تخطي إلى المحتوى

القراءة... ذكريات وملاحظات

رانيا منير
رانيا منير
٦ يوليو ٢٠٢٣
👁 1.0K مشاهدة 💬 0 تعليق
قبل عدة سنوات جاء أحد أقربائي الذي لم أقابله منذ سنوات المراهقة، لزيارة والدتي الراقدة في مستشفى البلدة حيث أعيش، واغتنم الفرصة لزيارتي في المنزل. وقف مذهولاً عند مدخل الصالة، وعيناه مثبتتان على رفوف الكتب التي كانت تغطي الجدار الخلفي بالكامل. سألني بدهشة وبشيء من الخوف: "هل قرأت كل هذه الكتب؟" فأجبته: "نعم، تقريباً". هز رأسه بصمت كما لو كان عملاً بطولياً يتطلب بعض الجهد ولا سيما إذا أضفنا عليه المؤهلات التي حصلت عليها والكتب التي شرعت في كتابتها أيضاً. أما هو فقد اضطر إلى ترك المدرسة في الرابعة عشرة والعمل في أي مكان استطاع العمل فيه، لم يكن لدى عائلته أي كتب، أذكر فقط أني رأيت مرة كتاب طرزان الهزلي ملقى على الطاولة.بالرغم من أن مزيداً من الكتب اقتحمت غرفة المعيشة، فلم يسألني أحد من الذين دخلوا الغرفة منذ ذلك الحين هذا السؤال مجدداً، إذ لم يشكل الأمر قضية بالنسبة لهم. بل كان بديهياً لهم كقراء أكثر أو أقل اجتهاداً مني، أن أكون قد قرأت معظم هذه الكتب وفوق ذلك أن كوني محاطة بالكتب هو عنصري الطبيعي. بل أتساءل إن كان بعض هؤلاء الزوار من صحافيين ونقاد أو طلاب يعتقد أنه بصفتي كاتبة كان يجب أن أمتلك كتباً أكثر.كثيراً ما أستعيد هذا الموقف مع ابن عمي بشيء من القلق، فهو يخفي خلفه مشهداً آخر أكثر عنفاً. كنت بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة. لا بد وأني حينها كنت أعاتب والدي على عدم اهتمامه بأي شيء وعلى اكتفائه بقراءة صحيفة باريس نورماندي المحلية. وعلى غير عادته الهادئة والمتسامحة مع جرأة ابنته الوحيدة، رد عليّ بصرامة: الكتب جيدة بالنسبة لك، أما بالنسبة لي فلست بحاجتها لأعيش.امتدت كلماته هذه عبر الزمن وبقيت محفورة داخلي كألم وحقيقة لا تطاق. كنت أفهم جيداً ما يعنيه والدي. قراءة ألكسندر دوماس وفلوبير وكامو لن تخدم أي غرض عملي في عمله كصاحب مقهى ولا في تعامله مع زبائنه. بينما في المستقبل الذي يتصوره ويأمله لي، كان يعلم على نحو مبهم أهمية الكتب، وأنها تشكل جزءاً من "حزمة تعريفة"- إن صح التعبير- تشمل أيضاً المسرح والاوبرا والرياضات الشتوية، مشكلة عالماً اجتماعياً أكثر رقياً.كنت أفهم كل ذلك ولكنه لم يكن مقبولاً لدي. رفضت فكرة أن يبقى عالم الكتب للأبد عصياً على الانسان الذي كان، بالإضافة إلى والدتي. الأعز على قلبي. كانت هذه الكلمات تعبر عن الفجوة التي لم أستطع تسميتها، بينه، وهو فتى الحقول الذي عمل فيها منذ الثانية عشرة من عمره، وبيني، التي واصلت دراستها. بدا الأمر كما لو أنه يدير ظهره لي، لكنه كان ببساطة يؤلمني بنفس الطريقة التي آلمته بها. أصبحت القراءة بيني وبينه جرحاً متبادلاً.عندما أستحضر أسباب القراءة ، تعود إليّ كلمات والدي بإلحاح، كتناقض شخصي عصي على التجاوز. نعم، القراءة ليست معادلاً للحياة لكني عشت حياتي دائماً بين الكتب. وأدرك مستغربة الفجوة الشاسعة بين كل ما عنته وما زالت تعنيه القراءة بالنسبة لي، وبين عدم أهميتها أو حتى غيابها التام في حياة الآخرين. لا أستطيع أن أضع نفسي في مكان شخص لا يقرأ، حتى في أحلك فترات حياتي مثل الحداد أو الفراق، حين تصبح الكلمات غير كافية، أو على النقيض، في الأوقات المليئة بالشغف والسعادة، حين تصبح باهتة وعاجزة أمام كثافة اللحظة الآنية.منذ أن تعلمت القراءة في سن السادسة، انجذبت إلى الكلمة المكتوبة، إلى كل ما كان ضمن نطاق فهمي، من المعجم إلى سلسلة المكتبة الخضراء التي كانت تُحرر خصيصاً لليافعين وكانت أمي نفسها تحب قراءتها وتهديني إياها دوماً. كانت الكتب في تلك الأيام باهظة الثمن، ولم يكن لدي منها ما يكفي أبداً. كنت أحلم بالعمل في مكتبة كي أكون محاطة بمئات الكتب في متناول يدي. كانت متعة القراءة أمراً بديهياً، مثل فرحة اللعب. بل وأكثر من ذلك كانت الكتب جزءاً من ألعابي التي كانت غالباً ما تدور حول تخيلي أنني إحدى الشخصيات. كنت في أدوار متعددة: جين آير وأوليفر تويست ودايفيد كوبرفيلد والفتاة الغريبة حافية القدمين من رواية ألمانية (لبيرتولد أويرباخ وفقاً للانترنت) إلى جانب شخصيات أخرى. لا بد أن نوعاً من الرقابة اللاوعية يمنعتني من تذكر السن الذي توقفت فيه عن تخيل أنني بطلة الكتاب الذي كنت أقرأه وأنا في طريقي إلى المدرسة. ولكن ما أعرفه تماماً هو الدور الذي لعبته قوة الكتب الإيحائية في يقظتي العاطفية والجنسية. وهنا تبدأ الحكاية، في سن الثانية عشرة مع رواية رايموند راديجيه "الشيطان في الجسد" التي كنت أقرأها خلسة مفتونة بعنوانها الذي يحمل وعوداً غامضة. زودتني الكتب بالمواقف، بل وحتى الشخصيات لتمثيل خيالاتي المراهقة، مما يبرر إدعاء المؤسسة الدينية التي كنت ارتادها بأن القراءة هي بوابة الرذيلة للفتيات. (حتى اليوم لا تزال الكلمة المكتوبة بالنسبة لي تبدو أكثر إثارة من الصور، وأعتبر رواية The Story of O أكثر إرباكاً من نسخته السينمائية.)في سنوات مراهقتي، كانت كلمات والدي تمزقني بعنف، وذلك لأن جاءت في وقت أصبحت فيه القراءة بالنسبة لي بحثاً عن بدائل للروايات المفروضة، سواء تلك التي كنت أتلقاها في المدرسة الدينية، أو تلك التي تمثل بيئتي العمالية بكل معتقداتها ومسلماتها واحترامها للنظام القائم. كنت أبحث، بشيء من الحيرة، متسائلة ما إذا كان هناك كتاب معين دفعني إلى التفكير بطريقة جديدة أو منحني أفكاراً كانت مرغوبة بشدة لأنها كانت ممنوعة.كانت عناوين مثل "اللا أخلاقي" لأندريه جيد، أو "المتمرد" لألبير كامو، تحمل سحراً خاصاً، إضافة إلى تلك العناوين التي تحمل وعداً بالبحث، لا عن الزمن المفقود، حيث يأتي بروست لاحقاً – ففي الخامسة عشرة نسعى فقط لفهم للحياة، كما جاء في عناوين مثل "البحث عن المطلق" لبلزاك و"طرق الحرية" لسارتر أو "معضلة الوجود" لجان كوكتو. بحثت عن أساليب للعيش ووجدتها في روايات معاصرة تنبأت لي بالمستقبل، لأن القراءة في تلك المرحلة من وجودي، كانت تمنحني دفعة مقدمة للحياة، (ربما كانت دائماً كذلك حتى في المراحل المتأخرة من الحياة، كوسيلة لمقاومة الموت.) دفعني فضولي لمعرفة ما يعنيه أن أكون امرأة، وأن أعيش حياة المرأة، إلى قراءة كاتبات مثل سيمون دو بوفوار وفيرجينيا وولف. كانت تلك الفترة مرحلة كتابة الاقتباسات في دفتر سري يكشف حقيقة ذاتي ويؤكد بأني لست وحيدة في تجربة الأشياء ذاتها: متعة أن يكون هناك شخصان على الأقل تشاركا شعوراً أو عزاءً في مواجهة الحياة.مع مرور الوقت، أجد هذه المحاولة لتدوين الجمل كان بمثابة تأكيد لوجودي المتأصل في القراءة، وكل اقتباس جديد يمثل احتجاجاً على كلمات والدي. كهذا الاقتباس الذي دونته في دفتر تمكن من النجاة رغم كل التنقلات، وهو مقتطف من رواية "الجريمة والعقاب" والذي بلا شك كان سيثير ذعر والدي: "العيش من أجل الوجود؟ لماذا، لقد كان مستعداً ألف مرة من قبل للتخلي عن الوجود من أجل فكرة، من أجل أمل، أو حتى من أجل هوى. لطالما كان مجرد الوجود تافهاً جداً بالنسبة له، لطالما كان يريد المزيد." ولكن كيف كان لي في تلك المرحلة من حياتي أن أسبر أغوار العالم الداخلي لمجرم، إلا من خلال رواية دستويفسكي؟كنت في تلك المرحلة من حياتي، ودون أن أدرك، في قلب التناقضات التي تمثلها القراءة: لقد فصلتني عن أهلي، وعن لغتهم، وحتى عن ذاتي التي بدأت تعبر عن نفسها بكلمات مختلفة عن كلماتهم. لكنها في الوقت نفسه ربطتني بعقول أخرى، من خلال شخصيات تعرفت بها، وبعوالم أخرى خارج تجربتي. إنها القراءة: تفصل وتربط في آنٍ واحد. إنها قبل كل شيء، انعزال تام: تستوجب القراءة انقطاعاً تاماً عن كل أشكال التواصل اللفظي، وانفصالاَ عن المحيط. وهي أيضاً انعزال فكري: أن تقرأ يعني أن تُنقل إلى عالم جديد، سواء كان خيالاً محضاً مثل عالم هاري بوتر، أو متصلاً بواقع تاريخي أو اجتماعي مثل "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش". تعني القراءة أن تنفصل مؤقتاً عن ذاتك وتسمح لكائن خيالي، أو ل"أنا" الكاتب، باحتلال مساحتك الداخلية بالكامل، ويقودك نحو مصيره ويحرك مشاعرك. القراءة هي قبول أن يقتحم صوت ما وجدانك ويحل مكان صوتك الخاص: "كثيراً ما كنت أخلد إلى النوم باكراً"، إنها القبول بإزعاجك وهزك بعنف ومن ثم تغييرك. ولكن القراءة في الوقت ذاته تقربنا من الآخرين، تجعلنا نعيش داخل رأس المجرم راسكولينكوف، أو رأس المنشق الطبقي مارتن إيدن، أو داخل أفكار السيدة دالواي وهي تسير في شوارع لندن. القراءة تفتح لنا باباً لفهم أسلوب حياة الآخرين وما مروا به. كنت أعرف منذ طفولتي بوجود معسكرات الاعتقال النازية، لكن كتب بريمو ليفي وروبرت أنتلوم ولاحقاً ايمري كيرتيس، هي التي جعلتني أعي ما لا يمكن تصوره وجعلته حياً. وبالمثل فإن كتاب كريستا وولف "طفولة نموذجية" أوضح لي كيف تمكنت النازية من الانتشار والتوسع في ثلاثينيات القرن العشرين. تزيد القراءة من قدرتنا على فهم العالم بكل تنوعه وتعقيداته. وفي الفرنسية تتكون كلمتي القراءة lire والربط lier من الأحرف ذاتها.تعيدنا القراءة إلى الذات. القراءة من أجل أن نعرف أنفسنا..أدرك أن القراءة لم تعد تشكل مصدر المعرفة الأول كما كانت بالنسبة لجيلي. وأصبحت كالجميع ألجأ إلى الانترنت بدلاً من المعجم، وأشاهد البرامج التلفزيونية عن الصراعات والقضايا الاجتماعية، وأشاهد الأفلام والوثائقيات في السينما. لكن الكتاب يمنحني المعرفة والهروب والمتعة والعاطفة. ولا يمكن الاستغناء عنه، أولاً لسهولة استخدامه ومرونته. فيمكنك تصفحه، أو إعادة قراءته من البداية أو من أي صفحة تشاء. يمكنك أن تقرأه بسرعة أو ببطء، يمكنك التوقف عن القراءة متأملاً جملة، كما يمكنك تركه لأسابيع ثم العودة إليه مجدداً. لا تنحصر القراءة بزمن محدد. إنها الفعل الثقافي الأكثر حرية. والعلاقة المستثمرة في الكتاب هي بطبيعتها علاقة حميمة للغاية وترتبط غالباً بلحظة معينة ومكان محدد، كبلدة أو غرفة فندق أو قطار في طريقه إلى إيطاليا. إن القراءة هي تجربة ينغمس فيها المرء بشكل خفي وبكامل وجدانه: يحفز الخيال أثناء القراءة جميع حواسنا. أما صوت الكتاب فيبقى عصياً ومفقوداً في أي رواية مجسدة على الشاشة، ذلك الصوت الذي يبقى لحنه ولونه ورقته أو عنفه في الذاكرة.من أكثر المشاهد التي رأيتها في السينما إزعاجاً كان المشهد الأخير من فيلم فهرنهايت 451 أحد أفلام تروفو. نظراً لحظر وحرق جميع الكتب، كان الرجال والنساء المختبئين في الغابة يأتون ويذهبون وكل منهم يحفظ كتاباً ويردده بصوت مرتفع.كتبت منذ عدة سنوات في مفكرتي: اليأس، كما عرفته، هو الاعتقاد أنه ليس هناك كتاب قادر على مساعدتي في فهم ما أعيشه، وأنني لن أتمكن من تأليف مثل هذا الكتاب.عندما كنت صغيرة، اصطحبني والدي ذات مرة بعد القداس إلى المكتبة العامة الواقعة في دار البلدية والتي تفتح صباح أيام الأحد فقط. كانت تلك أول زيارة لنا هناك. كان المكان مهيباً ومهجوراً، والأرضية خشبية مصقولة، يقف خلف المنضدة رجل سألنا عن العناوين التي نريدها. ولأنه لم يكن لدينا أي فكرة فقد اختار لي رواية كولومبا لبروسبير مريميه، ولأبي كتاب "ملك الورد للسيدة هوستون" من تأليف جي دو موباسان وهو الكتاب الوحيد الذي رأيت أبي يقرأه على طاولة المطبخ. بدأت الكتابة في العشرين من عمري تقريباً. أرسلت مخطوطة رواية إلى دار نشر رفضتها. شعرت أمي بخيبة الأمل، أما أبي فلم يهتم، بل بدا مرتاحاً. توفي أبي بعد خمس سنوات من نشر أول كتاب لي، وما زلت أتساءل حتى اليوم إن كانت الغاية الأسمى من كتبي، أو المحرك الأساسي لكتابتي هو أن يقرأها أولئك الذين لا يقرؤون عادة...المقال لآني آرنو وهي كاتبة فرنسية نالت جائزة نوبل في الأدب لعام 2022تقتبس في العديد من رواياتها القصيرة مثل "العار" و"الاحتلال" و"الحدث" جوانب من حياتها الشخصية وعلاقتها الإشكالية بوالدها ولا سيما في قصة "المكان".ترجمه عن الإنكليزية: رانيا منير
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة