إليك يا حلب..


إليك يا حلب الشهباء ما جمعت *** كف المحب ، وبعض العشق تخليد

رتلت حبك، فاخضرت به سور *** الحب خصب، وإملاق، وتسهيد

أرسى المراؤون، والعشاق في لجج *** عيش المحبين يا شهباء تنكيد

من بذرة العشق ينمو الفجر ممتشقاً *** زهر الصباح، وتجلو عيدها البيد

أين الغزاة، ومن في الظلم قد دلفوا؟ *** زالوا، وما زالت، والأيام تجديد

..

لفتت حلب، منذ قديم الزمان، نظر الفيلسوف الكبير أرسطو، فأعجب بها من دون سائر المدن التي اكتسحها الاسكندر فاستأذنه في البقاء فيها لأن به مرضاً لا يشفيه إلا هواء حلب.

كان يمكن لحلب التي اكتسحتها جيوش عديدة في عصور مختلفة أن يحل بها ما حل بغيرها فتصبح مدينة داثرة، وكان يمكن أن تتوقف الحياة في أحيائها السكنية التي تعرضت لموجات من الإخراب الكبير، لكنها بقيت قائمة تتحدى الدمار..


وبقاؤها يعود إلى أمرين: الأول هو أنها كانت مدينة مقدسة، فهي معقل الإله الحلبي الشهير حَدَد، ولم يكن ينظر إليه على أنه مجرد إله للخصب والأمطار والرعد والصاعقة والجبال فحسب، وإنما على أنه كبير الآلهة. وقد احتفظت حلب بهذه المكانة الدينية خلال وجودها الطويل، ويكفي أن نعلم أنه حتى ما بعد الإسلام بقيت حلب مركزاً دينياً كبيراً، وما تزال أغلب مساجدها وزواياها وتكاياها وتربها تضم قبوراً مقدسة تزار وتقصد من أجل غايات معتقدة كتسهيل الزواج والشفاء، وإجابة الدعاء. إن بقاءها واتساع العمران فيها وقوتها ومكانتها تبدو مرتبطة بهذه المكانة الدينية. وقد تحدث المؤرخ اليوناني اكزينوفون عن نهرها المقدس حاليس (قويق) وعن الأسماك المقدسة فيه، وعن الطيور المقدسة وكلها خاصة بالإلهة أتار كاتيس "عشتار الحلبية".


وخلال عصور متلاحقة لم يفرض الفاتحون آلهتهم على الحلببين بل كان هؤلاء هم الذين يتقربون للإلهة الحلبية، ورغم تبدل أسماء حدد مع اختلاف العهود- في العهد الميتاني دعي باسم تيشوف الحلبي. وفي العهد الحثي تيشوب الحلبي، وفي العهدين اليوناني والسلوقي زيوس الحلبي- فقد بقي حدد الحلبي الرمز الديني الأكبر للمدينة، وإلى تقديسه والعناية بمعابده يعود الدور الكبير في بقاء حلب ونهوضها المرة بعد الأخرى، وفي جريان الحياة في أحيائها.


في عام 540 م تعرضت أحياء المدينة إلى كارثة حقيقية مشؤومة حين دخلها كسرى الأول أنوشروان وهدمها تهديماً شنيعاً، والتجأ السكان إلى القلعة التي صمدت وامتنعت على الفاتح الفارسي.

الكارثة الكبرى التي حلت بأحيائها وأسواقها وتحصيناتها كانت عندما اقتحم الامبراطور البيزنطي نقفور فوكاس المدينة عام 962م وأقام فيها ثمانية أيام، وخرج منها سيف الدولة هارباً، ناقلاً مركز إمارته إلى ما بين النهرين، تاركاً حلب وباقي ممتلكاته السورية لمصيرها الفاجع. خرب نقفور أسوارها، ودمّر أحياءها، وأحرقها، وتركها ركاماً من الأنقاض، وقتل من الأسرى اثني عشر ألفاً، وأسر وسبى بضعة عشر ألف صبي وصبية، وتلقت المنطقة ضربة أخرى من نقفور عام 967م بعد موت سيف الدولة ، كانت القاضية بالنسبة للدولة الحمدانية.


هجوم الصليبيين الذي بلغ أوجه عام 1110 والنزاعات الداخلية والطائفية كل ذلك دفع الأهالي إلى اتخاذ اجراءات أمنية شعبية في نظام الدفاع وبناء الحارات المغلقة لحماية أنفسهم . ففي أقل من قرن حوصرت حلب اثنتين وعشرين مرة، واقتطع منها سهلها الزراعي، ورغم ذلك فقد استمرت الحياة تسري في أحيائها وأسواقها التجارية.

الفوضى السياسية واضطراب حبل الأمن من جهة، وتعرض المدينة للغزو والحصار باستمرار من جهة ثانية، أوجدا في المدينة نوعاً من التنظيم العسكري الشعبي مما يعرف اليوم بالميليشيات في الأحياء- الفتوى أو الأحداث- وهم جماعات حرب مقدسة، يخضع جميعهم لريس المدينة الذي يختار من وجهاء الأسر بحيث يفرض احترامه على الجميع بمن فيهم أمير المدينة. هذا الجيش الشعبي هو نظام دفاعي وأمنى ذاتي فرضته الظروف القاسية التي مرت بها المدينة والتي تقتضي حماية أحيائها وسكانها من الأخطار الداخلية والخارجية، لكن هذه الظاهرة السوية انحرفت فضمت هذه المجموعات فيما بعد طبقة من اللصوص والشطار والزعر والبلطجية.


ويذكر ابن شداد أن صلاح الدين الأيوبي عندما دخل حلب شرع في بناء الأسوار والأبرجة وعمر السوقين اللذين أنشأهما شرقي الجامع الكبير نقل إلى أحدهما الحريريين وإلى الآخر النحاسيين. تحولت حلب بالفعل إلى ورشة بناء كبرى جددت لها شبابها وأعادت إلى أحيائها دماء الحياة الدافئة، وإذا كان سلوقس هو بانيها الثاني فإن الزنكيين والأيوبيين هم بانوها للمرة الثالثة، وإذا كانت حلب قد عرفت بمدينة سيف الدولة بسبب إعجاب العربي بالشعر والمغامرة الحربية للبطل الفرد، فإن الحقيقة العلمية تقتضي أن نقول إن حلب هي مدنية الزنكيين والأيوبيين.


اقتحم المغول حلب عام 1260م- 658هـ بعد حصار دام عدة أيام وقد تمكنوا من اقتحامها من جهة قلعة الشريف وساحة بزة. زرعوا في أحيائها الدمار والحرائق، وامتلأت شوارعها بالجثث. سقطت حلب بعد أن استمات تورانشاه في الدفاع عنها. دخل المغول حلب مرتين، وفي الثانية يقول ابن شداد: "أخربوا القلعة حتى لم يبقوا بها أثراً". وعندما حرر المماليك حلب لم تكن غير خرائب مقفرة، تحولت حاراتها إلى أطلال.

منذ عام 1516 وبعد اندحار المماليك أمام العثمانيين أصبحت حلب ولاية تابعة للحكم المركزي في الآستانة ومنذ هذا التاريخ لم تعرف المدينة الغزو الخارجي وعاشت عصر استقرار طويل..


وكان النشاط التجاري في تنام مطرد بإقامة علاقات تجارية واسعة مع أوربا التي فتحت وكالات تجارية دائمة لها متخذة من الخانات مقراً لجالياتها: البنادقة استقروا في خان البنادقة، والانكليز استقروا في خان الجمرك، والفرنسيون في خان الحبال، والبلجيك في خان سوق النحاسين، لقد تحول الخان إلى حارة أوربية مغلقة تحوي التجار والمبشرين ورجال القنصلية وفاقت حلب جميع مدن الخلافة العثمانية بما فيها استانبول نفسها وذلك كسوق رئيسية للشرق كله، وعقدة طرق التجارة العالمية ما بين الخليج العربي والآستانة وشرق المتوسط، ومحطة كبرى للحج لمسلمي ما بين النهرين وكردستان.. وانفتاح المدينة على الأسواق الأوربية جعلها تتحول إلى معمل كبير لنصاعة الأقمشة ولوازمها والتي تشكل الصادرات الرئيسية لها.

كانت حلب من أوائل المدن في الإدارة العثمانية التي تمتعت بوسائل الحضارة الحديثة، فقد تم تنوير الشوارع في الأحياء، وتنظيم البرق والبريد والاهتمام بالنظافة العامة، وانشاء المستشفيات والمدارس وتنظيم الادارات والدوائر الرسمية.

..

من كتاب: 

أحياء حلب وأسواقها


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 2
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


في مديح العزلة

22 مارس 2020
المزيد »