عبـــــــدالله خلــــــــيفة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي
جاري التحميل...

thumb
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: لعبة الرمل ـ قصة قصيرة اقتربت الاقدام وارتعشت قرب الباب، فيما تراقصت اضواء قنديل قلق. تسللت خطوطه العرجاء من الاسفل. وتنحنح الحارس. عليه اللعنة، ماذا يريد؟ ان نوبته كالحة كوجهه المغبر. فتح الباب واضاء القنديل الزنزانة. وبجفاف تكلم: ــــ انهض! قلما ينطق. هو تمثال من برونز. كيف يمكن ان تحصل منه على سيجارة، حديث ما؟ ــــ ماذا حدث؟ ماذا تريد؟ ــــ قم البس ملابسك. الوالي يريدك. ــــ في هذه الساعة! تذكر المرة الماضية. فوجئ بأيدي الحراس تهوي على وجهه وتشد لحيته والرفسات تدخل أمعاءه. بطحوه على الأرض وتعرى امام الجواري والمغنيات. اللهب كوى جلده واجتث شعره. تصاعدت ضحكات الوالي وصرخ: “اجتثوا شعر صدره أيضاً!”. تناول ثوبه. لو ان القيود تنكسر، لو ان الألم ينزاح، لو ان الأرض تقف تحت قدميه والجواري الضاحكات يختفين من دائرة اللهب، وتبدو أرض القرية قادمة كأن خيلا تعدو اليها، وينفتح الرمل عن بساتين. لو ان الألم ينطفئ والنار.. وتثاقل السير امام الحارس. صعد السلم وارتقى الى الارض. هنا ثمة نسمات منعشة تقبل الوجه بحنو، وأشجار الدفلى تشيع رائحة مخدرة في الجو. النجوم تنتشر في مساحة شاسعة. نقط مضيئة هائلة العدد تترامى في كل اتجاه. هل كانت السماء من قبل هكذا؟ وادخله الى المجلس. كان الوالي غارقاً في مقعده يحدث رجلا معمماً. تسربت البرودة اليه. ارتعش ووضع يديه بين فخذيه. على البساط، قرب قدمي الوالي جلست مغنيتان، احداهما احتضنت عودا في صدرها. ان وجهها الاسمر صارخ بالفتنة. تطالعه باشمئزاز ورثاء. انتبه الى الوالي الغائب مع سميره في حديث خافت، وكانت يد المغنية تداعب العود، بينما دف خجول يحجل في المكان. العازفة تطالع الارض بنظرة غريبة. ان نظرتها قرب قدمية وعلى السلسلة الملتوية كالافعى. نظرة ليست كنظرة امي، الجالسة بين الدخان، التي تحمل حزم البرسيم والخشب، وثوبها الاسود المنشور، اذكره، كيف لي ان انسى؟ المغسول بالعرق، ونظرتها حين جروني امامها، على التراب والحشائش، اذكرها، الوالي غائب مع صاحبه الشيخ وفجأة ضحكا، وكان بكاء الاوتار يوقد نارا، وضاع صوت المرأة وظلت النظرة جاثمة قرب الأفعى. والتفت اليه مبتسما: ـــ ها قد جئت اخيرا ايها الخارجي. اية لعبة يعدها لي؟ وتسلل ببصره الى الباب والنوافذ. لا يظهر أي اثر للحراس أو الانصال. وتمعن فيه الشيخ الذي أفرغ من زجاجة مليئة في كاسه، ووضع فيه قطعة ثلج. ــــ هل انت هنا ايها الرجل؟ شعر بالانزعاج للسؤال، القاه بحدة وكانه يسحبه من قيده اليه ويمسكه من لحيته. والتمعت عيناه ببريق عجيب وابتسم! ربما كانوا ورائي الان، والتفت، ولكن لا شيء. ــــ نعم، منذ عشر سنين. عشر سنين يا اولاد الافاعي وانا بين الصراصير والزواحف. وهذا الغناء اسمعه انا تحت الارض، واتذكر الوان القرية، عشر.. ابتسم بانشراح، ووضع الشيخ كأسه في استراحة غير مرئية عند فمه، طالعه بشيء من الاهتمام، عشر لا اقل مع الظلمة، وحين جاءت امي تحمل خضارا طردتموها، اذكر، اذكر جيداً، وعريتموني في هذه القاعة وكانت الخمرة ضباباً، وكان الشراب والرائحة واللهب، ونظرات الجواري والخصيان، اذكر ضحكاتهم واللهب يحرق شعري وجلدي, ليلة اخرى تتسللون فيها، وامي حين جاءت تحمل خبزا القيتموها خارجا.. ــــ مضت عشر سنين على ضيافتك حقا؟! ماذا تريدون ان تفعلوا بي؟ هيا تسلوا بسرعة. ــــ أنظر يا شيخ كيف تجري الايام! «شطف» الشيخ كأسه، وكانت عيناه الكبيرتان تحدقان بسرور. ــــ نعم، نعم كأنها أمس. عشر والايام عجلات من حديد تدهس الاصابع والرؤى، بين الجدران، في الظلام، للايام مذاق آخر، والقرية تغيب خلف الرمال، تغرق في الأصفر، وغاب الثوب الأسود واليد المعروقة الباكية، حلت النافذة الصغيرة العالية كأنها اسنان سمك القرش، وسار الوحش في اللجج. ــــ انتبه اليَّ أيها الخارجي وكفال سرحاناً. ــــ التفت اليه حقاً، قل حكمة أو دعني أرقد في الحر. انني ارتعش من هذا البرد المصطنع. ــــ سوف اطلق سراحك الآن حالا. هل تفهمني؟ حدق فيه جيدا، ليس جادا ابدا، لعبت الخمرة.. ــــ لا افهمك. ــــ ألا تفهم: الحرية! ستخرج في هذه اللحظة الى الصحراء وتمضي الى قريتك. لن يمنعك احد تجري وتجري حتى تصل قبل شروق الشمس. أصغي الى رنة الخمرة في صوته، يهذي ويطلق فقاقيع من الوهم، بالونات ملونة، والأوتار ترتعش والمرأة تدندن والدف يرقص والشيخ تتجه أصابعه الى شعر المرأة المحدقة في الأرض دوماً. انها عمياء كالكلمات والفقاقيع ورعشة الخمرة وأصابعه.. ــــ انك ترتعش. ماذا بك؟ حر؟ أسمعي يا أمي صوتي، أفتحي الباب، في الليل اخطو اليك، متقلدا ضربات الافاعي والاشواك… تتقبلني الصحراء اخيرا وتدفعني الى طرقاتك البعيدة. ــــ هل اصبت ببرد؟ ــــ كلا. ــــ انه الاحساس بالسعادة الغامرة. انني اقدر مشاعرك المتقدة في هذه اللحظة. ولكن قبل ان تتمادى في خيالاتك احب ان انبهك الى ان ثمة شرطين بسيطين لتحقيق الامر. وضحك الشيخ وتناول زجاجة لم تفتض بكارتها بعد. ــــ الشرط الاول ان تشرب هذه الزجاجة كلها الآن. أنه يعد لعبة مخيفة. ولكن انظر! زجاجة كاملة تجلس بكل عفافها وتنتظرك. وتطلعا اليك، ورمقتك المغنية ذات الوجه الفاتن وابتسمت. هل تكونين انت الشرط الآخر؟ توقفت العمياء وكأنها ترهف الى دقات قلبك أم هذه؟ امسك الزجاجة بقوة، ليكن ما يكون. فتحتها، وطالع مياهها المتألقة، وتنسم رائحة المزارع المشبعة بالندى، وتمايلت ضحكات الاصدقاء مع تراقص سعفات النخيل، وانفتحت دروب القرية للهمس والشعر والخطى، ودفق سائل اللؤلؤ فاحس ببرودته وعذوبته ومرارته. شعر بعروقه تنتفض ووجهه يشتعل وضع الزجاجة وقد تحولت الى جثة. جرت في مسارات جسمه مئات الاحصنة والثيران. واخذ يضحك ويضرب فخذيه بيديه ثم يشير الى وجهه. ابتسمت الجارية واراحت العود على البساط. وتكلم الوالي: ــــ والشرط الآخر هو أن تصل الى اية قرية قبل طلوع الشمس، واذا حدث ان عثرنا عليك في الصباح وانت هائم في البرية تقتل قتلا… تراقصت الكلمات واتسعت القاعة، والمتكلم يدور ، والصمت مرهف ، والمتكلم يقترب ويبتعد لكن الصحراء تتضح، حبة رمل تسقط، وتسقط حبة اخرى، رمل، رمل وانت تجري في الظلام وكل الطرق مفتوحة، تجري ولا جديد، رمل، رمل، يمتد ولا شرطي يسأل، وتجري وكل الطرق مفقأة العيون، وشعر بالتعب والغثيان وود لو يجلس ويعد قدمية للرمل، تجري وتأكل المسافات… ترنح على الأرض، سيتقيأ خارجاً. ــــ ماذا بك؟ ــــ انني لا اصدق. والتفت الى الشيخ. ــــ أرأيت كيف صرعه الحلم؟! ضحك الآخر ثم دفق كأساً آخر في جوفه. ــــ لا تغامر ايها الخارجي. اكتف بالزجاجة التي سيبقى اثرها أياماً. ــــ انني اقبل الرهان. ــــ هل فكرت قليلا بالصحراء وامتدادها؟ ان المسافر يقطعها في ثلاثة أيام مشياً على قدميه. انك لن ترى على مدى البصر في النهار اية نخلة، فما بالك في الليل والدروب مقطوعة؟ ولم يدر تماما، هل هو يسخر منه؟ لكنه سمع صوت امه يتجسم وينبض فوق الرمل، واختفت بقية عبارته. نهض وأحس بالقيود تأكل لحمه. ستتكسر الظلمة أمامه. اذكر الظلمات الطبقات المتكدسة، أذكر تنكة البول القاطنة عند رأسي، والنساء العاريات، والزجاجات والخطوط التي لا تنتهي والعلامات، اذكر جيدا. سمع الوالي يأمر باطلاق سراحه. الرجل يقترب ويفتح القيد ويحس بأن شيئا منه قد سقط. يقوده الحارس الى الباب، يلتفت الى المغنية الجميلة ويرى عينيها تلمعان ووجهها يتألق. كم حلم بتقبيلها! نظر الى المكان بكره. قبل ان يخرج قال الوالي: ــــ تذكر جيدا، اذا وجدناك وفي يدك قبضة رمل تقتل قتلا.. وجد نفسه خارج السور، في الصحراء، وحده، وليس ثمة شرطي. جثم على الرمل. تقيأ كل الفوران واطلق الخيول لتجري في البرية. رفع رأسه وشاهد النجوم مزهرة بالضياء، مشيرة الى كل الجهات. حقا وحده. العود يضحك ويبكي الآن على صدر المغنية، لن يرجع ثانية، سيجري، يحرق هذه الكثبان ويمضي شرقاً. تعالي ايتها الصحراء انتهى عهد الجنون. الشيخ يضحك ويدس اصابعه بين ثديي المغنية العمياء. كيف سيقودها الى الفراش وهي بهذا الاعياء؟ والوالي ينتظر الصباح ليضحك فوق جثتي. لن تراني مرة أخرى. تعال ايها الرمل، اطويك بعالمي، انفيك بنفسي. تعال بيننا قتال ضار، تعال… وتآلف الظلام معه. رأى طريقا متقطعا الى قرية قصية قصية. توهج الرمل امامه وشع بالحبور. تكلم وقال: خفف الوطء قليلا. انت تقتل نفسك بهذا الجري. أما ترى كيف امتد الى كل مكان، أما ترى عالمي الشاسع وانت كنملة عرجاء؟ رأى شيئاً جاثماً كخيمة كبيرة. سيأتي ويكبر حتى يحيله ثانية الى كومة تافهة. هل تذكرني ايها الجبل؟ هل تذكر الفتية المحاصرين بالخيول والسلاح؟ مرت سنوات كثيرة على لقائنا الاول. وها انذا لم انسك وكنت في قبوي اتذكرك دائما واحلم بالصعود الى قمتك. أكبر ايها الجبل، اكبر. الرمل الضئيل يزاداد ضآلة قربك، وأنت تنمو وتعلو حتى تملأ الرحب. ولكنني سأحيلك الى تل صغير بعد لحظات، ثم أزيلك تماماً. اضحك على وهمي ولكنك ستصدقني بعد حين. فجأة انبعثت صيحات ذئاب. رتجف وانصت الى نزاعها حول جثة ما. وقد يكون رجلا آخر سار من اجل مدينته. انها تأكل بضراوة وتتقاتل. سار بهدوء كلم الرمل ان لا يصدر صوتا. كلم الجبل ان يسمح له بالمرور. صعد وتوغل. هواء القمم له نقاوة السحاب. ارتفع واملأ رئتيك بعبير البساتين القادم من الفجر. امي تتقلب في فراشها، وتنتبه الى صوت القادم. تشعل المصباح وتنهض. ليس سوى الاغنام تثغو. الكون غرفة مظلمة فمن ينهض فيها ويشعل.. تلقي نظرة على الصغار الذين كبروا. تسمع الشمس وهي تخطو على مدرج الظلام. تعالي يا بساتين. وانحدر وانحدرت حصى. اختفت حمحمة الذئاب وامتدت البرية ظلاماً وألغاماً. بغتة رأى قدميه تغوصان في وحل عميق. الأرض تريدك الآن. تعال، تعال، أدخل فيها. امسك صخرة فكان ترابا، واشتد الضغط من أسفل واطبق عليه الاخدود وراح يزدردة. امسك صخرة اخرى فكان ضبابا. رمل ووحل ووقت ضائع. امسك صخرة ثالثة وتشبث. تعالي يا بساتين، اذكر الاقبية جيدا والجوع والرحلة الغائصة في الطين، اذكر الاصدقاء الغائبين وراء النخيل والصمت المطبق. اذكر، اذكر، هذه الصخرة تعانقني وترفعني.. اركض، اركض، ذئاب، والمسافة تكبر، والجبل سينطلق في الغد، والرصاص سيستقر في رأسك، اركض، النفس يتقطع، الظلام في كل الجهات. الرمل يظهر ولا اثر لنبات. هيا لا تتوقف آه، تعبت. أمش الآن قد تصل وقد لا تصل. رمل. رمل. اليوم رمل.. آه، سأنهار هنا. سقط. باردة هذه الحبيبات. ادخل يدك في جيوب الرمل فلن تجد شيئا. أليس ثمة قطرة ماء؟ قابل السماء. لم تزل القناديل متدلية، والارض فراش بارد يصلح للنوم الى الغد فحسب. تفتح بوابات القرية، وتأتي اليك الطرق، البيوت القديمة ترفع النقاب عن وجوهها، الدكاكين، المخبز الذي طالما وقفت عنده وشممت رائحة الخبز ودققت في وجوه الصبيات الضاحكات. تلمع عيونهن من الفرح والنار، وتمضي الحقول والينابيع وترى الصغار يجرون بين المزارع يصطادون الطيور والثمر. القرية تنهضك. لن تراني ثانية ايها الوالي. سأصل. وانطلق وجرى وجرى. يمتد الرمل مجددا، بحر لا شاطئ له، ويجري، معي أمي، واخوتي الكبار، التنور والحقول والمدارس والعصافير وضحكة الفتاة التعبة واحلام النجارين ولافتات الطريق وابتسامات العرائس، معي، الندى والطائر، وكانت النساء يشيعنني من نوافذهن، ووقف الفلاح العجوز في حقله المنعزل واهداني نظرة وكلمة، معي، الآن الرمل، يجرني الى اعماقه واغوص، معي، الآن التعب والألم، ووقف الاطفال في الطريق وتركوا لعبتهم وحدقوا حتى سرنا بعيداً وساروا، كبروا، الآن، في الرمل، وحين احضرت امي خبزاً طردوها خارجا، وحين جلبت زيتوناً وفاكهة ألقوها على الرمل، ودقت بوابة القلعة الكبيرة وصاحت: ادخلوني. ادخلوني. بقيت الى المساء، ورأيتها في الصباح. ادخلوني. ثم سارت باعياء كشجرة كسرتها عاصفة. وما انبت الرمل شيئا. ولما بكت على السور وقالت: ابوه.. ادخلوها. واحتضنتها. القرية هنا والارض وخبز المساكين.ابوك قد مات. وسارت في الليل وبقيت وحدي مع الفئران. انشقت رئته. وقف بمهل. بصق شيئاً حاراً لاذعاً. لم يطالعه وسار. وبدأت السماء تتلون بألوان جديدة، يبدو ان الفجر قريب. لا تقف الآن ولا تتمهل. اجرِ، اجرِ، اجرِ، اطحن الرمل وحوله الى زهر، ابوك قد مات في الارض، اخوتك صغار. سأعمل فيها. لا تبكي يا امي. هل سأكون هنا الى الابد؟ والصغار يكبرون.. لم يمت في الرمل؟ اجر لا تهدأ، الافق يتلون وعما قريب تظهر الخيول. يقف فوق رأسك. تموت موتاً. ليس في يدك قبضة رمل فحسب حتى في احشائك. انت لا تستحق سوى الموت ككلب. ماذا تنتظر؟ هل تتوقف في منتصف الطريق؟ وترنح من اعلى الهضبة. تدحرج مع الحصى والدم حتى وصل السفح وتعلق في شجيرة شوك. جاءت النهاية أخيرا. بين يدي الزرع الاصفر. بين الشوك والرمل جسر من الوحل. بصق دماً ثم حرر يديه من القيود وكسر الاغصان بصبر حتى خرج. اصعد المنخفض. هنا رائحة نتنة. سينتشر الفجر قريبا في الصحراء والرصاص. ولكن لا تتوقف. مضى، احس بأنه لن يستطيع بعد دقائق ان يسير. سينهار ويتلاشى. كل خلية تنبض بالتعب. كل خطوة سير على لهب. وتمتد الصحراء بلا توقف، وتطول، وتخرج جهات جديدة وآفاق تلد رملا. سيضحك الوالي فوق رأسي. النشوة تكون قد غادرته، وانتبه الى الحماقة التي ارتكبها. حمداً لله واثنى عليه. لم يصل الكافر الى القرى فيذوب فيها. حمداً لله الذي وضعه تحت قدمي ميتاً أو شبه ميت. عندما يأزف اجلهم تتعطل كل الساعات. يبدو شيئاً معتماً في طرف الافق. ويلمع ضوء! ولكن ليس في النفس بقية، ورياح الفجر بدأت تدندن. امض. هنا لحظة الاشتعال. أخرج كل المخزون واسحق الرمل سحقاً. اقتله قتلا. ها قد سقطت ولكن انهض. تعالي الي ايتها البساتين، بل لا تأتي، تخلقها، والجبل تخفضه، تعالي الي ايتها الدماء، والرمل يبلعني، ترنح في الحقل ومات وحملت هي الفؤوس والمناجل، لا تأتي اليك القرى والبساتين والمحاجر، وكبر الصغار وتعلموا ابجدية الكتابة في الارض وارسلوا اليك الشموع والفواكة، ويقترب الأفق ويتألق، صحراء، صحراء، واسربة الحدائق تنتشر في كل مكان، رمل، رمل، وخيوط الليل تذوب في ماء النور، ويبتلعك الرمل وتصغي الى همهمة التراب وخفقان قلب الصحراء. ستنهار هنا. الاقدام والخيول والضحكات ولا حول ولا قوة الا بالله والبنادق المصوبة وقبضة الرمل في الاحشاء.. الشمس تفتح النافذة وتطل. زحف على الارض! المغطاة بالسكاكين الحجرية. ليس سوى هذا الحقل طريقاً للحقل الصغير المنعزل. القرية للمتنزهين. وتدق خيولهم على رأسك. وجدناه وليس في يده حتى قبضة رمل. خطوات وتحضن الام والنساء والصغار وتستنشق عطور الحقول وتفتح بوابات الاصيل وجلسات الغناء وتتخطى الرمل. ابعدي يا صخور. ابعدي يا قبور. تنهض وتسير، من يعرفك الآن وانت انسان آخر، وانت تسقط على حافة الحقل وتغمس يدك في الماء وتلمس الورق المغسول بالندى؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ■ كتبت في معتقل سافرة ■كتابات: أبريل – 1979 مجموعة الرمل والياسمين (قصص)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982. ? (القصص: الفتاة والأمير ـــ علي بابا واللصوص ـــ شجرة الياسمين ـــ العوسج – الوجه ـــ الأرض والسماء ـــ المصباح ـــ نزهة ـــ الصورة ـــ اللقاء ـــ لعبة الرمل ـــ الأحجار ـــ العرائس ـــ الماء والدخان).

  • 0
  • 0