من تمزيق مجموعة قديمة من القيم والممارسات واعتناق مجموعة جديدة.ترامب هو ذلك الكائن النادر: الهمجي في ذوقه وقيمه، الذي يفهم قوة الثقافة. في آخر مؤتمر للحزب الجمهوري وضع مصارعين محترفين على المسرح بهدف ترسيخ نموذج ذكوري بعينه. واستولى على مركز كينيدي لفرض سردية وطنية معينة. ويا للأسف، فإن ثقافة الهيمنة التي يحمل لواءها، هي ثقافة تنتزع من الإنسان قيمه الإنسانية.في المقابل، الإنسانية الحقة هي الترياق للعدمية. الإنسانية هي كل ما يصون كرامة الإنسان. هي أنتيغون التي تسعى لدفن أخيها حفاظًا على شرف العائلة، وهي لينكولن وهو يلم شمل الأمة مجدداً في خطابه التنصيبي الثاني، ومارتن لوثر كينغ الابن وهو يكتب تلك الرسالة من سجن برمنغهام — هذه أمثلة عن الإنسانية. ترايسي تشابمان ولوك كومبس وهما يغنيان «Fast Car» في حفل الغرامي — تلك هي الإنسانيّة. إنها أمثلة لأناس يحاولون إلهام الدوافع الأخلاقية، والسعي إلى العدالة، ودفع الناس ليصبحوا نسخًا أفضل من ذواتهم.للإنسانية وجوه كثيرة: إنسانية علمانية، وإنسانية مسيحية، وإنسانية يهودية، وما إلى ذلك. هي كل مسعى يعمّق فهمنا لقلب الإنسان، وكل جهد لتحقيق قيم روحية أبدية في زماننا وظروفنا، وكل لفتة تجعل الآخرين يشعرون بأنهم مرئيون ومسموعون ومحترمون. أحياناً يخيل إليك أن المجتمع بأسره قد تحول إلى ساحة معركة شاسعة ما بين قوى نزع الإنسانية من جهة — الحزبية المتطرفة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإباحية، والتعصب — وبين قوى تعزيز الإنسانية المتعثرة من الجهة الأخرى.إذا أردت الوقوف بجانب الأنسنة، فسر في ركب «المحاورات الكبرى». إنها تراث جدلي يمتد لآلاف السنين، ويشمل اللاهوت، والفلسفة، وعلم النفس، والتاريخ، والأدب، والموسيقى، ودراسة الحضارات العالمية، والفنون. هذه الحوارات محاولة جماعية للعثور على توازن عملي وسط الجدليات الأبدية للحالة الإنسانية— ذلك التوتر ما بين الاستقلال والانتماء، المساواة والإنجاز، الحرية والنظام، التنوع والتماسك، الأمن والاستكشاف، الرقة والقوة، الفكر والشغف. ولأنه لا وجود لحل نهائي لهذه التوترات، لا تنتهي هذه «المحاورات الكبرى»، بل تبقى مجرد محطة استراحة مؤقتة تصلح لهذا الظرف أو ذاك. ومن خلال هذه الحوارات، يتعلم المشاركون شيئًا عن كيفية التفكير، وكيفية الشعور، وماذا يحبون، وكيف يعيشون وفق دورهم الاجتماعي.من أكثر الأمور إثارة في الحياة الأمريكية اليوم أن هنالك نهضة إنسانية تحدث بالفعل في الحرم الجامعي. لقد كان لترامب تأثير كارثي على الجامعات، ولكنه -وعلى نحوٍ معاكس للمنطق- كان له تأثير إيجابي عظيم عليها في الوقت ذاته! فوسط كل ذلك الخراب، دفع قادة الجامعات إلى إعادة التفكير في بعض الأمور. ربما أصبحت الأمور مهنية أكثر من اللازم؛ ربما صارت الكليات تقدمية أحادية الثقافة أكثر مما ينبغي؛ ربما بذلت الجامعات جهدًا كبيرًا لخدمة المصالح الخاصة للطلاب حتى أهملت — دون قصد — الصالح العام. لكني أرى الآن تغييرات في الحرم الجامعي في أنحاء أمريكا، من الكليات المجتمعية إلى الجامعات الحكومية إلى جامعات «آيفي». وتأتي هذه التغييرات في أربعة مجموعات: أولًا، وفرة من المقررات والبرامج التي تحاول دعم تنمية الشخصية والتكوين الأخلاقي. ثانيًا، مقررات وبرامج للتدريب على المواطنة والفكر المدني. ثالثًا، برامج لمساعدة الناس على تعلم التفكير عبر الاختلاف. رابعًا، مقررات تقدم للطلاب نصائح عملية لعيش حياة مزدهرة.أنظر إلى هذه الجهود بإعجاب وحماسة متزايدين. وأسئلتي هي: كيف يمكنني المشاركة؟ وأين أذهب للتطوع؟ (وفي حالتي الخاصة، يتبيّن أن الجواب هو نيو هافن في ولاية كونيتيكت). وبالطبع، فإن قوى الأنسنة مطلوبة لا في الحرم الجامعي وحده، بل أيضًا داخل كل شركة ومجتمع ومنظمة حيث ينخرط الناس في البحث الحيوي عن السلوك القويم، والقيادة الأخلاقية، والمزيد من الحكمة بشأن ما هو جوهري حقاً. كانت كتبي محاولات لإيصال التفكير الإنساني إلى جمهور واسع، وحيثما ذهبت أواجه أناسًا تواقون إلى الشعور بالسمو، ومتعطشون للحكمة التي تناقلها الحكماء والأنبياء عبر القرون.إذا كنت قد قرأت مقالاتي، فربما تعلم أن إحدى ملاحظاتي المفضلة في علم النفس هي أن الحياة كلها سلسلة من الاستكشافات الجريئة انطلاقًا من قاعدة آمنة. يحتاج الناس إلى قاعدة آمنة. جزء من تلك القاعدة عاطفي — روابط غير مشروطة بالعائلة والأصدقاء. وجزء منها مادي — العيش في مجتمع آمن، مع قدر من الاستقرار المالي. وجزء منها روحي — العيش ضمن نظام أخلاقي مشترك، واليقين بأن العمل الجاد لن يذهب سدى، والإيمان بمستقبل أكثر إشراقًا.يقول أصدقائي في "فلسفة الوفرة التكنولوجية" إن أمريكا تعاني أزمة سكن، وهم محقون. لكن على نحو أكثر جوهرية، تعاني أمريكا أزمة «وطن». حين لا يؤمن الناس بأن لديهم بيتًا آمنًا عاطفيًا وجسديًا وروحيًا، فإنهم يتحولون إلى أشخاصٍ يكرهون المغامرة، ويقبعون في جمود، وتسود نظرتهم السخرية، ويستوطنهم القلق، وتسيطر عليهم نزعة عدوانية.ليس هذا ما يُفترض أن تكون عليه أمريكا! فعلى مدى قرون، اشتكى مراقبون أجانب من أن الأمريكيين مثاليون أكثر من اللازم، ومتفائلون أكثر من اللازم، وسذّج أكثر من اللازم، يندفعون دائمًا إلى تجارب جديدة دون توقع التكلفة. ولطالما لاحظ أشد أولئك المراقبين فطنة، أنه تحت المادية الفجّة الطموحة التي تميز الحياة الأمريكية، ثمة ريح معنوية تزخر بالقوة الدافعة، تحث الأمريكيين على التحرك والابتكار وتحسين الذات والتقدم بجسارة نحو المستقبل. هذه هي طاقة لين-مانويل ميراندا التي تتدفق في المسرحية الغنائية «هاملتون»: «أنا مثل بلدي تمامًا. / أنا شاب، مشاكس وجائع». وهذا هو خطاب جون ف. كينيدي التنصيبي: «معًا دعونا نستكشف النجوم، ونقهر الصحارى، ونستأصل المرض، ونستثمر أعماق المحيط، ونشجّع الفنون والتجارة».إذا استطاعت أمريكا استعادة قاعدتها العاطفية والمادية والروحية الآمنة، فربما استعدنا شيئًا يسيرًا من جرأتنا السابقة. علق أوسكار وايلد ساخراً أن "الشباب" هو أقدم تقاليد أمريكا. ربما حان الوقت لأن ينضج البلد، وأن يجمع بين طاقة الشباب وبين نوع من التواضع والحكمة الذي حشده راينهولد نيبور في أحد أشهر مقاطعه:«لا شيء مما يستحق أن يُفعل يمكن إنجازه في عمرنا؛ لذلك لا بد من الأمل لحمايتنا. ولا شيء مما هو حق أو جميل أو خير يكتسب معنى كاملًا في أي سياق تاريخي مباشر؛ لذلك لا بد من الإيمان لنجاتنا. ولا شيء مما نفعل — مهما كان فاضلًا — يمكن إنجازه وحدنا؛ لذلك لا بد من الحب لخلاصنا. ولا فعل فاضل يكون فاضلًا بالقدر ذاته من منظور صديق أو عدو كما هو من منظورنا نحن. لذلك لا بد من الغفران، وهو الشكل النهائي للمحبة، لإنقاذنا».سأفتقد أشياء كثيرة في كوني كاتب عمود في «التايمز» — القراء، والزملاء، والتعلم اللامتناهي الذي تتطلبه الوظيفة. بل إن المسمّى الوظيفي وحده كافٍ لإشباع غروري! لكنني أعتقد أنني وجدت مشروعًا وقضية تستحق أن أكرّس لها الفصل الأخير من مسيرتي المهنية.شكرًا جزيلًا لكم جميعاً.مصدر المقال
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة