جاري التحميل...

تطالعنا ، في مشهد السرد العربي ، وفي النقد العربي ، مصطلحات ٌ ومقاربات ٌ نقدية : الأقصوصة ، السرد الوامض ، القص المقتضب الحكاية المجهرية ، القصة اللقطة .. وهي جميعها تعني ما اصطلح َ على تسميته ب ِ : القصة القصيرة جداً . ولكتاب انفعالات دور هام في ترجيح هذه التسمية / المصطلح على المصطلحات الأخرى . النصوص السردية التي كتبتْها ساروت والتي ، في معظمها، لا يتجاوز حجم ُ النص الواحد منها الصفحة َ الواحدة ، هذه النصوص أقربُ ما تكون إلى هذا النوع القصصي : القصة القصيرة جداً . ساروت لم تقل ْ عن نصوصها قصص قصيرة جداً ، هي أسْمتْها انفعالات Tropismes وأعطت لكل انفعال رقماً هذا يعني : لا عنوان للقصة . وردت ْ تسمية قصص قصيرة جداً في مقدمة المترجم ، وكان لهذا الكتاب ، ولهذه التسمية ، تأثيرٌ كبير في السرد العربي والنقد العربي مُذْ وصل َ إلى المكتبة العربية في بداية سبعينات القرن العشرين . القصة القصيرة جداً نوع قصصي مخصوص ، ينتمي لجنس السرد وإن اختلف عن الأنواع الأخرى سواء من حيث الطول والقصر ، او عنصري الدهشة والمفارقة ، او ( التناص الإيحائي) (وانزياحات المعنى) كما يصادفنا في الدراسات التي تبحث في هذا النوع من السرد. ونصوص ساروت في هذا الكتاب تحيل الذاكرة إلى الجدل الذي احتدم حول مفهوم ( الرواية الجديدة) والتي يربط بعض الباحثين بينها(أي الرواية) وبين المنهج الفينومونولجي (الوصف المحض للظواهر) لدى هوسرل ، حيث يُنجز ُ القاص نصَّه السردي دون ان يُلقي بالاً لمغزىً ما ، او هدفٍ ما ل ِ نصه ، إذ إن القارئ هو الذي يُكملُ النص ، ويستنتج ُ. ولو تأملنا قليلاً في مطلع النص الأول من نصوص ساروت في هذا الكتاب لرأينا هذا الملمح الفني( الوصف المحض) حاضرا بقوة : . ( بدوا كأنهم ينبعون من كل مكان ، كأنهم يتفتحون في برودة الهواء الندية ، وكانوا يسيْلون ببطء كما لو كانوا ينضحُون من الجدران ، ومن الأشجار المسيجة ، ومن المقاعد ، ومن الأرصفة القذرة ، ومن الحدائق وسط الميادين . كانوا يتمطون في هيئة عناقيد طويلة داكنة بين واجهات البيوت الخالية من الحياة . وبين مسافة وأُخرى كانوا يتجمعون أمام واجهات المحلات ، حزما كثيفة لا تتحرك ،ينتج عنها شيء من الاضطراب في صورة انسدادات خفيفة. كانوا ينظرون بانتباه إلى اكوام الأقمشة في معرض البياضات .. أو إلى دمية تلمَع أسنانها وعيناها ثم تنطفئ ، على فترات منتظمة ، تلمع ثم تنطفئ ، تلمع ثم تنطفئ تلمع من جديد ومن جديد تنطفئ . كانوا ينظرون طويلا ، دون حراك ، ويبقون مشدودين امام الواجهات، يؤجلون دائما إلى اللحظة التالية موعدَ رحيلهم. والأطفال الصغار الهادئون الذين أسلموا إليهم أيديهم وقد اجهدهم طول النظر وشرد ذهنهم ، ينتظرون صابرين بالقرب منهم )


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 1
  • 1

جاري التحميل...