.: THE STRANGER :.

لك شيء في هذا العالم.. فقُم
جاري التحميل...

بعد قراءتي الأولى لكتاب المؤلف "بؤس التلفيق" الذي ينقد فيه فكر محمد شحرور وأتباعه، لم أجد بداّ من قراءة كتابه الثاني هذا "تناقضات منهجية" فور عثوري عليه، والذي ينقد فيه تلميذ شحرور، عدنان إبراهيم . ذلك لكون منهجية الكاتب وموضوعيته في الشرح والنقد والطرح قد اكسبتاني ثقة كبيرة فيه وفيما يقوله، حتى اعتزمت قراءة كل كتاب مماثل يؤلفه. قد يقول البعض أن لا شيء اسمه نقد موضوعي، فبمجرد النقد بات الكاتب منحازاً نحو الجهة المضادة للشخص الذي ينقده. ولكن لم يكن الحال كذلك مع هذا الكاتب وكتبه. فقد كان ينقد ويشرح ويعاكس آراء ومقترحات عدنان إبراهيم عن طريق عرض آراء الرجل المتناقضة نفسها، والتعليق عليها بشروحات وتوضيحات منه ومن أبرز العلماء والمفكرين، وحتى من اقتباسات من مراجع الرجل نفسها التي يعتمد عليها (كابن القيم وابن تيمية وغيرهم)، والتي لم يقرأ سوى أجزاء منها، ولو قرأها كلها لتبين له خطأ ما يحاول ادعاءه، ولظهر له كون البناء الذي يبنيه مؤسس على الماء! ركز الكاتب على أخطاء إبراهيم وتناقاضاته فيما يتعلق بموضوع الردة والجزية والحريات. وباقتباسات من كلامه، بين الكاتب المنبع الذي يستقي منه كلامه، والوادي الذي تجري فيه دعواته وادعاءاته، ومن ثم، المصب الذي تصب فيه. فكان أن وضح الكاتب قلة الفقه والعلم الشرعي اللذين يحوزهما إبراهيم، والأسس الخاطئة للبحث العلمي التي ينتهجها، وتناقض دعواته للموضوعية مع أطروحاته وكلامه وانحيازاته. فلم يكن من أمر الكاتب سوى أن وضع لنا النقاط وضدها من كلام إبراهيم نفسه، وشرح الصواب وعلق على وجهات النظر، ليترك لعقل القارئ - الباغي للصواب - استنتاج من على صواب ومن على خطأ. فمن يعظم إعلان حقوق الإنسان أكثر من كتاب الله لا يستحق أن يتبع، ومن لا يتقبل نقد آراءه الشخصية ويقبل طعن وسب نبيه باعتبارها "حرية تعبير" لا يستحق أن نسمع له كلمة، ومن يشكّك في صحة سنة النبي ويدعو لتركها تارة لتعارضها مع آراءه، ويقتبس منها تارة أخرى لاتفاقها مع آراءه لهو شخص متذبذب لا يؤخذ له رأي، ولكن هل من مستمع؟ صحيح، قد يكون في ديننا أحكام لا نفهمها أو لا نعرف الحكمة منها ومن تشريعها، ولكن هذا لا يعني أن ننسفها من أساسها ونلتف حولها ونحاول إسقاطها وندعي الفهم ونفتي في الناس بما لاعلم لنا به ونهرف بما لا نعرف، بل نقبل ونتقبل فـ "من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب". وما يدعو إليه إبراهيم وأمثاله لا يمكن تسميته سوى الانتقائية في الدين، وهذا عين ما نخر في عمق الأديان الأخرى التي قال الله في اتباعها: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض"؟ يبين لنا الكتاب مدى انخداع الناس بآراء هذا الشخص، ومدى التخريب الذي يكون الانسان على استعداد للقيام به في دينه وإيمان من يتبعه من أجل المصالح أو لأهداف أخرى... ويرينا كيف أن الناس يتوقون لسماع أي خطاب يحسن واقعهم، فينجرون وراء قائله بمجرد تفوهه بعبارات رنانة كالحرية والسماحة وحقوق الإنسان وتجديد الدين وتناسبه مع العصر. يوضح هذا مدى تقصير علماءنا في هذه المواضيع وخطأ تسخيفهم إياها وخطورة جمود عقول أكثرهم حتى بات الناس ينفرون منهم ويسعون نحو ما يرون فيه الخلاص. ثم يأتي رجل ليستغل حاجة الناس للخطاب المتجدد ويقحم في الدين ما ليس فيه ويحل ما حرم الله ويأتي في الدين بما لم يأت به بشر قط، زاعماً أن آراءه لم يفكر بها فقيه قط قبلاً نظراً لتحجر العقول والاتباع الأعمى الذين كانا سائدين في العصور "الوسطى" للمسلمين. وقد كان للكاتب نقطة لطيفة حول هذا الأمر حين قال بأن ما يقوله إبراهيم كان فيه محقاً. صحيح، لم يأت أحد بما اتى به، ولم يفكر أحد بما فكر به، ولكن ليس لتحجر واتباع أعمى، بل لتورع عن الخطأ، وخشية من الله، والتزام بما أمر ونهى عنه. كلما ظهر رجل من أمثال شحرور وإبراهيم ومن لف لفيفهما، تبينت لي ضرورة أن يترك علماؤنا التركيز على سفاسف الأمور، والتركيز على ما يخترق جسد الأمة وعلى من يحاولون قطع شجرة الإيمان من جذورها. فماذا يفيد الجدل المحتدم حول "هل تقرأ الفاتحة سرية أم جهرية في الصلاة"؟ ما دام معظم الناس قد تركوا الصلاة من الأساس وتضعضع إيمانهم وتجاوزت بذور الشك في قلوبهم مرحلة النمو إلى التجذر لتكبر كشجرة يتفيئ ظلالها أجاهل الناس أو عامة من لم تتعمق بذور شكهم بعد في سويداء القلوب والعقول؟ متى سنتعلم فقه الأولويات ونترك معالجة القشور ونهتم باللب الذي بدأ يتعفن؟ الكتاب كان ممتاز الطرح والشرح والأمثلة والنقد، ولكنني أحسست أنه كتب على عجل، فلم يوفيه الكاتب حقه من الإسهاب والإيضاح ولا من التعمق أكثر في مواضيع أخرى غير التي تناولها. فما قلته عن كتابه الأول سأقوله هنا: ليس كل الاختصار جيداً، فأحياناً يكون التفرع والتعمق والإسهاب أولى لدفع باطل أو إحقاق حق. فالكتاب بكتب مرة واحدة، وإذا لم نوفيه حقه من الإسهاب، فلن نوفي حق القارئ من الفائدة . أربع نجمات لا تعني أن الكتاب كان عادياً، ولكن أنقصتها لكونه منقوص الأفكار ويعوزه بعض الترتيب والتنسيق (على الرغم من أنني قرأت الطبعة الثانية المعدلة) ليخرج بأبهى صورة وأكبر فائدة وأعمق أثر. نحتاج لنشر كتب كهذه بين الناس، ونحتاج للوعي والغيرة والثقافة الدينية والتخصصية والتاريخية والعامة التي لدى هذا الكاتب، فبها تواجه الشبهات وينشر الوعي ويوقف المتجاوزون عند حدودهم.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...