سحر التاريخ: 30 حكاية من الزمن العربي


لا يعيد التاريخ نفسه، فالموتى لا ينهضون من القبور، والأشياء تفقد قدسيتها منذ اللمسة الأولى، والمؤرخ رجل أحمق، يختبئ خلف حركة الزمن، لذا يمتلك شجاعة خارقة في مواجهة الأباطرة الماضيين، ويرتعد خوفاً من والٍ صغير يعاصره.. كل أيام المؤرخين العظام كانت بالغة الاضطراب، كل واحد منهم سجل وقائعه واقفاً على حافة الخطر..

الطبري

من طبرستان يأتي "ابن جرير الطبري" ليغوص في مخطوطات "دار الحكمة" بحثاً عن قصة الخليقة، وعندما يجلس في سوق الوراقين في بغداد كان يشاهد القبة الخضراء التي تظلل مجلس الخليفة، كانت الخلافة العباسية في بداية قرنها الرابع، ولكنها مفتتة كإناء زجاجي دب في السرطان.. واكتشف الطبري أنه يكتب عن نهايات، نهاية التاريخ، ونهاية العالم، وكان الحنابلة يحاصرونه ويقذفون بيته بالأحجار وهم يصرخون: اخرج لنا يا رافضي. كان قد اختلف مع فقيه الحنابلة- المذهب الذي كان سائداً في بغداد- فحول حياته إلى جحيم، حرض عليه العامة، وربط بين اسمه يشبهه لأحد زعماء الشيعة، واستعدى عليه الخليفة وصاحب الشرطة حتى اضطر الطبري أن يعتكف في بيته، يكتب أربعين صفحة كل يوم، ليؤلف كتاباً في الاعتذار عن أشياء لم يقلبها، ويشيد بأناس لم يتعرض لهم.

عندما بدأ الطبري يتأهب لكتابة تاريخه، قال لتلامذته قبل أن ينفضوا من حوله: أتنشطون لكتابة تاريخ العالم من آدم حتى وقتنا هذا؟ تساءل التلامذة: كم يكون قدره؟ قال الطبري: ثلاثون ألف ورقة، قالوا معترضين: إن هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه.. قال: إنا لله، ماتت الهمم، ولم يكن أمامه إلا أن يملي عليهم تاريخ العالم مختصراً غاية في الاختصار..

ابن الأثير

شاهد "ابن الأثير الجزري"، من خلال منصبه كمبعوث لصاحب الموصل، فلول المغول وهي تتجمع في سهول آسيا الباردة، وعايش بعض المعارك وسقوط المدن، قبل أن يكون الشاهد على المصيبة العظمى عندما انقض المغول على قلب بغداد، وبدلاً من أن يتدفق الدم الهمجي إلى عروق الحضارة الهرمة حاملاً قوة جديدة، أصابها بنوع من التسمم الدموي، وكتب ابن الأثير في آخر صفحاته مرثية لأروع عواصم الإسلام في كل العصور.

ابن تغري بردي

اختبأ "ابن تغري بردي" داخل قصور القاهرة، يراقب بني جلدته من المماليك، يرصد رحلة صعودهم المثيرة للاستغراب، من سوق النخاسين إلى دست العرش، ثم سقوطهم المأساوي في جب القلعة، ذلك السجن المخيف، يعيش دسائس القصور التي تحولت إلى فعل يومي، وعندما تفتحت عيناه على هذا العالم، كان أبوه - أحد كبار قادة المماليك - طرفاً في مؤامرة سياسية أطاحت بحياته، واكتشف ابن تغري أن بني جلدته لا يأكلون ارزاق العامة من المصريين فقط ولكن يأكلون بعضهم البعض، وأن أطماعهم أشد وطأة من الطاعون الذي يدق عليهم أبواب القصور، وأن الخطر الأكبر يأتي عندما ينحسر النيل ويكشف عن عظام الفلاحين الذين ماتوا بلا ثمن.

ابن إياس

واستيقظ "ابن إياس" مذعوراً على دوي مدافع بني عثمان، ودخل جنود الترك المدينة ليعلقوا المشانق على أقدم بواباتها، باب زويلة، ويشنقوا عليها آخر سلاطين المماليك "طومان باي" ثم يعملوا النهب والسلب في الأهالي كأنهم كفرة مارقون وليسوا مسلمين يشاركونهم نفس الدين، وامتدت السرقات حتى شملت قطع الفسيفساء التي تكسو جدران المساجد والقصور والأسبلة. حرمت القاهرة من كل متنفس للجمال، ورحل العثمانيون كل العمال المهرة إلى إسطنبول فانقطعت من مصر سبع عشرة صنعة ولم يعد منهم صانع واحد.

الجبرتي

كان الشيخ "عبد الرحمن الجبرتي" يسعى خائفاً في شوارع القاهرة، إذا هرب من الفرنسيين لاقاه الغزاة، وإن اختبأ من الإنكشارية، كشف الأرناؤوط عن مكانه، والباشا الكبير محمد علي في القلعة يلعب مع مؤرخه العاصي لعبة القط والفأر، يريد أن يطوعه حتى يقر ويعترف بأن تاجر الدخان السابق هو أعظم من حكم مصر، ولكن الجبرتي لم يقر بذلك قط، وانتهت حياته قبل أن ينهي تاريخه، وسقط القلم من بين أصابعه وهو يتلوى من السم الذي دسه له الباشا الكبير.

ابن بطوطة

عندما خرج ابن بطوطة في طريقه للحج من بلده طنجة بالمغرب، وعبر العالم الإسلامي المعروف في زمنه، لم يتوقف بعد موسم الحج، ولكن دفعه نهمه للمعرفة إلى مواصلة الرحيل، حتى وجد نفسه في إحدى جزر إندونيسيا- وسواء كانت الرواية صحيحة أم لا- فقد أحاطه سكان هذه الجزيرة بالتبجيل. كانوا قد دخلوا الإسلام حديثاً، واعتنقوه بنوع من العفوية والهوس الفطري، وحين أدركوا أن ابن بطوطة ليس مسلماً عادياً، وليس عربياً فقيهاً فقط، ولكنه أيضاً زار قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، ارتفع تبجيلهم له إلى مرتبة القداسة، ولم يكن هنا أفضل من العرض الذي عرضوه عليه، أن يقتلوه ويدفنوه، ثم يبنوا فوق ضريحه مزاراً يحج إليه كل أهل الجزر تبركاً به وتيمناً، وكانت دهشتهم كبيرة عندما رفض ابن بطوطة عرضهم المغري، فهو بشر سيموت على أي حال، ولكن إذا قتلوه فسيصبح رمزاً لا يموت أبداً، واضطر ابن بطوطة للهرب منهم تحت جنح الظلام، فقد كان يؤمن في قرارة نفسه، أن متشرداً حياً أفضل بكثير من ملك ميت.

..

بحسابات ابن جرير الطبري فإن الزمن العربي قد انتهى، ونحن نعيش الآن خارجه، فعمر الكون كله منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة ليس أكثر من ستة آلاف عام، مرت منها حين بدأ الطبري يكتب كتابه العظيم "تاريخ الأمم والملوك" حوالي خمسة آلاف ومائتين من الأعوام، أي أن كل ما كان باقياً هو حوالي 800عام، تشبه لحظة مغيب الشمس في يوم بشري طويل. وإذا كانت حسابات الطبري خاطئة في معناها العددي، فإنها صحيحة على المستوى الرمزي، فقد كان شاهداً على لحظة مغيب الزمن العربي، آخر الفتوح، وآخر العروش وآخر انتفاضات الحياة. أما ما بقي بعد ذلك فهي غيبوبة عربية كاملة، غيبوبة تتشابه فيها الأيام والليالي والرؤى والكوابيس المتتابعة.

 ...

كانت تلك مجرد مقدمة للكتاب.. لكي يبدأ السحر ابدأ بقراءة الكتاب:

لحظة تاريخ: ٣٠ حكاية من الزمن العربي.. محمد المنسي قنديل


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 3
  • 1
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...