جاري التحميل...

حذاقة تشيخوف ، كقاص عظيم ، تتجلى ، أكثر ما تتجلى ، في قصص : القبلة ، حكاية مملة ، عنبر رقم ستة ، كاشتانكا .. وهي من القصص التي يضمها المجلد الثاني من مؤلفات تشيخوف . هذا بالطبع ، لا يقلل من شأن القصص الأخرى ، والمسرحيات التي كتبها تشيخوف . فالكتاب ذوو القامات الابداعية الباذخة،وتشيخوف منهم ، لا يستحوذون ، دائما ، على حدوسهم . تشيخوف ، في القصص التي ذكرتها :يستحوذ تماماً على حدسه : تنداح عبقريته ، وتبلغ أوجها. إن قصة تشيخوف الأكثر شهرة ً: قصة ( وحشة ) التي يصادفها القارئ في المجلد الأول : حوذي لديه زحافة يجرها حصان هي عربة تنقل الركاب . في يوم ثلجي ،حيث كان ابن ُ الحوذي قد مات من المرض والبؤس ، ينتظر الحوذي ركابا وبعد طول انتظار يأتي أشخاص ويصعدون للعربة ، يريد الحوذي أن يبوح بآلامه ، يحاول أن يتكلم فيُسكتونه ، فالناس مستعجلون .. عندما يعود إلى بيته البسيط يضع العلف للحصان ويحكي له عذاباته . الحوذي لا يريد منا ،نحن البشر ،شيئا . يريد فقط أن نسمعه : أن نلتفت له ككائن يتألم ، إذ يفقد الأمل بنا يبوح للحصان . الحيوان ، هنا ، اكثر رأفة ً منا ، نحن البشر . القصة تصفعنا . في قصة (كاشتانكا) رجل بسيط يعتاش من عمله في السيرك : يقدم فقرات بسيطة مسلية ريثما يغير نجوم السير ملابسهم . لديه فريق : قط وذكر إوز وكلبة .يدللهم يسمي القط فيدور ، والكلبة : الخالة.. في الليل ، في الزريبة ، يمرض ذكر الاوز ويموت . الكلبة والقط وباقي الحيوانات تدرك أن شيئا ضاريا غير مرئي يتحرك في العتمة ، تدرك الحيوانات غريزيا رهبة وسطوة الموت . الموت يوحدنا جميعا ، نحن مخلوقات الله ، سواء كنا ملوكاً أو شحاذين ، إوزاً أو حراذين : " خُيلَ للخالة (يعني الكلبة) أنه سيحدث لها نفس الشيء ، أي أنها ، هي أيضاً ، ستغمض عينيها لسبب غير معروف ، وتمد ُّ ساقيها ، وتكشر عن أنيابها وسوف ينظر إليها الجميع في رعب ، ويبدو أن مثل هذه الأفكار جالت بخاطر فيودور(القط) أيضا ولم يسبق أن كان القط العجوز مكفهرا وعبوسا كما هو الآن .. وعندما طلع الفجر جاء البواب فرفع ذكر الاوز من ساقيه وحمله الى مكان ما .. أما الخالة كاشتانكا(الكلبة) فكانت تتشعر بالوحشة والحزن والرغبة في البكاء .. دخلتْ تحت الكنبة وأخذت تُعولُ بصوت خافت رفيع : عو .. عوو .. " . أما قصة ( القبلة ) فمأثرة سردية : ضباط وحدة عسكرية ، بينهم الضابط ريابوفيتش، يحلون ضيوفا على قصر اقطاعي معروف . الجميع في السهرة يتحدث ويراقص ويغازل ويتناول الخمر ..وهذا المناخ غريب على ريابوفيتش : هو لا يعرف كيف يتودد لامرأة ، أو يخاصرها او يراقصها . يشعر أنه غريب فيتمشى في ممرات وردهات المنزل : " توقف ريابوفيثش مترددا.. فوجئ بخطوات عجلى وحفيف ثوب. وهمسَ صوتٌ نسائي مختنق: (أخيراً ) وطوقتْ عنقه ذراعان ناعمتان عطرتان ،لا شك أنهما نسائيتان والتصقَ خدٌ دافئ بخده وتردد صوتُ قبلة ثم ندَّتْ عن صاحبة القبلة صرخة ضعيفة وارتدتْ عنه، بتقزز ، كما خُيلَ ل ِ ريابوفيتش .. عندما عاد الى الصالة كان قلبه يخفق.. عذَّبَهُ الخجلُ والخوفُ من أن كل من في الصالة يعرفون أن امرأةً عانقتْهُ وقبلتْه .فانكمشَ وأخذ يتلفتُ حوله بقلق وعندما تأكد أنهم يرقصون ويثرثرون بهدوء في الصالة استسلمَ لهذا الاحساس الجديد ..ومضى محاولاً أن يفسرَ لنفسه تلك المغامرة الغريبة.. ربما ضربتْ إحدى السيدات موعداً لشخص ما في تلك الغرفة شبه المظلمة وانتظرتْه طويلاً ، ولما كانت مستثارة الأعصاب فقدْ ظنتْ ريابوفيتش بطلَها خاصة وأنه عبرَ الغرفة متردداً وبدا كأنه ينتظرُ .. هكذا فسَّرَ ريابوفيتش لنفسه سرَّ القبلة التي تلقَّاها : وفكر وهو يطوف بوجوه النساء : ولكن من هي؟ ينبغي أن تكون شابة..ثم انها مهذبة فقد ظهر ذلك من حفيف ثوبها وعطرها وصوتها . وتوقفتْ نظراتُه على الفتاة البنفسجية فأعجبتْه للغاية.كانت كتفاها وذراعاها جميلة ، ووجهها ذكيا ، وصوتها رائعا وشعرَ ريابوفيتش برغبة ان تكون هي بالذات وليس غيرها تلك المجهولة (التي قبَّلته ُ) ..ولكنها ضحكت ضحكة غير صادقة وقطبت انفها الطويل الذي بدا كأنف العجائز. عندئذ حوَّل َ بصرَه الى الشقراء ذات الفستان الاسود.كانت اكثر شبابا وبساطة وصدقا وكان صدغاها ساحرين وكانت ترشف الكأس بطريقة آسرة . وأراد ريابوفيتش الآن أن تكون هي تلك المرأة ولكنه سرعان ما وجد ان وجهها مسطح فحوَّلَ بصره الى جارتها .. وفكر وهو يحلمُ : من الصعب ان تخمن . لو أخذنا من البنفسجية كتفيها وذراعيها فقط وأضفنا اليها صدغي الشقراء وأخذنا العينين من السيدة التي تجلس الى يسار لوبتيكو فإن ... وجمعَ ذلك في ذهنه فظهرت ْ لديه صورة الفتاة التي قبَّلتْه ُ "


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...