غناء

  • أضيف بواسطة:
  • 06 نوفمبر 2019
  • الوقت المقدر لقراءة التدوينة:

غناء

 

لماذا نغني ؟  "  نغني لنُلهي المسافة َ عَنَّا " يقترح محمود درويش .

الغناء في مواجهة أعباء المسافة : أعباء المكان . إذ يمكن للمسافة أن تكوْنَ ، ببساطة:

 الطريق إلى البيت / البلاد . وثمة ما يحوْلُ بينك وبين ألفة بيتك . عندها ،ربما تقول مع محمود درويش:

 " سأقطع هذا الطريق الطويلَ ، الطويل إلى آخري وإلى آخره "

ويمكن للمسافة أن تكون الكون ذاته ، الكون الذي لا يُحَدُّ .إذ إن أقرب مجرة إلينا ، أندروميدا، تقول الفيزياء

 تبعد عنا مئات السنوات الضوئية . ونجد أنفسنا ، وفق درويش ، إزاء خيارين ، إما أن :

" نقيس الفضاء بمنقار هدهدة ٍ، أو : نغني لنلهي المسافة َ عنَّا " . 

شعراء ، ومبدعون كثيرون أربكَ عقولَهم عبءُ المكان : ليت الفتى حجرُ : يقول تميمُ ابنُ مُقبل.

ويقترح الأخوان رحباني وفيروز شيئاً آخر :

 

أقول لجارتي : ألا جئت ِ نسهر ْ

فعنديَ تين ، ولوز ٌ ، وسُكَّر 

نُغنّي ، فأنت ِ وحيدة

وإن الغناء ْيخلي انتظارك ِ أقصرْ

 

الغناء ، هنا ، في مواجهة الوقت ،ضراوة الانتظار : عبء الزمان . وثمة فلاسفة ، ومبدعون أربكَ عقولَهم عبءُ الزمان: 

" علّلاني فإن بِيضَ الأماني فنيَتْ والزمانُ ليس بفاني " يقول المعري .

 والزمان الذي نتحدث عنه ، هنا ، ليس زمانَ نيوتن المطلق ، ولا زمان أينشتاين النسبي ! نحن نتحدث عن أعمارنا 

 " والعُمر جفلةْ فرَسْ والناس خيَّالي ! " كما يقول طلال حيدر، ناهيك عن قوله:

" الوقت ما عندو وقت ينطر حدا ! " . نتحدثُ ،إذن، عن زمان يكاد يكون زماناً نفسياً ، وذاتياً. فحين نكون مع من نحب

 تنقضي الساعات فلا نشعرُ بها، ذلك أن الأفراحَ مجنَّحة كما يقولون ! وسرعان ما تفرُّ لحظة البهجة ، اللحظة الحاضرة 

حيث يُمناكَ تطوق خصرَ الغزالة، وتصيرُ ماضياً ! .

وحدَهُ الغناءُ / الفنُّ يخففُ عنا عبء الزمان ، وعبء المكان : يخفف عبءَ الحياة .

 وحدَه الغناء يمدُّ ذراعيه مواسياً إذْ تباغتنا العواصفُ .الغناء ينعشنا ، يساعدنا في تحمل فجاجة اليومي وبرودة الحياة 

كأن الغناءَ مَلاذٌ ، إشراقة ٌحانية تنسربُ إلى الراعش العميق في ثنايا نفوسنا ، فنسمو ، ونقترب من الانسان كجوهر 

وننأى عن الانسان كَ عَرَض . الغناء يُدخلنا في مناخات التأمُّل ، في ذواتنا، والمصائر، ويجعلُنا نترفَّعُ عن الضغينة 

 والصغائر ، ويعزز في نفوسنا محبة البشر : كل البشر .

هذه الفضاءت الرحبة التي ينقلنا إليها الفن هي ما يُصطلَحُ على تسميته : الإمتاع : الفني والجمالي .

 لنتأمل ، الآن ، اقتراح شكسبير في مسرحية بيركليس حيث نسمعُ (كاور ) يقول :

ها قد جاءكم كاور

متسربلا ًبأردية الفناء

ليغني لكم أغنية ً

غنُّوها من قديم الزمان 

للترويح عن النفس

وحَثِّ الناس على المجد

غاية ُ الغناء / الفن ، في اقتراح شكسبير : الإمتاع ( الترويح عن النفس) لكننا نتلمَّسُ ، أيضاً ،ملمحاً جديداً: 

( حثُّ الناس على المجد ) كغاية من غايات الفن القصوى .

 وهي غاية جوهرية ،ونبيلة ، ومفعمة بالإنسانية . ومتناغمة مع النزوع الإنساني للقيم العليا 

ومع التوق المتأصل في طباعنا ،نحن البشر، نحو الحرية ورفضنا الفطري للظلم ، والحيف، واستعباد البشر . 


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

جاري التحميل...