تخطي إلى المحتوى

الصيام درس في الأدب!

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٣١ مارس ٢٠٢٣
👁 462 مشاهدة 💬 0 تعليق
في كتابه "الإسلام دعوة عالمية" كتب عباس محمود العقاد عدة مقالات أدبية شيقة عن شهر رمضان المبارك وفريضة الصيام وتاريخه في الديانات الثلاثة وفضل ليلة القدر ومعناها الحقيقي. نقتبس هنا بعض ما جاء فيها: درس في الأدب. نعم درس في الأدب لهذه القرون الحديثة من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين.. وما سيليه.. درس لهذه القرون التي بدأت بالسخرية ممن يصومون في سبيل الروح والضمير، أياماً قد تطول إلى شهر ولا تزيد عليه، فإذا بهم يصومون في سبيل الجسد، أو في سبيل المظهر فوق الجسد، شهوراً وسنوات ولا يضمنون القبول ولا ييأسون من الرحمة بعد ذلك، رحمة الهزال والإعياء، ورحمة الاستدواء والاستشفاء. صيام في مستشفى العلاج طلباً للصحة، وصيام في ملعب الرياضة طلباً للرشاقة، وصيام في كل مكان وعلى كل مائدة طلباً للنظرة المعجبة والعين المستحسنة ونزولاً على حكم الأزياء وهي تختلف مع الأذواق والآراء، كل صيف وشتاء، إن لم نقل كل صباح ومساء. بعض التواضع أيها القرن العشرون.. كان كثيراً عليك أن تعترف بصيام واحد، فها أنت اليوم تعترف بألوان من الصيام وأنواع من العذاب، تارة في سبيل الأجسام، وتارة في سبيل الثياب. درس في الأدب وكذلك تكون الدروس والآداب. الصيام كاحتجاج سلمي! جاءت في العهد القديم إشارات كثيرة إلى صيام الأنبياء وصيام غيرهم من أهل الكتاب، ففي سفر الخروج أن موسى عليه السلام "كان هناك عند الرب أربعين نهاراً وأربعين ليلة لم يأكل خبزاً ولم يشرب ماء". وفي سفر الملوك الأول أن النبي إيليا "سار بقوة تلك الأكلة أربعين نهاراً وأربعين ليلة إلى جبل حوريب". وفي إنجيل متّى في العهد الجديد أن السيد المسيح صام أربعين يوماً في البرية، وراجع الباحثون العصريون أخبار الصيام المحققة فاستدلوا بحادث محافظ كورك – تيرنس ماكسويني- على أن الجسم يحتمل البقاء بغير الطعام أربعة وسبعين يوماً إذا لم ينقطع كل الانقطاع عن الشراب، لأن المحافظ المذكور أمسك عن الطعام في الثاني عشر من أغسطس وبقي ممسكاً عنه إلى الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1920، ولم يغب عن وعيه غير أيام قبيل وفاته، ولم يكن من أصحاب القوة البدنية البالغة، بل كان وسطاً بين القوي والهزيل. وفي سنة 1942 لجأ أحد الدعاة السلميين إلى الصيام احتجاجاً على تجنيده، فلبث ستة وأربعين يوماً ثم قال الطبيب بمعسكر ماريلاند عند فحصه إنه كان على حالة حسنة – جسداً وعقلاً – إن كان قد تعرض للجفاف والهزال. وفي سنة 1943 صام "بهانسالي" أحد أتباع غاندي واحداً وستين يوماً، ولكن الأطباء عمدوا في الأيام الأخيرة إلى إطعامه قسراً بالحقن المغذية وهو مصر على رفض كل طعام. أكثر العصور صوماً! أما هذا العصر الذي نحن فيه فإنه بدعة العصور قاطبة في أمر الصيام، لأنه أكثر العصور صوماً وأقلها صوماً في وقت واحد، ونوجز فنقول إنه أكثر العصور صوماً في طلب الرياضة البدنية وما يشبهها، وإنه أقل العصور صوماً في طلب الرياضة الروحية وما يشبهها، وإنه من أجل ذلك بدعة بين جميع العصور! في العصر الحاضر عرفنا البطل الرياضي الذي يحرّم على نفسه طيبات الطعام والشراب ليضمن السبق على أقرانه في مضماره وميدانه. وفي العصر الحاضر عرفنا الرجل الذي يجود بشحمه ولحمه على مذبح الرشاقة والأناقة، ولعله لا يجود برطل من لحم الحيوان على مذبح الكرم والإحسان. وفي العصر الحاضر عرفنا الغانية الحسناء التي تصوم الدهر عن الدسم أو الشراب المباح حرصاً على القوم المعتدل والقد النحيف، ولعلها لا تصوم لحظة واحدة عن اللغو والمحال. وفي العصر الحاضر عرفنا الذين يصومون احتجاجاً على هذه السياسة أو ذلك التدبير، وعرفنا الذين يصومون عن هذا الصنف أو ذاك من اللحوم يومين أو ثلاثة أيام كل أسبوع، خوفاً على الصنف من النفاد السريع. وفي العصر الحاضر عرفنا الذين يقضون الأيام والأسابيع على عصير الفاكهة أو ماء الخضر أو ما شابه هذه وذاك من الغذاء القليل، لأنهم عرفوا دواء الجوع وما لا يغني من جوع. عرفنا أنواع الصيام جميعاً في العصر الحاضر إيماناً بالجسد، وقلما عرفنا نوعاً من الصيام إيماناً بالروح. بل عرفنا أناساً يصومون شهر رمضان ليجمعوا بين الصوم والنوم، ويحسبوا الليل كله سحوراً من مطلع النجم إلى مطلع النهار. أكازيون ليلة القدر! وعرفنا من يسهرون ليلة ليرصدوا ليلة القدر، ولا يفهمون من ليلة القدر إلا أنها- باصطلاح هذا العصر – موعد العرائض والطلبات التي تجاب! وإن ليلة القدر لخير من ألف شهر كما جاء في القرآن، ولكنها لم تكن خيراً من ألف شهر لأنها "فرصة" أو أكازيون، كما نقول أيضاً باصطلاح هذه الأيام! وإنما كانت خيراً من ألف شهر لأنها فاتحة عهد جديد في تاريخ الضمير "هدى للناس وبينات". فهي ليلة القدر لأنها ليلة التقدير والتمييز بين الخير والشر والتفريق بين المباح والمحظور، والأمر بالدعوة والتكليف، وهو أشرف ما يشرف به الإنسان لأنه هو المخلوق المميز بالتكليف والمخصوص بالتمييز بين جميع المخلوقات، ومن أجل هذا فضل على الملائكة لأنها لا تتعرض لما يتعرض له الإنسان من فتنة التمييز بين المباح والمحظور وفضيلة الوصول إلى الخير والامتناع عن الشر بمشيئة الحي المكلف المسئول، وقد افتتحت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بالأمر بالقراءة، واقترن تمييز آدم على الملائكة بفضيلة العلم.. وهكذا ينبغي أن نفهم معنى القرآن ومعنى الفرقان ومعنى التقدير والتمييز الذي خص به الإنسان، ومعنى الأمر الحكيم الذي يفرق في ليلة القدر، بأمر العليم الحكيم. فالشرف الذي فضلت به ليلة القدر، إنما هو شرف التقدير والتمييز، وشرف القرآن والفرقان، وشرف التكليف الذي رفع به الإنسان إلى منزلة أشرف المخلوقات، وحق عليه أن يذكره لأنه محاسب عليه، فيذكر في كل يوم وليلة أنه مسئول عما يفعل، وأنه مشرف بين الخلائق جميعاً لأنه مناط السؤال والحساب. وعلى هذا المعنى وحده ينبغي أن نفهم التقدير الذي يرتبط بنزول القرآن وبأمر القراءة والعلم الذي يفرق به كل أمر حكيم. Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:8.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:107%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}
مشاركة المقال:

التعليقات (0)

سجّل دخولك لإضافة تعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

مقالات ذات صلة