شعرية الفضاء الحكائي في رواية «الضباب» د. ثناء أنس الوجود* اذا كانت المقاربات النقدية للرواية ـ اية رواية ـ لا يمكن الا ان تكون افتراضية وجزئية ومؤقتة، كما يقول النقاد، فسوف افترض ان شعرية الفضاء الحكائي في رواية «الضباب»** قد تركت ظلالها الواضحة عند تشكيل الكاتب لكافة عناصر روايته واهمها بل واولها الشخصيات ولا سيما شخصية بطل الرواية، ثم زاوية الرؤية وتقنيات السرد وباقي العناصر. اقول هذا وفي ذهني ـ يقينا ـ ما تؤكده شعرية الرواية الحديثة، من ان ثمة علاقة اصيلة بين المكان في العمل الروائي، وباقي عناصر العمل مثل الزمان والشخصيات بل وبكثير من القضايا الاسلوبية والتيماطيقية التي وان كانت لا تضمن صفات مكانية في الاصل فأنها ستكتسب هذه الصفة في الادب كما في الحياة اليومية. . تستنهض تقنيات الفضاء الحكائي عند عبـــــــدالله خلــــــــيفة ثنائيات ضدية متعددة داخل روايته بحيث تتمثل اكبر تظاهراتها في المنفتح والمنغلق، او الضيق والواسع وهذا يستدعي بشكل اخر ثنائية المظلم والوضيء، بحيث يصبح الضيق والمنغلق مرادفا للظلم والعكس صحيح. ويتفرع عن تلك الثنائيات، ثنائيات اخرى تتخذ من عالم العلو بما يلقى من ظلال مختلفة بعضها اخلاقي او اجتماعي وسياسي او غير ذلك كمرادف ثالث للوضيء والواسع ـ وهنا يأتي الغنى في مقابل الفقر، فالثنائية الكبرى في هذه الرواية اذا ـ هي المنفتح الوضيء ـ العالي، الغنى في مقابل المنغلق، المظلم ـ السافل (والسفلي) الفقير. ويتمثل المنغلق بمرادفاته السابقة في الرواية في مجموعة من الفضاءات التي عاش فيها البطل سواء في شكل اقامة اختيارية كالمنزل أم اجبارية كالسجن والمستشفى. واول هذه الفضاءات هو المنزل ـ الذي يتداعى منه تلقائيا الزقاق المؤدي الى المنزل ومجموعة الازقة الفقيرة التي يتكون منها الحي الذي امضى فيه البطل شطرا كبيرا من حياته. واذا كان البيت يدل على صاحبه كما يقول «ويلك»، بل انه الكون الخاص للشخصية التي تسكنه كما يرى «باشلار» فان رؤية البطل هنا لبيته عبر ما يصفه به، انما تدل على وعي البطل بالفوضى النفسية التي يعيشها والتي يركز اكثر من مرة ومرات على وصفها عبر الرواية. والواقع ان عالم البيت او المنزل في رواية «الضباب» ليس واحدا، وانما هناك بيتان، وبالتالي عالمان بيت العائلة بالمعنى الواسع حيث الجد والاعمام وأبناء الاعمام وزوجاتهم واسرة البطل: والأب والأم والأخوة. في هذا البيت سوف تكون الوضاءة، والرخاء وسعة العيش والبحر في مقابل بيت الاسرة الجديد الذي انتقلت اليه اسرة البطل بعد خلاف بين الاب والجد. يحتل المنزل الثاني الشطر الاكبر من وعي البطل المعاصر بحيث يغدو بيت العائلة في مقابله، ذلك الماضي الجميل القابع في اعماق اللاشعور ومصدر السعادة الحزينة والمرارة في آن معا. والبيت الثاني هنا مظلم ضيق قذر، يقترب تدريجيا لكي يلتحم من فضاءين اخرين غاية في الاهمية في الرواية هما فضاء السجن وفضاء المستشفى. ويتجلى هذا كثيرا عبر التداعي الذي تتم الاشارة من خلاله الى هذه الفضاءات كمترادفات ولا سيما في لحظات غياب البطل عن الوعي، في نوبات الجنون والذهول التي كانت تنتابه ويتداخل مع فضاء المنزل الثاني هذا فضاء الحجرة الصغيرة القذرة التي استأجرها البطل بعد هروبه من زوج والدته. اما المنزل اول وهو منزل العائلة ـ فيشير كما ذكرت ـ الى الوضاءة والرخاء والاتساع، ويمتد بدوره تدريجيا لكي يلتحم او على الاقل يتماشى مع عالم البحر ـ المتسع الوضيء المتألق في كل جوانبه. «.. آه ذلك العز! البيتُ الكبير ، الحوش الواسع، والشباك المغسولة والمنشورة على جذوعه ، والبحارة الكثيرون والسفينة الهائلة ، ورائحتها ودهنها الذي تتضمخُ بهِ . . آه ، أين كلُ ذلك العالم! ». «.. في البيت الكبير كانت أمه سعيدةً ضاحكةً، ولم يكن يسمعُ صراخها . كانا يغلقان الغرفةَ عليهما طويلاً ، وكان هو يضربُ البابَ صائحاً يريدُ الدخول . لكن أعمامه كنوا يجرونه بعيداً، وهم يضحكون. . ». «.. أما في البيت الخوصي الصامت المليء بالغبار والفئران والذباب، وحيث الحمام حفرة في الأرض، والبابُ يجثمُ على قعرِ زجاجةٍ مدفونةٍ في الرمل، وحيث تتعارك الكلاب بضراوةٍ على كسرةٍ عظم، فقد كانت غاضبة دائماً، متذمرةً لا تهدأ، وكان غضبها ينصبُ عليهم جميعاً صفعات ورفسات وصياحاً. . ». اما المنغلق الثاني في الرواية فهو السجن. الذي نتعرف على طبيعة تكونه عبر هذيان البطل الذي بخبرنا انه تردد عليه مرارا لفترات قد تطول وقد تقصر، بحيث يحتوي فضاء السجن في الرواية على كافة صفات المنغلق من ظلام وقيود وفقر والوان شتى من التعذيب النفسي والجسدي. وتتطابق صفات الزنزانة كفضاء كذلك مع صفتها في الواقع تقريبا، ويمتد الامر بالسجن والزنزانة الى حد انها اضحت تكون جزءا من احلام البطل القادم من اللاشعور ولحظات هذيانه اي ان الزنزانة هنا اصبحت زنزانة نفسية مرات عديدة. «.. هو الآن في الزنزانة لم ينتبه لنفسه الا وهو في مربع حجري صغير، يبدو كمصيدة للفئران . . يتدفقُ الزمنُ عبر القضبانِ والذاكرةِ النابضة، الليلُ البطيءُ الثقيلُ يصعدُ فوق الجسد بأنصالهِ، وها هو الفجرُ يكادُ يضيءُ ولا يجيءُ، والزنزاناتُ والممراتُ أشبه بوجوهٍ فقدتْ ملامحها. يسمعُ الأقفالَ تهتزُ، وأصواتَ خـُطى تصفعُ الليلَ والبلاط . يا لمذاق السلاسل الصدئة ومعزوفات الأحذية الثقيلة! يُدخل على ذات الرجل البرميلي الأبيض. الغرفةُ المتسعةُ الناضبةُ من الألوان والأشياء، إلا الطاولة الآبنوسية المتجهمة، والكرسي المتحرك، كأنه هذه أيضاً انتزعتْ ضريبتها من لحمه، فمتى؟ ويعرفُ الجهازَ الكهربائي في تلك الزاوية، وهذه السياطُ المعلقةُ والعصي . . ». واخيرا يأتي فضاء مستشفى الامراض العقلية بوصفه المنغلق الثالث الذي تردد عليه البطل بسبب نوبات من الجنون المتقطع كانت تنتابه ويحمل هذا الفضاء كما بينت سابقا كافة صفات السجن ـ التي يلاقي فيها البطل اشكالا من العنف والاضطهاد، بل والحبس الانفراد، ووسائل علاجية اقرب الى وسائل التعذيب بالكهرباء. وان كان هذا الكون بصفة خاصة يمثل نوعا من الراحة احيانا ـ وهي راحة ناتجة عن التغييب المتعمد ـ عن طريق الحقن ـ لوعي البطل فالحكائي تريحه من العذاب. «.. كان هذا الرجلُ ينامُ منذ شهور في العنبر الأخير من مستشفى الأمراض العقلية، وهو عنبرٌ لا يتجمعُ فيه إلا أولئك البشر الذين انفصموا عن الحياة. تحولوا إلى قرود أو كلاب، أو تجمدوا كأحجارٍ صلبة، لا يحسون بدبيبِ الزمن ولا خطوات البشر . . ». في مواجهة المنغلق والمظلم والفقير/ يقف الوضيء والثري والح، لكي نتعرف فيه على بيت العائلة متداخلا مع البحر، ونتعرف من خلال ذلك على تصور البطل للوضاءة والثراء والحرية التي تستمد كثيرا من مفاهيمها من الدفء البشري والتواصل الحميم مع الآخر بدون اشتراطات مسبقة. بحيث يغدو هذا المتواصل في لحظة ما اساسا لانفتاح المغلق وانغلاق المفتوح. «.. في المنزل الكبير العتيق، حيث جيشٌ من البشر يأكل معاً، وينامُ معاً، ويتسامر معاً، نوافذهُ مفتوحةٌ للشمس والسمك المجفف، والعابرين، وحيث الجد العملاق يحضنك في صدره، ويدفئك في ثوبهِ الصوفي المعتق بعطرِ البحر والأشرعة، والآن، تهوي في هذه المدين الغريبة الواسعة، لا شيءَ سوى الكوخ، والأخوين المتعاركين، والحمامات في (ميادينها)، تصعدُ إليها وتحضنها، وتطيّرها، وتودُ أن تطير معها، في الفضاءِ، في السماءِ الزرقاءِ الواسعة، ولكنكَ لا تطير، لا تطير أبداً ، تسقطُ . . ». على هذا فان اللافت في شعرية الفضاء الحكائي في الرواية اولا ان هذين العالمين (الضدين) قد يتداخلان احيانا في بعضهما وبشكل يستدعي تأملا ما، فعالم المنزل الضيق القذر المظلم قد يتحول الى واحة خضراء تمتلئ دفئا وحنانا اذا كان ثمة تواصل مع الآخر، اي آخر من الرجال او النساء، من الصعاليك او الاغنياء، مادام قادرا على تبادل المودة الانسانية في ابسط اشكالها حتى لو ابتعدت هذه الاشكال عن الخطوط الاخلاقية المرسومة لها في المجتمع ومن هنا فقد تحولت الغرفة الخربة التي تشبه جحر الفئران الى جنة تغرد فيها الاطيار حين التقى البطل فيها مع خاتون احدى المومسات المحترفات. هذا في ذات الوقت الذي قد تستحيل فيه اكثر الاماكن حرية وانعتاقا، كذا ضيقا يمارس البطل حياته عبره ممثلا في شكل حفرة مزروعة على رمال الشاطئ المتسع رغم احتضان البحر لها لا يتواصل فيها البطل الا مع حفنة من الكلاب الضالة وذلك حين القى به بعد افاقته المؤقتة من جنون من المستشفى الى خضم الحياة بلا مال او سند. واللافت في الامر ثانيا ان حديث البطل عن الاماكن التي عاش فيها او مثلت شيئا ما في حياته بتميز بالتشظي والتناثر، مثلما يلفه الضباب الغائم الذي يفقد هذا المكان حدوده أو معالمه التقليدية المألوفة. والتناثر والتشظي هنا بالقطع سوف ينبئنا عن طبيعة الشخصية الرئيسية في الرواية بل وباقي الشخصيات، ما دامت رؤية البطل لبيته تنبئ عن وعياً بذاته وتكين شخصيته كما سبق ان اوضحت. تستدعي شعرية الفضاء الحكائي بمواصفاتها تلك بطلا يطل على العالم من زاوية معينة ويمارس حياته عبر صفحات الرواية من خلال رؤية بعينها لهذا العالم، وشخصية احمد ناصر في الرواية تمثل تلك الثنائية الضدية التي واجهتنا في الفضاء الحكائي، فهي شخصية تتميز بانشطار حاد في الوعي، فيما يمكن ان يطلق عليه الانفصام في الشخصية. «.. كان معهُ ، ذائباً في خوفهِ وتشردهِ، نائماً على وسادتهِ وهذيانه، يتذكرُ، يتذكرُ، إنه صحا مراراً فيه! صرخَ : أريدُ أن أخرجَ، أن أعودَ إلى كراساتي وأقلامي وأوراقي، وأفكاري، وحبي، لكنه كان يعتقلني فيهِ، يجلدني بحبوبهِ، ويغطّس رأسي في مستنقعهِ ، ومرةً مشيتُ، تحررتُ من سجائرهِ، ومشيتُ فوق الغيم ورأيتُ حبيبتي وطفلتي، ولكنه أعادني إلى حفرته، وضربني بقوة، كان ينتفضُ حينَ أطلعُ، ويعرقُ، ويتمزقُ، ويحترق، عندما أبزغُ في ظلمات ليلهِ ويومهِ، والآن تحررتُ، تخلصتُ، خرجتُ، وهو أشبه بجثةٍ هامدةٍ، لكنها فيّ. عروقهُ، جلدهُ ، شيبهُ، ندوبهُ، هي أنا . . فمن هو؟. . ». على ان الامر لا يتوقف عند هذا الحد فهذه الشخصية ونقيضها لا تحل احداهما محل الاخرى كما ينبغي ان يحدث وفقا لأغراض هذا المرض وانما قد تتداخلان وبوعي شديد ـ بحيث تشعر كل منهما بالأخرى وقد يدور حوار عنيف بينهما لسبب ما وبحيث تضيع الفروق بين هاتين الشخصيتين تارة، فيتوحدان وقد تفترقان كذلك، الذي سوف يلفت الانظار هنا ان البطل سواء في حالة انفراده بالفعل ام انشطاره مع الشخصية الاخرى يعاني ضغوطا نفسية عنيفة وفقدان ذاكرة ونوبات من الجنون والافاقة بحيث يلف الضباب ذاكرته بما يعني من ناحية اخرى تداخل ممارسات كل شخصية على حدة واختراقها لممارسات وافعال الشخصية الاخرى مما يولد هذا الحوار العنيف بينهما، ويزيد من كثافة الضباب الذي يغلف احداث الرواية بدءا من التسمية التي اطلقها عليها الكاتب فكأن الضباب هنا سبب ونتيجة في آن واحد. «.. فليقترب من الملفات، ليحاول أن يجدَ ملفَهُ الخاص، في تلك الأوراق كل أسراره، إنها هو، فليضيء الغرفةَ، وليتحسس الخزانةَ وقفلَها. هنا توجدُ خطواتهُ، هنا شخصيتهُ التي تضيعُ منه. عندما يفتحُ يجدُ أوراقاً بيضاء!. . ». وقد ركز الكاتب نظرا لانشطار هذه الشخصية على ثلاث زوايا للرؤية في آن واحد. الزاوية الاولى هي زاوية البطل الذي يروى عما يتذكره من احداث حاضرة، او لمحات متقطعة من الماضي في شبه ومضات يلتمع فيها وعيه والثانية هي زاوية الشخصية (الضد) او المنشطرة عن الاولى وذلك من خلال ما كان يقيمه البطل من حوارات بين الشخصيتين او عبر هذيان البطل في لحظات اختلاط وعيه. اما الشخصية الثالثة او الزاوية الثالثة فيتولاها راو محايد غريب عن البطل يتحدث عنه بصيغة الغائب ويبدو محيطا بكثير من خفايا حياة البطل وعبر هذه الزوايا الثلاث تولى الكاتب انماء السرد. وقد ادى انشطار شخصية البطل تبعا لتشظي الفضاء الحكائي الى نتائج حتمية اولها على سبيل المثال تعدد الاصوات في السرد كما مر بنا، وتعدد التقنيات الروائية المستخدمة واهمها تيار الوعي والفلاش باك ثم لجوء الكاتب الى الوسائل السينمائية المعروفة كالقطع والمونتاج الحاد، والايقاع السريع، ثم المفارقة الحادة بين زمن السرد وزمن القص، وتشظي البدايات والنهايات للأحداث التي لفها الضباب الكثيف نتيجة لغياب وعي البطل وجنونه واقامته لا سيما اذا كان البطل منبت الصلة في معظم الاوقات عن ماضيه. «.. اين الماضي؟ ـ لم يعد موجودا وصرت حرا، كالسحابة تذوب في الفضاء المترامي، ومفجوعا كالغرابة تتلاشى في الفراغ المتسع. . ». وتأتي هذه النتائج اختلاط القصة بالخطاب عبر تداخل الاصوات الثلاثة للراوي يعني انهيار الحواجز بين التخيل والحكي وهي ظاهرة تواجهنا بكثافة خلال صفحات الرواية. وبعد . . فإن عبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من الكتاب الخليجيين الذين احرص على متابعة ما يكتبه وحسب القاص المثقف الا تعوقه ادواته عن اللحاق بالقفزات التطورية الهائلة التي تقطعها الرواية من حيث تقنيتها، بوصفها فنا واسع الانتشار الآن عبر العالم كله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ناقدة وباحثة أكاديمية مصرية ** رواية الضباب، دار الحوار للنشر، دمشق 1994.

أضيفت في 20 مارس 2019 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 5
أرض الظمأ العصي على الارتواء في «دهشة الساحر» بقلم الدكتور عبدالمجيد زراقط يرصد القاص والروائي عبدالله خليفة، من مجموعته القصصية «دهشة الساحر» التغير الذي عرفه المجتمع البحريني والعربي بعامة، في الحقبة الأخيرة التي طغى فيها المال المحصل بسهولة وسرعة، وحكم نظام العلاقات المجتمعية، ويتبين، في معظم القصص، ظاهرة تمثل ابرز معالم هذا التغير، تتمثل في تقلص مساحات الجمال واختفائها وتمدد مساحات القبح وطغيانها في الطبيعة والانسان واشيائهما. ففي قصة «طريق النبع» تبدو جزيرة النبي صالح في مشهدين، تتلألأ في أولهما، في غلالة من الضوء الأخضر، يجد فيها الطفل النحيل المتألم دواءه، وتنزوي في ثانيهما قاحلة موحلة «كأنها منخفض لمومس عجوز» يجثم فيها الكهل طفل الامس النحيل، ولا يسعفه جسمه الضخم وكرشه المتهدل لينحني ويلتقط حفنة ماء، فيتذكر رحلته الأولى إلى هذه الجزيرة، وسرقته ذهب مضيفه، فغدا هو ثريا، واتهم المضيف زوجته وقتلها وسجن، وخرج من السجن جثة حية تلتقي السارق الثري فلا يستطيع هذه المواجهة فيفر مذعورا الى سيارته وفي ذاته منطقة تصرخ وتطلب اضاحي، وتحول الرجل النخلة الطيب الى خط دقيق من عظم فوقه جلد متعفن. وهذا الظمأ الى الأضاحي يدفع صعلوك «العالم الجديد» في قصة «الأميرة والصعلوك» الى اصطياد فرائسه من الفتيات/الورود والضحكات، ليعلقهن في معطفه، مرتجفات في حضرة بزوغ نجم الذهب والدرر، ثم يرميهن متخشبات في خزائنه. وهذا المصير نفسه يلقاه الحاج مهدي في قصة «الأصنام» فلم يعد ثمة موطئ قدم لبرسيمه، فسحب أولاده من المدارس وأطلقهم في الأسواق والمحاجر، وبدأ يهوم على أسنة الشمس في المدينة. وفي قصة «نجمة الصباح» يتحول قعر الصحيفة من شقة صغيرة وسط السوق الى بناية جديدة، ويسمن صاحبها، ويقتني السيارة الفخمة والفيلا، لكن المساحة تضيق بينه وبين المحررين من نحو اول فتنام الأوراق في درجه، وبينه وبين الناس من نحو ثان بوجوه الراقصات.. ثم يرثه ابنه فيغيب عن ساحة الفعل، ويظهر في ساحة أخرى يلبس بذلة رقص انثوية ويهتز وسط حلقة من مضاغ اللبان المصفقين بتمايل. يتحول العالم: الطبيعة والانسان واشياؤهما وقضاياهما في عصر المال الزاحف مثل جراد سحري، وترصد القصص هذا التحول فيبدو لها شبيها بالمسخ، بقحل الأرض، يسكن ظمأ الثرى فيفر مذعورا باحثا عن ارتواء يتطلب مزيدا من الاضاحي، ويسكن ظمأ آخر الناس الآخرين، فيهومون في الأرض المسنونة كالحراب، في مدينة العمارات/الأرض القاحلة، الصحراء، ولا يرتوون، فيبدو العالم صحراء جديدة كما في قصة «الصحراء» هجرتها الواحات والنخيل، او أرض الظمأ العصي على الارتواء. ترصد القصص هذا التحول، وتجسده في نصوص سردية قصيرة على مستوى حجم الشريط اللغوي، طويلة على مستويي الأحداث وفضائها الزمني والمكاني. وهذا يثير اشكال النوع القصصي، فإن تكن القصة القصيرة تعني اختيار اللحظة المهمة من الزمن، او الشخصية وتكثيفها، لتنطلق بدلالة كلية، إن المؤلف لم يفعل ذلك سوى في قصة واحدة هي «دهشة الساحر» التي تحمل المجموعة اسمها، فمعظم القصص تكاد ملخصات روايات او قصص طويلة يمتد الزمن في بعضها حوالي ثلاثين سنة او يزيد، كما في قصص «طريق النبع» «الاصنام»، «الاميرة والصعلوك» و«نجمة الصباح» غير ان المؤلف يعمد في القصتين الأوليين الى اختيار لحظتين من هذا الزمن الطويل ويقدمهما ليرى القارئ التحول ويبين طبيعته، ويقدم ما جرى من احداث في الزمن الممتد بين اللحظتين ملخصا، فكان السرد بذلك خطيا يمضي مع الزمن الموضوعي/ الطبيعي في مساره. أما في قصة «دهشة الساحر» فاستخدم تقنيتي الاسترجاع وتعدد المنظار الروائي في فضاء زمني مكاني معين، فشكل زمنا قصصيا يتحرك في الحاضر وينزاح الى الماضي، ويعود الى الحاضر، فالماضي، وهكذا الى ان يكتمل تكثيف اللحظة المهمة التي تمثل ظاهرة التحول والناطقة بدلالتها. في الزمن القصصي تقدم القصة مفارقة مادتها القصصية، او حكايتها، فهذه، أي المادة القصصية او الحكاية، تتضمن احداثا كثيرة تمتد زمنا طويلا، وملخصها: الساحر يداوي المرضي، تأتيه امرأة لم تنجب، تبحث عن دواء يعرف داءها. يطلب رؤية زوجها يصف له دواء. تنجب المرأة طفلا. يعطيه الرجل عجلا. يمر الزمن، وابن الحكاية يكبر بسرعة، فيصبح الطفل طبيبا مسئولا، يأمر باعتقال الساحر لأنه يمارس الشعوذة، ويستجوبه، يقرأ الساحر اسم الطبيب اثناء الاستجواب، يدهش، ويمضي في حديث ذاتي ... هذا الملخص يمكن ان يمثل حكاية قصة طويلة، او رواية، او قصة قصيرة، والأمر يعود الى كيفية أدائه والبنية السردية التي ينتهجها هذا الأداء. وفي قصة «دهشة الساحر» يختار المؤلف لحظة مهمة هي لحظة اعتقال الساحر ويكثف هذه اللحظة من طريق تشكيل فضاء الاعتقال، وتعدد المنظار الروائي، فيتيح الراوي للشخصيات ان ترى خلال حديث ذاتي وحوار ثنائي. ثم ينزاح السرد بالزمن الى الماضي، فيسترجع الساحر بعد ان يقرأ اسم الطبيب ما مضى، ويعود السرد بالزمن الى الحاضر، فالماضي، هكذا الى ان يكتمل تكثيف اللحظة الناطقة بدهشة الساحر، وهنا تنتهي القصة السيرة، ويبدأ تعليق الراوي المؤدي بلغة يختلط فيها السرد الواقعي بالخطاب البياني، بالسرد الانشائي الذي لا يخلو من الشعرية. وهذا التعليق المقدم على لسان الساحر غير ضروري. ويمكن ان يحذف من دون ان يختل بناء القصة او يتأثر. وهذه اللغة المتشكلة من تداخل السرد الواقعي والبياني والخطاب الانشائي، والتي لا تخلو أحياناً من الشعرية تميز، في كثير من الحالات، أسلوب هذه المجموعة القصصية القصيرة، وتسود في قصتي «الليل والنهار» و«الجبل البعيد»، وتطغى في قصتي «الترانيم» و«الصحراء» فيصعب على القارئ تتبع حركة القص الى اكتمال تشكل النص القصصي الناطق بالدلالة. تشع هذه اللغة، في بعض الحالات بالإيحاءات كما في قوله، على سبيل المثال.. "ملابس عربية ناصعة وعقال اسود اشبه بهوائي تراثي يتواصل مع كائنات لا مرئية.. اطالوا اللحى الغضة. اسدلوا الحجب على شعورهن بدت شاشة الوجوه الواسعة كمتجر كبير لأجهزة التلفاز ذات البيت الموحد". فهذه اللغة الوصفية الجميلة تشكل فضاء يمثل مظهرا من مظاهر اختلاط العالمين القديم والجديد وينطلق بدلالة التحول. غير ان اشكالا يبرز في هذا المجال، ويتمثل في جعل هذه اللغة فاعلة، أي في توظيفها فيكون لها موقع ودور في تشكيل البناء القصصي. هذه مهمة القاص، فعليه كي ينجح ان يوظف الفضاء الذي تشكله هذه اللغة بوصفه عنصرا من عناصر النظام القصصي، وان لم يفعل وانساق مع اغراءات تقديم المزيد من هذه اللغة يخشى من الوقوع في تراكم تغدو فيه هذه العناصر هدفا بحد ذاتها، فيفقد النص في هذه الحالة هويته القصصية، ويصبح نوعا آخر من الكتابة، هذا اذا لم يقع في الانشائية. وقد واجه المؤلف هذه الاشكال فنجح حينا واخفق حينا آخر، هذه شأن أي كتابة تشق دربا جديدا. الأمر الذي يجعلنا نقول: تمثل «دهشة الساحر» سعيا الى كتابة الذات العربية في هذا الزمن المتحول، هي تجريب يهدف الى تأصيل نوع أدبي، والدرب في هذا المجال طويل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * ناقد أدبي من لبنان دهشة الساحر (قصص)، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ₁₉₉₇. ❖ (القصص: طريق النبع ـــ الأصنام ـــ الليل والنهار ـــ الأميرة والصعلوك ـــ الترانيم ـــ دهشة الساحر ـــ الصحراء ـــ الجبل البعيد ـــ الأحفاد ـــ نجمة الصباح).

أضيفت في 20 مارس 2019 الزوار : 5
صعاليك الصحراء الجدد! في «سهرة » بقلم الدكتور عبدالمجيد زراقط عبدالله خليفة قاص وروائي من البحرين، وبين أيدينا الآن كتابه الصادر عن المركز الثقافي العربي – بيروت، وفيما يلي مقاربة لقصص (سهرة). تتضمن هذه المجموعة القصصية عشر قصص ترصد سعي الإنسان العادي، المحروم، أو (الرجل الصغير) كما يسميه أحمد محمد عطية إلى تحقيق حلمه بالنزوة والحياة اللذيذة. ينشئ القاص، وهو يلتقط لحظة مهمة من حياة كل شخصية من شخصيات قصصه، شريطاً سردياً ينتهي إلى خيبة تكاد تعلن أن الطريق الذي يختارهُ لتحقيق الحلم مسدود سواءً في ذلك، الخارج من السجن، في قصة سفر، أو السكير في قصة (سهرة) أو البحار الكهل في قصة (الطوفان) أو الفتيان المغامران في قصة (الأضواء)، أو المتسكعان في قصة (ليلة رأس السنة)، أو الصعلوك الخارج على السلطة في قصة (الرمل والحجر)الخ.. الأمر الذي يجعل قصص هذه المجموعة صوراً متنوعة لأصلٍ واحد هو: الوجه الآخر لمدينة النفط التي نبتت فجأة في الصحراء، وكأنها الحلم الأسطوري يتحقق، مغيرة نمط الحياة، ومقيمة عالماً جديداً يمثل الحلم لأناس ينعمون بالخيرات، ويمثل الحرمان لأناسٍ آخرين، يتسقون بالسعي إلى تحقيق ذلك الحلم البعيد، فيبذلون محاولات تتعدد سبلها، ولا يصيبون نجاحاً، فتبدو محاولاتهم التي تجسدها القصص، وكأنها خيبات متتالية. وتبدو القصص وكأنها ترصد تشكل مأساة حديثة تواجه الشخصيات فيها القدر/المارد الخارج من قمم رمال كانت ملكاً لهم، ولطالما رعتها عيونهم، وشربت قطرات عرقهم. يلحظ القارئ إن القاص ينشئ سياقات قص قصير متعددة: عشرة، ولكنه، في الواقع، يرصد تشكل سياق واحد، النموذج عام يتنوع، ليتبع حركة الإنسان العادي في مدينة غنية بثمرات اللذة، وهو يشتهي هذه الثمرات المحرمة عليه، ويسعى إلى نيلها، ولكن دون ذلك أسوارٌ عالية حراسها أشداء. ويمكن للقارئ أن يتبين خصائص هذا الأنموذج المتنوع، العامة، كما يلي: ذكرنا، آنفاً، إن الشخصيات تكاد أن تكون واحدة في همومها وسعيها.. ونرى إن هذه الشخصيات تعيش واقعاً تغير فيه عالمها، ونبت مكانه عالمان، فهذا الكهل الذي لا يحمل اسماً، الأمر الذي يشير إلى انه حالة عامة، في قصة (قبضة تراب)، يقول: ( - . . صارت جرداء. . جرداء. . ليس ثمة سوى.. الأدغال المهجورة والقطط الشرسة.. كانت هذه الأرض. . أتيها المديرة . . خضراء. . مليئة بالأشجار والينابيع، الآن كل البساتين التي كانت غدت أرضاً قاحلة. لم يبق سوى بضع بساتين صارت فللاً يسكنها غرباء. لو كنتِ تقفين فوق سطح المدرسة لرأيتِ: القرية بيوتاً كثيرة متزاحمة، وتلك البساتين القليلة تحوطها من الشرق إلى الغرب)، (ص24). يشير وجود الغرباء في هذه الفقرة إلى أولئك القادمين من الغرب بحثاً عن الثروة، تصور بدايات هذا القدوم – الغزو قصة (الطوفان) التي تكشف حقيقة دوافعهم الاستعمارية. ونجد صوراً أخرى لهذا التغير، كما في قول عالم الآثار: (من الزمن البعيد عندما جئتُ وزوجتي إلى هذه المدينة التي لم تكن سوى أكواخ وزرائب، رمقنا الناسُ بغضب..)، (ص88). وكما في الصورة التي يرسمها الراوي من خلال رؤية الخارج من السجن، بعد خمسة عشر عاماً أمضاها فيه: (في أيامه، كان هذا الحي بهيجاً، صلداً، لا يدخله أغراب، مزدحماً بأبنائه الضاحكين المثرثرين)، (ص5). يشكلُ الأغراب العنصر المشترك، الفاعل، في هذا التغير الذي حول البساتين إلى أرض جرداء ترتفعُ في نواح منها فيلات لهم، والأغراب هنا قد يكونون من أبناء البلاد أيضاً، ولكنهم سوى أولئك الذين كانوا يرمقون القادم ذلك الربان الذي مهد الطريق للغزاة. ولعل هذا ما أدى أن تختفي صورة الحي البهيج المزدحم بأبنائه الضاحكين المثرثرين، وتحل مكانها صورتان. يمكن للكلمات التالية أن ترسمهما: 1 – (الفندق ينتعشُ ويرتعشُ، ويصيح من النوافذ، ورغوة البيرة تغدو نافورات، وأشرطة ملونة تبتهج في الهواء، وتحزم خصور النجوم في رقصات غجرية..). 2 – (.. يسأل حمد سلماناً، أليس لديك سيجارة؟ ينفضُ الآخر جيوبه ليذرو رملاً ورماد فراشة)، (ص 48). ولا تفوتنا الإشارة إلى إيحاءات ما تم نفضه. إن العلاقة بين العالمين تتمثلُ كما يلي: يطل حمد وسلمان برأسيهما فيريان جمعاً من النسوة والرجال الشقر(الشقر إشارة إلى الغرباء) يغنون ويرقصون ويقبلون ويأكلون بشراهة، يدقُ سلمان الزجاجَ، تصرخ المرأة: ابتعد، يا وغد.. ثم يفاجأ بكلمة حادة تبعده عن الحديد ليحضنه الوحل.. وينبتُ السؤال: ما مصير مجتمع تحكمه مثل هذه العلاقة؟ يهرب المتسكعان إلى ما يحقق بهجتهما، إلى عالم بديل هو الخمرة التي تشكل ماردهما المغير، فنقرأ: (على الشاطئ الجريح يسيران طالعين كعفرتين من قنديل المدينة الصدئ، يتحسسان زجاجة غريبة ستطلقهما صاروخين لمدار البهجة)، (ص 50). ولا تفوتنا الإشارة، هنا أيضاً، إلى إيحاءات لغة السرد البيانية التي تختزن إشارات إلى حكايات تراثية في ألف ليلة وليلة، وهذا ينسجمُ مع العالم الذي كانا يراقبانه وهو عالم الأحلام الساحر. يصنع أبناء هذا العالم بالزجاجة الصانعة عالم الهروب السحري، ولكن هذا العالم نفسه سوف يؤدي إلى احتفالٍ خاص يحرقُ سفن القادمين وعالمهم، وهذا الحريق نتيجة ما صنعه الغرباء من تغيير لا تقدم علاقاته إمكانية تعايش. وهذا ما تقوله نهاية قصة ليلة رأس السنة: (كانت رائحة البترول نفاذة، والقوارب الصامتة في الظلمة تتوهجُ بعود كبريت. دائرة النار تكبر. يطالعانها ضاحكين، سعيدين بالدفء واحتفالهما المشتعل الخاص)، (50). تحمل لغة القص إشارات إلى دلالة كل من (البترول) و(القوارب) و(الاحتفال الخاص بالمحرومين الذي ينبت فجأة، كما نبت التغير فجأة)، وفي هذا استشراف لمستقبل قادم، وتحذير من قدومه. وفي قصص أخرى نلمحُ الفوارقَ نفسها، وإن في صورة أخرى، كما نرى في ما يلي:(وأنا أدهس الأزقة الضيقة بسيارتي الكاديلاك العملاقة، قادتني الأيدي العصي للصبية إلى كوخٍ حقير مهترئ. دهشت. سمعتُ بكاءً)، (ص56). إن صوت البكاء النابت يشير إلى شكل من أشكال الاحتجاج قد يتحولُ إلى أشكال أخرى. إن من يعيش في(غرفة رخيصة تشاركه فيها فئران سمينة) يسكنهُ جوعٌ ضارٍ(ص 6 و 7)، إلى الغذاء والجنس والسفر.. إلى تحقيق حلم قد تشير إليه الكلمات التالية:(جبلٌ من الأثداء) ومدن الهند الصاخبة وبارات آسيا الواسعة، ويداك تلمسان غيم الأعالي، ونساء يحترقن حباً.. وأنت ترقصُ في كهوفٍ مضيئة) ، ( ص6)، (.. وكأنه يرى الأسطوانات، وهي تدور في المقاهي ورزم المال تملأ الجيوب، وهو يعودُ إلى قريته بسيارة جيب متجهاً إلى بستانه الذي اشتراه)، (ص42). يسكن هذا الحلم، أو الجوع الضاري إلى عيش هذا الحلم شخصيات مجموعة (سهرة) فتسعى إلى تحقيقه، وتخيب، تنتهي المغامرة إلى موت كما في قصة (الأضواء)، حيث يمسكُ الغريقُ الهواءَ، ويسقط في المياه الغامرة، وينتهي اللجوء إلى الخمرة إلى احتفال خاص يحرقُ كلَ شيء كما في قصة (ليلة رأس السنة)، وينتهي التعاون مع الأغراب إلى خيانة وخديعة كما في قصة (الطوفان)، وتنتهي السرقة إلى السجن، وفقد الكنز وانطفاء الحلم، كما في قصة (السفر) الخ. . وإن بقي لهؤلاء شيء، وهو الشباب، فإن الأغراب، مالكي الثروة، يريدون امتصاصه، كما يبدو في قصة (سهرة) التي تحمل المجموعة اسمها، فالعجوز المتصابية تسعى إلى امتلاك الشاب المتسكع مستغلة حاجته إلى دفع الحساب في البار. ثم يسعى زوجها العجوز إلى صنيع مشابه، فتنشأ المفارقة، حيث كان الشاب يظن إن هذا الزوج سينال منه لأنه ضاجع زوجته، وهذا يملأه قرفاً، ويدفعه إلى التخلص من حياته، غير أن امراً يحول دون ذلك، وهو قدوم الشاعر، صديقه، من غيبته التي كانت تحدث بين فترة وأخرى، ومن دون مقدمات، وفي ذلك إشارة إلى اعتقال السلطة له. ويبدو إن الشاعر هو الضوء الوحيد في هذا العالم ولعله القادر على استشراق مستقبل مختلف. وفي الوقت نفسه الذي يجعل فيه المعاني قادراً على عيش معاناته. ترسم قصص مجموعة (سهرة) الوجه الآخر لمدينة النفط، فيلتقط لحظات مهمة من حياة صعاليك الصحراء الجدد الذي يواجهون واقعاً غريباً نبت فجأة، وكان قيام هذا العالم سريعاً ومفاجئاً ومدهشاً.. ولعل هذا التطور المذهل أدى إلى أن تكون لغة السرد سريعة الإيقاع، بيانية، تمزج السرد الموضوعي الملاحق للحدث في نموه، وبين بسط تداعيات الذات التي تعيش هذا الحدث، وفي أحيان كثيرة يدخل نمطٌ آخر وهو بسط الوقائع ليس كما تحدث في الواقع، وإنما كما تحسُ الشخصية بها، الأمر الذي أدى إلى تعدد أشكال الراوي: الغائب والمخاطب، والمتكلم وقد تمثل هذا التعدد في غير قصة، غير أنه يبرز في قصة (سهرة) حيث تتداخل الأصوات في أداء الحدث الذي يدور داخل الذات وخارجها، في تداخل يقطع ليتم استرجاع احداث من خارج المكان والزمان، وليتم تداخل شخصيات أخرى. ويشكل هذا جميعه في بناء مركب، ينتهي سياقه إلى كشف الضوء الآخر في مقابل الضوء الذي انتهت إليه قصة (ليلة رأس السنة). وهو ضوء مجيء الشاعر في مقابل ضوء حريق الاحتفال الخاص. وكأن القاص يريد الإشارة إلى أن صراعاً يدورن قد ينتهي إلى تدمير عالم نبتَ غريباً، إلا إذا تمكن الشاعر، بما يمثله، من إيجاد حل تستشرفهُ رؤيته النافذة إلى جوهر الأشياء. وهذا يقتضي أن تتوافر الحرية لهذا المخلص وتكف القوى المسيطرة عن محاولات تغييبه بين فترة وأخرى، وهكذا يبدو إن الحرية التي تتيح لأبناء الأمة الفاعلين مجال التحرك هي الحل المخلص من علاقات تقود إلى (احتفالات خاصة) لكل من الطرفين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * أستاذ جامعي من لبنان سهرة (قصص)، المركز الثقافي العربي ، بيروت، ₁₉₉₄. ❖ (القصص: السفر ــ سهرة ــ قبضة تراب ــ الطوفان ــ الأضواء ــ ليلة رأس السنة ــ خميس ــ هذا الجسد لك ــ هذا الجسد لي ــ أنا وأمي ــ الرمل والحجر).

أضيفت في 20 مارس 2019 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 5
تُنهي روزا ياسين حسن روايتها الجديدة «الذين مسهم السحر»، (دار الجمل)، وهي تورد طبقات المسحورين بغواية العصيان، غير مستثنية أي سوري، لتشمل الجميع: «كلنا، المعارض للنظام والموالي له ومن بينهما، الأبيض والأسود والرمادي والملّون، كلنا مسّنا السحر، وسيبقى يلاحقنا كذاكرة ملحّة». في الرواية التي قسمتها روزا لا إلى فصول، كما هو المألوف غالباً في تقسيم الروايات، ولا إلى أرقام تفصل بين المقاطع والمشاهد والأحداث، بل اختارت تقنية جديدة مارستها خلال أكثر من أربعمئة صفحة من الرواية، متكئة على العناوين الفرعية، لتأخذ بيد القارئ منذ العنوان الفرعي الأول، وتنقله بهدوء وبعض التأني، الى آخر عنوان فرعي. عبر أربعة وثلاثين عنواناً، تسرد روزا سيرة الحدث السوري الذي لا يمكن مقاربته، وهو مستمر الحدوث حتى اللحظة، إلا عبر تقنيات غير مألوفة. تحاول روزا، أو ريما العيساوي، إحدى بطلات الرواية، توثيق أحداث الثورة السورية وشخوصها، عبر السنتين الأوليين من وقوعها. تكتب روزا روايتها من منفاها، أو مهجرها، في مدينتي كولونيا وهامبورغ الألمانيتين، حيث تُنهي روايتها بتثبيت المكان، كما أنها بدأت روايتها متوجهة بالشكر إلى كل من مؤسسة هاينريش بول وهامبورغ شتيفتونغ، إذ لولا دعمهما، ربما، لما ابصرت هذه الرواية النور، كما تقول روزا. روزا ياسين حسن، التي مسّها السحر بدورها، راحت تبحث عن خلاصها الروائي بتقنية مختلفة، إذ لم تعد الرواية بشكلها المألوف قادرة على تخفيف السحر، وفي الوقت ذاته، لا يمكن الروائي أن يجد خلاصه، إلا في الكتابة. هذا ما يستشفّه القارئ من رواية روزا الدسمة. هي رواية دسمة حقاً، تمتلئ بأسماء وأحداث وأمكنة، لكنها لا تُشبع نهم القارئ الذي ينتظر الاطّلاع على رواية تنقسم بطريقة مألوفة أو تقليدية، إلى حكاية وشخوص وتسلسل. فروزا مهتمة باللهاث خلف الجميع، محاولة اقتناص اللقطة كما هي، بطزاجتها، برائحة الدم والعرق والحب والعنف وكل مافيها من مباغتات، للانتقال إلى لقطة أخرى، مليئة أيضاً بإرباكاتها وتناقضاتها، فتبدو قاطعة للقطة التي قبلها، وهي في العمق، متمّمة لها، لأن المشهد السوري الحقيقي اليوم هو كذلك: متعدد، متقاطع، متشظّ، متناقض... لايمكن رصده في صيغة واحدة. تبدأ الرواية من جرمانا، المدينة التابعة لمحافظة دمشق، حين يحاول ميفان حاجو فتح الكافتيريا، ليبدأ بالشتائم باللغة الكردية، فالمطر يملأ أرضية الكافتيريا، ويُغرق السجادة العجمية التي تزيّن المحل. جرمانا هي المدخل للرواية، إذ منها، وبدءاً من تلك الكافتيريا، ستدور الروائية بالقارئ لتفتح أمامه الأبواب التي تكمن خلفها بقية شخوص الرواية، وحكاياتهم. البناء الذي يقع فوق الكافتيريا، تقطن فيه أم بيرو شاهين، وعائلة حمصية تقيم في الطابق الأول، وعائلة من الساحل، ورجل خمسيني عازب من الساحل أيضاً. ونتعرف لاحقاً على هؤلاء السكّان، والقصص التي جاءت بهم إلى هذا المكان. هذا المبنى شبه المهجور في جرمانا. بين صوت الرواي الغائب، وصوت الراوي العالم، تنوس أحداث الرواية. تمنح الروائية حقّ الكلام بصيغة الأنا، لغالب شخوصها، متناوبة معهم السرد. من ميفان إلى صفوان الشيخ إلى ريما العيساوي... تخرج الشخصيات تباعاً، لا لنتعرف على حيواتها، بل لنتعرف خصوصاً على مواقفها ودورها مما يحدث الآن في البلاد. لهذا وضعت الكاتبة عنواناً فرعياً تحت عنوان روايتها، أبرزته بين أقواس صغيرة «من شظايا الحكايات»، فهي تدرك أن الحديث عن الحكايات، يعني ملء آلاف الصفحات، حين يتعلق الأمر بسرد حكايات السوريين في الثورة، لهذا اكتفت الروائية بالشظايا، لاعبة على المفردة، لتحمّل الحكايات وشظاياها أكثر من معنى، تُشتُمّ منها على الأكثر، رائحة الحروب. ومن شظايا الحكايات، يلملم القارئ سيرة السوريين المُنهمكين بالثورة، بالصبايا الثلاث على الأخص، الصديقات المختلفات الانتماء: الفنانة التشكيلية ريما العيساوي القادمة من اللاذقية، هبة حداد المسيحية التي تقع في غرام شاب مسلم، ومريم محمود القادمة مع زوجها صفوان الشيخ هاربين من حمص. حوارات سورية نقاشات طويلة تملأ الصفحات، وتشغل اهتمام الشخوص المعنيين بالثورة. حوارات يتبادلها السوريون في كل يوم، بحيث تقتحم السياسة بيوت الجميع، ويخرج معظمهم في التظاهرات، وتتغيّر حياتهم. من شخوص الرواية، يمكننا أخذ عيّنات قليلة، قد تسلّط الضوء على الجو العام لرواية تضجّ بالشخوص والحكايات: ميفان البسيط لم يكن يستوعب الكثير مما يحدث حوله، ولم يكن يفهم الكثير من الكلام المعقّد الذي يدور على مسامعه، ويسمع لأول مرة باسم مشعل التمو، وينوس بين مالكَي الكافتيريا، القديم عمران أبو العزم، والجديد عبد اللطيف مسعود، بين الأول الذي كان غالب زبائن المقهى القادمين إليه في ذلك الوقت من المعارضين، والثاني الذي يدافع عن الجيش السوري ويتّهم العصابات الإرهابية بتخريب البلد، في تلميح ربما من الكاتبة، الى انقسام السوريين، وتشتتهم. فهذا ميفان حاجو، العامل البسيط، بين وجهتي نظر كبيرتين، تقسمان البلاد إلى المزيد من الانقسامات والتفرقة وخلق الكراهية، والاختلاف حتى بين أبناء العائلة الواحدة، وبين الإخوة أنفسهم. ميفان يمسّه سحر التغيير، حين يعثر على الحل السحري ليتخلّص من الجمود القاتل، بعد إغلاق الكافتيريا، وبقائه من دون عمل. يعود ميفان إلى غرفة الخردوات في بيته في «الحجر الأسود» ليأخذ صندوق البخاخات التي كان يستعملها أخوه شيران في عمله، للإعلان عن عمله ورقم هاتفه في حفر الآبار، عبر كتابة ذلك على الجدران. كان ميفان يراقب الشباب الذين يخرجون ليلاً لتدوين الشعارات التي تُقلق رجال الأمن، فيأتون في الصباح ويطلون العبارات بالطلاء الأبيض أو يبخّونها بالأسود لطمسها. هكذا يقرر ميفان، «كتابة ما يريد من الآخرين قراءته، والحيطان صفحاته البيضاء التي تنتظره بفارغ الصبر». أما ريما العيساوي، الفنانة التشكيلية المنخرطة في أولى التظاهرات في دمشق، مع صديقتها هبة حداد، وصديقها فراس الصفدي الذي كان زميلها في كلية الفنون التشكيلية، فقد مسّها السحر منذ بداية الثورة، وقررت ترك لوحاتها وانشغالها بالرسم، والتوجّه صوب عوالم أخرى، تكون فيها فاعلة مباشرة. تتغير حياة ريما، حين تلتقي خالد الساعي عبر صديقيها فراس وهبة، وتحدثه عن أهمية توثيق الثورة، ويعدها هو بتزويدها بالقصص كطبيب تحصل معه قصص كبيرة في كل يوم، لتعثر ريما على معنى حياتها الجديدة: «شعرت اليوم بأني اكتشفت ما أريده، أريد أن أصور كل شيء: أن أسجن اللحظة في لقطة». ريما القادمة من اللاذقية، تتعرض للنبذ من أهل البلدة، الذين يقف غالبهم مع النظام. وعبر سياقات متعددة في السرد، تقودنا شظايا الحكايات إلى مشهد عميق وموجع، حين تذهب ريما إلى عزاء أخيها، الذي قتله الثوار، وتواجه ذلك الكم الهائل من الكراهية. يحتويها والدها الذي كان قد طردها لأنها وقفت في صف الإرهابيين الذين يريدون قتل أهلها، لكن زوجة عمها توبّخها امام الملأ، وتصرخ بها: «انبسطت! مات خيك... ومن قتله؟ الإرهابيون الذين تدعمينهم يا خائنة، تقفون بجانب الذين يقتلون شبابنا يا خونة!». تعود ريما إلى دمشق منكسرة بفقدان أخيها مهند، وتتعرض علاقتها العاطفية للفتور، فيشعر خالد الساعي حبيبها من المليحة بـ «تلك المسافة المزروعة بالشوك التي راحت تتنامى بينه وبين ريما منذ مقتل أخيها». ويرد على هبة، صديقتهما المشتركة، التي تقول له: «الثوار قتلوا أخاها، وأنت منهم في شكل أو آخر، لكن أقرباءها قتلوا أيضاً أقربائي ولم أكرهها»، وترد هبة : «الأمر أعمق من ذلك! إنه أخوها الوحيد يا خالد، ثم هي ما زالت في صفوف الثورة. ربما لو كانت امرأة غيرها لتركت نشاطها المعارض من وقتها». الانقسام والتشظي يخلق العصيان وسحره آثاراً سلبية في العائلات والصداقات، فلا تتعرض ريما فقط، لنبذ عائلتها في اللاذقية، بل كذلك لموقف مربك حين تزورها جارتها زوجة العميد، لتعزّيها بموت أخيها، فلتتعرض وتُعرّض أصدقاءها المعارضين لموقف قاسٍ حين يدخل العميد بهجت حسون بيتها، مع زوجته سميرة السليماني، ويُفاجأ بأنه دخل بيت «رجل يتضّح بأنه معارض، معارض بالتأكيد، وكل رفاقه من المناطق المتمردة»... يعتقد العميد وزوجته، بأن ريما متزوجة من صلاح عباس، الذي لا يعرف عنه أنه معارض علوي من حمص، سُجن لمدة إثني عشرعاماً في التسعينات. صلاح عباس ذاته، يعاني من ذلك الانقسام العائلي، ومن خلافه مع أخيه عادل عباس، حين يتعرض لموقف مشابه لذاك الذي تعرضت له ريما، وحين تُقتل أخته نوال عباس على أيدي مسلحين مجهولين. وعندما يرى صلاح صورة بشار الأسد في خيمة العزاء، يطلب من والده إزالة الصورة : «هو وأزلامه من قتل أختي وأنت تضع صورته في عزائها؟»، فيقول والده: «من قتل أختك هم معارضوه، الإرهابيون الذين تدافع عنهم». وحين يهدد صلاح والده : «إن لم ترفع هذه الصورة من خيمة العزاء لن أحضر عزاء أختي»، ليرد عليه أبوه : «أفضل أن يبقى هو على أن تبقى أنت». أما أبو الليث السني من بعلبة، وأبو جعفر العلوي من الزهرة، فعلاقتهما معتّقة، «تشبه تلك العلاقة القديمة كنبيذ معتّق بين أطياف السوريين»، وهي تستمر على رغم الاقتتال والتحريض الطائفي، إلى أن ينجح النظام بتحويل الثورة إلى حرب طائفية، كما يقول أبو الليث متحدثاً عن مقتل السائق وليد: «كيف سأقنع شبابنا ألا يأخذوا بالثأر؟! ...ثأر وراء ثأر، موت وراء موت، وسنجد أنفسنا في حرب شعواء لا نعرف نهايتها». ومنذ ذلك اليوم، حين يطالع أبو جعفر ثلاث جثث، بينها جثة الشاب جعفر، المعفّر بالتراب والدم، «تنقطع العلاقة، تلك التي عمرها سنوات طويلة، بين الرجلين، أبي جعفر وأبي الليث، تماماً كما انقطعت الدروب التي تصل بين حارتيهما. رواية «الذين مسهم السحر» هي رواية توثيقية تخييلية، توحي للقارئ بداية بأنها تتحدث عن شخصيات حقيقية، لكنّ هذا ليس بعيداً من هدف الرواية، فهي وإن لجأت إلى اختراع أسماء روائية محضة، تبدو شخصياتها موجودة في كل مكان في سوريا اليوم، في مثل هذا التنوع والتعدد والانقسام والانفصال والكراهية، وبعض الحب والأمل... انها شخصيات تحاول العيش والعمل، بانتظار العثور على «وطن مؤجل إلى زمن آخر للحب».

أضيفت في 17 مارس 2019 تاريخ القراءة 01 يناير 1970 الزوار : 14
في هذا الجزء الأول من أدوات إعداد القادة، يطالعنا الدكتور جاسم سلطان بتعريف للنهضة وبواعثها وأطوارها وعوامل قيامها ودلائلها. ويعرض لنا أهم المحطات التاريخية الحاسمة في التاريخ الإسلامي والعالمي، ومواصفات القائد وتفكيره ودوره واحتياجاته. وقد شرح بإسهاب أكبر التحديات التي تواجه النهضة الإسلامية وطرق مواجهتها، والعوامل التي أدت إلى تحلل وتفكك الأمة الإسلامية وطرق الخروج من نيرها. وتطرق أيضاً إلى عوالم مالك بن نبي الثلاثة بالشرح والتحليل والمقارنة والإسقاط على الحالة الراهنة والماضية. كما ذكر أهمية دراسة التاريخ وعلم الاجتماع لكل ساعٍ نحو النهضة انطلاقاً من الدروس الذي يقدمها التاريخ والعبر التي يمكن استقاؤها منه لتفادي أزمات وخروج من ربقة أزمات أخرى، وانتهاء بدروس علم الاجتماع التي تؤكد أنه ما دام أن أحلام الماضي قد باتت حقائق اليوم، فإن احلام اليوم لا بد أن تصبح حقائق الغد إذا ما تم تطبيق القواعد والعمل بالأحكام الموجبة لتحققها. وذكر أيضاً أنواع التاريخ وكيفية دراسته واستخدامه لخدمة النهضة، ومستلزمات التغيير ومطالب التطوير وتحدياته. وانتهى بشرحٍ حول أسباب اليأس في أمتنا وضرورة وكيفية الخروج من قيوده. كان الكتاب جيداً بشكل عام ومليئاً بعوامل بث الأمل وبعث الهمم. كما كان الأسلوب فصيحاً ومعيناً تماماً على الفهم والحفظ والتذكر، نظراً لاستخدام الرسوم البيانية والتوضيحات والملخصات والاستنتاجات والأسئلة والتقسيمات في كل فصل من الكتاب. أعجبني هذا الجزء، ولكنني اكتفيت بثلاث نجمات تقييماً، وسأنتقل لتاليه بإذن الله.

أضيفت في 15 مارس 2019 تاريخ القراءة 01 مارس 2019 الزوار : 28