رانيا منير

الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

بين الكتب والقرّاء


نساء قاتلات!

23 مارس 2015
المزيد »

رغم أن غلاف الرواية يكشف لك سرها ويوضح أن هناك بالفعل أربع شخصيات مختلفة لكن لا مفر من الضياع في هذا الكم الهائل من الصفحات ويبدو أن هذا أحد أسرار جمال هذه الرواية.. في كل مرة أقرأ رواية غامضة في أحداثها أو متشابكة وتحمل سراً ما لا يكشف حتى الصفحة الأخيرة، أقول لنفسي بعد انهائها والفشل في اكتشاف سرها بنفسي، لو عرفت منذ البداية لكانت القراءة أكثر متعة، وربما لهذا السبب لا أميل كثيراً لقراءة روايات الرعب والغموض والتشويق، أكره الغموض وأفضل أن أقرأ شيئاً واضحاً ومتفقاً عليه منذ الصفحة الأولى الذي يبدو أنه من سابع المستحيلات سواء في الحياة أو الأدب، ربما ستكون إعادة القراءة هي الحل لكن من سيجرؤ على إعادة قراءة 800 صفحة؟! تابعت القراءة رغم التشوش وتداخل الشخصيات ونسيان تفاصيل كل منها فلم أعد أعرف من عشق من ومن كانت حبيبة من وكيف مات البطل في السادسة عشرة من عمره وما زال حياً في العشرين ( طبعاً البطل يموت في الربع الأول من الكتاب وستصاب كقارئ بصدمة كبيرة ومفاجأة وتشعر بالاستياء والاستنكار وتتساءل كيف يمكن لرواية أن تستمر وقد مات بطلها منذ البداية، لدرجة أنك تفكر بمراسلة بول أوستر لتعبر له عن امتعاضك واستياءك) (بالمناسبة هذا لا يعتبر إفساد لأحداث الرواية لأنه من المهم أن تعرف قبل أن تقرأ أن الرواية حول 4 شخصيات وليست واحدة وإلا ستصاب بتلبك قرائي).. ولا أظن أبداً أن القارئ سيفقد متعة القراءة لو علم منذ البداية خطة بول أوستر الروائية وأنه يتحدث عن شخصية واحدة إضافة إلى ثلاثة مصائر متخيلة لنفس الشخصية، بمعنى أننا نقرأ 4 روايات لشخصية واحدة في كتاب واحد دون وجود أي إشارات أو تبويب أو عناوين مختلفة للفصول بحسب كل شخصية كما يفعل عادة المؤلفين عندما يكون الراوي متعدد الأصوات. ولكن رغم لا منطقية تسلسل أحداثها، تقرأ عن تجارب ممتعة، عن الحياة في باريس عن الفروق بين الباريسيين والبريطانيين والأميركيين، عن السود والبيض، عن حياة التسكع، عن مشاهدة الكثير من الأفلام، عن السينما عن "الإغراء في الدخول إلى عالم مواز من السحر والحرية، الرغبة في دعم المرء نفسه بقصص آخرين أكبر من الحقيقة، وأفضل من الواقع، النفس التي تسبح في الهواء خارج نفسها، وتترك الأرض وراءها". عن الرياضة، عن الموسيقى التي بحسب تعبير فيرغسون يمكن لها "إعادة ترتيب الذرات في دماغ الإنسان"، عن دعم الأصدقاء، عن قراءة الكثير من الكتب :"كان الكتاب كل شيء بالنسبة إليه، الكتاب هو الفرق بين البقاء على قيد الحياة أو عدم البقاء على قيد الحياة". عن طموح كاتب شاب، عن معجزات يحلم جميع الكتاب أن تحدث لهم، كأن يستيقظوا مثلا ليجدوا في حسابهم مبلغاً خيالياً يسمح لهم بالتفرغ للكتابة.. عن السياسية الأميركية عن الجنون الأميركي والعنصرية الأميركية عن "المستهلكين المفاخرين" عن أميركا الجيل الأول والبيسبول والأدوات الكهربائية والتسويق وجنون الاستهلاك وعبادة المال الذي يمثله والد فيرغسون ابن أحد أوائل المهاجرين اليهود إلى أمريكا ممن عانوا الفقر وخضعوا لنظام الحياة الأميركية "إما العمل أو التضور جوعاً. إما العمل أو فقدان السقف الذي يأويك. إما العمل أو الموت." فكانوا أولاً يعملون لتفادي الجوع والتشرد، ثم في الجيل الثاني باتوا يعملون من أجل منزل اكبر وسيارة أحدث وحياة أكثر رفاهية، تماماً كما تحول والد فيرغسون إلى نبي الأرباح "الذي آمن بالمال كما آمن الناس بالله أو بالجنس أو بالعمل الصالح، المال كخلاص ووفاء، المال كمعيار أقصى للأشياء، وكل من يقف في وجه هذا الاعتقاد إما أحمق أو جبان، كما كانت زوجته السابقة وابنه بالتأكيد أحمقين، ودماغاهما محشوين بالهراء الرومانسي الذي قدمته أطباق الروايات وأفلام هوليوود الرخيصة". الرواية غنية جداً وكثيفة صحيح أن طبيعة الأدب هي تكثيف الاحداث لكن أن يعيش شاب في الثامنة عشرة من عمره كثير من تجارب الحياة ويصل لمرحلة النضج الحقيقي وهو مالم يتجاوز العشرين بعد فهذا شيء يثير الاعجاب وربما الحسد لهذا الفريغسون الذي يملك كل هذا الحظ في الحياة، حساب في البنك يهبط عليه بين الحين والآخر سواء هدايا من جديه أو ميراث من والده أو دفعة أولى من ناشره لقاء أول كتاب ينشر له، وكل هذا الكم من الأهل والأصدقاء والمعارف المثقفين والمستعدين لتقديم المساعدة والدعم والتربية الثقافية المثالية سواء من أمه المحبة للسينما والتصوير، أو خالته الأكاديمية التي تزوده بالكتب والاسطوانات الموسيقية، أو زوج أمه الصحفي وصديقته التي تولت تعليمه لأشهر طويلة في باريس، أو زوج خالته الأستاذ الجامعي. فرغسون بدأ بالقراءة منذ كان جنيناً في بطن أمه التي لم تعرف ماذا تصنع بوقتها الطويل في فترة حملها فدعمتها أختها بمجموعة كبيرة من الكتب، ثم عندما علمته جدته القراءة في الفترة التي بقي فيها حبيس المنزل بعد كسر رجله، ثم تولت خالته تزويده بجميع الكتب المنتقاة بعناية وعلى مراحل تناسب نموه وعمره، لم تكن الكتب وحدها ما تزوده بها خالته ميلدرد وإنما التسجيلات الكلاسيكية للموسيقا العالمية. لهذا من يهتم أي من الشخصيات الأربعة هو من تعرض للضرب على يد مشجعي مباراة، أو أي منهم تعرض للضرب والاعتقال لدفاعه عن صديقه الأسود، من يهتم من بينهم هو العاشق الأبدي لإيمي الاستثنائية، هل هو فيرغسون 1 أو 2 أو 3 أو 4، من يهتم بعد أن يقرأ أحد أجمل المشاهد التي تصور ببساطة طبيعة علاقة فيرغسون بإيمي عندما دخلا أحد المطاعم لتناول عشاءهما الأخير فجلست ايمي وظهرها إلى الحائط بحيث تستطيع رؤية الأشخاص الموجودين في المطعم بينما جلس فيرغسون وظهره للآخرين، قال في نفسه، "لطالما كانا كذلك على مدى السنوات الأربع والأشهر الثمانية الماضية، تنظر إيمي إلى الآخرين، وينظر إلى إيمي وحسب". الرواية طويلة لأنها تقدم بانوراما لتاريخ أمريكا، لأهم الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي وقعت بين 1950 و 1970، كل تلك الأحداث المثيرة والاستثنائية، حرب الفيتنام والاحتجاجات ضدها، اغتيال كينيدي، اغتيال مالكوم اكس، اغتيال مارتن لوثر كينغ، الوصول للقمر، العنصرية الأميركية ضد السود، يرويها فيرغسون من وجهة نظر شاب لا يميل لأي من الأطراف بل يحاول فقط أن يرصد كل شيء ويفهمه هذا الشاب الذي كما وصفته فيفيان هو شخص لا يريد إعادة اختراع العالم، بل يريد أن يفهم العالم من أجل أن يجد طريقة للعيش فيه". هو ينظر للعالم من وجهة نظر المثقف الذي يقف أحياناً ليسأل نفسه هل عليه أن يترك الأدب ليشارك في الثورة أم يبقى متفرجاً ويتابع كتابة كتبه.. يقول بول أوستر عن بطله: ( الذي تتقاطع كثيراً سيرته الشخصية مع سيرة بطله حتى أن تاريخ ميلاد أوستر هو نفس تاريخ ميلاد فيرغسون) "لم يكن مهتماً الآن إلا بأربعة أشياء فقط: العمل على كتابه، وحب سيليا، وحب أصدقائه، والذهاب إلى كلية بروكلن. لا يعني هذا أنه لم يعد يبالي بما يحدث في العالم، لكن، لم يعد العالم يتهاوى فحسب، كان العالم يشتعل، وكان السؤال: ماذا ستفعل، أو لن تفعل، عندما يحترق العالم، وليست لديك الأدوات التي تطفئ النيران، عندما تكون النار في داخلك بقدر ما هي حولك، وبغض النظر عن ما ستفعله، أو لن تفعله، فإن تصرفاتك لن تغير شيئاً؟ التزم بالخطة من خلال العمل على الكتاب. كان ذلك الجواب الوحيد الذي استطاع فيرغسون الإتيان به. اعمل على كتابك عبر استبدال النار الحقيقية بأخرى خيالية، وتمنّ أن يضاف المجهود إلى شيء أكبر من اللا شيء. وبالنسبة إلى هجوم التيت في جنون فيتنام، وبالنسبة إلى تخلي ليندون جونسون عن الحكم، وبالنسبة إلى اغتيال مارتن لوثر كينغ: راقب هذه الأحداث بعناية قدر المستطاع، تشرّبها عميقاً قدر المستطاع، لكن، بخلاف ذلك، لا تفعل شيئاً. ما كان ليقاتل من خلف المتاريس، لكنه سيهلل لأولئك الذين يفعلون، ثم سيرجع إلى غرفته، ويعمل على كتابه. كان يعلم مدى الهشاشة في موقفه، مدى عنجهيته، مدى أنانيته، الخلل بصدد الفن فوق كل شيء آخر في تفكيره، لكن، إن لم يتمسك بحجته (والتي على الأرجح لم تكن حجة بقدر ما كانت استجابة غريزية)، فسيستسلم للحج ةالمضادة التي تفترض وجود عالم، لم تعد الكتب ضرورية فيه، وأي زمن سيكون أهم لتأليف كتاب أكثر من سنة يحترق فيها العالم وأنت تحترق معه؟" طبعاً في النهاية لا بد من التذمر المعتاد حول الترجمة: يبدو أن وجود ثلاث مترجمين في عمل واحد قد حرق الطبخة فعلاً، هل يبرر طول الرواية ألا يحرص المترجمين أو المراجعين على إعادة قراءة النسخة الأخيرة من الرواية قبل أن تصل للنشر بهذا الكم الكبير من الأخطاء والركاكة؟


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 1
  • 3

جاري التحميل...