أدباء الأسرَّة النوستالجية .. ثورة أدبية أم احتضار معرفي!

  • أضيف بواسطة:
  • 21 ديسمبر 2019
  • الوقت المقدر لقراءة التدوينة:

يُشكّل الموت عنصر أساسي ومهم في العمل الأدبي والثقافي، لما فيه من ارتباط وثيق مع جوهر فكرة الوجود البشري، بل هو المعبر الأصيل عن التساؤلات الكبرى المطروحة إزاء مفاهيم كالوجود والعدم والمستقبل والتيه؛ وقلما نجد عملاً أدبياً يخلو من هذا البُعد أو يتحدث عنه بإيجاز.
في آخر 10 سنوات، ضجّ الأدب العربي بمعطيات ناتجة عن تأثيرات الواقع المحيط به، من خلال الحركات التي انتشرت في بلدان عدة، ورفض شعبي عام للحياة الروتينية للفكر والسلوكيات المحكومة بأليات تقليدية، فانتشرت ظواهر التعبير الفني ضمن تلك الحركات، الرسم والموسيقى والكتابة والسينما، وعلى نحو خاص فن الرواية على حساب فنون كتابية أخرى كالقصة والشعر والمسرح.
من الملاحظ بشدة أنه في السنوات العشر الأخيرة، بدأت حركة روائية هائلة في جميع بلدان العالم العربي، وباتفاقنا أو اختلافنا مع مضامينها، لكنها تشكل نواة أساسية لموضوع أثير وهو الحروب والموت المستمر، والشخوص المتأزمة، فنشاهد في الأدب السوري مثلاً النوستالجيا الروحية التي لا فائدة منها، والتنويع على ظاهرة الموت الذي يحمل آليات تراجيدية عاطفية، دون تنويع هستيري. وفي أدب العراق نلاحظ آلية الاغتراب الناتجة عن الصراعات وتخبط الشخوص النفسية والفكرية في أغلب الأعمال، ذات الأمر نشاهده في بعض أعمال المغرب العربي النقدي الذي يأخذ حيزاً من تمرد للشخوص الروائية ورفض الواقع، أو في الخليج ظاهرة ما يحاول البعض إطلاق صفة الأدب الوجودي والصراع الداخلي بأشكال تستمرئ المونولوجات الذاتية في الموت على أسرّة بيضاء نتيجة روتين مترف لطبيعة الحياة.
في كل ذلك نلاحظ مسألة مهمة أن الجميع ينطلق من فكرة لينتهوا إليها وهي الموت.
هنا يظهر سؤال مهم، لماذا اغلب الأعمال الكبرى في العالم والتي ما زالت تحتفظ برونقها المستمر وأهميتها الفكرية والأدبية لا تتعامل مع فكرة الموت من هذا الباب العاطفي، النوستالجي الوجودي!. إن أهم الأدبيات في التاريخ نلاحظ مسألة في تكوينها الذاتي والذي يعتمد على ناحيتين، الأولى هي البنية القائمة على الكوميديا السوداء التي تؤدي إلى أفعال ومواقف مضحكة وتنتهي بالموت الختامي دون استجرار عاطفي مطلق للعمل كما الأدب العربي الحالي، والثانية هي تركيب أدبي يقوم على ظهور آلية العنف المحمّل بكل مفاهيم البطولة والصراع مع العالم الخارجي بالنسبة للشخوص والبنية الروائية.
إذاً ما الذي يصنعه أدباء العشر سنوات الأخيرة وما الذي يحاولون قوله حقاً؟. إن استمرار الأدباء في هذا النسق التوثيقي النوستالجي ذو النسيج المهترئ كالذي يجري في الأدب السوري حالياً، أو إفراد منهج مميت للروتين المترف كالذي ينبع من أدب الخليج والذي في كثير من الأحيان إما يأتي كنصائح أيديولوجية جاهزة أو تسليم مطلق لفكرة عدم المقاومة والموت على السرير الأبيض، أو حتى أدب المغرب العربي ذو النزعة الراديكالية في رفض كل شيء، والذي شخصياً أفضله على باقي الأنواع الأدبية في مناطق أخرى. هذا الاستمرار الأدبي يراه القارئ وبعض النقاد على أنه ثورة أدبية جديدة في العالم، لكن هل حقاً هو كذلك؟.
إن آلية النسيج على نفس المنوال من تكرار وتنويع لخلق حالة أدبية تعيد ترميم العاطفة واستجرارها النوسالتجي لفكرة الوجود لا يولد أدباً حقيقياً، إنه أدب مرحلي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إنه صيغة في محاولة ظهور فكري فارغ من أي قيمة حقيقية.
الكتابة عن الحرب أو فلسفة الوجود ليست شرطاً أن تتم بالبعد التراجيدي ذو النسق الموحد، هناك الكثير من الأعمال الخالدة التي ناقشت وجود الإنسان وعدميته وناقشت موته وحروبه دون أن تأخذها لذلك الجانب المنكسر والمهلهل. لقد كتبت أقسى الصور البصرية والفكرية دون البحث عن ثغرات لزرع مشاعر عاطفية مستهلكة في النصوص والشخصيات.
الأدب العربي في هذه الآلية لا يخلق ثورة أدبية بقدر ما هو يكرر ذاته في البحث والسعي لوجود الأدباء وليس الأدب. البحث عن إظهار الذات الفاعلة دون الاهتمام بمضمون ثورية النص الفكرية والثقافية.
أدباء العشر سنوات الأخيرة يحفرون قبر الأدب العربي المعاصر إن لم يغيروا في طروحاتهم ويتخلون عن استجرارهم العاطفي للقراء، الأدب العربي يحتضر بشكل حقيقي.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 1
thumb
I have enough intelligence to destroy my own life without anyone's help.

جاري التحميل...