.: THE STRANGER :.

لك شيء في هذا العالم.. فقُم
جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


الحصان والمكتبة

03 أغسطس 2017
المزيد »

لطالما كانت مأساة هيروشيما وناغازاكي مثيرة للاهتمام بالنسبة إلي ولكنني لم أعرف عن تفاصيلها سوى كونهما مدينتان في اليابان، ألقت عليهما الحكومة الأمريكية قنبلة ذرية إبان الحرب العالمية الثانية، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الناس. كنت أسمع بهذه المأساة دونما تأثر، وكأنما ذاك الشطر من العالم لا يعني لأحد شيئاً، أو أن أناسه ليسوا بشراً مثلنا. بت أدرك في الآونة الأخيرة حجم التغييب الذي تعيشه بلدان الشرق الأقصى عن الذاكرة أو المخيلة العامة لنا. فلا مآسي تلك البلاد ولا تاريخها ولا حتى جغرافيتها كانت مركزاً لاهتمامنا أو اهتمام مناهجنا أو كتبنا إلا لماماً، في حين تتجه الأنظار خاشعة نحو الغرب، وجهة ودولاً. فشرعت بالاهتمام بما يحصل في ذلك الجزء، وبالبحث عما يمكن قراءته حوله. فبدأت بمآسي بورما ومررت ببعض المشاهد من كوريا، ووصلت الآن إلى اليابان. قد لا يكون لمعرفتي هذه أدنى تأثير، ولكن يكفيني أن يكون العالم كله أمامي سواسية، فلا أتجه لأمة دون أمة، ولا أحابي أحداً على حساب الآخر. في هذا الكتاب، اجتمعت المأساة الإنسانية مع الحقد واللامبالاة والطمع في إطار واقعي قصصي متشابك يحكي شهادة ستة ناجين من القنبلة الذرية (أو ستة متضررين كما يحبون أن يُدعٓوا، إكراماً لأرواح من قضى). كان منهم الطبيب والراهب وربة المنزل والموظفة، الشاب والكهل والفتاة والأم، اختلفت مشاربهم واتحدت تجربتهم وتقاطعت طرقهم، غير أنهم جميعاً قد بدأوا فصلاً جديداً من حياتهم في تمام الساعة الثامنة والربع من صباح ذلك اليوم المشؤوم من أيام الحرب التي لم يكونوا يظنون لها نهاية. تناولت القصة جميع الشهادات بشكل يربطه التدرج الزمني للحدث بدل عرض كل قصة على حدة، فمشت بنا منذ ما قبل الكارثة وحتى سنة بعدها، وهي الفترة التي جمع الكاتب فيها شهادات الناجين. ولكن القصص لم تنته عند ذلك الحد، بل عاد الكاتب بعد أربعين سنة ليروي ما بقي من شهادات هؤلاء، والكيفية التي عاشوا بها ومات بعضهم. فكان هذا الجزء مكملاً للرواية متمماً للأحداث. ليس من الضرورة أن تنتهي المعاناة مع انتهاء الأزمة، فقد يقضي الإنسان عمره في عيش تبعات هذه التجربة عليه وعلى من حوله. فهذا الجزء كان لا يقل أهمية أبداً عن الجزء المتعلق بالكارثة نفسها. ليس هناك من داع لأشرح عن مشاعري لدى قراءتي عن المزق والأشلاء والعواطف والجمود والخوف والترقب والألم والمعاناة والإرهاق والصدمة وفراق الأحبة والمرض. لا داعي لأشرح بكم وكم من المآسي شبهت هذه المأساة، وما من داع لأحكي عما راودني من أسى وما تراءى أمامي من تخيلات أثناء قراءتي للأحداث، ولا كمية الفخر الذي أحسسته عندما قرأت عن تحسن حياة كل منهم وسعيه وكفاحه لتجاوز المأساة والعمل لمستقبل أفضل استطاعوا في النهاية الوصول إليه جميعهم، وإن بدرجات متفاوتة. مؤلمة هي الحدود التي قد يصل إليها جشع الإنسان ولا مبالاته وزهوّه واستعباده واحتقاره لكل من ليس مثله، ومفجعة هي الطريقة التي قد يستخدم البعض فيها أعلى درجات العلم لتحقيق أدنى درجات الخسة والدناءة وانعدام الإنسانية. كان مما أعجبني في هذا السياق وصف إحدى الناجيات للكيفية التي بدأت فيها النباتات في النمو سريعاً فوق أنقاض الدمار الذي خلفته القنبلة على أنه استدراك من الطبيعة وإصلاح لما يفسده إبداع الإنسان وتألقه. ومما أعجبني أيضاً مقدار تفاني الناس وحبهم لوطنهم حتى كانوا - بشهادة أحد الناجين - يعضون على أوجاعهم ويكتمون تأوهاتهم إيماناً بأن تضحيتهم هذه كانت من أجل الوطن. كانت مقدمة الدكتور العجيري رائعة وأضافت قيمة عالية للمادة وأعطت زخماً عربياً لها بربط الأحداث بالواقع، كما فسرت نقاطاً مهمة كان لا بد من التنويه عنها. وكما المقدمة كانت الترجمة التي كانت من الإتقان بحيث يظن القارئ أن الكتاب كتب بالعربية أساساً. كتاب متكامل يحكي القصة من البداية للنهاية ويستفيض في وصف ما لم يصفه أحد، وما أهمله كل أحد ممن ألف عن المأساة: المشاعر الإنسانية، والإنسان. لا الأرقام ولا النسب ولا التواريخ ولا الأماكن.. الإنسان وحده كان المحور في هذا الكتاب، وكل شيء آخر كان يدور في فلكه.


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...