رانيا منير

الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

بين الكتب والقرّاء


نقاش رواية

10 مارس 2018
المزيد »

بدأت رحلتي مع فرانكشتاين من كتاب "الحقيبة الجلدية" الذي يجري فيه الصحفي علي سعيد عدداً من الحوارات الصحفية مع أدباء ومفكرين من بينهم الروائي العراقي أحمد سعداوي وكان الحديث حول روايته فرانكشتاين في بغداد وفوزها بجائزة البوكر من الجميل أن تقرأ عملاً بعد أن تهدأ الضجة التي أثارها فوزه بجائزة عالمية.. لا أحب عادة قراءات الراويات التي تسلط الأضواء عليها ويقرأها الجميع فقط ليشاركوا في التعبير عن رأيهم بها، وإنما أفضل أن أترك المصادفات لتحدد وقت قراءتها، وعادة يأتي ذلك الوقت بقراءة اقتباس في مكان ما أو مراجعة أو لقاء مع المؤلف كما حدث في كتاب "الحقيبة الجلدية". ما أثار حيرتي في رواية أحمد سعداوي أنه لا توجد أي إشارة في الرواية كلها للشخصية المقصود بها فرانكشتاين، هل هي المسخ الذي أطلق عليه اسم "الشسمه" أم هادي العتاك صانع هذا المسخ؟ لذلك وبعد انتهائي من قراءة الرواية كان لا بد من قراءة الرواية الأم التي اقتبس منها الاسم "فرانكشتاين" لماري شلي. وبالطبع هناك كان فرانكنشتاين هو المخترع الشاب ومحب العلم الذي دمر نفسه سعياً وراء هدفه في البحث عن سر الحياة وتشكيل مخلوقه المسخ الذي يبقى خلال الرواية كلها بلا اسم أيضاً. كنت أريد أن أعرف إلى أي مدى اقتبس أحمد سعداوي من ماري شلي، وما مدى الشبه بين الروايتين.. فوجدت أن كل ما حدث في رواية ماري شلي لا يعدو أربع أو خمس جرائم قتل ارتكبها المسخ بحق أناس أعزاء على فرانكنشتاين لينتقم منه ومن جميع البشر الذين لم يجد منهم المحبة أو العطف أو التعامل الإنساني فقط لبشاعة مظهره. بل وبالمقارنة مع "فرانكشتاين في بغداد" فلا مجال لاعتبار رواية ماري شلي رواية رعب فليس فيها أحداث مخيفة، سوى المرحلة التي كان فيها فرانكنشتاين يتجول بين المقابر ويجمع جثث الموتى ليصنع مسخه، كل تلك تفاصيل يمكن اعتبارها أحداثاً عادية إن قورنت بالرعب الموجود في رواية أحمد سعداوي. قرأت العديد من المراجعات حول الرواية واستغربت أن لم يشر أي قارئ إلى كونها تحمل تفاصيل مرعبة ومثيرة للاشمئزاز، أيعقل أن أحداً لم يشعر بالتقزز من تلك المقاطع التي يشرح فيها كيف يقتل الشسمه ضحاياه ويقتلع أعضاءهم ليستبدل بها أعضاءه المتساقطة، ألم يرعبهم ذلك المشهد عندما أمسك بالساحر في شارع معتم ليقتله ويقطع يديه، أو ذلك العجوز الذي اقتلع عينيه لأنه يحتاجهما: "أخرجت مدية صغيرة وقمت بعملي سريعاً. ماذا سيقول الساحر الآن؟ هذه عيون جديدة من جسد ضحية بريئة. لن تزداد نسبة اللحم المجرم في جسدي غداً. هذا لحم بريء. ولكن، ما الذي أقوله؟ ممن سأقتص الآن للثأر لهذه الضحية؟" كذلك كانت المشاهد الأولى التي كان فيها هادي العتاك يجمع اجزاء القتلى ويركبهم إلى جسد الشسمه: "أخرج هادي أنفاً طازجاً ما زال الدم القاني المتجلد عالقاً به، ثم بيد مرتجفة وضعه في الثغرة السوداء داخل وجه الجثة فبدا وكأنه في مكانه تماماً، كأنه أنف هذه الجثة وقد عاد إليها". أو الموقف الذي تعرض له في المشفى عندما ذهب لاستلام جثة صديقه الذي قتل في إحدى التفجيرات فقال له المسؤول اجمع لنفسك أي جثة واستلمها، لأن جميع الأشلاء متراكمة ومتداخلة ببعضها وكأنها كومة من النفايات.. الحرب تجعل مشاهد الدماء والجثث أمراً عادياً، نسمع قصصاً تشمئز لها النفوس لكنها في الحرب مكررة وعادية، أن يجرؤ أحد على التقاط قطع لحم بشرية متناثرة ويخبئها في كيسه ويصطحبها معه إلى البيت فهذا شيء يفوق قدرة الإنسان على التحمل ولا يمكن حدوثه سوى في الحرب حيث تنشط تجارة الأعضاء وتكثر حوادث سرقة الأطفال ويصبح الموت الطبيعي ترفاً فضلاً عن الموت بكامل اجزاء الجسد فعند سقوط القذائف وحدوث التفجيرات تتناثر الأجزاء البشرية في المكان وتجدها معلقة على الأشجار وأعمدة الكهرباء، في الحرب فقط تجد من يركض باتجاه جثة لا لإسعافها بل لسرقتها، هكذا الحرب من يستطيع النجاة منها يعيش كمسخ فرانكنشتاين. لهذا فإن جنون هادي العتاك أمر عادي بعد أن بات يرى في كل عضو بشري متناثر جسد صديقه: "كنت أريد تسليمه إلى الطب العدلي، فهذه جثة كاملة تركوه في الشوارع وعالوها كنفاية. إنه بشر يا ناس.. إنسان يا عالم". في الوقت الذي يؤكد فيه مسخ ماري شلي أن انتقامه انتهى بموت فرانكنشتاين مسبب حياته وشقائه، يبقى مسخ أحمد سعداوي متجولاً كشبح في فندق عتيق دون أن يتمكن أحد من وضع حد لمسلسل الموت الذي لا ينتهي أبداً..


  • أعجبني
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...