في انتظار جودو.. كل شيء يدعونا للنقمة

  • أضيف بواسطة:
  • 31 مايو 2018
  • الوقت المقدر لقراءة التدوينة:


أحب "في انتظار غودو" لسبب لا أفهمه، أحب هذا اللا معنى، هذا الانتظار للا شيء، هذا الحوار الذي لا يعني شيئاً ولا يجعلك تضحك ولا تبكي وإنما فقط يشعرك بمأساة أن تحيا.. بأقل قدر من الكلمات وبأقصر حوار يمكن أن تقرأه في أي مسرح، شخصيتان على جانب طريق ريفي حيث لا شيء سوى صخرة وشجرة جرداء لم تعد تصلح سوى كمشنقة، في هذا المكان الخارج عن المكان والزمان، ولشخصيات ليس لديها ما تفعله أو تقوله.. يحدث كل شيء.

لن أقوم هنا بتحليل المسرحية أو الشخصيات ولا مراجعتها فبيكيت كان يعتبر محاولات التفسير "جنون الجامعيين"، وإنما حاولت جمع شيء من عالم صموئيل بيكيت سواء من المقدمات التي كتبت عن أعماله المترجمة للعربية أو من دراسة عن أدب صموئيل بيكيت: محطات في حياته ومسرحه، أقواله، تفسيره لجودو، وحوارات فلاديمير واستراجون التي لا أمل قراءتها.

***

اعترافات صموئيل بيكيت:

- راودني دائماً الإحساس أن في أعماقي كائناً قتيلاً. جرى اغتياله قبل ولادتي. كان يتحتم عليّ أن أعثر على هذا الكائن المغتال من جديد، وأن أحاول إعادة الحياة إليه..

- إنهم يؤمنون بإمكانية الخلاص، أما أنا فأشعر أن لا خلاص، الحل هو الموت.

- الكتابة قادتني إلى الصمت.

- رغم ذلك، يجب أن أتابع إنني أواجه شيراً صخرياً ويجب أن أتقدم، هذا مستحيل، أليس كذلك. رغم ذلك، يمكن للمرء أن يتقدم، أن يكسب عدة ميللميترات بائسة.

- تخيلت العالم الذي عليّ خلقه كي أستطيع التنفس.

- نحن نكتب كي نستطيع التنفس.

- في هذا العالم اللعين، كل شيء يدعونا للنقمة..

- أحب مخالفتهم.. أحب مخالفتهم للمنطق.. مخالفتهم الحارة للمنطق.. ذلك اللهب.. ذلك اللهب.. الذي يمحق هذا المنطق القذر.

- كنت في البداية سجين الآخرين، ولذا هجرتهم، ثم كنت سجين ذاتي، وهذا أسوأ، ولذا هجرت ذاتي.

- أنت على الأرض ولا علاج لذلك.

- أريد الكلام، وليس لدي ما أقوله.

***

محطات في حياته ومسرحه:

-بدأت شهرته بعد عرض مسرحيته "في انتظار غودو" سنة 1953 وكان في الرابعة والأربعين من عمره.

-رغم نيله جائزة نوبل في الأدب ظل بعيداً عن الأضواء والحياة الأدبية وكان يكره الحديث عن كتبه والإفصاح عن أفكاره.

-أكثر الكتاب غموضاً فيما يخص حياته الخاصة، وكتبه أيضاً، كتب مسرحيات بلا ممثلين، وفصول مسرحية بلا كلمات، وروايات بلا حبكة أو علامات ترقيم.

-حاول أحد النقاد استنطاقه فقال له أن يذهب ويقرأ أعماله ويصغي إلى شخوصه، ومرة ترك أحد الصحفيين في مقابلة معه، ساعة أو ساعتين دون أن ينبس بكلمة واحدة.

-صديقه الأقرب هو جيمس جويس وكانا يجلسان لساعات دون الحاجة للكلام.

-أبطاله آدميون مسنون عور وعرج وسكارى، محطمون نفسياً، يتسربلون بنتف من الخرق ويسكنون تحت شجرة جرداء أو في صفائح القمامة أو المصحات العقلية.

-جميع أعماله تدور حول عالم يكون فيه اليأس وهزيمة الإنسان مطلقين.

-الغموض، الصمت، الانتظار، القلق، الضغط النفسي والمعنوي هو ما يميز شخصياته.

-العالم من حولنا لا معقول، ولا توجد أسباب لما يحدث حولنا.

-إن سألته عن مسرحه العبثي يجيبك: الشيء الغير معقول هو وضع الإنسان في الكون، الذي نحن فيه كجزء من جزء صغير جداً من الذرات. والشيء العبثي، هو العلاقات غير المتوافقة. وبالتالي فإن الشيء غير المتناغم أو المتنافر وغير المنسجم هو: وضع الإنسان مع نفسه المليئة بالمتناقضات، والتي يصعب التخلص منها بدون المعرفة.

-مفهوم التراجيديا عند بيكيت ليس التكفير الرخيص عن مخالفة قانون محلي وضعه الخدم المأجورون من أجل الحمقى المجانين، وإنما التراجيديا تمثل الصورة التراجيدية للتكفير عن الخطيئة الأصلية والأبدية للانسان ولكل شركائه في الشر، خطيئة مولده على الأرض.

-تحدث بيكيت عن أهمية الخطوة للإنسان، عن خطواتنا على هذه الأرض. دائماً الذهاب والإياب... (حركة السجين في زنزانته أو الحيوان في قفصه) عن صوت الخطوات.

-الحوار عند بيكيت مجرد أداة للخلاص، أو للبقاء، كما أنه عبء لا يطاق، يجب التخلص منه بأسرع ما يمكن. لذا فإن إعطاء الكلام للشخص الآخر لم يعد دليلاً على التهذيب والاحترام، بل يغدو سمة للفظاظة.

-في مسرحياته يمكن التعبير عن الوضع الإنساني برمته بعدة كلمات: الانتظار، الضيق، الأمل، الحب، الموت..

-لاستيعاب أعمال بيكيت علينا الاقتراب منها وتذوقها وفهمها بنفس الأسلوب الذي نقترب به من الموسيقى العالمية الرفيعة و اللوحات التشكيلية وعلى الخصوص، السيريالية والتجريدية والتكعيبية.

-معظم أعمال بيكيت هي مزيج من روح الشعر، الحلم الغيبي، حلم اليقظة، الموسيقى والتشكيل.

***

عن تفسير مسرحية "في انتظار غودو" كتب بيكيت يقول:

"إنني لا أعرف عن هذه المسرحية أكثر مما يعرفه من يقرؤها بانتباه، لا أعرف بأية روح كتبتها، ولا أعرف عن الشخصيات أكثر مما تقوله، وتفعله، وما يحصل لها (...) لا أعرف من هو جودو، كما أنني لا أعرف، بشكل خاص، إن كان موجوداً، ولا أعرف إن كانا يؤمنان به أم لا، ذانك اللذان ينتظرانه (...) كل ما استطعت معرفته عرضته. ليس بالشيء الكثير، لكن ذلك يكفيني، وبوفرة. بل أقول إنني كنت أكتفي بما هو أقل من ذلك. وعندما نريد أن نجد لذلك كله معنى أكثر رحابة، وأكثر سمواً، معنى نحمله بعد العرض، معنى نحمله كما نحمل نشرة العرض/ والملابس الصوفية/، فأنا عاجز عن رؤية الفائدة من ذلك".

***

ومازلنا..

"في انتظار غودو"..

- فلاديمير: حاولت طويلاً أن أقاوم هذه الفكرة، قائلاً، كن عاقلاً يا فلاديمير، فأنت لم تجرب الأمور كلها وكنت أستأنف المرارةثانية مفكراً في المعركة. ها أنت من جديد

- استرجون: هل تعتقد؟

- فلاديمير: أنا مسرور برؤيتك. ظننتك رحلت إلى الأبد.

- استرجون: وأنا كذلك.


- فلاديمير: ماذا لو ندمنا؟

- استراجون: على ماذا؟

فلاديمير: أوه.. (يبحث عن الكلمة المناسبة) ليس علينا أن ندخل في التفاصيل.

- استرجون: أننا ولدنا؟

- كنت أحلم بأن..

- فلاديمير: لا تروه!

- استرجون: لمن تريدني أن أروي كوابيسي الخاصة إن لم أروها لك؟

- فلاديمير: فلتبق خاصة. تعرف جيداً أني لا أستطيع احتمال ذلك.

-استرجون: دعنا نذهب.

-فلاديمير: لا نستطيع.

-استرجون: لماذا؟

-فلاديمير: إننا في انتظار جودو.

-استرجون: أتساءل أحياناً ما إذا كان من الأفضل لنا أن نفترق؟

-فلاديمير: لن تذهب بعيداً- سيكون ذلك سيئاً. سيئاً جداً.

- فلاديمير: ماذا نفعل الآن؟

- استرجون: ننتظر

- فلاديمير: طيب، ولكن أثناء انتظارنا.

- استرجون: ماذا لو نشنق نفسينا حالاً؟

-استرجون: هل فقدنا حقوقنا؟

-فلاديمير: لقد تخلينا عنها.

-فلاديمير: لا حيلة لنا.

-استرجون: عبثاً المقاومة.

-فلاديمير: الإنسان هو الإنسان.

-استرجون: عبثاً المراوغة.

-فلاديمير: الجوهر لا يتغير

-استرجون: إذن وداعاً.

-بوزو: وداعاً.

-فلاديمير: وداعاً..

-استرجون: وداعاً..

(صمت.. لا يتحرك أحد)

-استرجون: ماذا نصنع الآن..

-فلاديمير: لست أدري.

-استرجون: هيا بنا نمضي..

-فلاديمير: لا نستطيع..

-استرجون: لماذا؟

-فلاديمير: إننا في انتظار جودو..

-استرجون: آه..

-استرجون: إنني تعس.

-فلاديمير: حقاً.. منذ متى؟

-استرجون: لقد نسيت.

-فلاديمير: غريبة هذه الخدع التي تأتي بها الذاكرة..

-فلاديمير: ما زال بإمكاننا أن ننفصل إذا كنت تعتقد أن هذا من الأفضل.

-استرجون: لقد فاتت الفرصة الآن.

-فلاديمير: نعم. لقد فاتت الفرصة الآن.

-استرجون: حسناً، هل نمضي؟

-فلاديمير: أجل، هيا بنا نمضي.

(لا يتحركان)

-استرجون: لا أستطيع أن أستمر على هذا النحو.

-فلاديمير: هذا ما تراه أنت.

-استرجون: ماذا لو افترقنا؟ قد يكون هذا من الأفضل لكلينا.

-فلاديمير: سوف نشنق أنفسنا غداً.. إلا لو جاء جودو..

-استرجون: وإذا جاء؟

-فلاديمير: سوف ينقذنا..

-فلاديمير: حسناً، هل نمضي؟

-استرجون: نعم، هيا بنا نمضي.

(لا يتحركان)



  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 0
thumb
الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


حيوانات مدهشة!

20 أبريل 2016

إليك يا حلب..

04 مايو 2016
المزيد »